Share

الفصل الخامس

last update publish date: 2026-03-14 16:33:54

لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل.

لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه.

وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت:

- إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها.

عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟

ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها:

- ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها.

ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر.

تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة:

- ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا يعني أنَّ أسوار قلبه لا تزال منيعة.

اتسعت ابتسامتها، واستيقظ في أعماقها أملٌ قديم كان قد غفا من اليأس؛ باتت ترى طريقها نحو قلبه ممهدا أكثر من أي وقتٍ مضى، وكأنَّ عرشه بجانبها في 'مملكة النار' لم يعد حُلما بعيد المنال، بل واقعا ينتظرُ أوانه.

اتجهت سارلا نحو سديم بملامح حاولت جاهدة إبقاءها متماسكة، غير أن نبرتها خانتها بحدة خفيفة لم تستطع مواراتها، فقالت بهدوء:

- يبدو أن جسدها لم يحتمل ضغط الغابة، لذا، علينا أن نتوقف هنا لتستريح قليلا، حتى يتسنى لجسدها الاعتياد على هذا الهواء.

لم يمنح سديم أي إجابة لسارلا، بل ظلَّت عيناهُ مسمرتين على وجهِ لينا، يتفرّسُ ذلك الشحوبِ الذي غزا ملامحها، ويرصدُ ارتعاشَ أنفاسها المتهدجة وهي تصارعُ لتستعيد تنظيمها، وبعد صمت نطق بصوت مبحوح:

- نعم، أنتِ محقة، لن نتحرك الآن.

جمدت ملامح سارلا، وضاقت عيناها بحدة، وتحرك فكُّها في تشنج طفيف قبل أن تُطبق شفتيها بقسوة، ثم رمت لينا بنظرة فاحصة مغلفة بامتعاضٍ لم تستطع كبته.

وفي تلك الأثناء، كانت لينا في عالم آخر، لا تعي من تلك النظرات الحارقة شيئا؛ كانت غارقة في محاولة مضنية لضبط أنفاسها، تسندُ كفها المرتجفة على الأرض الباردة لتستحثَّ جسدها على الوقوف، وتجمعُ ما تبقى في عروقها من رمقٍ لتعتدل.

لكن سديم انتبه لها فورا، قد ظن أنها ستقف، فانحنى نحوها، ووضع يده على كتفيها بثبات، وأعادها إلى جلستها قبل أن تستقيم تماما، وسألها بصوت خافت، وقد ظهر القلق في ملامحه:

- إلى أين يا لينا؟ ما زلتِ متعبة.

رفعت عينيها إليه، وردت بصوت مبحوح:

- أعلم يا سديم، لم أكن أحاول الوقوف، أردت فقط أن أغيّر جلستي.

استمر سديم في التحديق بلينا لثوان، وكأنه يحتاجُ وقتا ليستوعب أنها لا تزال بخير، بينما كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متسارعة كشفت عن اضطرابه الذي عجز عن مواراته.

ومن جهة أخرى سرى في جسد لينا دفءٌ مفاجئ؛ فقد قرأت في عينيه قلقا صريحا، ورأت كيف انكمشت ملامحه خوفا عليها، وكيف ظلَّ ملتصقا بها، متناسيا وجود أي شخص آخر.

ابتسمت، وهدأت روحها، لما أدركت أن خوفه عليها لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان حقيقة أعمق مما تصورت.

غمرها يقينٌ لم يساورها من قبل؛ أن هذا الرجل - وإن كان من الجن- هو أهل الثقة وملاذ الأمان، وأدركت لينا في تلك الظلمة الموحشة، أن النبل والشجاعة ليسا حكرا على جنس دون آخر، وأن جوهر الروح أسمى بكثير من الهيئة والشكل، ولم يعد سديم في عينيها مجرد صديق أو حارس وضعه الشيخ، بل بطلا يتجاوز حدود العالمين.

جذبت سارلا 'سديم' بعيدا إلى زاويةٍ أخرى بعد أن أعطت العصا المشتعلة لجارج، كانت أفكارها تضطرب كالأمواج في ليلة شتوية عاصفة؛ فالثقة التي بنتها عبر السنين بدأت تتآكل تحت وطأة الشكوك.

