Share

الفصل الثالث

Author: Omar Mesher17
last update publish date: 2026-09-17 23:45:56

في القاعة الكبرى لقلعة النور، حيث تتدلى الثريات الفخمة المصنوعة من بلور مشحون بضوء السحر الطيب النقي، جلس الملك رامان على عرشه المهيب يستمع بانتباه لتقارير حراسه المتوترة عن تحركات مريبة تُرصد قرب الحدود الجنوبية للمملكة. إلى جانبه جلست الملكة ليما، هادئة كعادتها الدائمة، يداها مطويتان بلطف في حجرها، وعيناها تحملان حكمة عميقة من سنوات طويلة قضتها في العلاج والشفاء ومساعدة رعاياها.

"مخلوقات الظلام تتحرك مبكرًا هذا العام عن المعتاد" قال أحد القادة العسكريين بقلق واضح في صوته. "نخشى، جلالة الملك، أن جرازار يستعد لشيء أكبر بكثير من غاراته الحدودية المعتادة كل عام."

أومأ رامان برأسه ببطء، لكن عينيه بدتا شاردتين بعيدًا، كأن اسم جرازار وحده كان كافيًا ليفتح بابًا قديمًا موصدًا في ذاكرته، بابًا يفضّل هو شخصيًا أن يبقى مغلقًا إلى الأبد. لمست ليما يده بلطف بالغ، وكأنها تقرأ بدقة ما يدور في أعماق داخله دون الحاجة لأي كلمات منطوقة بينهما.

بعد انتهاء المجلس الملكي الطويل، جلست الأميرة كانال عند نافذة عالية تطل على الصحراء الممتدة، تراقب الأفق البعيد بملل واضح وشيء من الحزن الخفي. كانت في السادسة عشرة من عمرها، أصغر من أختها لوزان بعامين كاملين، لكنها شعرت دائمًا أن الفارق الحقيقي بينهما أكبر من ذلك بكثير جدًا. كل الأنظار، كل الحديث المتناثر في أروقة البلاط، كان يدور دائمًا حول "الأميرة ذات العينين الحمراوين"، تلك العلامة الغريبة النادرة التي جعلت من لوزان محور اهتمام الجميع دون استثناء، بينما بقيت كانال دومًا في الظل الباهت، مجرد أخت صغرى تُذكر عرَضًا في أحسن الأحوال.

دخلت المكتبة الملكية الضخمة بحثًا عن كتاب يُلهيها عن أفكارها المزعجة، حين وقعت عيناها فجأة على مخطوطة قديمة مغبرة منسية على رف بعيد، عنوانها بالكاد مقروء تحت طبقات الغبار: "نبوءة الدم الأحمر". فتحتها بفضول متزايد، لكن الحروف بدت مشفّرة تمامًا بلغة سحرية معقدة لم تدرسها بعد في دروسها. أغلقتها بسرعة حين سمعت خطى تقترب من الممر المجاور، وأعادتها بحذر إلى مكانها الأصلي، لكن السطر الوحيد الذي تمكنت من فهمه ظل عالقًا بإلحاح في ذهنها طوال الليل: "حين تلتقي عين الدم بعين الظل، يُكتب مصير المملكتين من جديد بلا رجعة."

في تلك الليلة بالذات، بينما كانت لوزان تعود متسللة بحذر إلى برجها العالي، لم تلحظ إطلاقًا أن كانال كانت تقف عند نافذتها المظلمة، تراقب أختها الكبرى من بعيد بعينين لا تحملان غضبًا صريحًا، بل شيئًا أعمق وأكثر خطورة بكثير: فضول ممزوج بغيرة صامتة متجذرة بدأت تتسلل رويدًا رويدًا إلى قلبها الصغير المتعب، دون أن تدرك على الإطلاق أن يدًا خفية بعيدة جدًا، في برج الرماد المظلم، ستجد يومًا ما في هذا الشعور بالذات بابًا سريًا تدخل منه دون استئذان.

