Share

الفصل السادس

last update publish date: 2026-03-14 16:35:21

والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.

كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:

-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!

لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.

وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.

اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.

ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:

- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.

ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:

- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا إليك.

- حسنا.

انطلقت سارلا نحو جارج، وانتزعت منه العصا انتزاعا، بينما تحولت تمتماتها السحرية المتسارعة إلى ما يشبه أزيز النحل المتصل، مما جعل لهب العصا يتفجر توهجا وضراوة، ليرمي بظلال طوال مضطربة فوق الأديم من حولهم.

راحت تُلوح بالشعلة في الفضاء يمينا ويسارا، ترسمُ بها دوائرَ قانية من نار، وكان طرف الضوء الراقص يحاول عبثا أن يقتنص هوية ذلك القابع في الخفاء، والذي يتلاعب بأعصابهم في خبث.

أما لينا، فقد شعرت وكأن الدماء قد تجمدت تماما في عروقها، واستسلمت لحالة من الشلل المؤقت؛ كانت عيناها تجوبان الفراغ الرمادي الموحش، تحاول يائسة أن تخترق جدار الظلام الذي يلتفُّ فيه الوحش، لكن الرؤية خذلتها تماما؛ فلم تبصر سوى جذوع الأشجار السوداء التي انتصبت حولهم في صمت، وكأنها قضبان سجن عملاق أُحكم إغلاقه عليهم إلى الأبد.

التفتت برأسها ببطء شديد باتجاه سديم، وعيناها الواسعتان العسليتان تعكسان ضوء النار القلق، فخرج صوتها متعثرا مخنوقا وهي تهمس في توسُّل:

- سديم... أرجوك.

نسى سديم لبرهة وجودِ لِينا، وما إن تناهى إلى مسامعهِ صوتُها الواهن المستغيث، حتى وجد نفسه في لمح البصر ماثلا أمامها؛ مَدَّ يديه القويتين لينهضها من مكانها، ثم جعل من قامته العريضة درعا حصينا ليحميها، ووقف يحدقُ في العتمةِ بترقبٍ شرس، وعضلاتُ كتفيهِ مشدودة كوترِ قوس بانتظار مواجهةِ ذلك الكيانِ الذي لا تراهُ الأعين، لكنه يستشعره بكلِّ حواسِّه.

وأخيرا، بدأ الوحشُ الرابضُ في غياهبِ الظلمةِ يتجسدُ عيانا أمامهم؛ برزَ ظلٌّ مخيفٌ ضخمٌ يزحفُ ببطء شديد، مقتطعا مساحات من الضوءِ الضئيل الذي تنثرهُ عصا سارلا في الفضاء.

وفي تلك اللحظةِ التي بلغت فيها الرهبةُ ذروتها، لم تجد لِينا مفرّا من هذا الإعصارِ القاتل سوى التشبثِ بأيِّ بصيصٍ للنجاة؛ مَدَّت يدها المرتجفة بوهن حتى لامست أناملُها الباردة نسيج قميصِ سديم الخشن.

أحكمت لِينا قبضتَها على طرفِ القميصِ بكلِّ ما أوتيت من قوة، كأنها غريقٌ عثر أخيرا على لوحِ خشب وحيد وسطَ أمواجِ بحر هائج لا يرحم.

بمجرد أن استقرَّ ملمسُ يدها المرتجفة على نسيج ثوبه، سرت في جسد سديم رعدةٌ خفية تشبه تيارا كهربائيا مباغتا؛ فجمدت الدماء في عروقه، وتعثرت الأنفاسُ في صدره المكروب.

شَعرَ بأن الهواء الذي يستنشقه قد استحال إلى شظايا من زجاجٍ تجرح رئتيه مع كل شهيق، فحاول جاهدا أن يتماسك أمامها، لكنَّ تقاسيمَ وجهه المشدودة وعروق رقبته التي برزت كأوتار غليظة، فضحت ذلك الارتباك العاصف الذي يضطرب في أعماقه.

تدافعت في رأسه تساؤلاتٌ حارقة كالنار لم يجد منها مفرا:

- لماذا ينتفضُ قلبي بهذا العنف لأجلها؟

أحسَّ بضيقٍ غريب ينهشُ روحه ويقيد حركته، وتساءل في مرارة إن كان هذا مجرد خوف على صديقة، أم أنه وخزُ الذنب الذي لا يهدأ؛ ذلك الذنبُ الذي يطارده كظله الجاثم لأنه لم يصن عهد الصداقة كما ينبغي.

