Mag-log in
لم تكن الأميرة لوزان تدري أن خروجها هذه المرة سيغيّر كل شيء في حياتها إلى الأبد. اعتادت أن تتسلل من نافذة برجها العالي حين ينام الحرس وتخفت أضواء الممرات،
لا لشيء إلا لتشعر أن قلعة النور، رغم فخامتها وأبراجها المضيئة بالسحر الطيب، ليست سوى سجن ذهبي محكم الإغلاق. كانت الرمال الممتدة خارج الأسوار توحي لها بحرية لم تجدها يومًا بين جدران مرمرية محاطة بتعاويذ حماية لا تنتهي، وبنظرات حراس يراقبون كل خطوة تخطوها كأنها كنز هش يُخشى عليه من الكسر.
لفّت وشاحها الداكن حول شعرها الأسود القصير، وسارت بخطى حذرة بين الكثبان المضاءة بضوء قمر باهت يتسلل من خلف سحب رقيقة. كانت عيناها الحمراوان — تلك العلامة الغريبة التي لطالما سببت لها نظرات مريبة من الخدم، وحتى همسات خائفة من بعض النبلاء في أروقة القصر — تلمعان في الظلام كجمرتين هادئتين لا تخبوان.
توقفت فجأة حين سمعت صوت خطى ليست خطاها. استدارت بسرعة، ويدها تستحضر شرارة ضوء دفاعية بلا وعي منها، كما دربها معلمو السحر في القلعة منذ الصغر. أمامها، على بعد خطوات قليلة، وقف شاب طويل القامة، عباءته السوداء تلتف حول جسده كأنها جزء من الظلام نفسه، وشعره الداكن تعبث به ريح الصحراء الباردة. عيناه لم تكونا عينَي وحش كما توقعت في أول لحظة رعب، بل كانتا عميقتين، حزينتين بطريقة لم تفهمها ولم تتوقعها من أحد ينتمي إلى برج الرماد.
"لست هنا لأؤذيك" قال بصوت هادئ منخفض، رافعًا يديه قليلًا في إشارة سلام واضحة. "تهت عن طريقي في هذه الكثبان، هذا كل ما في الأمر، أقسم لك."
عرفت لوزان من تفاصيل عباءته، ومن الرمز الأسود المحفور على سواره الفضي، أنه من برج الرماد — من أرض الأعداء الذين حذّرها أبوها منهم منذ كانت طفلة صغيرة. كان يجب عليها أن تهرب فورًا، أو تستدعي الحرس بصرخة واحدة، أو على الأقل تهاجمه بما تملك من سحر دفاعي بسيط. لكنها بقيت واقفة، مسمّرة في مكانها، تراقب كيف أن الريح تعبث بخصلات شعره، وكيف أن نظرته لم تحمل أي شرّ ظاهر، بل حيرة تشبه حيرتها هي بالضبط.
"أنت من هناك" قالت أخيرًا، وصوتها أهدأ مما توقعت من نفسها في تلك اللحظة الحرجة. "من برج الرماد، أليس كذلك؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة، كأنها تحمل ثقل سنوات من العزلة. "وأنتِ من قلعة النور، بلا شك. نحن إذن، بحكم الدم وبحكم كل ما تعلمناه منذ الطفولة، أعداء لا يُفترض أن يقفا في مكان واحد."
"بحكم الدم فقط؟" سألته، وهي تتقدم خطوة واحدة رغم عقلها الذي يصرخ بالحذر والتراجع.
لم يجب مباشرة. بدلًا من ذلك، أشار بيده نحو السماء حيث كانت نجمة وحيدة تلمع فوق الكثيب البعيد بضوء أحمر خافت. "أتعرفين ما اسم هذه النجمة؟ جدتي، رحمها القدر، كانت تسميها 'عين الصحراء الحمراء'. تقول الأسطورة القديمة إنها لا تظهر بهذا الوضوح إلا حين يوشك قدران متناقضان تمامًا أن يلتقيا وجهًا لوجه."
