Share

الفصل الثامن

last update publish date: 2026-03-15 11:30:31

ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.

كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.

بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.

في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.

كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.

لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها، ويحترم وجهات نظرها، حتى في تلك الأوقات التي كانت تعارضه فيها الرأي وتتمسك بموقفها أمامه.

لقد انقلبت الموازين تماما، ووجد سديم نفسه يتجرع من الكأس ذاتها التي أعدها للينا بيده، حيث صار الآن يعيش تفاصيل تلك الحرب النفسية المنهكة.

   وفي تلك الزاوية المظلمة أمام البركة، اعترف لنفسه بصدق مرير أن لينا قد احتلت في قلبه مكانة لم يتوقع أبدا أن تصل إلى هذا الحد من العمق.

كانت هي أول إنسية يلمس في روحها الرقة الحقيقية واللطف الصافي، وذلك منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيناه عليها في عالمها.

تلاقت عيناه الخضراء بعينيها العسلية في نظرة طويلة، فتركت في نفسه أثرا لا يمحى، سحرته تلك العينان ببريقها الهادئ، مما جعله يرتاد الجامعة في أوقات كثيرة لمجرد رغبة ملحة في رؤيتها، أو طمعا في حديث قصير يجمعه بها.

أخذ يسأل نفسه في مرارة عما إذا كان قادرا على التضحية بتلك الصداقة الرقيقة التي جمعته بلينا، فقط من أجل استعادة هيئته الضائعة التي طالما حلم بالعودة إليها، أم أن عليه ارتضاء البقاء حبيس هذا الجسد البشري الغريب إلى الأبد، ليحافظ على روابط إنسانية لم يختبر مثل دفئها من قبل؟

كانت أنفاسه تخرج ببطء شديد، بينما ظلت عيناه معلقتين بعيني لينا.

وفي تلك الأثناء، كانت سارلا وجارج يراقبان المشهد من موقعهما بصمت حذر، دون أن يصدر عنهما أي حراك يكسر هذا الصمت.

بعيدا عن الأنظار، وخلف كثافة الأشجار الملتفة، كان هناك غراب أسود رابض في سكون تام، يراقب كل تفصيلة بدقة متناهية، لم تكن عينا هذا الطائر طبيعيتين بأي حال، إذ كانتا تلمعان بلون أحمر قانٍ، تخترقان الظلال العميقة بتركيز حاد،  لم يكن هذا الكائن مجرد غراب عادي من سكان الغابة، بل كان في الحقيقة عين الساحرة إيزميرا التي تبصر بها ما خفي، وقد عثرت بمحض الصدفة على صيدها الثمين: سديم.

في مكانها البعيد، كانت إيزميرا تقف تراقب المشهد كاملا عبر عيني الغراب، وهي الساحرة التي ذاع صيتها المزلزل في الأرجاء، وكانت قبائل الجن تحسب لها ألف حساب، إذ يعترف أعتى مقاتليهم بصلابتها وقوة سحرها التي لا تعرف الرحمة.

كانت تتابع بصمت حركات سديم المترددة، بينما تلاعبت أصابعها بخصلات شعرها الأسود، وارتسمت على وجهها ملامح الاستغراب.

كانت الساحرة  إيزميرا  تمتلك جمالا يسحر الألباب؛ حيث تميزت بعينين واسعتين زرقاوين تماثلان صفاء السماء في روعتها، ولها فم واسع يمنح وجهها حيوية، وأنف عريض القاعدة يضفي على ملامحها رسوخا وجاذبية فريدة.

كانت لا تتخلى عن فساتينها الزاهية المزينة بورود متنوعة الأشكال، بينما ينسدل شعرها الأسود اللامع بنعومة، وينتهي بمشبك صغير اتخذ هيئة فراشة رقيقة.

جاءت إيزميرا إلى هذا المكان بعد أن اختطفها ساحر من  أهلها وهي لا تزال صغيرة السن، وبعد أن قضى ذلك الساحر نحبه في حرب ضارية ضد جني من بني "سنيب"، تولى تبنيها صديقه المقرب؛ فأخذ يلقنها خفايا السحر وأصوله العميقة، حتى غدت اليوم من أقوى السحرة وأكثرهم نفوذا.

في هذه اللحظة، كانت إيزميرا تقف تراقب عبر كرتها البيضاء المشهد البعيد؛ حيث يظهر سديم واقفا مع لينا. بدت ملامح الاستغراب واضحة على وجهها من تصرفاته؛ فهذا الأمير الذي ترتعد له فرائص الممالك، يقف الآن مترددا أمام كائنات كان يحتقرها دائما ولا يقيم لها وزنا.