ومع اقتراب الوحشِ أكثر، واشتدادِ وطأة الظل الزاحف نحوهم، لم تحتمل لِينا مشهد ذلك الكيان المجهول، فمالت برأسها وأسندته على ظهر سديم العريض، مغمضة عينيها بقوة بينما ترقرقت الدموع من فرط الخوف لتلامس قماش ثوبه.

شعر سديم بوهج رأسها وثقله، فابتلع غصة مريرة في حلقه وحاول استجماع شتات صوته ليطمئنها، فقال بنبرة جاهد لتكون واثقة وثابة:

-لا عليكِ يا لِينا.. لا تخافي، معنا سارلا وجارج، ولن نُهزم أبدا.

لم يهدأ قلبُ لِينا من خفقاته المتسارعة التي كانت تضربُ صدرها كقرعِ الطبول، لكنها استشعرت سكينة غريبة بدأت تتسرب إلى وجدانها، لمجرد وجود سديم كحائطِ صدٍّ منيع يقف بينها وبين الرعب، وشعرت بأن قبضتها المتشنجة على ثوبه هي خيطُها الوحيد للبقاء في هذا العالم الموحش

تبددت سُحب الرعب فجأة حين انجلت هوية ذلك الكيان المتربص، فلم يكن سوى "جلجان"، الأخ الأصغر لـسديم.

بدت هيئته مهيبة تقشعر لها الأبدان؛ بشرةٌ تلمعُ بحمرة خفيفة تحت بَهرة الضوء، وعينان سوداوان كقطعٍ من ليلٍ سحيق تنبثقان من وجهه الطويل، بينما برزت أذناه الطويلتان من تحت شلال شعره الأبيض المنسدل.

كان يرتدي عباءة حمراء ثقيلة تتدلى فوق منكبيه كشلالِ دم، تكشفُ عن عضلات صدره المفتولة، بينما يستر جزأه السفلي بسروال رمادي فضفاض يمنحه خفة الوحوش في حركتها.

وما إن أدرك الجميع أن الوحش ليس سوى جلجان، حتى ارتخت الأجساد المتشنجة وتصاعدت زفرات الارتياح، إلا سديم، فقد تجعدت جبهته واتقدت عيناه بشرر الغضب، وصاح بصوتٍ جهوري زلزل أركان المكان:

- حقاً؟ هل ستأتون كلكم إلى هنا اليوم؟ ماذا تريد يا جلجان؟ هذا أولا.. ثم أخيرا، غيّر هيئتك هذه فورا!

ضيق جلجان عينيه باستغراب من نبرة أخيه الحادة، وقبل أن ينطق ببنت شفة، مال سديم بجسده قليلا لتنكشف لِينا القابعة خلفه.

في تلك اللحظة، لمعت عينا جلجان بفهم مباغت؛ لقد أدرك أن أخاه قد عثر أخيرا على المضحي.. على الإنسية التي سيسفك دمها قربانا لخلاصه.

امتثالا لطلب أخيه، بدأت هيئة جلجان تتلاشى وتتشكلُ من جديد في مشهد يخلب الألباب؛ فاستحال جسده الضخم إلى قوام رقيق، وتحول شعره الأبيض إلى خصلات صهباء، بينما صُبغت عيناه بلونٍ بني دافئ. كانت هذه الهيئة هي ذاتها للرجل الذي أرداه قتيلا بالأمس في معركةٍ ضارية ضد ساحرة قتلت صديقه.

تقدم جلجان نحو أخيه بخطواتٍ واثقة، وعلى ثغره ارتسمت ابتسامةٌ غامضة، ثم خاطبه قائلا:

- يا رجل، لقد غمرتني الفرحة لأجلك، وأخيرا ستعو....

لكن سديم قاطعه بحنقٍ كالعادة، ولم يتركه يتمُّ عبارته:

- شكرا، ولكن لديّ مهمة؛ سأصطحب لِينا إلى البيجمان شمهروش، لأنها ترغب في إنقاذ صديقتها.

ارتفع حاجبا جلجان بذهول تام وتجعد جبينه وهو يحدق في أخيه مليا، ثم سأل باستنكار:

- البيجمان شمهروش؟ أحقا ما تقول؟!

أجابه سديم باقتضابٍ حذر، وقد ضيق عينيه لينذر أخاه بصمت:

- نعم

أدرك جلجان حينها أن أخاه ينسجُ خيوط خديعةٍ كبرى حول هذه الإنسية المسكينة، فالمعروف في عالمهم، أن البيجمان شمهروش قد غادر عالم الأحياء منذ دهر طويل.

التفت جلجان نحو لِينا التي كانت لا تزال ترتعش خلف ظهر أخيه، وبدَّل نبرته لتصبح أكثر رقة ودماثة، وقال بلسان معسول:

- مرحبا أيتها الإنسية الخائفة.. لا تجزعي، هيا انظري إليّ.. أنا مثلكِ تماما.

رفعت لِينا رأسها بجهد جهيد، وحدقت في ملامحه البشرية التي انبعثت منها نفحة من السكينة الزائفة، فارتخت أساريرُ وجهها الشاحب، وأجابت بصوت خافت متهدج:

- مرحبا بك.

ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى نظرات جلجان التي استقرت على لِينا بفضول مريب؛ كانت عيناه البنيتان تتفحصان ملامحها بدقة متناهية، يحاولُ أن يستشفَّ عبرها مدى غرقها في بحر الجهل، ومدى نجاح أخيه في إخفاء الحقيقة المرة عنها.

مال جلجان برأسه قليلا، ثم افرجت شفتاه ابتسامة حملت في طياتها مزيجا من السخرية والشفقة، وهو يرقبُ كيف تتشبثُ هذه الإنسية الواهنة بقميص أخيه كغريق يتشبث بقشة.

وعلى الرغم من هدوء أنفاسها التدريجي أمام ملامح جلجان الآدمية، إلا أنها لم تلحظ تلك النظرة الخاطفة التي تبادلها الأخوان، نظرة حملت تحذيرا صامتا وصارما من سديم، وتساؤلا متهكما من جلجان.

دنا جلجان خطوة أخرى، محافظا على نبرة صوته، وسأل لِينا قائلا:

- إذن، البيجمان شمهروش هو ووجهتكم.

كادت تفرُّ من بين ثناياه ضحكة مكتومة، كان سيُفصح معها عن رحيل البيجمان الأبدي، لكنَّ نظرة سديم الحادة التي انغرست في عنقه جعلته يبتلع كلماته في اللحظةِ الأخيرة.

تحرك سديم بجسده ليقطع حبل التواصل البصري بينهما، وقال بنبرةٍ جافةٍ كالحجر:

- لقد انتهى الحديث هنا يا جلجان.. نحنُ على عجلة من أمرنا.

ورغم تلك الابتسامة الوادعة التي رسمها جلجان على وجهه المستعار، إلا أن صورة ظله الأول لم تفارق مخيلة لِينا لحظة واحدة.

كانت تلك الهيئة العملاقة التي ترأت لها في البدء قد انطبعت في أعماق ذاكرتها، وأدركت في أعماقها - برغم كل محاولات الطمأنة- أن هؤلاء الذين يحيطون بها ليسوا سوى كائنات مخيفة، وأن هذا الوجه الجميل ما هو إلا قناعٌ رقيق يخفي خلفه الرعب.

لم تكن لينا بحاجة لرؤية ملامح جلجان الحقيقية لتدرك الخطر، فقد كان ظله المرعب الذي تمدد فوق الأرض قبل قليل كافيا ليوصل إليها الحقيقة كاملة، فتساءلت في سرها قائلة:

- إذا كان هذا هو شكل الأخ الأصغر الذي اتضح من ظله أنه مسخ عملاق، فما الذي يخفيه سديم خلف هذا الجسد المهيب؟ وكيف ستكون هيئة البيجمان الذي نسعى إليه؟

كان قلبها يهمسُ لها بأنها تمضي في واد سحيق مع ذئابٍ متخفية، ولكن سرعان ما تذكرت ذعر سديم عليها واستماتته في حمايتها، فتنفسَت الصعداء، وتبددت شذرات

من سحابة خوفها وجزعها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل التاسع

    كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الثامن

    ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السابع

    لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل السادس

    والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الخامس

    لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي

  • ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم    الفصل الرابع

    كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status