Masukظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.
كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة. بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي. في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء تتصدر ذاكرته من جديد كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما. لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها، ويحترم وجهات نظرها، حتى في تلك الأوقات التي كانت تعارضه فيها الرأي وتتمسك بموقفها أمامه. لقد انقلبت الموازين تماما، ووجد سديم نفسه يتجرع من الكأس ذاتها التي أعدها للينا بيده، حيث صار الآن يعيش تفاصيل تلك الحرب النفسية المنهكة. وفي تلك الزاوية المظلمة أمام البركة، اعترف لنفسه بصدق مرير أن لينا قد احتلت في قلبه مكانة لم يتوقع أبدا أن تصل إلى هذا الحد من العمق. كانت هي أول إنسية يلمس في روحها الرقة الحقيقية واللطف الصافي، وذلك منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيناه عليها في عالمها. تلاقت عيناه الخضراء بعينيها العسلية في نظرة طويلة، فتركت في نفسه أثرا لا يمحى، سحرته تلك العينان ببريقها الهادئ، مما جعله يرتاد الجامعة في أوقات كثيرة لمجرد رغبة ملحة في رؤيتها، أو طمعا في حديث قصير يجمعه بها. أخذ يسأل نفسه في مرارة عما إذا كان قادرا على التضحية بتلك الصداقة الرقيقة التي جمعته بلينا، فقط من أجل استعادة هيئته الضائعة التي طالما حلم بالعودة إليها، أم أن عليه ارتضاء البقاء حبيس هذا الجسد البشري الغريب إلى الأبد، ليحافظ على روابط إنسانية لم يختبر مثل دفئها من قبل؟ كانت أنفاسه تخرج ببطء شديد، بينما ظلت عيناه معلقتين بعيني لينا. وفي تلك الأثناء، كانت سارلا وجارج يراقبان المشهد من موقعهما بصمت حذر، دون أن يصدر عنهما أي حراك يكسر هذا الصمت. بعيدا عن الأنظار، وخلف كثافة الأشجار الملتفة، كان هناك غراب أسود رابض في سكون تام، يراقب كل تفصيلة بدقة متناهية، لم تكن عينا هذا الطائر طبيعيتين بأي حال، إذ كانتا تلمعان بلون أحمر قانٍ، تخترقان الظلال العميقة بتركيز حاد، لم يكن هذا الكائن مجرد غراب عادي من سكان الغابة، بل كان في الحقيقة عين الساحرة إيزميرا التي تبصر بها ما خفي، وقد عثرت بمحض الصدفة على صيدها الثمين: سديم. في مكانها البعيد، كانت إيزميرا تقف تراقب المشهد كاملا عبر عيني الغراب، وهي الساحرة التي ذاع صيتها المزلزل في الأرجاء، وكانت قبائل الجن تحسب لها ألف حساب، إذ يعترف حتى أقوى مقاتليهم بصلابتها وقوة سحرها التي لا تعرف الرحمة. كانت تتابع بصمت حركات سديم المترددة، بينما تلاعبت أصابعها بخصلات شعرها الأسود، وارتسمت على وجهها ملامح الاستغراب. كانت الساحرة إيزميرا تمتلك جمالا يسحر الألباب؛ حيث تميزت بعينين واسعتين زرقاوين تماثلان صفاء السماء في روعتها، ولها فم واسع يمنح وجهها حيوية، وأنف عريض القاعدة يضفي على ملامحها رسوخا وجاذبية فريدة. كانت لا