分享

2

last update publish date: 2026-08-20 17:54:28

**الفصل الثاني: الورشة في الحي الراقي**

استقر مراد الهواري في حياته الجديدة ببطء لكن بثبات، كمن يضبط محركاً حساساً يحتاج إلى صبر ودقة. الغرفة الصغيرة فوق السطح في الحي الشعبي أصبحت مكانه الوحيد للراحة، أما الورشة في الحي الراقي فكانت عالمه الحقيقي. كل صباح قبل أذان الفجر كان يستيقظ، يغتسل بالماء البارد، يرتدي القميص الأزرق الرسمي والبنطلون الأسود، ويخرج إلى الشارع الضيق المليء ببقايا الليل. يركب الميكروباص الأول ثم الثاني ثم الثالث، حتى يصل بعد ساعة ونصف إلى بوابة الورشة الكبيرة التي تفتح أبوابها مع شروق الشمس.

الورشة كانت مكاناً واسعاً نظيفاً بشكل يفوق أي ورشة رآها في الصعيد. الأرضية إسمنتية لامعة، والعدد مرتبة في خزائن معدنية، والسيارات الفخمة تصطف في صفوف كأنها في معرض. مرسيدس سوداء، بي إم دبليو بيضاء، رنج روفر رمادية، وأحياناً سيارة أندر تأتي للصيانة الدورية. المدير، الحاج حسين، رجل في أواخر الخمسينيات، أنيق المظهر حتى في ملابس العمل، كان يثق بمراد أكثر مع مرور الأيام. يقول له وهو يسلم له مفاتيح سيارة جديدة: «إنت يا مراد بقيت عمود من عمدان الورشة. الزباين بدأوا يطلبوك بالاسم».

كان مراد يعمل بصمت وتركيز. يفتح غطاء المحرك كمن يفتح كتاباً مقدساً، يفحص كل قطعة، يشم رائحة الزيت، يسمع صوت الموتور وهو يدور، ويعرف من النغمة أين الخلل. زملاؤه في البداية كانوا ينظرون إليه بشيء من الاستغراب بسبب لهجته الصعيدية الثقيلة وشكله الريفي الطويل، لكن سرعان ما تحول الاستغراب إلى تقدير. يقول أحد الفنيين وهو ي监اه يعمل تحت سيارة: «الصعيدي ده لو لمس الموتور يبقى الموتر هيشتغل ولو كان مكسح». يبتسم مراد ابتسامة خفيفة ولا يرد، يكمل عمله.

في الأشهر التالية بدأت المهام الخارجية تزداد. المدير يرسله إلى الفلل الفخمة في الحي الراقي وما حوله لإصلاح أعطال طارئة أو إجراء صيانات دورية. يدخل مراد من البوابة الرئيسية بعد أن يتحقق البواب من هويته، يسير في الممرات المرصوفة بين الحدائق الخضراء، ويصل إلى المرآب الواسع المكيف أحياناً. هناك يبدأ عمله بهدوء تام. لا يتكلم إلا عند الضرورة، ولا ينظر إلا إلى السيارة. إذا خرج صاحب المنزل أو صاحبته ليسأله عن العطل، يرد بأدب شديد ولهجة واضحة: «العطل بسيط يا فندم، هيتصلح في ساعتين»، أو «محتاجين قطعة غيار أصلية، هطلبها من الورشة».

كان يرى عوالم لم يكن يتخيلها. داخل الفلل كانت الأرضيات رخامية لامعة، والثريات تتدلى من السقوف العالية، والخدم يتحركون بصمت. أحياناً يشم رائحة القهوة الفاخرة أو العطور الغالية وهي تخرج من النوافذ المفتوحة. لكنه لم يكن يحسد أحداً. كان يقول لنفسه وهو ينظف يديه من الزيت: «كل واحد وربنا كاتبه. أنا جيت هنا عشان أشتغل، مش عشان أتفرج».

في أحد الأيام أُرسل إلى فيلا كبيرة في شارع هادئ مليء بالأشجار. السيارة كانت رولز رويس سوداء فاخرة، تعطلت فجأة في المرآب. عمل مراد تحتها أكثر من ثلاث ساعات. كان الجو حاراً، والعرق ينساب على جبينه رغم المروحة الكبيرة المعلقة. فجأة سمع صوت خطوات أنثوية خفيفة. رفعت السيدة صوتها من بعيد: «العربية هتخلص امتى؟». رفع مراد رأسه قليلاً ورأى امرأة في أوائل الأربعينيات، أنيقة، ترتدي فستاناً بسيطاً بلون البيج، وشعرها الأسود مسرح بعناية. رد بهدوء: «كمان ساعة يا هانم، المشكلة في مضخة الوقود». نظرت إليه ثوانٍ ثم عادت إلى الداخل دون كلام إضافي. أكمل مراد عمله، أصلح العطل، اختبر المحرك، ثم غادر بعد أن سلم المفاتيح للبواب.

