LOGIN
**الفصل الأول: الرحيل من الصعيد**
في قرية نائية من قرى الصعيد الأعلى، حيث يتعانق النيل مع الأرض الطينية الخصبة، وحيث تشرق الشمس كل صباح على حقول القصب التي تمتد كبحر أخضر لا نهاية له، عاش مراد الهواري. كان شاباً في السادسة والعشرين من عمره، طويل القامة حتى كاد رأسه يلامس عتبات الأبواب المنخفضة في البيوت الطينية، بشرة قمحاوية ناعمة اكتسبت لونها الذهبي من شمس الصعيد الحارقة طوال السنين، وعينان سوداوان هادئتان تخفيان خلفهما صبراً عميقاً وإرادة لا تنكسر. جسده ممشوق قوي، عضلاته مشدودة من سنوات العمل الشاق في الورشة وفي الحقول، ويداه كبيرتان خشنتان لكنهما ماهرتان تعرفان سر كل مسمار وكل ترس. كان بيت آل الهواري بيتاً طينياً واسعاً نسبياً مقارنة ببيوت القرية، يقع في طرف الحارة، محاطاً بفناء صغير فيه شجرة نبق قديمة وبئر ماء. يعيش فيه الأب الحاج عبد الله الهواري، رجل في الستين من عمره، ظهره منحني قليلاً من سنين الفلاحة، لكنه لا يزال يحتفظ بهيبته وصوته الجهوري. والأم الحاجة فاطمة، امرأة صبورة في أواخر الخمسينيات، تقضي يومها بين المطبخ والفرن البلدي، وتدعو لابنها مراد في كل صلاة. أما الأخ الأكبر محمود، فكان في الثانية والثلاثين، متزوجاً منذ خمس سنوات من امرأة تدعى سعاد، وأنجبا طفلين صغيرين. كانوا جميعاً يعيشون تحت سقف واحد، يتشاركون الطعام والضيق والفرح القليل. مراد كان يعمل منذ صباه في ورشة الميكانيكا الوحيدة في القرية، ورشة عم سيد العجوز. الورشة عبارة عن سقيفة من الصفيح والطوب اللبن، مليئة برائحة الزيت المحروق والحديد الصدئ، وفيها تراكتورات قديمة وسيارات نصف نقل معطلة ودراجات نارية متهالكة. منذ أن كان مراد في الثانية عشرة، كان يأتي بعد المدرسة ليساعد عم سيد في فك المحركات وتنظيف القطع. تعلم كيف يغير الزيت، كيف يصلح مضخة الوقود، كيف يضبط الإشعال، وكيف يعيد الحياة إلى محرك كان الجميع يظنه ميتاً. كان عم سيد يقول له دائماً وهو يمسح يديه بقطعة قماش متسخة: «إنت يا مراد عندك موهبة. العربيات بتتكلم معاك زي ما الطين بيتكلم مع الفلاح». مع مرور السنوات أصبح مراد العمود الفقري للورشة. يأتي في الصباح الباكر قبل أذان الفجر، يفتح الباب الحديدي الصدئ، ويبدأ يومه بترتيب العدد. يصلح ما يستطيع، ويشرح للزبائن بلغة بسيطة ما حدث لمحركاتهم. كان أهل القرية يثقون به ثقة عمياء. يقول أحدهم: «لو مراد لمس الموتور، يبقى هيرجع يشتغل ولو كان ميت». وفي المساء يعود إلى البيت متعباً، يديه سوداوين من الزيت، لكنه راضٍ. يجلس مع أبيه تحت شجرة النبق، يشرب الشاي الثقيل، ويستمع إلى حكايات القرية القديمة. لكن داخل البيت كانت هناك مشكلة صامتة تأكل الأسرة من الداخل. الأخ الأكبر محمود كان يعاني من مشكلة جنسية مزمنة. منذ زواجه لم يستطع أن يكون رجلاً كاملاً مع زوجته سعاد. كانت الليالي تمر ثقيلة، وهو يفشل مرة بعد مرة، حتى أصبح