تتخلى عن فساتينها الزاهية المزينة بورود متنوعة الأشكال، بينما ينسدل شعرها الأسود اللامع بنعومة، وينتهي بمشبك صغير اتخذ هيئة فراشة رقيقة. جاءت إيزميرا إلى هذا المكان بعد أن اختطفها ساحر من أهلها في عالم البشر، وهي لا تزال صغيرة السن، وبعد أن قضى ذلك الساحر نحبه في حرب ضارية ضد جني من بني "سنيب"، تولى تبنيها صديق الساحر المقرب؛ فأخذ يلقنها خفايا السحر وأصوله العميقة، حتى غدت اليوم من أقوى السحرة وأكثرهم نفوذا. في هذه اللحظة، كانت إيزميرا تقف تراقب عبر كرتها البيضاء المشهد البعيد؛ حيث يظهر سديم واقفا مع لينا. بدت ملامح الاستغراب واضحة على وجهها من تصرفاته؛ فهذا الأمير الذي ترتعد له فرائص الممالك، يقف الآن مترددا أمام كائنات كان يحتقرها دائما ولا يقيم لها وزنا. توجه نحوها مساعدها بنجامين بحديثه، وهو يقف إلى جانبها وعلامات التعجب تملأ وجهه، متسائلا: - من هؤلاء البشر؟ ولماذا يؤدون طقوسا خاصة بالجن؟ أجابت إيزميرا وبصرها لا يزال معلقا بتفاصيل المشهد، فبالرغم من البعد كان كل شيء يبدو جليا وواضحا في كرتها السحرية، مدت إصبعها نحو الصورة وأوضحت: - هذا سديم... من مملكة النار. تملك الذهول من بنجامين، وارتفع نبرة صوته من أثر المفاجأة المدوية: - سديم؟ ساد صمت قصير وكأنه يزن وقع الكلمة، ثم أردف قائلا: - لقد قيل إنه اختفى منذ ثلاث سنين! - لا، لم يختفِ، بل أنا من سحرته على هيئة مساعدي الأول الذي قتله بدم بارد، وجعلت شرط كسر اللعنة أن يرحل إلى عالم البشر خصيصا، ليختلط بهم عن قرب ويرى تطورهم وطريقة تفكيرهم التي كان يهزأ بها في كل حين. ثلاث سنوات هي مدة التعويذة، السنة الأولى لازم عليه أن يبقى في عالم البشر ولا يعود لعالمه، السنة الثانية يعود لعالمه ولكن بشرط ألا يطول البقاء، الثالثة يبقى كما يريد في أي عالم أحب، ولكن ستكون السنة الأخيرة، وإن لم يجد إنسي يدخل طواعية لعالم الجن، لن يعود. - لكن أليس البركة تجعلهم يعودون كما كانوا بدم أي إنسي ولا شرط إن كان دخلو طواعية أم لا. - نعم، ولكن يجب أن يكون جسده غير مقيد بلعنة، إذ وجب عليه أولا فك اللعنة. علق بنجامين بنبرة تحمل التقدير: -حقا....يالك من قوية. ثم صوب نظره نحو الكرة السحرية بتركيز، وأراد أن يستفسر عما يدور بخلده، فقال باستغراب: - هل هذه الفتاة... لا بد أنها أحبته لدرجة تجعلها تضحي بحياتها من أجله؟ ضيقت إيزميرا عينيها، ثم قالت: - لا أعلم بشأن الفتاة، ربما كذلك، ولكن لسديم لا ينوي قتلها، بل سيجرح يدها فقط، ما يعني أن احتمال نجاتها، وارد جدا لو أُسعفت في وقت مبكر. لا بد أن بقاءه الطويل مع البشر علمه شيئا من اللين والاحترام. استمر بنجامين يحدق في الغابة الكثيفة، وتلك الشجرة التي تتحدى قوانين المنطق بتعجب؛ فقد كان لا يزال جديد في هذا العالم، تذكر كيف اختار بكامل إرادته أن يسلك درب السحر الوعر، مفضلا إياه على البقاء إنسيا عاديا يسهل اقتناصه من قبل الجن الذين يتخذون من البشر العاديين طرائد سهلة، ومن بين الجميع، كانت إيزميرا هي من مدت له يد العون وانتشلته من ضياعه لتتخذه مساعدا وفيا لها. حرك بنجامين رأسه ببطء نحو إيزميرا، وبدت نبرة صوته محملة بفضول وهو يوجه حديثه إليها: - ولكن... أريد أن أستفسر عن حقيقة هذا الكيان، ما هذه الشجرة؟ ومن أين جاءت؟ - لا أحد يعلم يقينا سر وجودها، لكن الشائعات التي تتردد في الخفاء تقول إنها تمثل قلب هذا العالم، ومنهم من يهمس بأنها محض قوى سحرية مظلمة غرستها شياطين قديمة كانت تطمع في استعباد البشر.... انظر الآن! ها هو سديم يرفع السكين ليجرح يد الفتاة. اليوم هو الفرصة الأخيرة لكسر تلك التعويذة، لكنني لا أستوعب فعله أبدا.. هل حقا تعني له تلك الإنسية كل هذا القدر؟ وهل سيضحي بجزء من قوته لكي لا تموت؟ أحقا هذا هو سديم الذي كانت ترتعد فرائص بعض الممالك من ذكر اسمه؟ تمتم بنجامين وهو يراقب المشهد المنعكس في الكرة بتركيز بالغ، وتساءل بصوت خافت: - لدي فضول لمعرفة ما الذي سيخسره في هذه اللحظة.. هل سيعود لشكلة القديم ويفقد قدرته على القتال أم سيحدث أمر آخر؟ تنهدت إيزميرا بعمق، وظهرت على ملامحها مسحة من ندم مفاجئ لم يعهده فيها من قبل، ثم أفادت بمرارة: سيعود جسده فقط، ولكن سيخسر قدراته. أتعلم.. لو جاء إلي واعتذر عما بدر منه، لمنحته حلا آخر لا يتطلب كل هذا الألم. استفسر بنجامين والدهشة تكسو وجهه: - أيوجد حل آخر حقا؟ أكدت إيزميرا قائلة بلهجة جادة: - نعم، ولكن يتطلب زهور "بينانون" البرية... صحيح بعد أن تذكرت لم يعد لدي أي زهرة منها الآن. يجب أن نذهب بعد أن أوقف سديم، ثم أذهب إلى جبال هالي، تك الجبال التي تخبئ خلف صخورها أهوالا لا توصف، ولكننا مضطرين لجلبها.بخطوات بطيئة هادئة الإيقاع، تقدم جيفري إلى الداخل، فلفح وجهه على الفور ذلك الجو المشحون بالضيق والانزعاج الذي كان يسيطر على أرجاء المكان. مسحت عيناه البنيتان وجوه الموجودين في نظرة سريعة حائرة، فتوقف في مكانه لبرهة مستجمعا تفاصيل المشهد، ثم تابع سيره الهادئ حتى وقف أمام ماكي مباشرة رافعا حاجبه مستفسرا عما يدور. تنحنح ماكي لكسر الجمود المحيط بهم، ثم بادره بالقول:- لقد اكتشفنا أن بنجامين، مساعد إيزميرا، خائن يعمل لصالح ماسو.شخصت عينا جيفري بذهول صامت، وعبر ذهنه سؤال حيره:- كيف تُخدع إيزميرا بهذه البساطة؟ووجّه نظراته نحوها، ثم سألها بنبرة خافتة:- أيعقل غفلتِ عن حيلته يا إيزميرا؟زمت إيزميرا شفتيها بضيق، وآثرت الصمت، كبرياؤها يرفض منح جيفري إجابة يشفي بها غليل نظراته المتفحصة؛ فهو ليس أي ساحر، بل منافسها الذي طالما أثار غيرتها، وتقسم ألا تظهر ضعفها أمامه مهما كلفها الأمر.ولمّا لم تعد تقوى على تحمّل ذلك الضغط الصامت، انسحبت من بينهم لتجلس وحيدة في زاوية الغرفة، مشيحة بنظرها وتائهة في الفراغ، بملامح متصلبة خلت تماما من أي تعبير.تابعها جيفري بطرف عينه، عاقدا حاجبيه باستغراب صامت من