عادت المهمة نفسها بعد أسبوعين. هذه المرة كانت السيدة موجودة في المرآب عندما وصل. جلست على كرسي صغير في الزاوية تراقب. لم تتكلم كثيراً، فقط كانت تسأله بين الحين والآخر عن تفاصيل بسيطة. كان مراد يرد باختصار ويواصل التركيز على السيارة. في داخله كان يشعر بشيء غريب، مزيج من الحذر والفضول، لكنه طرده فوراً. تذكر سعاد ونظراتها في بيت أهله، فشدد على نفسه أن يحافظ على الحدود.

مع مرور الوقت أصبح اسم مراد معروفاً بين بعض أصحاب السيارات الفخمة في الحي. يطلبونه بالاسم عندما تتعطل سياراتهم. المدير يبتسم ويقول: «إنت بقيت براند يا ولد». كان مراد يستقبل المديح بصمت، ويزيد من ساعات عمله. في المساء يعود إلى غرفته الشعبية مرهقاً، يغسل الزيت عن جسمه جيداً بالماء الساخن والصابون، يأكل وجبة بسيطة، ثم يتصل بأهله.

في المكالمات كان صوت أمه يرتجف من الفرح: «ازيك يا بني؟ بتاكل كويس؟». يرد: «الحمد لله يا أمي، الشغل كويس والدنيا ماشية». عن أخيه محمود وزوجته سعاد كان الأب يقول باختصار: «محمود زي ما هو، وسعاد قاعدة في حالها». لم يسأل مراد أكثر. كان يفضل أن تبقى تلك الصفحة مغلقة. بعد المكالمة يجلس على حافة الفراش ينظر إلى الحائط، يتذكر شجرة النبق في الفناء، ورائحة الخبز البلدي، وصوت أذان المغرب وهو يرتفع من مسجد القرية. ثم يهز رأسه ويقرر أن الماضي لن يعيقه.

في الورشة كان يتعلم المزيد كل يوم. بدأ يقرأ الكتالوجات الأجنبية بمساعدة أحد الفنيين الذي يعرف الإنجليزية قليلاً. تعلم أسماء القطع الدقيقة، وأنظمة الكمبيوتر في السيارات الحديثة، وكيفية التعامل مع الأعطال الإلكترونية المعقدة. كان يجلس أحياناً بعد انتهاء الدوام ساعة إضافية يراجع ملاحظات، أو يعيد ترتيب الأدوات. المدير يمر به فيقول: «خد وقتك يا مراد، الشغل النضيف بيبان».

ذات مرة جاءت سيارة فيراري نادرة إلى الورشة. الجميع وقفوا حولها ينظرون بإعجاب. طلب المدير من مراد أن يتولى فحصها. جلس تحتها بحذر شديد، كمن يتعامل مع شيء ثمين جداً. اكتشف مشكلة صغيرة في نظام التبريد، أصلحها بدقة متناهية، ثم أعاد تجميع كل شيء كما كان. عندما اشتغل المحرك بصوته الأجش القوي، صفّق أحد الزملاء وقال: « رئيس العمال الصعيدي ده سحر». ضحك الجميع، ومراد ابتسم ابتسامة عريضة للمرة الأولى منذ وصوله إلى القاهرة.

الحياة في الحي الراقي كانت تكشف له كل يوم تفاصيل جديدة. كان يرى النساء وهن يخرجن من السيارات الفخمة مرتديات ملابس أنيقة، والرجال ببدلات رسمية، والأطفال مع مربياتهم. كان يمر أمام المحلات الفاخرة والمقاهي الراقية دون أن يدخلها. فلوسه كانت تُدخر بعناية. جزء يرسله إلى أهله، وجزء يبقى للطوارئ، وجزء صغير يضعه جانباً ليحلم بيوم يفتح فيه ورشة صغيرة خاصة به.