لم تستطع لوزان أن تمنع نفسها من العودة إلى الصحراء الواسعة في الليلة التالية مباشرة، رغم كل ما يهمس به عقلها الحذر عن الخطر المحدق بها. أخبرت نفسها مرارًا أنها تريد فقط أن تتأكد بنفسها أن ما حدث بالأمس لم يكن مجرد حلم عابر. لكنها في أعماق قلبها كانت تعرف الحقيقة الكاملة بوضوح: كانت تريد ببساطة أن تراه مجددًا مهما كلّفها ذلك من مخاطرة.

وجدته ينتظرها بصبر عند نفس الكثيب الرملي، وكأنه كان يعرف يقينًا أنها ستأتي مهما حاولت إقناع نفسها بالبقاء بعيدًا.

"ظننتك لن تعودي أبدًا" قال بابتسامة خفيفة صادقة تخفي بالكاد ارتياحًا واضحًا في نبرته.

"وأنا ظننت، صراحة، أنني لن أعود" ردت، وجلست على الرمال الباردة دون تفكير طويل، فجلس هو بدوره على مسافة محترمة لائقة منها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مملكة أزجون   الفصل 16

    بعد أن انحسرت موجة الهجوم الأولى بخسائر فادحة من الطرفين، أُعلنت هدنة مؤقتة قصيرة لجمع الجرحى والقتلى من ساحة المعركة الدامية. استغلت كانال، القلقة بشدة على مصير باران الذي لم تعرف عنه شيئًا منذ بدء الهجوم المفاجئ، فرصة الفوضى لتتسلل خارج أسوار القلعة بحثًا عنه، متجاهلة كل تحذيرات المنطق والخطر المحدق.وجدته أخيرًا بين صفوف الجرحى المتراجعين من جيش برج الرماد، جالسًا على الأرض يضمد جرحًا سطحيًا في ذراعه بنفسه. اندفعت نحوه دون تفكير في العواقب، محتضنة إياه بقوة أمام أعين مذهولة من الطرفين معًا."كانا؟ ماذا تفعلين هنا؟ هذا خطير جدًا!" همس باران بذعر، محاولاً سحبها بعيدًا عن الأنظار، لكن الضرر كان قد وقع بالفعل؛ فقد لمحهما أحد فرسان قلعة النور، وسرعان ما انتشر الخبر كالنار في الهشيم بين الصفوف المتوترة أصلاً من الطرفين.اقتيدت كانال بسرعة إلى داخل القلعة بأمر أحد القادة المذعورين، بينما اضطر باران للتراجع مع بقية قوات أبيه، قلبه ممزق من الخوف عليها وسط عالم يزداد عداءً كل لحظة.على الجانب الآخر، وصل باران إلى معسكر أبيه بقلب مثقل بالقلق، يتوقع في أي لحظة أن يُستدعى للمثول أمام جرازار لمح

  • مملكة أزجون   الفصل 15

    لم تدم الهدنة الصامتة بين لوزان وهامير وسط المعركة طويلاً. وصل فارس من جيش جرازار يصرخ بأمر مباشر لهامير: "الساحر جرازار يأمرك بالتقدم نحو الجناح الشرقي فورًا! هناك ثغرة في دفاعات القلعة يجب استغلالها الآن قبل أن يغلقوها!"نظر هامير إلى لوزان، عينان متوسلتان تطلبان منه ألا يتحرك، لكنه يعرف أن رفضه العلني للأمر وسط المعركة، أمام عيون جنود أبيه، سيكلفه حياته فورًا، وربما حياة لوزان نفسها إن اعتُبر خائنًا صريحًا لصفوفه."اذهبي، اختبئي، أرجوك" همس لها بسرعة وهو يعتلي جواده متألمًا من جرحه النازف. "سأحاول أن أوجّه الهجوم بعيدًا عن الأماكن الآمنة قدر استطاعتي، لكن لا يمكنني فعل المزيد الآن دون أن أكشف نفسي تمامًا."ابتعد هامير مسرعًا، قلبه يتمزق بين واجب مفروض عليه بالقوة وحب حقيقي يخشى أن يخسره في أي لحظة وسط هذه الفوضى الدامية. وجدت لوزان نفسها وحيدة مجددًا وسط ساحة معركة تزداد اشتعالاً، تراقب ظهره يبتعد نحو صفوف أعدائها، وشعرت بخوف مضاعف: خوف عليه، وخوف من أن تراه مجددًا يومًا ما وهو يقاتل ضد شعبها مباشرة دون مفر.استمرت المعركة طوال الليل بعنف متصاعد، موجات متتالية من الهجمات تصدها قوات

