مشاركة

الفصل الخامس

last update تاريخ النشر: 2026-03-14 16:33:54

تسمّر سديم في مكانه حين اخترق مسمعه صوت ارتطام مكتوم، وتدفق الدم الحار في عروقه بقوة آلمت صدغيه، عندما لم يجد لينا خلفه، فصاح بنبرة شرخت صمت الغابة:

- لينا!

تحسس الفراغ خلفه بجنون، فلم يجد سوى العدم، لم يسمع حفيف ثيابها ولا أنين أنفاسها، انتفض جسده برعشة هستيرية، وبدأ يتخبط في العتمة، ويمد يديه كغريق يبحث عن حبل نجاة:

- لينا! أين أنتِ؟ أجيبيني! توقفي عن العبث.. هذا ليس وقتا للمزاح!

كانت الغابة تبتلع صرخاته ببرود، وجسد لينا الملقى قد صار جزءا من سواد التربة، بعيدا عن متناول يديه.

في تلك الأثناء، وقف جارج وسارلا يشاهدان انهيار سديم، قدح مشهد بحثه المستميت شرارة في ذاكرة سارلا، فارتجفت يداها وهي تضرب كفا بكف وتمتمت بصوت مخنوق:

- يا لغفلتي! كيف فاتني هذا؟ البشر لا يملكون عيونا تبصر في هذا السواد، وحتى سديم.. بجسده البشري هذا، صار ضريرا مثلهم.

استلت من جيبها غصنا خشبيا قصيرا، ورفعته أمام وجهها بتركيز عالٍ، وبدأت تتمتم بكلمات غامضة، حروفها متشابكة كطلاسم قديمة.

وفجأة، انشق رداء الليل عن وهج ساطع؛ اشتعل رأس الغصن بلهب ذهبي مقدس، وأضاء الطريق أمامهم.

أبصر سديم لينا ملقاة وسط الدرب، فسرت قشعريرة باردة في أوصاله جمدت دمه للحظة، قبل أن يركض نحوها كالمجنون.

جثا على ركبتيه واحتضن وجهها الشاحب بين كفيه، يمسد شعرها بحنوّ يائس لم يألفه رفاقه فيه، وهمس وعيناه تترقرقان بدموع محبوسة:

- أرجوكِ، يارب، لا تدع مكروها يمسّها.

تحت دفء لمساته، بدأت أجفان لينا تتحرك، فتحت عينيها ببطء لتستقبل ضوء الشعلة، وهمست بتعب:

- سديم.. جسدي صار ثقيلا، لا أقوى على خطوة أخرى.

   قاطعها بنبرة يمتزج فيها الخوف بالحنان:

- لا عليكِ يا لينا، سنرتاح هنا.. وأعدكِ، سنخرج من هنا معا.

راقبت سارلا المشهد بصمت، لكن صدرها ضاق بلفح غيرة مريرة.

لم ترَ وريث "مملكة النار"، المحارب الذي لا يقهر، واهنا وضائعا بهذا الشكل من قبل.

تقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت:

سديم لا يعامل هذه البشرية كـ "أداة" أو وسيلة لمهمة إنقاذ كما ادعى، عندما التقى بهم وأخبرهم بأنه وجد إنسية ستتبرع له، وأمرهم بأن يجهزوا أنفسهم لكي يلتقوا هناك، ولكن شكا بأن هناك خيط خفي يربطه بها.

لكن حاولت سارلا أن ترمم كبريائها، فابتسمت لنفسها بخبث وهي تهمس لقلبها:

- ربما هو مجرد قناع.. لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم يأمر جارج بالصمت؟... نعم، إنه يمثل لا أكثر.

تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ جبلا قد انزاح عن كاهلها.

ما دام اهتمام سديم مجرد مناورة سياسية، فأسوار قلبه لا تزال منيعة أمام البشر، ثم اتجهت نحوه بملامح حاولت جعلها متماسكة، وقالت بهدوء يشوبه حدة طفيفة:

- يبدو أن جسدها الضعيف لم يحتمل ضغط الغابة. علينا التوقف هنا، حتى يعتاد جسدها الغابة.