في أحد الأسابيع تكررت الزيارات إلى الفيلا التي تملك الرولز رويس. السيدة، التي عرف أن اسمها نادية من حديث البواب، كانت تطلب صيانة دورية أكثر من المعتاد. في كل مرة كان مراد يأتي، يعمل، ويجيب على أسئلتها القصيرة. كانت تجلس أحياناً على الكرسي تراقب، وأحياناً تقدم له كوب شاي على يد الخادمة. يشرب الشاي واقفاً ويشكر بصوت منخفض ثم يعود إلى السيارة. لم يكن هناك كلام زائد، ولا نظرات طويلة. لكنه كان يشعر أن هناك شيئاً يتغير في الهواء، شيئاً لم يكن مستعداً له بعد.

ذات مساء بعد يوم شاق، جلس مراد في غرفته يكتب في دفتر صغير يحتفظ به. كتب عن السيارات التي أصلحها، وعن المبالغ التي ادخرها، وعن أمنياته البسيطة: أن يشتري قطعة أرض صغيرة في الصعيد لأبيه، وأن يبني غرفة إضافية في البيت، وأن يبقى بعيداً عن أي تعقيدات. أغلق الدفتر ونام. في نومه رأى نفسه مرة أخرى تحت شجرة النبق، وأباه يضع يده على كتفه، ثم استيقظ على صوت أذان الفجر القادم من مسجد قريب.

الأيام كانت تمضي والروتين يزداد رسوخاً. مراد يستيقظ، يعمل، يعود، ينام. في الورشة أصبح المرجع في الأعطال الصعبة. إذا تعطلت سيارة بشكل غامض يقول المدير: «هاتوا مراد». يأتي هو بهدوء، يفحص، يفكر، ثم يحل المشكلة. كان الزملاء يطلبون نصيحته، وهو يشرح لهم بصبر كأنه يعود إلى أيام عم سيد في الصعيد.

في إحدى المهام الخارجية ذهب إلى فيلا أخرى تملك سيارة بنتلي نادرة. صاحبها رجل أعمال كبير، لكنه كان مسافراً، والزوجة هي من استقبلته. امرأة في منتصف الثلاثينيات، أنيقة جداً، تتحدث بلهجة راقية. سألته عن تفاصيل العطل وهو يعمل، فكان يرد بدقة دون أن يتجاوز الحد. عندما انتهى قالت له: «شغل نظيف. لو احتجناك تاني هنتصل بالورشة». شكرها وغادر. في الطريق إلى الورشة كان يفكر: هؤلاء الناس يعيشون في عالم مختلف تماماً. بيوتهم واسعة، سياراتهم أغلى من بيوت كاملة في قريته، ووقتهم موزع بين السفر والحفلات. أما هو فوقته موزع بين الزيت والمفاتيح.

مع اقتراب نهاية عامه الثاني تقريباً في القاهرة، كان مراد قد تغير قليلاً في مظهره. اشترى ملابس أفضل قليلاً، وأصبح يهتم بنظافة يديه أكثر بعد العمل، وتعلم بعض الكلمات المهذبة التي يستخدمها مع الزبائن. لكنه بقي في جوهره ابن الصعيد: هادئ، صبور، يعمل بيده وعقله، ولا يبحث عن متاعب. الماضي مع سعاد كان لا يزال جرحاً مغلقاً، يرفض أن يفتحه أو يسمح لشيء مشابه أن يحدث.

في أحد الأيام الحارة جداً، بينما كان يعمل على سيارة مرسيدس في مرآب فيلا واسعة، شعر بالإرهاق. جلس على الأرض قليلاً يستريح، يمسح العرق عن وجهه. جاءت الخادمة بكوب ماء بارد، فشكره وشرب. ثم سمع صوت السيدة من داخل المنزل وهي تتحدث في الهاتف. لم يحاول أن يسمع، أكمل راحته ثم عاد إلى العمل. عندما انتهى وغادر، كان الشمس قد مالت نحو الغروب، والحي الراقي يبدو هادئاً وجميلاً في الضوء الذهبي.

عاد إلى غرفته تلك الليلة متأخراً. استحم جيداً، أكل، ثم وقف أمام المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط. نظر إلى وجهه الطويل، بشرته القمحاوية، عينيه الهادئتين، وجسده القوي الذي اكتسب مزيداً من الصلابة من العمل المستمر. قال لنفسه بصوت مسموع: «إنت هنا عشان تشتغل يا مراد. العربيات دي مستقبلك. متتوهش». ثم أطفأ النور ونام.