يتجنب غرفة النوم، وينام في السطح أو في غرفة الضيوف بحجة التعب. سعاد، التي كانت في التاسعة والعشرين، امرأة ممتلئة الجسد، ذات بشرة بيضاء نسبياً مقارنة بنساء القرية، وشعر أسود طويل، عاشت سنوات من الحرمان. في البداية صبرت، ثم بدأت تشكو لأهلها، ثم أصبحت النظرات التي ترميها نحو مراد مختلفة. مراد كان يلاحظ ذلك منذ أشهر. في البداية ظن أنه يتخيل. كانت سعاد تمر به وهو يغسل يديه في الحوض الخارجي، فتتوقف ثوانٍ أطول من اللازم، وتنظر إلى ذراعيه المفتولتين أو إلى صدره العريض الظاهر من فتحة القميص. أحياناً تأتي إليه في الورشة بحجة أن محمود أرسلها لتطلب منه شيئاً، فتقف قريبة منه أكثر مما ينبغي، ورائحة عطرها الرخيص تملأ المكان. مرة قالت له بصوت منخفض وهي تناوله كوب الشاي: «إنت مختلف عن أخوك يا مراد... ربنا خلقك راجل». ابتلع مراد ريقه ولم يرد، وانصرف إلى داخل الورشة بسرعة. تكررت المواقف. في إحدى الليالي الحارة، بينما كان الجميع نياماً، استيقظ مراد ليشرب ماء، فوجد سعاد واقفة في الممر مرتدية ثوباً رقيقاً يكشف عن تفاصيل جسدها. نظرت إليه طويلاً وقالت: «محمود نايم بره... وأنا مش قادرة أنام». ابتعد مراد خطوة وقال بهدوء لكن بحزم: «عودي يا سعاد. ده حرام، وده بيت أهلي». عادت إلى غرفتها صامتة، لكن النظرة في عينيها لم تختفِ. في اليوم التالي حاولت لمس يده وهو يمر بجانبها في المطبخ، فسحب يده بسرعة وخرج من البيت. كان مراد يعاني في صمت. يحترم أخاه رغم ضعفه، ويحب أباه وأمه، ولا يريد أن يدمر الأسرة. لكنه كان يشعر أن الجدران تضيق عليه. في الليل يسمع صوت سعاد وهي تتنهد في الغرفة المجاورة، أو يسمع خطواتها الخفيفة تقترب من باب غرفته ثم تعود. مرة وجدها قد وضعت له قميصاً نظيفاً على فراشه مع ورقة صغيرة مكتوب عليها كلمة واحدة: «احتجتك». مزق الورقة وأحرقها في الفرن، وقرر أن الأمر تجاوز الحد. جلس ذات مساء مع أبيه تحت الشجرة. قال له بصوت خافت بعد أن تأكد أن لا أحد يسمع: «يا أبوي، أنا مش قادر أفضل هنا. الدنيا ضاقت عليّ». نظر إليه الحاج عبد الله طويلاً، وكأنه يقرأ ما في قلبه دون أن يُقال. سكت الأب قليلاً ثم قال: «أنا عارف يا بني. سعاد مش مرتاحة، ومحمود حالته معروفة. لو فضلت هنا هتحصل مصيبة. روح القاهرة، اشتغل هناك، وابني نفسك. الصعيد بيرجع لأولاده لما يكبروا». بكت الأم عندما سمعت الخبر، لكنها في النهاية باركته وقالت: «ربنا يصلح حالك يا مراد، ومتنساش تصلي». في الليلة الأخيرة قبل الرحيل، جلس مراد في غرفته الصغيرة يجمع ملابسه القليلة في حقيبة جلدية قديمة. كان يسمع صوت محمود وهو يشخر في السطح، وصوت سعاد وهي تتمشى في الفناء كأنها تنتظر فرصة أخيرة. لم يخرج إليها. أغلق الباب بالمفتاح، ونام نوماً متقطعاً. في الصباح الباكر، قبل أن يستيقظ أحد، ودّع أباه وأمه في صمت، وحمل حقيبته، ومشى نحو محطة القطار في البلدة المجاورة. كانت الرحلة