لم يمنح سديم أي إجابة لسارلا، بل ظلَّت عيناهُ مسمرتين على وجهِ لينا، يتفرّسُ ذلك الشحوبِ الذي غزا ملامحها، ويرصدُ ارتعاشَ أنفاسها المتهدجة وهي تصارعُ لتستعيد تنظيمها، وبعد صمت نطق بصوت مبحوح:

  - نعم، أنتِ محقة، لن نتحرك الآن.

  جمدت ملامح سارلا، وضاقت عيناها بحدة، وتحرك فكُّها في تشنج طفيف قبل أن تُطبق شفتيها بقسوة، ثم رمت لينا بنظرة فاحصة مغلفة بامتعاضٍ لم تستطع كبته.

  وفي تلك الأثناء، كانت لينا في عالم آخر، لا تعي من تلك النظرات الحارقة شيئا؛ كانت غارقة في محاولة مضنية لضبط أنفاسها، تسندُ كفها المرتجفة على الأرض الباردة لتستحثَّ جسدها على الوقوف، وتجمعُ ما تبقى في عروقها من رمقٍ لتعتدل.

  لكن سديم انتبه لها فورا، قد ظن أنها ستقف، فانحنى نحوها، ووضع يده على كتفيها بثبات، وأعادها إلى جلستها قبل أن تستقيم تماما، وسألها بصوت خافت، وقد ظهر القلق في ملامحه:

  - إلى أين يا لينا؟ ما زلتِ متعبة.

  رفعت عينيها إليه، وردت بصوت مبحوح:

  - أعلم يا سديم، لم أكن أحاول الوقوف، أردت فقط أن أغيّر جلستي.

  استمر سديم في التحديق بلينا لثوان، وكأنه يحتاجُ وقتا ليستوعب أنها لا تزال بخير، بينما كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متسارعة كشفت عن اضطرابه الذي عجز عن مواراته.

  ومن جهة أخرى سرى في جسد لينا دفءٌ مفاجئ؛ فقد قرأت في عينيه قلقا صريحا، ورأت كيف انكمشت ملامحه خوفا عليها، وكيف ظلَّ ملتصقا بها، متناسيا وجود أي شخص آخر.

ابتسمت، وهدأت روحها، لما أدركت أن خوفه عليها لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان حقيقة أعمق مما تصورت.

  غمرها يقينٌ لم يساورها من قبل؛ أن هذا الرجل - وإن كان من الجن- هو أهل الثقة وملاذ الأمان، وأدركت أن النبل والشجاعة ليسا حكرا على جنس دون آخر، وأن جوهر الروح أسمى بكثير من الهيئة والشكل، ولم يعد سديم في عينيها مجرد صديق أو حارس وضعه الشيخ، بل بطلا يتجاوز حدود العالمين.

جذبت سارلا 'سديم' بعيدا إلى زاويةٍ أخرى بعد أن أعطت العصا المشتعلة لجارج، كانت أفكارها تضطرب كالأمواج في ليلة شتوية عاصفة؛ فالثقة التي بنتها عبر السنين بدأت تتآكل تحت وطأة الشكوك.

وقفت أمامه، وضيقّت عينيها بمكرٍ، وكأنها تحاول اختراق جدار صمته، ثم سألته بنبرة تقطر تهكما:

  - ألم تكن تستنقص من شأن البشر؟ ماذا حل بك؟ هل ما تفعله خدعة أم ماذا؟

  صمتت للحظة، تراقب ردة فعله في ملامحه الجامدة، قبل أن تواصل وهي تستحضر كلماته القديمة:

  - قلتها بالحرف الواحد، أنك ستأتي ببشريّ، وتأخذ من دمائه، ثم تلقي بجثته الهامدة للغابة؛ لتشفى غليلك من تلك الساحرة التي سحرتك.

  كنتَ تمقتُ عرقهم، وتزدري ضعفهم، فما الذي تبدل الآن يا سديم؟!