نظرت لوزان إلى عينيه أولًا، ثم إلى السماء، وشعرت بشيء غريب يتحرك في صدرها بقوة — كأن الكون نفسه كان يهمس لها بأن هذا اللقاء العابر لم يكن مجرد مصادفة عمياء.
"اسمي هامير" قال أخيرًا، وكأنه يقدم نفسه قربانًا صغيرًا على مذبح الثقة.
"لوزان" همست، وشعرت أن اسمها حين نطقه بدا كأنه كان يُنتظر منذ زمن طويل جدًا.
بدآ يتحدثان، عن الصحراء وأسرارها، عن النجوم وأساطيرها، عن أشياء صغيرة لا تعني شيئًا لأحد سواهما في تلك اللحظة. ومع كل كلمة، كانت الحدود بين مملكتيهما تذوب قليلًا، بينما كانت أسوار قلعة النور بعيدة، غافلة تمامًا عن أن أميرتها الصغيرة تقف على حافة قدر لن يعرف الرحمة أبدًا.
حين بدأ الفجر يلوح في الأفق البعيد بخيوطه الذهبية الأولى، انفصلا دون وعد صريح بينهما، لكن كليهما عرف في أعماقه أن هذا اللقاء لن يكون الأخير مهما حاولا إقناع نفسيهما بالعكس.
بعد أن انحسرت موجة الهجوم الأولى بخسائر فادحة من الطرفين، أُعلنت هدنة مؤقتة قصيرة لجمع الجرحى والقتلى من ساحة المعركة الدامية. استغلت كانال، القلقة بشدة على مصير باران الذي لم تعرف عنه شيئًا منذ بدء الهجوم المفاجئ، فرصة الفوضى لتتسلل خارج أسوار القلعة بحثًا عنه، متجاهلة كل تحذيرات المنطق والخطر المحدق.وجدته أخيرًا بين صفوف الجرحى المتراجعين من جيش برج الرماد، جالسًا على الأرض يضمد جرحًا سطحيًا في ذراعه بنفسه. اندفعت نحوه دون تفكير في العواقب، محتضنة إياه بقوة أمام أعين مذهولة من الطرفين معًا."كانا؟ ماذا تفعلين هنا؟ هذا خطير جدًا!" همس باران بذعر، محاولاً سحبها بعيدًا عن الأنظار، لكن الضرر كان قد وقع بالفعل؛ فقد لمحهما أحد فرسان قلعة النور، وسرعان ما انتشر الخبر كالنار في الهشيم بين الصفوف المتوترة أصلاً من الطرفين.اقتيدت كانال بسرعة إلى داخل القلعة بأمر أحد القادة المذعورين، بينما اضطر باران للتراجع مع بقية قوات أبيه، قلبه ممزق من الخوف عليها وسط عالم يزداد عداءً كل لحظة.على الجانب الآخر، وصل باران إلى معسكر أبيه بقلب مثقل بالقلق، يتوقع في أي لحظة أن يُستدعى للمثول أمام جرازار لمح
لم تدم الهدنة الصامتة بين لوزان وهامير وسط المعركة طويلاً. وصل فارس من جيش جرازار يصرخ بأمر مباشر لهامير: "الساحر جرازار يأمرك بالتقدم نحو الجناح الشرقي فورًا! هناك ثغرة في دفاعات القلعة يجب استغلالها الآن قبل أن يغلقوها!"نظر هامير إلى لوزان، عينان متوسلتان تطلبان منه ألا يتحرك، لكنه يعرف أن رفضه العلني للأمر وسط المعركة، أمام عيون جنود أبيه، سيكلفه حياته فورًا، وربما حياة لوزان نفسها إن اعتُبر خائنًا صريحًا لصفوفه."