وهكذا استمرت الأيام في الفصل الثاني من حياة مراد الهواري. الورشة أصبحت بيته الثاني، والحي الراقي أصبح مألوفاً له بكل تفاصيله، والسيارات الفخمة أصبحت لغته اليومية. كان يصلح ويعود، يدخل الفلل ويخرج، يدخر ويتصل بأهله. لم تكن هناك علاقات شخصية، ولا مغامرات، ولا أي شيء يتجاوز إطار المهنة. كان لا يزال يبني الأسس، يثبت نفسه، ويحمي الحدود التي رسمها لنفسه منذ أن غادر الصعيد.

لكن في أعماق نفسه كان يشعر أن شيئاً ما يتغير ببطء. المهام الخارجية تزداد، والوجوه النسائية في الفلل تصبح أكثر تكراراً، والهواء في بعض المراآب يحمل أحياناً رائحة عطر مختلف. كان يطرد هذه الأفكار فوراً ويعود إلى التركيز على المحركات. لأن مراد الهواري، الميكانيكي الصعيدي، كان يعرف جيداً أن المحرك إذا سخن أكثر من اللازم قبل الأوان قد يحترق. وكان يفضل أن يظل بارداً ومنضبطاً، حتى يحين الوقت المناسب... إن حان.

في نهاية أحد الأسابيع، بعد أن أصلح خمس سيارات في يوم واحد، جلس مراد في الورشة بعد انصراف الجميع. المدير مر به وقال: «روح ارتاح يا معلم. بكره يوم جديد». رد مراد: «حاضر يا حاج». بقي قليلاً يرتب أدواته، ثم أغلق الباب خلفه وخرج إلى الشارع. الليل في الحي الراقي كان هادئاً، النجوم تظهر بوضوح نسبي، والسيارات الفاخرة تمر بين الحين والآخر. مشى نحو موقف المواصلات، وهو يشعر بالتعب الجميل الذي يأتي بعد يوم عمل مثمر.

في الطريق فكر في أبيه وأمه، في محمود الذي لم يتغير حاله، وفي سعاد التي ربما لا تزال تبحث عن شيء لم تجده. ثم هز رأسه وطرد الذكرى. قال في سره: «أنا مش مسؤول عن حد غير نفسي شغلي». وصل إلى غرفته متأخراً، نام فور أن لمس الفراش، حالماً بمحركات لامعة وزيت نظيف وأيام قادمة مليئة بالعمل فقط.

وهكذا أغلق مراد الهواري صفحة أخرى من حياته في القاهرة، صفحة مليئة بالعرق والدقة والصمت، جاهزاً لما قد يأتي بعد ذلك من فصول، سواء بقيت في إطار الورشة والسيارات، أو انفتحت على أبواب أخرى لم يكن يخطط لها... بعد.

(انتهى الفصل الثاني)

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • ميكانيكي الصعيد الجامح   24

    **الفصل الرابع والعشرون: الشهر الأول**بعد مرور شهر كامل على ولادة كريم بدأ الروتين يأخذ شكلاً أكثر ثباتاً وإن ظل مرهقاً. الطفل أصبح يستيقظ أقل قليلاً في الليل، ووزنه زاد بشكل ملحوظ، وملامحه بدأت تتضح أكثر. بشرته القمحاوية صارت أوضح، وعيناه السوداوان الكبيرتان تشبهان عيني مراد في الشكل إن لم يكن في التعبير بعد. داليا استعادت جزءاً كبيراً من قوتها، وأصبحت تقوم بمعظم أمور الطفل بنفسها، لكنها لا تزال تطلب وجود مراد يومياً ولو لوقت قصير.في أحد الصباحات وصل مراد فوجد كريم مستيقظاً على سرير أمه يلعب بأصابعه. حمله وجلس به في الصالة. الطفل أمسك بطرف قميصه وشدّه. مراد ابتسم رغم نفسه وهزّه برفق. داليا قالت من المطبخ وهي تحضر زجاجة الحليب: «بقی یمسك الحاجة ويشد. زي ما تكون عايز ياكل شيئاً». رد مراد وهو ينظر إلى الوجه الصغير: «كل الأطفال كده». لكنها ابتسمت كمن لا تصدق كلامه تماماً.بعد أن أرضعته وأعادته للنوم جلس الاثنان قليلاً. داليا قالت فجأة: «لما یتم ستة شهور نقدر نعمل البصمة لو حابب. أنا مش خايفة من النتيجة». مراد نظر إليها ثم قال: «هستنى الوقت المناسب». لم يطل الحديث بعد ذلك. غادر إلى الور

