**الفصل الأول: الرحيل من الصعيد**في قرية نائية من قرى الصعيد الأعلى، حيث يتعانق النيل مع الأرض الطينية الخصبة، وحيث تشرق الشمس كل صباح على حقول القصب التي تمتد كبحر أخضر لا نهاية له، عاش مراد الهواري. كان شاباً في السادسة والعشرين من عمره، طويل القامة حتى كاد رأسه يلامس عتبات الأبواب المنخفضة في البيوت الطينية، بشرة قمحاوية ناعمة اكتسبت لونها الذهبي من شمس الصعيد الحارقة طوال السنين، وعينان سوداوان هادئتان تخفيان خلفهما صبراً عميقاً وإرادة لا تنكسر. جسده ممشوق قوي، عضلاته مشدودة من سنوات العمل الشاق في الورشة وفي الحقول، ويداه كبيرتان خشنتان لكنهما ماهرتان تعرفان سر كل مسمار وكل ترس.كان بيت آل الهواري بيتاً طينياً واسعاً نسبياً مقارنة ببيوت القرية، يقع في طرف الحارة، محاطاً بفناء صغير فيه شجرة نبق قديمة وبئر ماء. يعيش فيه الأب الحاج عبد الله الهواري، رجل في الستين من عمره، ظهره منحني قليلاً من سنين الفلاحة، لكنه لا يزال يحتفظ بهيبته وصوته الجهوري. والأم الحاجة فاطمة، امرأة صبورة في أواخر الخمسينيات، تقضي يومها بين المطبخ والفرن البلدي، وتدعو لابنها مراد في كل صلاة. أما الأخ الأكبر م
最後更新 : 2026-08-19 閱讀更多