اذهبي، اختبئي، أرجوك" همس لها بسرعة وهو يعتلي جواده متألمًا من جرحه النازف. "سأحاول أن أوجّه الهجوم بعيدًا عن الأماكن الآمنة قدر استطاعتي، لكن لا يمكنني فعل المزيد الآن دون أن أكشف نفسي تمامًا."ابتعد هامير مسرعًا، قلبه يتمزق بين واجب مفروض عليه بالقوة وحب حقيقي يخشى أن يخسره في أي لحظة وسط هذه الفوضى الدامية. وجدت لوزان نفسها وحيدة مجددًا وسط ساحة معركة تزداد اشتعالاً، تراقب ظهره يبتعد نحو صفوف أعدائها، وشعرت بخوف مضاعف: خوف عليه، وخوف من أن تراه مجددًا يومًا ما وهو يقاتل ضد شعبها مباشرة دون مفر.استمرت المعركة طوال الليل بعنف متصاعد، موجات متتالية من الهجمات تصدها قوات
بعد أسبوع واحد فقط من انهيار الثقة بين لوزان وهامير، وجدت روناسا الفرصة المثالية التي انتظرتها طويلاً. استغلت حالة الاضطراب النفسي الواضحة التي أصابت أخاها، وأقنعت والدها جرازار، الذي كان أصلاً غاضبًا من علاقة ابنه المشينة بابنة عدوه، أن الوقت قد حان أخيرًا لضربة حاسمة كبرى ضد قلعة النور، مستغلة ضعفًا مزعومًا في دفاعاتها بعد أن "اكتشفت" — عبر جواسيسها المزروعين بعناية — تفاصيل دقيقة عن نقاط ضعف حقيقية في تحصينات المملكة الجنوبية.في ليلة مظلمة خالية من القمر، تحرك جيش برج الرماد بصمت مرعب عبر الصحراء، آلاف المحاربين المدججين بسحر أسود قاتل، تتقدمهم مخلوقات استحضرها جرازار من أعماق الظلام القديم: وحوش ذات عيون حمراء متوهجة وأجساد متحولة مشوهة، تصدر عواء مرعبًا يجمد الدم في العروق.دقّت أجراس الإنذار في قلعة النور فجأة في منتصف الليل، صوتها الحاد يمزق سكون المدينة النائمة. استيقظ الجميع فزعين، الحراس يتراكضون نحو مواقعهم المحددة، السكان المذعورون يبحثون عن ملاجئ آمنة وسط صراخ الأطفال وبكاء الأمهات الخائفات.وقف الملك رامان على سور القلعة، يراقب بذعر متصاعد الجيش الأسود يتقدم كموجة من ال
بينما كانت روناسا تعمل على تدمير ثقة لوزان من الداخل، لم تُهمل الجانب الآخر من خطتها المزدوجة الماكرة. استدعت أحد سحرة برج الرماد المهرة في تزوير الوثائق والأختام، وأمرته بصنع رسالة مزيفة تبدو تمامًا وكأنها مكتوبة بخط يد قائد حرس قلعة النور، موجهة لعينَي هامير وحده، تحتوي على تعليمات سرية مزعومة للوزان بجمع معلومات استخباراتية عن برج الرماد من خلال "علاقتها" به.كانت الرسالة مصاغة بدهاء شيطاني، تشير إلى تفاصيل دقيقة حقيقية عرفتها روناسا من مراقبتها الطويلة — مواعيد لقاءاتهما، أماكنها بالضبط، حتى بعض الجمل التي تبادلاها فعلاً — مما يجعلها تبدو حقيقية تمامًا لا يرقى إليها شك، رسالة تحوّل كل لحظة حب صادقة عاشها هامير مع لوزان إلى مجرد أداة تجسس باردة محسوبة بدقة.دبّرت روناسا الأمر بعناية فائقة ليجد هامير هذه الرسالة "مصادفة" في حقيبة سفر تعود لأحد رسل قلعة النور الذين اعترضهم تلاميذها قرب الحدود، رسول قُتل بهدوء ودُفن جسده بعيدًا، بينما بقيت حقيبته "الأدلة الدامغة" لتصل إلى هامير عبر قناة تبدو بريئة تمامًا.فتح هامير الحقيبة بفضول عادي، يبحث عن أي معلومات قد تفيد في فهم تحركات جيش رامان