طويلة ومتعبة. ركب مراد القطار من محطة الصعيد في ساعة الفجر. جلس على المقعد الخشبي بجوار نافذة مفتوحة، ينظر إلى الحقول وهي تمر بسرعة، والنخيل يبتعد تدريجياً. تذكر وجه أمه وهي تمسح دموعها، ووجه أبيه وهو يضع يده على كتفه ويقول: «إنت راجل يا مراد». ثم تذكر نظرة سعاد الأخيرة عندما رأته يحمل الحقيبة، نظرة مختلطة بين الغضب والحاجة. هز رأسه وطرد الفكرة. القطار كان يهتز ويزأر، والركاب من حوله نيام أو يتهامسون. أحس مراد للمرة الأولى منذ سنوات أنه يتنفس بحرية، رغم الخوف من المجهول. وصل إلى محطة مصر في القاهرة بعد ساعات طويلة. نزل من القطار وحقيبته على كتفه، ووجد نفسه وسط عالم لم يتخيله. الزحام جنوني، السيارات تمشي كأنها في سباق، الناس يركضون في كل اتجاه، والروائح تختلط: عادم، وطعام، وعرق، وعطور. سأل شرطياً عن أقرب مكان رخيص للمبيت، فأشار له إلى حي شعبي بعيد. استقل ميكروباصاً مزدحماً، ووصل بعد ساعة إلى غرفة صغيرة فوق سطح، إيجارها باليوم، فيها فراش رقيق وشباك يطل على سطح آخر. في الأيام الأولى كان مراد يتجول باحثاً عن عمل. يدخل الورش في الأحياء الشعبية، يعرض خبرته، لكن معظمها كانت ترفض أو تعرض أجوراً زهيدة. كان يعود في المساء متعباً، يأكل طعمية وفلافل، وينام. لكنه لم يستسلم. تذكر كلام أبيه: «ابني نفسك». بعد أسبوعين سمع من رجل في مقهى شعبي عن ورشة كبيرة في حي راقٍ جداً من أحياء القاهرة، تتعامل حصرياً مع السيارات الفخمة: مرسيدس، بي إم دبليو، رنج روفر، وأحياناً سيارات أندر. قال الرجل: «الورشة دي بتدور على حد شاطر وهادي، لأن الزباين ناس مستواهم عالي». قرر مراد أن يجرب. ارتدى أنظف ما عنده، ومشى مسافة طويلة حتى وصل إلى الحي الراقي. الشوارع واسعة ونظيفة، السيارات لامعة كالمرايا، والبيوت خلف أسوار عالية وأشجار كثيفة. أحس أنه دخل عالماً آخر تماماً عن عالم الصعيد. وقف أمام باب الورشة الكبيرة التي تحمل لافتة أنيقة، ودخل بخطوات ثابتة. طلب مقابلة المدير. كان المدير رجلاً في الخمسينيات، أنيقاً، ينظر إليه بتمعن. سأله عن خبرته، فأجاب مراد بلهجته الصعيدية الواضحة: «بصلح عربيات من وأنا عندي اتناشر سنة. في الصعيد أصلحت تراكتورات وسيارات نص نقل ومحركات ديزل. جربني». أخذه المدير إلى سيارة مرسيدس حديثة كانت تعاني من عطل غامض في نظام الحقن. جلس مراد تحتها، وفكك بهدوء وثقة، واكتشف المشكلة في أقل من ساعة، وأصلحها بدقة. عندما أدار المدير المحرك، عمل بسلاسة تامة كأن شيئاً لم يكن. ابتسم المدير ومد يده وقال: «هتبدأ بكره. الراتب كويس، والزي رسمي، ولازم تكون محترم ودقيق مع الزباين. إحنا بنتعامل مع ناس كبار». بدأ مراد عمله في اليوم التالي. كان يستيقظ قبل الفجر من غرفته الشعبية، يركب المواصلات المتغيرة حتى يصل إلى الحي الراقي قبل فتح الورشة. يرتدي القميص الأزرق عليه شعار الورشة، والبنطلون الأسود، ويبدأ يومه. يتعامل مع السيارات