  ساد صمتٌ لهنيهة، لم يقطعه سوى حفيف الأشجار، ثم اقتربت منه سارلا خطوة أخرى، وانخفض صوتها ليصبح همسا متوجسا:

  - يبدو أنك تعلقت بهذه البشرية، أو لعل في الأمرِ سرا تخفيه خلف صمتك هذا.

  أخبرني بصدق، وما الذي يربطك حقا بتلك الفتاة؟

  تحاشى سديم النظر إليها، وأشاح بوجهه نحو الأفق، غرق في صمت مرير، ثمة معركة ضارية تدور في عقله، فالوقت ينسل من بين أصابعه، وهذا هو اليوم الأخير؛ الأمل الوحيد يتأرجح الآن كخيط العنكبوت الواهن، بين ترك لينا وأرجاعها لعالمها، أو جرّها أعمق في أحشاء الغابة المظلمة.

  أخيرا، كسر الصمت، وانفرجت الكلمات بصوت خافت:

  - أعرفها، أعرفها جيدا يا سارلا، التقيتُ بها حين ذهبت لعالم البشر لأول مرة، للبحث عن متبرع يمنحني دمه وروحه طواعية لكسر اللعنة، وأعود كما كنت قبل أن ينتهي الوقت، وأبقى بهذا الجسد دائما.

  تنهد بضيق، ثم تابع قائلا:

  - رأيتها هناك، في جامعتها، تعرفت عليها وطلبت منها أن أكون صديقها، لمحاولة جرها بإرادتها لتساعدني.

  حاولتُ في البداية استدراجها، نصبتُ لها شباك الغواية، لكنها كانت تراني صديقا أفكاره مجنونة فحسب، قد تركتها ومضيت، بحثا عن فريسة أخرى.

  تجهّم وجه سارلا إثر اعتراف سديم؛ لقد أدركت الآن عمق المكانة التي تحتلها لينا في قلبه، كانت  أعماقها تغلي بغيرة مشتعلة.

  هي التي أحبته بصدق، وقدمت له قلبها مرتين؛ فكان نصيبها في الأولى مغلفا بالرفض، وفي الثانية الانتظار الذي لم ينته.

  والآن، شعرت أن آمالها تتلاشى بوجود هذه المنافسة، لأنه واضح على سديم أنه لن يضحي بها، وتمنت من أعماق قلبها لو تزهق روح لينا أثناء مراسم استعادة سديم لقوته، وقبل أن تفتح فمها لتنفث سموم غيرتها وتسأله عن مكانة لينا في قلبه، قاطعها سديم وكأنه يكمل رواية مأساته لنفسه:

  - أتعلمين، لقد عدتُ إلى تلك الجامعة لأبحث عنها، وأسألها عن حالها بعد غيابي الطويل، ولكن القدر كان ينسج خيوطا أخرى.

  وجدتُ في طريقي فتاة أخرى، كانت تقف هناك تراقب المارة بعينين يملأهما الحقد، وتتمنى بصوت عال أن ترد الصاع لصديقتها.

  - مددتُ لها يد المساعدة، وحكنا معا تمثيلية اللبس الجني، بتواطؤ مع الشيخ الذي مهد لها الطريق وأزال من قلبها الريبة، لتدخل الضحية الفخ وهي تظن أنها في مأمن، ولم أكن أعلم أن الضحية هي لينا.

  كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفع لينا تسأل نفسها:

  - ماذا يحدث لهما يا ترى؟!

  وما قطعَ رحلة وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.

  اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.

  ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:

  - أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الواحد والثلاثون

    كان جارج يفرك يديه بتوتر وعيناه معلقتان بالمقبض، بينما ثبّت بلانو نظراته الحادة نحو العتبة، وكأن أنفاسهما كانت محبوسة طوال الساعات الماضية ...بانتظار أن تعود إيزميرا.لكن حين فتح بنسروك الباب ودخل إلى البيت، التقت عيناه على الفور بعيني بلانو وجارج الجالسين معا على الأريكة في صالة الجلوس.اضطربت دقات قلب بلانو بقوة، واتسعت عيناه حين وقع بصره على بنسروك، وقبل أن يستوعب المفاجأة، تغلبت لهفته عليه فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكاد يندفع واقفا ليحييه بحرارةفي لحظات، تحول كل ما شعر به بلانو إلى انزعاج مرير وغضب مكبوت، إذ تداعت إلى ذهنه تفاصيل تلك الأحداث التي وقعت قبل خمس سنوات؛ حادثة لم ينسها قط ولم تغب عن باله يوما.انتفخت أوداجه، وحدق طويلا في بنسروك وإيزميرا،لكن ومضة عابرة من الماضي خطرت في ذهنه؛ لحظة أمسك فيها بنسروك بيده وانتشله من الوحل.فهدأت روحه قليلا، وتقديرا لسنوات العلم والصبر التي منحها إياه بنسروك، لم يشأ أن تضيع تلك الأيام سدى لمجرد خلاف فرقهما.نهض ببطء، وتقدم بضع خطوات ليحيي معلمه، ثم عاد إلى مكانه، وبكل برود أشاح بوجهه إلى الجهة المقابلة.لم تستطع إيزميرا أن تتقبل ذ

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثلاثون

    كانت الرياح الباردة تلطم وجه "بنسروك" المتجهم بقوة، ومع ذلك لم ينطق بحرف واحد طوال الطريق.وعلى الرغم من الصهيل العالي الذي كان يصدره حصانه وحصان إيزميرا، إلا أن عقله المستغرق في التفكير لم يلتقط أيا من تلك الأصوات؛ فقد كان غارقا في البحث عن حلٍّ لهذه المعضلة المفاجئة التي دخلت حياته.إذ كان يرى أن موت سديم يعني حتمًا نهاية البشرية في أرض الجن على يد ملوك الظلال، ولا سيما السحرة منهم.فضلا عن ذلك، استبدّ باهتمامه أمر الختم الذي ظهر في الآونة الأخيرة. وفي قمة غضبه وانزعاجه، وجد نفسه يطرح على عقله هذه الأسئلة المحيرة:- هذه هي الحالة الثالثة حتى الآن.. فما العمل؟! ومن ذا الذي يختمهم؟ لم أجد إجابة بعد.لكني أظن أن ماسو يعلم جيدا من يكون.. بما أنه استطاع الهرب، سأسرع لإنقاذ الفتاة، لعلها رأت من ختمها وتذكره جيدا.أمام هذا الصمت المطبق، لم تجد إيزميرا هي الأخرى ملاذا إلا أن تتحدث إلى نفسها، عاجزة عن مشاركة معلمها أفكاره كما كانت تفعل سابقا؛ فهي تدرك، بيقين أن معلمها إذا لزم الصمت حيال أمر أزعجه أو أشعل غضبه، فإنما يدفن في أعماقه بركانا قد ينفجر في أي لحظة.ولأجل ذلك، آثرت السلامة، واختار

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل التاسع والعشرون

    بخطوات بطيئة هادئة الإيقاع، تقدم جيفري إلى الداخل، فلفح وجهه على الفور ذلك الجو المشحون بالضيق والانزعاج الذي كان يسيطر على أرجاء المكان. مسحت عيناه البنيتان وجوه الموجودين في نظرة سريعة حائرة، فتوقف في مكانه لبرهة مستجمعا تفاصيل المشهد، ثم تابع سيره الهادئ حتى وقف أمام ماكي مباشرة رافعا حاجبه مستفسرا عما يدور. تنحنح ماكي لكسر الجمود المحيط بهم، ثم بادره بالقول:- لقد اكتشفنا أن بنجامين، مساعد إيزميرا، خائن يعمل لصالح ماسو.شخصت عينا جيفري بذهول صامت، وعبر ذهنه سؤال حيره:- كيف تُخدع إيزميرا بهذه البساطة؟ووجّه نظراته نحوها، ثم سألها بنبرة خافتة:- أيعقل غفلتِ عن حيلته يا إيزميرا؟زمت إيزميرا شفتيها بضيق، وآثرت الصمت، كبرياؤها يرفض منح جيفري إجابة يشفي بها غليل نظراته المتفحصة؛ فهو ليس أي ساحر، بل منافسها الذي طالما أثار غيرتها، وتقسم ألا تظهر ضعفها أمامه مهما كلفها الأمر.ولمّا لم تعد تقوى على تحمّل ذلك الضغط الصامت، انسحبت من بينهم لتجلس وحيدة في زاوية الغرفة، مشيحة بنظرها وتائهة في الفراغ، بملامح متصلبة خلت تماما من أي تعبير.تابعها جيفري بطرف عينه، عاقدا حاجبيه باستغراب صامت من