  • مملكة أزجون   الفصل 14

    بعد أسبوع واحد فقط من انهيار الثقة بين لوزان وهامير، وجدت روناسا الفرصة المثالية التي انتظرتها طويلاً. استغلت حالة الاضطراب النفسي الواضحة التي أصابت أخاها، وأقنعت والدها جرازار، الذي كان أصلاً غاضبًا من علاقة ابنه المشينة بابنة عدوه، أن الوقت قد حان أخيرًا لضربة حاسمة كبرى ضد قلعة النور، مستغلة ضعفًا مزعومًا في دفاعاتها بعد أن "اكتشفت" — عبر جواسيسها المزروعين بعناية — تفاصيل دقيقة عن نقاط ضعف حقيقية في تحصينات المملكة الجنوبية.في ليلة مظلمة خالية من القمر، تحرك جيش برج الرماد بصمت مرعب عبر الصحراء، آلاف المحاربين المدججين بسحر أسود قاتل، تتقدمهم مخلوقات استحضرها جرازار من أعماق الظلام القديم: وحوش ذات عيون حمراء متوهجة وأجساد متحولة مشوهة، تصدر عواء مرعبًا يجمد الدم في العروق.دقّت أجراس الإنذار في قلعة النور فجأة في منتصف الليل، صوتها الحاد يمزق سكون المدينة النائمة. استيقظ الجميع فزعين، الحراس يتراكضون نحو مواقعهم المحددة، السكان المذعورون يبحثون عن ملاجئ آمنة وسط صراخ الأطفال وبكاء الأمهات الخائفات.وقف الملك رامان على سور القلعة، يراقب بذعر متصاعد الجيش الأسود يتقدم كموجة من ال

  • مملكة أزجون   الفصل 13

    بينما كانت روناسا تعمل على تدمير ثقة لوزان من الداخل، لم تُهمل الجانب الآخر من خطتها المزدوجة الماكرة. استدعت أحد سحرة برج الرماد المهرة في تزوير الوثائق والأختام، وأمرته بصنع رسالة مزيفة تبدو تمامًا وكأنها مكتوبة بخط يد قائد حرس قلعة النور، موجهة لعينَي هامير وحده، تحتوي على تعليمات سرية مزعومة للوزان بجمع معلومات استخباراتية عن برج الرماد من خلال "علاقتها" به.كانت الرسالة مصاغة بدهاء شيطاني، تشير إلى تفاصيل دقيقة حقيقية عرفتها روناسا من مراقبتها الطويلة — مواعيد لقاءاتهما، أماكنها بالضبط، حتى بعض الجمل التي تبادلاها فعلاً — مما يجعلها تبدو حقيقية تمامًا لا يرقى إليها شك، رسالة تحوّل كل لحظة حب صادقة عاشها هامير مع لوزان إلى مجرد أداة تجسس باردة محسوبة بدقة.دبّرت روناسا الأمر بعناية فائقة ليجد هامير هذه الرسالة "مصادفة" في حقيبة سفر تعود لأحد رسل قلعة النور الذين اعترضهم تلاميذها قرب الحدود، رسول قُتل بهدوء ودُفن جسده بعيدًا، بينما بقيت حقيبته "الأدلة الدامغة" لتصل إلى هامير عبر قناة تبدو بريئة تمامًا.فتح هامير الحقيبة بفضول عادي، يبحث عن أي معلومات قد تفيد في فهم تحركات جيش رامان