الفخمة كأنها كنوز نادرة. يمسحها قبل العمل، يغير الزيوت الأصلية، يفحص الفرامل الإلكترونية، ويصلح الأعطال المعقدة التي كانت تحير بعض الفنيين الآخرين. كان زملاؤه ينظرون إليه في البداية بشيء من الشك بسبب لهجته وشكله الريفي، لكن سرعان ما تحول الشك إلى احترام. يقول أحدهم: «الصعيدي ده إيده من ذهب، والموتور بيرجع يشتغل كأن ربنا خلقه من جديد». في الأشهر الأولى ركز مراد كل طاقته على العمل. يعود في المساء إلى غرفته، يغسل الزيت عن يديه جيداً، يأكل، ويتصل بأهله كل أسبوع. يسمع صوت أمه وهي تبكي من الفرح، وصوت أبيه وهو يسأله عن صحته. عن محمود وسعاد لم يسأل كثيراً، ولم يذكر أحد شيئاً. كان يدخر كل ما يستطيع، ويرسل جزءاً إلى البيت. حياته أصبحت روتيناً صارماً: عمل، ادخار، نوم، ثم عمل من جديد. لم يكن يبحث عن صداقات أو علاقات. كان يعرف أنه جاء ليبني نفسه، لا ليتورط في شيء آخر. مع الوقت بدأ المدير يثق به في المهام الخارجية. يرسله إلى الفلل الفخمة في الحي الراقي لإصلاح سيارات تعطل في بيوت أصحابها. يدخل مراد المرآب الواسع، يصلح العطل، ويتحدث مع البواب أو السائق بأدب، ثم يغادر. أحياناً تخرج صاحبة المنزل أو صاحبها لتسأله عن السيارة، فيرد باختصار واحترام، دون أن يطيل النظر أو الكلام. كان يحافظ على مسافة واضحة. في داخله كان لا يزال يحمل آثار ما حدث في بيت أهله، وكان يرفض أن يكرر أي شيء يشبه ذلك. ذات يوم أُرسل إلى فيلا كبيرة لإصلاح رنج روفر أحدث موديل. عمل تحتها ساعتين كاملتين، بينما كانت أصوات الطيور تأتي من الحديقة المحيطة. انتهت المهمة بنجاح، وغادر دون أن يحدث شيء يستحق الذكر. عاد إلى الورشة وكتب تقريره بدقة. في المساء جلس في غرفته يتذكر قريته، والنيل، وشجرة النبق، ووجه أبيه. ابتسم في الظلام وقال لنفسه: «أنا هنا دلوقتي. بشتغل في عربيات الناس الكبار. ده اللي كنت نفسي فيه». ثم نام جاهزاً ليوم جديد. مرت الشهور ببطء لكن بثبات. أصبح مراد معروفاً في الورشة بمهارته وهدوئه والتزامه. لم يعد أحد يسخر من لهجته. كان المدير يفضله في السيارات الأغلى والأكثر تعقيداً. كان يدخل الفلل، يصلح، ويخرج. حياته لا تزال بسيطة ومنضبطة. الغرفة الشعبية، المواصلات اليومية، والعمل المتواصل. لكنه كان يشعر أن الأرض تحت قدميه أصبحت أصلب. لم يعد الشاب الذي هرب من مطاردة صامتة في بيت أهله. أصبح الميكانيكي الذي تعتمد عليه الورشة في الحي الراقي. في أحد المساءات، بعد يوم طويل أمضاه في إصلاح نظام تعليق معقد في سيارة بي إم دبليو، جلس مراد على سطح البناية التي يسكن فيها، ينظر إلى أضواء القاهرة الممتدة. تذكر الليلة التي قرر فيها الرحيل، ونظرة سعاد، وصوت أبيه. هز رأسه وطرد الذكريات. قال لنفسه بصوت خافت: «اللي فات مات. أنا هنا عشان أشتغل وأبني نفسي، مش عشان أي حاجة تانية». ثم نزل إلى غرفته ونام نوماً عميقاً هذه المرة. وهكذا استمرت حياة مراد