وقف هامير صامتًا أمام أبيه لدقائق طويلة ثقيلة، يشعر بثقل الاختيار الذي يواجهه: يكذب مجددًا محاولًا كسب وقت إضافي، أم يواجه الحقيقة كاملة بكل عواقبها المرعبة المحتملة. تذكّر فجأة كلمات لوزان له في إحدى لياليهما، عن أهمية الصدق مهما كان مؤلمًا، عن كرهها العميق للأكاذيب التي تحيط بحياتهما الملكية المزيفة أحيانًا. استمد منها شجاعة غريبة في تلك اللحظة الحرجة تمامًا."نعم، هناك امرأة" قال أخيرًا بصوت ثابت مفاجئ حتى لنفسه، رافعًا رأسه ليواجه نظرة أبيه الحادة المخترقة مباشرة. "امرأة أحبها بصدق تام، أكثر من أي شيء آخر عرفته في حياتي كلها.""من هي؟" كرر جرازار سؤاله بنبرة أكثر برودة وحدة هذه المرة، محذّرة بوضوح.أخذ هامير نفسًا عميقًا طويلاً، يعرف تمامًا أن الكلمات القادمة ستغيّر كل شيء في حياته إلى الأبد، ولا رجعة بعدها. "إنها الأميرة لوزان" قال أخيرًا بوضوح تام لا يقبل اللبس. "ابنة الملك رامان."ساد صمت رهيب مطبق في القاعة المظلمة، صمت أثقل من أي عاصفة رعدية سمعها هامير في حياته كاملة. تغيّر وجه جرازار ببطء مرعب، من الحدة الباردة إلى غضب عارم متصاعد بشكل مخيف، عروق وجهه تنتفخ بوضوح تحت جلده ا
استمر باران وكانال في لقاءاتهما السرية المتكررة عند حدود المهرجان، كل مرة تحت ذريعة جديدة مختلفة يبتكرانها لأهلهما المشغولين. بدأ الأمر كلعبة بريئة بالنسبة لباران، تسلية جديدة تُنسيه ملل قصره وقسوة أبيه، لكنه وجد نفسه، مع مرور الأسابيع، ينتظر لقاءاتهما بشغف حقيقي لم يعتد الشعور به من قبل مع أي فتاة أخرى عرفها.في أحد اللقاءات، بينما كانا يتجولان على ضفة نهر صغير يفصل بين الأراضي المحايدة، سألته كانال فجأة سؤالاً لم تخطط له مسبقًا: "لماذا تبدو دائمًا هاربًا من شيء، بار؟ أشعر أنك تحمل ثقلاً كبيرًا لا تريد التحدث عنه أبدًا."توقف باران عن المشي، مندهشًا من دقة ملاحظتها العميقة. لم يخبرها أبدًا بالتفاصيل الحقيقية عن حياته، لكنها بدت وكأنها ترى خلال القناع البسيط الذي يرتديه بسهولة تامة. "وأنتِ أيضًا" رد أخيرًا بصوت هادئ متأمل. "أشعر أنك تحملين شيئًا مشابهًا. ربما هذا بالضبط ما يجعلنا نفهم بعضنا بهذه السهولة رغم قصر معرفتنا الحقيقية."جلسا على صخرة كبيرة قرب النهر، والشمس تبدأ بالمغيب خلفهما برذاذ ذهبي جميل. لأول مرة، شعر باران برغبة حقيقية في البوح بجزء من حقيقته، دون الكشف عن اسمه الكامل