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن والعشرون

    التوى طرف فم بنسروك في سخرية، وقطّب حاجبا واحدا وقال بنبرة متهكمة:- نعم، يا ماسو.. كيف لا أعرفك.فرغت إيزميرا فاها واتسعت عيناها بذهول، وأخذت نظراتها تترنح بين بنسروك وماسو في محاولة يائسة لاستيعاب ما تشهده أمامها، تراجعت خطوة للوراء، وسألت بحيرة:- ما الذي يجري؟... كيف.. كيف يكون بنجامين هو ماسو؟قبل دقائق فقط، كان عقلها ينسج احتمالات شتى؛ ظنت أن بنجامين قد يكون فردا من جن الماء، الذين يصعب كشف تنكرهم البارع، أو ربما ساحرا آخر متمكنا يخفي هويته لسبب ما.أما أن يكون الشخص الذي دخل بيتها، هو ألد أعدائها على الإطلاق؟ فهذا خاطر لم يمر ببالها قط، صدمة أفقدتها توازنها حتى كادت تسقط أرضا.انعقد حاجبا ماكي قليلا، ولم يكن مصدوما من اعتراف ماسو؛ فقد عرف حقيقته منذ اللحظة الأولى التي رآه فيها، وأدرك حينها أنه قد استولى على جسد شخص آخر. وتماما كما فعلت إيزميرا، آثر ماكي مسايرته واستدراجه حتى يأتوا به إلى بنسروك، فالتفت إلى إيزميرا، وأجابها بعد أن قرأ في ملامحها رغبة عارمة في فهم ما يجري:- لقد استبدل روحه، ونقلها إلى جسد بنجامين.لم يزدها شرح ماكي إلا حيرة وضياعا، فسألت بتلعثم وقد تداخلت الكلما

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع والعشرون

    وقف الملك جيلادو، وحدق طويلا إلى إيزميرا، قبل أن يعلن نهاية اللقاء قائلا:- حسنا إذا، يمكنك الذهاب الآن، وأتمنى أن تزورينا في فرصة أخرى يا إيزميرا.شكرت إيزميرا الملك على حسن ضيافته باقتضاب، ثم انطلقت فورا على ظهر "إيسو" الذي وفره لها أهل القصر، وهو دب أبيض ضخم ذو وجه مخيف وأسنان حادة جدا، يكتسي ظهره بسرج جلدي متين مُحكم الأحزمة، يعد وسيلة التنقل المثلى المهيأة لقطع المسافات الطويلة، واجتياز التضاريس الجليدية الوعرة في تلك البلاد.ظلت إيزميرا تتقدم بسرعة نحو بيت معلمها، وفي قلبها نار تضطرم لمعرفة الحقيقة: من هو بنجامين الحقيقي؟لم ترد الدخول في مواجهة مباشرة ما دام يرافقها ولا يفعل شيء، كان همها الوحيد أن توصله إلى معلمها مهما كلف الأمر، لتضع حدا لهذا الغموض الذي بدأ يهدد كل شيء.كان بنجامين يتبعها بهدوء، يراقب ظهرها، وابتسامة ماكرة تعلو ثغره، وفي أعماقه كان يحدث نفسه:- رائع.. هذا بالضبط ما أريده، أعرف أنك تشكين بي يا إيزميرا، وأعلم أن عينيك تلاحقانني كالصقر، وكنت سأقتلك...لكن صبرا، لقد غيرت هدفي وصار أنت ومعلمك.واصلا سيرهما عبر صحراء جليدية ممتدة لا نهاية لها، حيث يغيب الأفق في بي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس والعشرون