الهواري في مرحلتها الأولى بالقاهرة. يعمل في ورشة السيارات الفخمة في الحي الراقي، يصلح المحركات اللامعة، ويحافظ على حدوده بكل صرامة. لم تكن هناك علاقات، ولا لقاءات شخصية تتجاوز إطار العمل. كانت كل أيامه تدور حول الزيت والمفاتيح والكتالوجات الأجنبية التي بدأ يتعلم منها أكثر فأكثر. كان لا يزال ابن الصعيد الذي جاء حاملاً حقيبته الصغيرة ومهارته الكبيرة، وترك خلفه بيتاً مليئاً بالتوتر الصامت. وفي هذه المرحلة، كان كل ما يريده هو أن يثبت لنفسه ولأهله أنه قادر على النجاح بعيداً عن كل ما كان يطارده. مع انتهاء عامه الأول تقريباً في المدينة، كان مراد قد ادخر مبلغاً لا بأس به، وأصبح اسماً موثوقاً في الورشة. كان المدير يكلمه أحياناً عن إمكانية ترقيته أو إعطائه عمولات إضافية على المهام الخارجية. كان يرد دائماً بالشكر والعمل الأكثر. في داخله كان يعرف أن هذا ليس سوى البداية. الطرق في القاهرة كثيرة، والسيارات الفخمة كثيرة، والفلل الراقية أكثر. لكنه كان يمشي بخطوات محسوبة، كمن يصلح محركاً حساساً: ببطء، وبدقة، ودون استعجال. في نهاية ذلك الفصل من حياته، وقف مراد ذات فجر أمام باب الورشة قبل أن يفتح، يتنفس الهواء النقي نسبياً في الحي الراقي، ويتذكر رائحة الطمي في قريته. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال في سره: «يا رب، أقدرني على اللي جاي». ثم دخل ليبدأ يوماً جديداً من العمل، وسط السيارات الفخمة التي تنتظر يديه الماهرتين، بعيداً عن كل ما تركه خلفه في الصعيد، ومستعداً لما قد تحمله الأيام القادمة من مفاجآت لم يكن يتوقعها بعد.**الفصل الحادي والسبعون: الشحنة تتحرك والضغط بيزيد**تاني يوم الصبح مراد كان في الورشة لما لينا اتصلت عليه. قالت على طول:«المخلص كلم. الإجراءات الورقية خلصت. الجزء الأصلي من الشحنة هيتحرك النهاردة بعد الظهر من الجمارك للمخزن.»مراد رد وهو بيطفي الموبايل عن ودن الفني اللي جنبه:«كويس. أنا هكون في المخزن من الظهر. أي حاجة عن الدفعة الصغيرة؟»لينا قالت:«لسة محجوزة. المورد التركي بعت رد مبدئي إنه مستعد يراجع الموضوع، بس طالب تقارير الفحص الرسمية الأول. أنا هبعتها له النهاردة.»مراد قال:«تمام. أنا خلصت هنا وهتحرك.»وصل المخزن بعد الظهر لقى العربيات بتحمل الكراتين. فضل واقف يتابع بنفسه لحد ما آخر كرتونة نزلت. لينا وصلت بعده بنص ساعة ومعاها أوراق. قالت وهي بتسلم للأمين:«الكمية اللي وصلت مطابقة للقائمة اللي اتفقنا عليها بعد فصل الدفعة المحجوزة. أي نقص أو تلف يتسجل فوراً.»بعد ما الحركة هدأت قعدوا في المكتب الصغير اللي في المخزن. مراد قال:«الجزء الأكبر رجع. دي جولة كسبناها.»لينا ردت:«أه. بس الدفعة الصغيرة لسة معلقة، والرسائل اللي كانت بتتبعت للزبونين ما وقفتش خالص. في زبون من أكتوبر كلم