  • ميكانيكي الصعيد الجامح   23

    **الفصل الثالث والعشرون: الأسابيع الأولى**الأسبوع الثاني بعد الولادة بدأ يضع روتيناً جديداً وإن كان مرهقاً. كريم كان يستيقظ كل ثلاث أو أربع ساعات تقريباً، وداليا لا تزال ضعيفة الجسد رغم أن بعض لونها عاد إلى وجهها. مراد أصبح يقسم يومه بدقة أكثر: ساعة أو ساعتين في الصباح عند الفيلا، ثم الورشة حتى المساء، ثم عودة قصيرة في الليل إذا لزم الأمر.في أحد الصباحات وصل مبكرًا فوجد داليا نائمة والطفل مستيقظاً في سريره يحرك يديه. حمله بهدوء وخرج به إلى الصالة كي لا يوقظها. جلس على الكنبة ووضع الطفل على صدره. كريم فتح عينيه ونظر باتجاه الضوء القادم من النافذة. بشرته القمحاوية كانت أوضح تحت ضوء الصباح، وشعره الأسود الكثيف نسبياً لطفل مولود حديثاً. مراد لمس أصابع قدميه الصغيرة واحدة بعد الأخرى دون أن يشعر بنفسه. بقي هكذا ربع ساعة حتى بدأ الطفل يتململ من الجوع. أعاده إلى أمه التي استيقظت على البكاء.بعد أن أرضعته قالت وهي تمسح عينيها: «بقيت تحمله أكتر من الأول». رد مراد وهو يجهز لنفسه كوب شاي: «بقيت أعرف أمسكه من غير ما يخاف». ابتسمت ضعيفة ولم تضف شيئاً.في الورشة كان العمل مستمراً بوتيرة جيدة. لينا

  • ميكانيكي الصعيد الجامح   22

    **الفصل الثاني والعشرون: الأيام الأولى**اليوم الأول بعد الخروج من المستشفى مر ثقيلاً وبطيئاً. مراد وصل إلى فيلا داليا في الصباح الباكر حاملاً بعض الحاجيات التي طلبتها. الطفل كان نائماً في سريره الصغير بجانب سريرها. وجهه مستدير وبشرته قمحاوية فاتحة، وشعره الأسود الخفيف يلامس جبينه. داليا كانت متعبة ووجهها شاحب، لكنها ابتسمت عندما رأته. قالت بصوت ضعيف: «نام كويس الليلة... قام مرة واحدة بس».مراد اقترب من السرير ونظر إلى الطفل طويلاً. مد إصبعه ولمس كفه الصغيرة بحذر. الأصابع أغلقت حول إصبعه للحظة ثم ارتخت. شعر بشيء غريب في صدره لم يستطع تسميته. سحب يده وسأل عن أي شيء تحتاجه. قضيا ساعة في ترتيب بعض الأمور: الحليب الصناعي الاحتياطي، الحفاظات، وضعية النوم. ثم جلس على الكرسي بجانب السرير بينما هي ترضعه.بعد أن نام الطفل مرة أخرى قالت داليا: «سميته كريم... على اسم جدك لو موافق». مراد سكت قليلاً ثم قال: «الاسم حلو». لم يزد. بقي حتى الظهيرة ثم غادر متجهاً إلى الورشة.لينا كانت هناك بالفعل. فتحت المكان في الصباح ورتبت المواعيد. عندما وصل مراد قالت له: «كل حاجة تحت السيطرة. زبونين بس النهاردة. رو