    لم يظفر بلانو بكلمة واحدة تشفي غليله من بنجامين. استمرت قبضته في الهبوط بقسوة على وجهه حتى بدأ دم بلون أسود قاتم يسيل من أنفه وفمه، مخلفا بقعا داكنة على الأرض.ومع ذلك، لم يبد على بنجامين أي انكسار، بل ظل يطلق ضحكات مكتومة ومتقطعة تخرج من بين شفتيه التي تسيل دما، ضحكة كانت تعبيرا عن جنون يفيض شرا، وكأنه يرى في هذا الألم نصرا لا يدركه خصمه.كان بنجامين في حالة ضعف واضحة؛ فقد باغته الهجوم في لحظة غفلة لم يحسب لها حسابا، لكن الأمر تجاوز مجرد المباغتة. حاول في ذروة غضبه أن يحرك ذراعيه لينقض على بلانو، أو يتمتم بتعويذة دفاعية تقلب الموازين، لكنه صُدم بحقيقة مرة؛ لقد خانته أطرافه تماما.شعر ببرودة غريبة تسري في عروقه شلت حركته، وكلما حاول استحضار قوة سحره، تلاشت الكلمات قبل أن تخرج، وكأن هناك يدا خفية تكمم روحه.أدرك بنجامين أن تعويذة الحماية التي تحيط بالمكان لم تكن مجرد درع فقط، بل كانت فخا نصبته إيزميرا ببراعة فائقة؛ سجن غير مرئي يسلب الحركة ويبطل مفعول أي سحر دخيل، كأنه طفيلي يتغذى على أنفاسه ويتركه عاجزا حتى عن رفع يديه.في قرارة نفسه، ورغم القيود، اعترف بنجامين بمرارة أن إيزميرا حقا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثالث

    مشى سديم بخطى واثقة تشق صمت الغابة المهيب، وخلفه كانت لينا تقتفي أثره، موزعة نظراتها بين الطريق المتعرج تحت قدميها، وظهر سديم الذي بدا في هذه العتمة كجزء من تضاريس المكان، في تلك اللحظات، بدأت ذاكرتها تستدعي صورا قديمة؛ كلماته الدافئة، تشجيعه المستمر، وطيبته التي لم تكن تفارق ملامحه. قفز إلى مخيلته

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع

    انفجر سديم وانقضّ محاولا الإمساك بجلجان، لكن الأخير كان كالشبح؛ قفز بعيدا بخفة، ثم صرخ من مسافة آمنة بعيد عن متناول يدي أخاه: - أنا آسف! جئتُ فقط لأخبرك أن أبي يبحث عنك... إلى اللقاء! زمجر سديم بنبرة مكتومة وهو يحدق في الفراغ الذي خلفه أخوه: - جلجان أيها التافه، سأريك حين نلتقي. ثم التفت إلى لين

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس

    قالت سارلا بنبرة حازمة لسديم: - اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لتتمكن أنت من الرؤية، وعليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا إليك. - حسنا. اندفعت سارلا نحو جارج وانتزعت العصا من يده، بينما تحولت تمتماتها إلى أزيزٍ سحري متصل، فاستشاط لهب العصا وتفجّر ض

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع

    وفجأة، انطفأ بريق عيني سديم وكأن سراجا قد هَمَد، وفي المقابل اشتعلت أجنحة الفراشات من جديد بضوء أصفر وهّاج، تنثر خلفها غباراونورانيارشقّ عتمة الغابة، مكونا ما يشبه العاصفة رملية مضيئة. لكن ذلك البريق الساحر لم يفلح في تهدئة روع لينا، ولا حتى روع سديم؛ فهو يدرك تماما أن اشتعال ضوء الفراشات بعد انطفأ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status