**الفصل السبعون: نتيجة الفحص والرد**تاني يوم الصبح مراد وصل المكتب قبل ما لينا توصل. قعد يراجع الفواتير وهو مستني أي خبر من الجمارك. بعد نص ساعة الباب فتح ولينا دخلت ومعاها الموبايل في إيدها. قالت من غير مقدمات:«المخلص كلم. نتيجة الفحص الأولية طلعت.»مراد وقف وقال:«قولي.»لينا قعدت قدامه وقالت بصوت هادي بس فيه توتر:«العينات اللي أخدوا معظمها أصلية ومطابقة. بس في دفعة صغيرة من الفلاتر فيها اختلاف في الخامة. مش غش صريح، بس مش مطابقة ١٠٠٪ للمواصفات اللي اتفقنا عليها مع المورد.»مراد سأل:«يعني الشحنة هتخرج ولا لأ؟»لينا ردت:«المخلص قال إنهم هيسمحوا بخروج الجزء الأصلي بعد ما نفصل الدفعة المختلف فيها. الدفعة الصغيرة هتتحتجز لحد ما نوضح الموقف مع المورد. يعني خسارة محدودة مش كاملة.»مراد سكت شوية وهو بيهضم الكلام بعدين قال:«أحسن من إني أخسر الشحنة كلها. بس برضه في خسارة.»لينا أومأت:«أه. وأنا كلمت المحامي التجاري. قال نقدر نرجع على المورد التركي بالفرق، خصوصاً إن معانا المراسلات اللي بتثبت المواصفات المطلوبة.»مراد قعد وقال:«والبلاغات؟ في أي رد فعل من حسام أو مصطفى النور؟»لينا فتحت
**الفصل التاسع والستون: أول خطوة في الحرب**تاني يوم الصبح مراد وصل المكتب لقى لينا جاهزة ومعاها ملف كبير والمحامي واقف جنبها. لينا قالت أول ما دخل:«البلاغين جاهزين. هنروح القسم دلوقتي نقدمهم. أنت هتيجي معانا ولا تفضل هنا؟»مراد رد:«هتيجي معاكو. عايز أكون موجود.»نزلوا التلاتة. في القسم فضلوا أكتر من ساعتين بين تسجيل البلاغات والتصوير والتوقيعات. لما خرجوا المحامي قال لهم:«كده رسمياً الموضوع اتفتح. النيابة هتبدأ تطلب بيانات من شركة المحافظ ومن المورد التركي ومن شركة النور. الموضوع هياخد وقت، بس أول خطوة اتعملت.»مراد صافحه وقال:«شكراً. أي تحديث قولي لنا على طول.»المحامي مشي. مراد ولينا رجعوا المكتب. أول ما قعدوا لينا قالت:«أنا هبدأ أكلم الزباين الكبار واحد واحد وأطمنهم إننا اتخذنا إجراءات قانونية ضد أي حد بيسئ لسمعة الشركة.»مراد قال:«كلمهم بهدوء. ومتدخليش في تفاصيل كتير.»لينا أومأت وفتحت اللابتوب. بعد شوية رفعت راسها وقالت:«في خبر من المخلص. نتيجة الفحص الأولية هتطلع بكره أو بعد بكره على الأكثر.»مراد سأل:«في أي إشارة لنتيجة؟»لينا ردت:«لأ. لسة.»مراد سكت وهو بيبص في الأرض
**الفصل الثامن والستون: الحرب بدأت**بعد ما المحامي خلص اجتماعه مع مراد ولينا وخرج، القوضة فضلت ساكتة شوية. مراد كان واقف عند الشباك ولينا قاعدة قدام اللابتوب بتراجع الملاحظات اللي كتبها المحامي. بعد دقيقة قالت:«المحامي شايف إن معانا أسانيد كويسة ضد حسام. التحويل والرقم والمحادثات مع المورد التركي كافية نرفع بيها جنحة نصب وخيانة أمانة لو حبينا. أما مصطفى النور فموضوع الرسائل أصعب شوية لأن معظمها من أرقام مجهولة، بس لو قدرنا نثبت إنها طالعة من جهته نقدر نعمل محضر بلاغ كاذب وإساءة استخدام وسائل التواصل.»