وقفت أمامه، وضيقّت عينيها بمكرٍ، وكأنها تحاول اختراق جدار صمته. سألته بنبرة تقطر تهكما:

- ألم تكن تستنقص من شأن البشر؟

صمتت للحظة، تراقب ردة فعله في ملامحه الجامدة، قبل أن تواصل وهي تستحضر كلماته القديمة:

- قلتها بالحرف الواحد، أنك ستأتي ببشريّ، وتأخذ من دمائه، ثم تلقي بجثته الهامدة للغابة؛ لتشفى غليلك من تلك الساحرة التي سحرتك.

كنتَ تمقتُ عرقهم، وتزدري ضعفهم، فما الذي تبدل الآن يا سديم؟!

ساد صمتٌ لهنيهة، لم يقطعه سوى حفيف الأشجار، ثم اقتربت منه سارلا خطوة أخرى، وانخفض صوتها ليصبح همسا متوجسا:

- يبدو أنك تعلقت بهذه البشرية، أو لعل في الأمرِ سرا تخفيه خلف صمتك هذا.

أخبرني بصدق، ما الذي يحلُّ بك؟ وما الذي يربطك حقا بتلك الفتاة؟

تحاشى سديم النظر إليها، وأشاح بوجهه نحو الأفق، غرق في صمت مرير، ثمة معركة ضارية تدور في عقله، فالوقت ينسل من بين أصابعه، وهذا هو اليوم الأخير؛ الأمل الوحيد يتأرجح الآن كخيط العنكبوت الواهن، بين ترك لينا وأرجاعها لعالمها، أو جرّها أعمق في أحشاء الغابة المظلمة.

أخيرا، كسر الصمت، وانفرجت الكلمات بصوت خافت:

- أعرفها، أعرفها جيدا يا سارلا، التقيتُ بها حين تسللتُ لعالم البشر، وأبحث عن متبرع يمنحني دمه طواعية، لأعود كما كنت قبل أن ينتهي الوقت المحدد، وابقى بهذا الجسد دائما.

تنهد بضيق، ثم تابع قائلا:

- رأيتها هناك، في جامعتها، تعرفت عليها وطلبت منها أن أكون صديقها، لمحاولة جرها بإرادتها لتساعدني.

حاولتُ في البداية استدراجها، نصبتُ لها شباك الغواية، لكنها كانت تراني صديقا أفكاره مجنونة فحسب، قد تركتها ومضيت، بحثا عن فريسة أخرى.

تجهّم وجه سارلا إثر اعتراف سديم؛ لقد أدركت الآن عمق المكانة التي تحتلها لينا في قلبه، فاستحال وجهها إلى قناع من السكون يشبه صمت الغابة، لكن أعماقها كانت تغلي بغيرة مشتعلة.

هي التي أحبته بصدق، وقدمت له قلبها مرتين؛ فكان نصيبها في الأولى مغلفا بالرفض، وفي الثانية الانتظار الذي لم ينته.

والآن، شعرت أن آمالها تتلاشى بوجود هذه المنافسة، وتمنت من أعماق قلبها لو تزهق روح لينا أثناء مراسم استعادة سديم لقوته، وقبل أن تفتح فمها لتنفث سموم غيرتها وتسأله عن مكانة لينا في قلبه، قاطعها سديم وكأنه يكمل رواية مأساته لنفسه:

- أتعلمين، لقد عدتُ إلى تلك الجامعة لأبحث عنها، وأسألها عن حالها بعد غيابي الطويل، ولكن القدر كان ينسج خيوطا أخرى.

وجدتُ في طريقي فتاة أخرى، كانت تقف هناك تراقب المارة بعينين يملأهما الحقد، وتتمنى بصوت عال موت صديقتها.

تنهد سديم بعمق، ثم أكمل قائلا:

- مددتُ لها يد المساعدة لأرسم طريق هلاك صديقتها. استغللتُ حقدها الخفي، وحكنا معا تمثيلية اللبس الجني، بتواطؤ مع الشيخ الذي مهد لها الطريق وأزال من قلبها الريبة،

لتدخل الضحية الفخ وهي تظن أنها في مأمن.

ولم أكن أعلم أن الضحية هي لينا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل التاسع

    كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن

    ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع

    لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس

    والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الخامس

    لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع

    كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status