  • ميكانيكي الصعيد الجامح   21

    **الفصل الحادي والعشرون: الولادة**الليلة التي سبقت كل شيء كانت هادئة بشكل مخادع. مراد أغلق ورشته في الساعة التاسعة مساءً بعد يوم طويل من إصلاح محركين وفحص نظام فرامل معقد. عاد إلى غرفته، استحم، وأكل شيئاً سريعاً، ثم رمى نفسه على الفراش. الهاتف كان بجانبه كما أصبح عادته منذ أسابيع. الساعة كانت تشير إلى الحادية عشرة عندما رنّ.صوت داليا كان مختلفاً هذه المرة. مبحوحاً ومتقطعاً: «مراد... الانقباضات بقت كل سبع دقايق... وفي ماء نزل». نهض مراد فوراً. ارتدى أول ملابس وقعت عليها يده، نزل السلم بسرعة، وركب أول تاكسي وجده. في الطريق اتصل بلينا وأخبرها باختصار. قالت له: «روح. أنا هقفل الورشة بكره لو لزم وهتابع معاك». ثم اتصل بالطبيبة التي أعطته تعليمات واضحة: اذهب مباشرة إلى المستشفى المتفق عليه.وصل إلى فيلا داليا في أقل من نصف ساعة. وجدها واقفة عند الباب مع حقيبة صغيرة معدة مسبقاً. وجهها شاحب وعيناها واسعتان. ساعدها على النزول إلى السيارة، ووضع الحقيبة، وانطلق نحو المستشفى في المعادي. الانقباضات كانت تتوالى. هي تمسك بمقعد السيارة وتتنفس كما علموها، وهو يركز على الطريق ويحاول ألا يظهر قلقه.في

  • ميكانيكي الصعيد الجامح   20

    **الفصل العشرون: ما قبل الولادة**الأسابيع الأخيرة من الشهر الثامن وبداية التاسع كانت الأكثر ثقلاً على الجميع. داليا أصبحت حركتها بطيئة جداً، وبطنها كبيراً لدرجة أنها تحتاج مساعدة أحياناً للنهوض من السرير أو الجلوس. زهرتيها باتتا ثقيلتين وممتلئتين بشكل واضح، وقطعتا الفراولة حساستين إلى أقصى حد. النوم انقطع عليها ليلاً بسبب الحركات القوية أو الحرقة أو الحاجة المتكررة للحمام. مراد كان يمر عليها يومياً تقريباً الآن، حتى لو لساعة واحدة فقط ليطمئن ويسأل عن أي تغيير.في أحد المواعيد النهائية قبل الولادة المتوقعة قال الطبيب بوضوح: «أي انقباض كل عشر دقائق أو أقل، أو نزول ماء، أو نزيف... فوراً المستشفى. ومتخليهاش لوحدها فترات طويلة». مراد سجل الأرقام والطوارئ في هاتفه للمرة العاشرة. بعد الخروج ساعد داليا في الركوب وقال لها: «من النهارده همر عليك كل يوم حتى لو نص ساعة». لم تعترض. كانت مرهقة أكثر من أن تجادل.في الفيلا بعد العودة ساعدها على الاستلقاء. بعد راحة قصيرة طلبت منه القرب بحذر شديد. قال: «لو حسيتي بأي ضغط أو ألم نوقف في الثانية». خلعت ملابسها بمساعدته. لمس زهرتيها الثقيلتين من الأسفل أو

  • ميكانيكي الصعيد الجامح   19

    **الفصل التاسع عشر: الشهر الثامن**الشهر الثامن دخل ثقيلاً وواضحاً على كل شيء. بطن داليا أصبح كبيراً وبارزاً، وزهرتيها ثقيلتين جداً لدرجة أنها تضطر أحياناً إلى رفعهما بيديها وهي تتحرك داخل الفيلا. الحركات داخل بطنها صارت قوية ومستمرة، والنوم بات صعباً عليها. مراد كان يذهب إليها كل يومين تقريباً، يساعدها في بعض الأمور البسيطة، يرافقها إلى المواعيد الطبية الأسبوعية الآن، ويدفع كل ما يلزم دون تأخير. الطبيب كرر في آخر زيارة: «الأسابيع الجاية حساسة. أي انقباض منتظم أو نزيف لازم الطوارئ فوراً. والراحة شبه كاملة».في أحد الأيام بعد الفحص جلسا في سيارتها. داليا كانت تتنفس بثقل. قالت له: «بقيت أخاف من أي حركة زيادة». مراد رد وهو يقود: «خلاصي إنك تسمعي كلام الطبيب حرفياً. أنا موجود للمتابعة والطوارئ لو حصلت». عندما وصلا إلى الفيلا ساعدها على الصعود ثم أحضر لها ما تحتاجه. بعد ساعة من الراحة اقتربت منه وطلبت القرب بحذر. قال لها: «لو في أي مشقة نوقف فوراً».خلع ملابسها ببطء شديد. زهرتيها الثقيلتين لمسهما من الأسفل أولاً كأنه يحمل وزنهما، ثم انحنى وراح يمص قطعتي الفراولة بحذر بالغ لأنهما باتتا حساس

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status