التوى طرف فم بنسروك في سخرية، وقطّب حاجبا واحدا وقال بنبرة متهكمة:- نعم، يا ماسو.. كيف لا أعرفك.فرغت إيزميرا فاها واتسعت عيناها بذهول، وأخذت نظراتها تترنح بين بنسروك وماسو في محاولة يائسة لاستيعاب ما تشهده أمامها، تراجعت خطوة للوراء، وسألت بحيرة:- ما الذي يجري؟... كيف.. كيف يكون بنجامين هو ماسو؟قبل دقائق فقط، كان عقلها ينسج احتمالات شتى؛ ظنت أن بنجامين قد يكون فردا من جن الماء، الذين يصعب كشف تنكرهم البارع، أو ربما ساحرا آخر متمكنا يخفي هويته لسبب ما.أما أن يكون الشخص الذي دخل بيتها، هو ألد أعدائها على الإطلاق؟ فهذا خاطر لم يمر ببالها قط، صدمة أفقدتها توازنها حتى كادت تسقط أرضا.انعقد حاجبا ماكي قليلا، ولم يكن مصدوما من اعتراف ماسو؛ فقد عرف حقيقته منذ اللحظة الأولى التي رآه فيها، وأدرك حينها أنه قد استولى على جسد شخص آخر. وتماما كما فعلت إيزميرا، آثر ماكي مسايرته واستدراجه حتى يأتوا به إلى بنسروك، فالتفت إلى إيزميرا، وأجابها بعد أن قرأ في ملامحها رغبة عارمة في فهم ما يجري:- لقد استبدل روحه، ونقلها إلى جسد بنجامين.لم يزدها شرح ماكي إلا حيرة وضياعا، فسألت بتلعثم وقد تداخلت الكلما
وقف الملك جيلادو، وحدق طويلا إلى إيزميرا، قبل أن يعلن نهاية اللقاء قائلا:- حسنا إذا، يمكنك الذهاب الآن، وأتمنى أن تزورينا في فرصة أخرى يا إيزميرا.شكرت إيزميرا الملك على حسن ضيافته باقتضاب، ثم انطلقت فورا على ظهر "إيسو" الذي وفره لها أهل القصر، وهو دب أبيض ضخم ذو وجه مخيف وأسنان حادة جدا، يكتسي ظهره بسرج جلدي متين مُحكم الأحزمة، يعد وسيلة التنقل المثلى المهيأة لقطع المسافات الطويلة، واجتياز التضاريس الجليدية الوعرة في تلك البلاد.ظلت إيزميرا تتقدم بسرعة نحو بيت معلمها، وفي قلبها نار تضطرم لمعرفة الحقيقة: من هو بنجامين الحقيقي؟لم ترد الدخول في مواجهة مباشرة ما دام يرافقها ولا يفعل شيء، كان همها الوحيد أن توصله إلى معلمها مهما كلف الأمر، لتضع حدا لهذا الغموض الذي بدأ يهدد كل شيء.كان بنجامين يتبعها بهدوء، يراقب ظهرها، وابتسامة ماكرة تعلو ثغره، وفي أعماقه كان يحدث نفسه:- رائع.. هذا بالضبط ما أريده، أعرف أنك تشكين بي يا إيزميرا، وأعلم أن عينيك تلاحقانني كالصقر، وكنت سأقتلك...لكن صبرا، لقد غيرت هدفي وصار أنت ومعلمك.واصلا سيرهما عبر صحراء جليدية ممتدة لا نهاية لها، حيث يغيب الأفق في بي
لم يظفر بلانو بكلمة واحدة تشفي غليله من بنجامين. استمرت قبضته في الهبوط بقسوة على وجهه حتى بدأ دم بلون أسود قاتم يسيل من أنفه وفمه، مخلفا بقعا داكنة على الأرض.ومع ذلك، لم يبد على بنجامين أي انكسار، بل ظل يطلق ضحكات مكتومة ومتقطعة تخرج من بين شفتيه التي تسيل دما، ضحكة كانت تعبيرا عن جنون يفيض شرا، وكأنه يرى في هذا الألم نصرا لا يدركه خصمه.كان بنجامين في حالة ضعف واضحة؛ فقد باغته الهجوم في لحظة غفلة لم يحسب لها حسابا، لكن الأمر تجاوز مجرد المباغتة. حاول في ذروة غضبه أن يحرك ذراعيه لينقض على بلانو، أو يتمتم بتعويذة دفاعية تقلب الموازين، لكنه صُدم بحقيقة مرة؛ لقد خانته أطرافه تماما.