توجه نحوها مساعدها بنجامين بحديثه، وهو يقف إلى جانبها وعلامات التعجب تملأ وجهه، متسائلا:

- من هؤلاء البشر؟ ولماذا يؤدون طقوسا خاصة بالجن؟

أجابت إيزميرا وبصرها لا يزال معلقا بتفاصيل المشهد، فبالرغم من البعد كان كل شيء يبدو جليا وواضحا في كرتها السحرية،  مدت إصبعها نحو الصورة وأوضحت:

- هذا سديم... من مملكة النار.

تملك الذهول من بنجامين، وارتفع نبرة صوته من أثر المفاجأة المدوية:

- سديم؟

ساد صمت قصير وكأنه يزن وقع الكلمة، ثم أردف قائلا:

- لقد قيل إنه اختفى منذ ثلاث سنين!

- لا، لم يختفِ، بل أنا من سحرته بتعويذة الليل الدامي" وجعلته على هيئة مساعدي الأول الذي قتله بدم بارد، وجعلت شرط كسر اللعنة لكي يعود جسده عندما يدخل للبركة، هو أن يرحل إلى عالم البشر خصيصا، ليختلط بهم عن قرب ويرى تطورهم وطريقة تفكيرهم التي كان يهزأ بها في كل حين.

أردته أن يحاورهم، وأن يقنع أحدهم بأن يضحي من أجله ليسفك دمه في سبيل عودته... ولو لم ضحى من أجله بشري لأن أحبه بصدق، عندها فقط سأصدق أنه تغير فعلا.

علق بنجامين بنبرة تحمل التقدير:

-حقا....يالك من قوية.

صوب بنجامين نظره نحو الكرة السحرية بتركيز، ثم استفسر عما يدور بخلده:

- هل هذه الفتاة... لا بد أنها أحبته لدرجة تجعلها تضحي بحياتها من أجله؟

ضيقت إيزميرا عينيها، ثم قالت:

- لا أعتقد ذلك، انظر جيدا، إنه ينوي جرح يدها فقط، ما يعني أن احتمال نجاتها، وارد جدا لو أُسعفت في وقت مبكر. لا بد أن بقاءه الطويل مع البشر علمه شيئا من اللين وقليلا من الاحترام.

استمر بنجامين يحدق في الغابة الكثيفة، وتلك الشجرة التي تتحدى قوانين المنطق بتعجب؛ فقد كان لا يزال جديد في هذا العالم، تذكر كيف اختار بكامل إرادته أن يسلك درب السحر الوعر، مفضلا إياه على البقاء إنسيا عاديا يسهل اقتناصه من قبل الجن الذين يتخذون من البشر العاديين طرائد سهلة، ومن بين الجميع، كانت إيزميرا هي من مدت له يد العون وانتشلته من ضياعه لتتخذه مساعدا وفيا لها.

حرك بنجامين رأسه ببطء نحو إيزميرا، وبدت نبرة صوته محملة بفضول  وهو يوجه حديثه إليها:

- ولكن... أريد أن أستفسر عن حقيقة هذا الكيان، ما هذه الشجرة؟ ومن أين جاءت بظلالها هذه؟

- لا أحد يعلم يقينا سر وجودها، لكن الشائعات التي تتردد في الخفاء تقول إنها تمثل قلب هذا العالم، ومنهم من يهمس بأنها محض قوى سحرية مظلمة غرستها شياطين قديمة كانت تطمع في استعباد البشر....

انظر الآن! ها هو سديم يرفع السكين ليجرح يد الفتاة. اليوم هو الفرصة الأخيرة لكسر تلك التعويذة، لكنني لا أستوعب فعله أبدا.. لماذا لم ينهِ حياتها؟ هل حقا تعني له تلك الإنسية كل هذا القدر؟ وهل سيضحي بجزء من قوته لكي لا تموت؟ أحقا هذا هو سديم الذي كانت ترتعد فرائص بعض الممالك من ذكر اسمه؟

تمتم بنجامين وهو يراقب المشهد المنعكس في الكرة بتركيز بالغ، وتساءل بصوت خافت:

- لدي فضول لمعرفة ما الذي سيخسره في هذه اللحظة.. هل سيعود لشكلة القديم ويفقد قدرته على القتال أم سيحدث أمر آخر؟

تنهدت إيزميرا بعمق، وظهرت على ملامحها مسحة من ندم مفاجئ لم يعهده فيها من قبل، ثم أفادت بمرارة:

سيعود جسده، ولكن قد يخسر بعض القدرات.

أتعلم.. لو جاء إلي واعتذر عما بدر منه، لمنحته حلا آخر لا يتطلب كل هذا الألم.