مراد رد من غير ما يلتفت:«عايز نتحرك على الجبهتين مرة واحدة. مش هسيبهم يضربوا الشغل والسمعة وأنا ساكت.»لينا قالت:«متفقين. أنا هجهز البلاغين مع المحامي ونقدمهم بكره. كمان هكلم كام زبون كبير بهدوء وطمّنهم إن الكلام اللي وصلهم شائعات ومفيش أي أساس.»مراد لف وقعد قدامها وقال:«الزبون اللي في التجمع اللي كان طالب كمية كبيرة… كلمته؟»لينا ردت:«كلمته من ساعة. كان متردد في الأول، بس بعد ما شرحت له إن في منافس بيلعب بالقذر هدأ شوية. قال هيستنى نتيجة الفحص قبل ما يقرر.»مراد سكت شوية وهو بيبص
**الفصل السابع والستون: الخيط يتوصل وحاجة جديدة**سادس يوم من الأزمة بدأ برسالة من لينا قبل الفجر:«تعالى بدري. في كلام مهم أوي.»مراد وصل المكتب لقى لينا قاعدة ووشها متوتر أكتر من الأيام اللي فاتت. قالت أول ما قعد:«الكشف البنكي والرقم اتوصلوا أخيراً. الاسم الحقيقي لصاحب المحفظة مش كريم عبد الرحمن… الاسم ده مستعار. الاسم الأصلي: حسام فؤاد. كان شغال معانا في المخزن لمدة أربعة شهور وساب من تلات شهور بعد خلاف على مرتب.»مراد سأل بسرعة:«وحسام ده دلوقتي فين؟»لينا ردت وهي بتقلب في ورقة:«بيشتغل حالياً في شركة استيراد قطع غيار منافسة في العبور. الشركة دي اسمها “النور للتجارة”. وصاحبها راجل اسمه مصطفى النور، معروف إنه بيلعب كوع في السوق.»مراد سكت ثواني بعدين قال:«يعني هو اللي لعب في الشحنة؟»لينا قالت:«الاحتمال كبير. لقيت كمان إن حسام كان بيكلم المورد التركي من نفس الخط اللي ظهر قبل كده. وكمان… في حاجة جديدة.»مراد رفع راسه وقال:«قولي.»لينا سكتت لحظة كأنها بتختر الكلام بعدين قالت بصوت أوطى:«مصطفى النور بدأ يبعت لكام زبون من زبائننا الكبار رسائل من أرقام مختلفة. الرسائل بتقول إن في مش
**الفصل السادس والستون: خيط جديد**خامس يوم من أزمة الشحنة بدأ قبل ما الشمس تطلع كويس. مراد لقى رسالة من لينا على الموبايل وهو لسة بيغسل وشه:«الكشف البنكي وصل. تعالى بدري.»لبس بسرعة ونزل. المكتب كان فاتح ولينا قاعدة قدام اللابتوب وم주위에 بيها أوراق مطبوعة. أول ما دخل قالت من غير سلام:«اقعد. في حاجة مهمة.»مراد قعد وقال:«قولي.»لينا لفت الشاشة ناحيته وقالت:«التحويل الصغير اللي اتكلم عنه قبل كده… طلع رايح لمحفظة إلكترونية مسجلة باسم مستعار. بس بعد ما ضغطنا على شركة المحافظ قدروا يدونا بيانات جزئية. الاسم المرتبط بالمحفظة في أحد العمليات القديمة: كريم عبد الرحمن.»مراد رفع راسه بسرعة وقال:«نفس الاسم؟»لينا أومأت:«نفس الاسم. ومش بس كده. لقيت إن الرقم اللي كان بيكلم المورد التركي اتصل قبل كده من خط قريب من أحد موظفي المخزن القديم. مش متأكد مية في المية، بس الشبهة قوية.»مراد سكت ثواني وهو بيبص في الشاشة بعدين قال:«يعني في احتمال إن حد من اللي اشتغلوا معانا قبل كده ليه علاقة؟»لينا ردت:«احتمال. أنا جمعت أسماء كل اللي اشتغلوا في الاستلام والتوريد من أول ما بدأنا. هبدأ أراجع واحد واحد