شعر ببرودة غريبة تسري في عروقه شلت حركته، وكلما حاول استحضار قوة سحره، تلاشت الكلمات قبل أن تخرج، وكأن هناك يدا خفية تكمم روحه.أدرك بنجامين أن تعويذة الحماية التي تحيط بالمكان لم تكن مجرد درع فقط، بل كانت فخا نصبته إيزميرا ببراعة فائقة؛ سجن غير مرئي يسلب الحركة ويبطل مفعول أي سحر دخيل، كأنه طفيلي يتغذى على أنفاسه ويتركه عاجزا حتى عن رفع يديه.في قرارة نفسه، ورغم القيود، اعترف بنجامين بمرارة أن إيزميرا حقا
في تلك اللحظة، شعرت رهام ببرودة غريبة تجتاح أوصالها، كأن الهواء من حولها تحول فجأة إلى جليد. أفلتت القفل ببطء وتراجعت خطوات للوراء، وعيناها مثبتتان على الباب بارتياب، ثم همست بصوت مخنوق: - كيف تنسى اسمه؟ وهي لا تكف أبدا عن مناداته به أمامك! - ألا ينسى الإنسان الكثير من الأشياء أحيانا؟ ردت رهام بحدة لم تستطع كتمانها: - لا يعقل.. ليس هذا الاسم تحديدا. ساد صمت ثقيل، توقف فيه بنجامين عن الكلام تماما. كانت عيناه تلمعان ببريق غامض وهو يشيح بوجهه نحو الأشجار الكثيفة، ثم أغمض عينيه بقوة، وبدأت حبات العرق تتسلل على جبينه رغم برودة الجو، كأنه يستحضر شيئا ما، فمرت هنيهة من التوتر المشحون، قبل أن يفتح عينيه على وسعهما، وتترسم على شفتيه ابتسامة ماكرة وهو ينطق بثقة: - فياتش. تجمدت رهام في مكانها، واتسعت عيناها من الذهول. شعرت بقلبها يضطرب بين ضلوعها، وهمست لنفسها بصوت متهدج: - إنه حقا بنجامين.. لا يمكن لأحد أن يعرف هذا الاسم إلا نحن الثلاثة. ترددت يدها في الهواء لثوان، صراع مرير يدور بداخلها بين الحذر والاطمئنان. لكن في النهاية، حسمت أمرها وتقدمت نحو الباب، ثم أمسكت بمقبضه لتديره وتفت
تسلل جارج بين الممرات بخطوات حذرة، وكان يضم عباءته الثقيلة حول جسده بطريقة تثير الريبة، محاولا إخفاء غراب إيزميرا الذي يتحرك بتململ تحت القماش، ويرسل خربشات خفيفة بمخالبه ضد صدر جارج.وصل جارج إلى الساحة الكبرى، حيث بلانو غارقا وسط جلبة السلاح وصيحات الجنود، فقد أمره الملك حين فشل في إيجاد سديم بتدريب الجنود. كان صوت اصطدام السيوف ووقع الأقدام الثقيلة يملأ المكان، وبلانو يقف في المنتصف، يوجه هذا ويصحح ذاك بصوت أجش ونبرة حازمة.اقترب جارج منه، وهمس بكلمات لم يسمعها غيره، مشيرا بيده نحو زاوية معزولة بعيدا عن الأعين. استجاب بلانو بضيق واضح، فمسح عرق جبينه وتبعه بخطوات واسعة ثقيلة، وما إن تواريا، حتى كشف جارج عن رداءه بسرعة خاطفة.اتسعت عينا بلانو حين أبصر الغراب الأسود الذي يخص إيزميرا في يده، فهمس بنبرة يملؤها الذهول والحيرة:- كيف وصل...لم يترك له جارج فرصة لإنهاء سؤاله، بل باغت بحزم:- إيزميرا في خطر.في تلك اللحظة، خانت بلانو ملامحه؛ فارتجفت جفونه وشحب وجهه للحظة قصيرة، وكأن قلبه قد قفز من مكانه، ثم ساد صمت لم يقطعه إلا صوت نعيق خافت أصدره الغراب، مما جعل بلانو يستجمع شتات نفسه بس