استفسر بنجامين والدهشة تكسو وجهه:

- أيوجد حل آخر حقا؟

أكدت إيزميرا قائلة بلهجة جادة:

- نعم، ولكن يتطلب منه أن يذهب إلى جبال "هالي" ويحضر لي زهور "بينانون" البرية لأمزجها بدم البشر في طقوس خاصة للشفاء.

مع إن تلك الجبال تخبئ خلف صخورها أهوالا لا توصف، ولكن على الأقل لن يضطر العيش بعذاب الضمير والصراع النفسي هذا.

شعرت إيزميرا بوخزة حادة من تأنيب الضمير تنهش صدرها؛ فمهما بلغ حجم حقدها على بني الجن، إلا أنها كانت ترفض في قرارة نفسها ارتكاب هذه الأفعال الوضيعة، مالت بجسدها إلى الأمام واتخذت قرارها أخيرا، وهمت بالتحرك لترد لسديم هيئته وتنهي هذا العبث المستمر، ولكن الأوان قد فات فعلا.

لقد نفذ سديم فعلته، مرر السكين ببطء فوق يد تلك الإنسية، وما إن لامست قطرات دمها القانية ماء البركة الساكن، حتى بدأت قوة غاشمة تسحب دماءها وقوتها بعنف شديد، وكأنها مغناطيس، مما أدى بعد هنهية من سقوط لينا غائبة عن الوعي.

تحول لون البركة في لحظة خاطفة إلى الأحمر القاني، وانعكس ذلك اللون القاتم على أوراق الشجر المتلألئة لتكتسي هي الأخرى بحمرة دامية.

حينها أخرج سديم تنهيدة طويلة ومثقلة بالهموم، ثم أدار وجهه نحو جارج وقال بنبرة صارمة:

- جارج، اعتني بلينا.. وفور خروجي من البركة سنأخذها بسرعة مباشرة إلى الساحر "جيفري" ليعالجها، هذا رجائي الأخير منك يا جارج.

في تلك الأثناء، احمر وجه سارلا من شدة الغضب، وشحب لون بشرتها وهي تراقب هذا الضعف الذي حل بسديم، بينما ارتسمت على ثغر جارج ابتسامة هادئة؛ فقد كان يرى في تلك اللحظة ولادة روح جديدة في جسد صديقه القديم، فهز رأسه علامة على الموافقة وقطع وعدا صادقا بحماية لينا.

ما إن وطأت قدما سديم قاع البركة المضطرب حتى بدأت المياه في الغليان العنيف، وأخذت الفقاقيع الضخمة تنفجر فوق السطح محدثة صوتا مرعبا، ثم غاص سديم بكامل جسده في تلك الأعماق الحمراء، وحينها تصاعد دخان كثيف وأبيض من قلب الماء.

وفي جوف البركة المظلم، كان سديم يطفو بوضعية الجنين؛ يضم يديه ورجليه إلى صدره في استسلام مطلق لعملية إعادة التكوين الشاقة، بدأ جلده القديم يتآكل ببطء ويستحيل إلى لون أحمر متوهج، بينما تساقط شعره الأسود ليحل محله شعر أبيض كثيف وناصع.

أسنانه صارت طويلة، وبرزت أذناه نحو الأعلى قليلا، وأخذ جسده يتضخم ببطء حتى غدا يشبه أخاه جلجان في ملامحه، لكن بفارق شاسع في الضخامة والقوة الجبارة التي بدأت تشع من عضلاته المفتولة.

كان سديم قد أعد عدته جيدا لهذا التحول؛ فقد وضع خلف أحد الأشجار مسبقا، ملابسه الخاصة به إلى داخل البركة، وهو يدرك تماما أن ملابس جسده البشري الهزيل ستتمزق أمام جسده الحالي الضخم.

قضى نصف ساعة كاملة في ذلك التحول، لا يسمع فيها سوى صرير العظام وهي تنمو وتتطاول، وصوت الأنسجة وهي تتشكل من جديد تحت ضغط السحر العنيف

ارتدى ملابسه الثقيلة، واستجمع قوته ليدفع نفسه نحو السطح. وما إن خرج سديم من البركة، ونفض الماء عن وجهه وشعره، حتى تجمد في مكانه.. لقد وجد أمامه ما جعل عقله يطير من الصدمة، وما جعل كل ما مر به مجرد نزهة هادئة أمام هذا الهول الجديد.

استجمع سديم بقايا قوته الكامنة في عضلاته، وبدأ يدفع جسده الجبار نحو الأعلى مخترقا طبقات الماء الحمراء الثقيلة.

فقد ظل بصره معلقا بذلك المشهد المباغت الذي لم يحسب له أي حساب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل التاسع

    كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن

    ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع

    لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس

    والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الخامس

    لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع

    كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status