  • مملكة أزجون   الفصل 12

    وقف هامير صامتًا أمام أبيه لدقائق طويلة ثقيلة، يشعر بثقل الاختيار الذي يواجهه: يكذب مجددًا محاولًا كسب وقت إضافي، أم يواجه الحقيقة كاملة بكل عواقبها المرعبة المحتملة. تذكّر فجأة كلمات لوزان له في إحدى لياليهما، عن أهمية الصدق مهما كان مؤلمًا، عن كرهها العميق للأكاذيب التي تحيط بحياتهما الملكية المزيفة أحيانًا. استمد منها شجاعة غريبة في تلك اللحظة الحرجة تمامًا."نعم، هناك امرأة" قال أخيرًا بصوت ثابت مفاجئ حتى لنفسه، رافعًا رأسه ليواجه نظرة أبيه الحادة المخترقة مباشرة. "امرأة أحبها بصدق تام، أكثر من أي شيء آخر عرفته في حياتي كلها.""من هي؟" كرر جرازار سؤاله بنبرة أكثر برودة وحدة هذه المرة، محذّرة بوضوح.أخذ هامير نفسًا عميقًا طويلاً، يعرف تمامًا أن الكلمات القادمة ستغيّر كل شيء في حياته إلى الأبد، ولا رجعة بعدها. "إنها الأميرة لوزان" قال أخيرًا بوضوح تام لا يقبل اللبس. "ابنة الملك رامان."ساد صمت رهيب مطبق في القاعة المظلمة، صمت أثقل من أي عاصفة رعدية سمعها هامير في حياته كاملة. تغيّر وجه جرازار ببطء مرعب، من الحدة الباردة إلى غضب عارم متصاعد بشكل مخيف، عروق وجهه تنتفخ بوضوح تحت جلده ا

  • مملكة أزجون   الفصل 11

    استمر باران وكانال في لقاءاتهما السرية المتكررة عند حدود المهرجان، كل مرة تحت ذريعة جديدة مختلفة يبتكرانها لأهلهما المشغولين. بدأ الأمر كلعبة بريئة بالنسبة لباران، تسلية جديدة تُنسيه ملل قصره وقسوة أبيه، لكنه وجد نفسه، مع مرور الأسابيع، ينتظر لقاءاتهما بشغف حقيقي لم يعتد الشعور به من قبل مع أي فتاة أخرى عرفها.في أحد اللقاءات، بينما كانا يتجولان على ضفة نهر صغير يفصل بين الأراضي المحايدة، سألته كانال فجأة سؤالاً لم تخطط له مسبقًا: "لماذا تبدو دائمًا هاربًا من شيء، بار؟ أشعر أنك تحمل ثقلاً كبيرًا لا تريد التحدث عنه أبدًا."توقف باران عن المشي، مندهشًا من دقة ملاحظتها العميقة. لم يخبرها أبدًا بالتفاصيل الحقيقية عن حياته، لكنها بدت وكأنها ترى خلال القناع البسيط الذي يرتديه بسهولة تامة. "وأنتِ أيضًا" رد أخيرًا بصوت هادئ متأمل. "أشعر أنك تحملين شيئًا مشابهًا. ربما هذا بالضبط ما يجعلنا نفهم بعضنا بهذه السهولة رغم قصر معرفتنا الحقيقية."جلسا على صخرة كبيرة قرب النهر، والشمس تبدأ بالمغيب خلفهما برذاذ ذهبي جميل. لأول مرة، شعر باران برغبة حقيقية في البوح بجزء من حقيقته، دون الكشف عن اسمه الكامل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status