LOGINوهالة السَّمَاءَ فُجِعَتْ، فَانْفَتَقَتْ بِسَوَادِهَا، وَشَرَعَتْ تُمْطِرُ وَهِيَ تُجْرِي لِلْأَرْضِ غُسْلَهَا الْأَخِيرَ، تَرَاكَمَتِ الْغُيُومُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ كَأَحْقَادٍ لَمْ تُفْصِحْ، وَانْكفَأَتِ الْأَشْجَارُ فَوْقَ بَعْضِهَا كَأَنَّهَا تَشْهَقُ مَعَ كُلِّ نَعْشٍ يُوَارَى، فِي الْمَقْبَرَةِ، بَيْنَ صَفَّيِ الْقُبُورِ الْيَتَامَى، وُضِعَ التَّابُوتَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، فأِنَّ الْمَوْتَ ذَاتَهُ خَجِلَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ عَاشِقَيْنِ.
كَانَتْ هِيَ... إِيلَارَا، النَّبْتَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي نَمَتْ وَسَطَ حَقْلٍ مِنَ الرَّمَادِ، وَاقِفَةً تَحْتَ شَجَرَةِ سَروٍ عَرْجَاءَ، تَلِفُّهَا السَّوَادُ مِنْ رَأْسِهَا حَتَّى قَدَمَيْهَا، كَأَنَّهَا قِطْعَةُ لَيْلٍ لَمْ يُكْتَبْ لَهَا شُرُوقٌ، فُسْتَانُها أَلاسْوَدُ،كَانَ حُزْنًا مُخَيَّطًا بِإِبَرِ الصَّمْتِ لَمْ يَكُنْ شَالُ حَرِيرًا، كَانَتْ رُوحَ أُمِّهَا، تَلِفُّ عُنُقَهَا كَعِنَاقٍ أَخِيرٍ لَا يُرَادُ لَهُ الْاِنْتِهَاءُ. تَقَدَّمَتْ بِخُطَاهَا نَحْوَ التُّرَابِ الطَّازِجِ، ذَٰلِكَ التُّرَابِ الَّذِي لَمْ يُشْفَ بَعْدُ مِنْ رَائِحَةِ الْحَيَاةِ، تَرْكَعُ عِندَ التَّابُوتَينِ، لا ابتهالًا، أنما لتدفن الرمق الذي بقي منها، تُشَيِّعُ جُزْءًا مِنْ كِيَانِهَا. رَفَعَتْ رَأْسَهَا... لَمْ تَرَ وَجْهًا مَعْرُوفًا، لَا عَيْنًا تُشْبِهُ عَيْنَ أَبِيهَا، وَلَا قَلْبًا يَرِفُّ لَهَا كَمَا كَانَتْ تَظُنُّ، كَانُوا هُنَاكَ... وَاقِفِينَ كَأَعْمِدَةِ مَعْبَدٍ مُهْمَلٍ، تَتَّكِئُ عَلَى الصَّمْتِ، وَتُصَلِّي لِلْوَرَقِ لَا لِلْوَدَاعِ. "فِي جَنَازَةِ وَالِدَيَّ، لَمْ يَبْكِ أَحَدٌ سِوَايَ... حَتَّى الدُّمُوعُ خَجِلَتْ أَنْ تَنْزِلَ أَمَامَ مَرَايَا الْقُلُوبِ الْخَاوِيَةِ. الشَّمْسُ تَهْوِي نَحْوَ الْمَغِيبِ كَمَا تَهْوِي الْأَقْنِعَةُ عَنْ وُجُوهِ الْمُتَوَاطِئِينَ، وَإِيلَارَا وَحْدَهَا، فِي الزَّاوِيَةِ الْقُصِيَّةِ مِنْ بَاحَةِ الْعَزَاءِ، تَمْسِكُ شَالَهَا لِتَحْتَضِنُ مَا تَبَقَّى مِنْ أُمٍّ وَرَائِحَةٍ وَطُفُولَةٍ لَكِنَّ الْكَلِمَاتِ... الْكَلِمَاتِ الَّتِي نَبَتَتْ مِنْ أَفْوَاهِ الْأَهْلِ، كَانَتْ كَالصَّدِيدِ، تُدَنِّسُ الْهَوَاءَ، وَتَنْهَشُ الْهِيبَةَ. رِيتْشَارْدُ، شَقِيقُ أَبِيهَا، تَقَدَّمَ بِخُطًى بَارِدَةٍ كَلَيْلَةِ الشَّكِّ، وَقَالَ بِصَوْتِهِ الْأَجَشِّ كَزَمْجَرَةِ حَفْرٍ: "تَحَدَّثْتُ مَعَ الْوَكِيلِ... الْإِجْرَاءَاتِ مُعَقَّدَةٌ، وَقَدْ يَسْتَغْرِقُ الْأَمْرُ وَقْتًا، لَا شَيْءَ لَنَا الْيَوْمَ." "كَارْلُوسُ"... يُحَادِثُ ذَاكَ الَّذِي يَعْقِدُ حَاجِبَيْهِ وَهُوَ يَنْظُرُ لِلْبَعِيدَةِ بِعَيْنَيْهِ الْعَسَلِيَّتَيْنِ، يَشْعُرُ بِضَرَبَاتٍ خَفِيفَةٍ يَسْحَبُهُ مِنْ جَوْفِ الْمُحِيطِ. "مَا بِكَ؟ أُحَدِّثُكَ وَأَنْتَ فِي عَالَمٍ آخَرَ؟" نَظَرَ إِلَيْهِ كَارْلُوسُ، وَهَزَّ رَأْسَهُ، صَوْتُهُ مُثْقَلٌ بِاللَّامُبَالَاةِ: "غَيِّرُوا الْوَكِيلَ، لَا نُرِيدُ مُماطَلَةً." كَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَسْرِي فِي الْعَزَاءِ كَسُمٍّ فِي النَّخَاعِ، وَإِيلَارَا تَسْمَعُ... تَسْمَعُ الْمِيرَاثَ يُغْتَصَبُ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ الْعَظْمُ، فَاسْتَدَارَتْ إِلَيْهِمْ فَجْأَةً، بِعَيْنَيْنِ تَشُقَّانِ الْهَوَاءَ كَالْشَّفْرَةِ: "تَحَدَّثُوا أَكْثَرَ... لَعَلَّ جَثَامِينَ وَالِدَيَّ تَنْهَضُ مِنْ قُبُورِهَا لِتَصْفَعَكُمْ!" "أَهَذَا وَقْتُ مِيرَاثٍ؟ أَمْ وَقْتُ مِحْنَةٍ؟ أَمْ أَنَّ قُلُوبَكُمْ لَا تَعْرِفُ إِلَّا جَمْعَ الْفُتَاتِ؟!" حَتَّى الرِّيحُ بَدَتْ كَأَنَّهَا تَتَوَارَى مِنَ الْحَرَجِ، وَالْأَرْضُ ابْتَلَعَتْ أَنْفَاسَهَا، تَخْجَلُ مِنْ هَذَا الْعَبَثِ بِالْمَوْتِ،كَأَنَّ الْكَوْنَ بِأَكْمَلِهِ خَافَ مِنْ فَضِيحَةِ الْعَزَاءِ، فَغَطَّى أُذُنَيْهِ بِسَحَابَةٍ وَانْزَوَى تَقَدَّمَتْ مَارْثَا، زَوْجَةُ عَمِّهَا، الَّتِي لَطَالَمَا قِيلَ إِنَّ ابْتِسَامَتَهَا تَسْبِقُ سُمَّهَا، تَقَدَّمَتْ تُصْلِحُ شَالَهَا كَمَا تُصْلِحُ قِنَاعَهَا، تَضَعُ كَفَّهَا عَلَى صَدْرِهَا كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُخْفِيَ خَوَاءَهُ لَا حُزْنَهُ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُغَطًّى بِالشَّفَقَةِ الْمُزَيَّفَةِ... "اِهْدَئِي يَا ابْنَتِي، حِصَّتُكِ مَحْفُوظَةٌ، لَا تَقْلَقِي." لَكِنَّ إِيلَارَا لَمْ تَكُنْ طِفْلَةً، كَانَتْ جَمْرَةً: "أَأَنْتُمْ وُرَثَةُ أَبِي؟ أَمْ وُرَثَةُ مَوْتِهِ؟ هَلْ جِئْتُمْ لِتَشْيِيعِ نَعْشِهِ، أَمْ لِتَنْهَشُوا ظِلَّهُ؟!" جُولْيَان، ابْنُ عَمِّهَا، تَقَدَّمَ بِخُطًى ثَقِيلَةٍ كَالْعَفَنِ، عَيْنَاهُ تُشِي بِاشْتِعَالِ غَضَبٍ ذُكُورِيٍّ سَقِيمٍ: "اِحْتَرِمِي نَفْسَكِ، فَلَسْنَا بِحَاجَةٍ لِدُمُوعٍ مُزَخْرَفَةٍ بِرَائِحَةِ أُمِّكِ!" لم تَصَرُخ إِيلَارَا، بِصَوْتِهَا، بل صَوْتِ كُلِّ الْيَتِيمَاتِ اللَّوَاتِي شُوِّهَتْ عَدَالَتُهُنَّ: أَلَمْ يَكْفِكُمْ أَنْ دُفِنْتُمْ فِي الْعَارِ، حَتَّى تَنْثُرُوا التُّرَابَ عَلَى وُجُوهِ الْأَحْيَاءِ؟!" رَفَعَ جُولْيَانُ يَدَهُ نَحْوَهَا، كَأَنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَسْحَقَ وَجْهَهَا بِكَفٍّ خَائِنَةٍ، لَكِن... دَوَّى صَوْتُ حِذَاءٍ ثَقِيلٍ عَلَى الْحَصَى... ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ فَقَطْ، لَكِنَّهَا سَحَبَتِ الضَّوْءَ مِنَ الْعُيُونِ، كَأَنَّ الْأَرْضَ تُعْلِنُ وُصُولَ أَحَدٍ لَا يُعَارَضُ. صَوْتٌ رُجُولِيٌّ انْشَقَّ مِنْ خَلْفِ الضَّبَابِ، جَافٌّ كَقَسَمٍ نُطِقَ عَلَى فُوَّهَةِ مَقْبَرَةٍ: "وَيْلٌ لِمَنْ يَمُدُّ يَدًا عَلَى ابْنَةِ دِيفِيد... فَأَنَا أَقْطَعُ الْيَدَ قَبْلَ أَنْ تَكْتَمِلَ الْجَرِيمَةُ." ...كَأَنَّ الطَبِيعَةُ تُعْلِنُ قُدُومَ مَنْ يَكْفُرُ بِالهَوَانِ، مَنْ يَحْمِلُ الصَّمْتَ كَسَيْفٍ، وَالنَّظَرَةَ كَسِياطِ، وَالْوَقَارَ كَأَجَلٍ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ. اِلْتَفَتَ الْجَمِيعُ... بَصَرُهُمْ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ ذُهُولٍ وَتَرَقُّبٍ، حَتَّى سَكَنَ عَلَيْهِ... عَلَيْهِ هُوَ. رَجُلٌ يَتَقَدَّمُ لِيُقِيمُ حَدًّا عَلَى العَارِ، طَوِيلُ القَامَةِ، كَأَنَّهُ جِبْرِيلُ بَشَرِيٌّ هَبَطَ لِيَفْصِلَ بَيْنَ الظُّلْمِ وَالْعَدْلِ، يَتَسَرْبَلُ بِمِعْطَفٍ دَاكِنٍ كَجَنَاحِ غُرَابٍ، وَشَعْرُهُ مُبَعْثَرٌ كَذِكْرَي مَوْتٍ لَمْ يُدْفَن. عَيْنَاهُ... آهٍ عَلَى تِلْكَ العَيْنَيْنِ، بُنيتين لَكِنَّهُمَا تَحْمِلَانِ لَوْنَ الثَّأْرِ، بَارِدَتَانِ كَالنِّصَالِ، لَكِنَّ فِي بَارِدِهِمَا وَعِيدًا لَا يُقَالُ. وَقَفَ فِي مُنْتَصَفِ الجَمْعِ، كَأَنَّهُ يَخُطُّ فَاصِلًا بَيْنَ مَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ وَمَا يَجِبُ أَنْ يُبْتَلَعَ، لَمْ يَتَحَدَّثْ فِي البِدَايَةِ، إِنَّمَا نَظَرَ... نَظَرَ نَظْرَةً وَاحِدَةً فَقَطْ نَحْوَ جُولْيَان، وَكَأَنَّهُ قَرَأَ فِيهِ كِتَابَ الْخِسَّةِ كُلَّهُ. ثُمَّ نَطَقَ... بِصَوْتٍ هَادِئٍ، وَفِي هُدُوئِهِ مِقْصَلَةٌ: "إِذَا رَفَعْتَ يَدَكَ عَلَيْهَا، أَقْسِمُ بِالذُّلِّ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ، لَتَفْقِدَنَّ مَا تَبَقَّى مِنْ رِجُولَتِكَ." خَيَّمَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ، كَأَنَّ السَّمَاءَ كَفَّتْ عَنْ أَنْفَاسِهَا، وَجُولْيَانُ أَنْزَلَ يَدَهُ بِلَعْنَةٍ، لَا خَوْفًا، لَكنَ العَيْنَيْنِ الَّتَيْنِ تُحَاصِرَانِه كَانَتَا تُشْبِهَانِ المَوْتَ. "ديفيد مات، نعم، لكنّي لم أمت معه، ورجال كوزا لا ينامون حين تُنتهَكُ وصيّةُ أخٍ." وَأَنْتَ..." قَالَ، وَهُوَ يُثَبِّتُ نَظَرَهُ فِي رِيتْشَارْد: "سَتُغَيِّرُ الْوَكِيلَ، وَسَتَدْفَعُ ثَمَنَ هَذَا التَّصَرُّفِ... لَيْسَ فِي الْمِيرَاثِ،إنَما فِي التَّارِيخِ." "مَنْ أَنْتَ؟!" سَأَلَ جُولْيَانُ، صَوْتُهُ مَخْنُوقٌ بِنُفُورٍ. فَالْرَّجُلُ أَجَابَ، وَصَوْتُهُ يُسْمَعُ فِي عَظْمِ القُبُورِ: "أَنَا الَّذِي أَرْسَلَهُ أَرْثُ الْكَرَامَةِ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِ أَبِيهَا... أَنَا آرْثَر، وَهٰذِهِ إِيلَارَا... لَا تُقَاطِعُوا لُغَتِي، فَإِنَّهَا تَتَكَلَّمُ بِنِيَابَةٍ عَنْ وَالِدَيْهَا." لَمْ يَكُنْ صَدِيقًا لِأَبِيهِ فَحَسْبْ...هو ظِلَّهُ الَّذِي لَا يَظْهَرُ فِي الصُّوَرِ. سَمِعَتْهُ تَهْمِسُ لَهُ ذَاتَ مَرَّةٍ، وَهِيَ تَظُنُّ أَنَّهَا نَائِمَةٌ: "إِنْ مِتُّ، سَيَحْضُرُ مِنَ العَدَمِ... لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّى." وَلَكِنَّهَا لَمْ تَفْهَمْ آنَذَاكَ مَنْ كَانَ يَقْصِدُ. "مَارْكُ كُوزَا، صَدِيقُ دِيفِيد، الظِّلُّ الَّذِي لَمْ تُغَادِرْهُ خِيَانَةٌ، وَالذِّرَاعُ الَّتِي لَا تَرْتَجِفُ." صَدِيقُ دِيفِيد... مِنْ ذَاكَ الطِّرَازِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ فِي الصُّوَرِ، وَلَكِنَّهُ يَقِفُ دَوْمًا خَلْفَهَا، جَاهِزٌ أَنْ يَحْتَرِقَ لِتَبْقَى الإِضَاءَةُ ثَابِتَةً عَلَى مَنْ يُحِبُّ. ثُمَّ الْتَفَتَ نَحْوَ إِيلَارَا، نَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةَ مَنْ عَرَفَ الدَّمَارَ وَأَقْسَمَ أَلَّا يَدَعَهُ يَبْلَعُهَا، وَقَالَ: "لَقَدْ مَاتَ وَالِدُكِ دُونَ أَنْ يُوصِيَ بِكِ لِأَحَدٍ، وَلَكِنَّهُ أَوْصَانِي بِحَيَاتِهِ... وَهَأَنَذَا أَفِي." إِيلَارَا، وَقَدْ رَجَفَ اسْمٌ لَمْ تَعْرِفْهُ ذَاتَ يَوْمٍ، حَدَّقَتْ فِيهِ: "وَلَكِنِّي لَمْ أَسْمَعْ بِاسْمِكَ قَطُّ... دِيفِيد لَمْ يَذْكُرْكَ يَوْمًا." وَرُبَّمَا كَانَ فِي نَبْرَةِ صَوْتِهَا شَيْءٌ مِنَ العَتَبِ..لَا عَلَى مَارْك، بَلْ عَلَى أَبِيهَا،الَّذِي أَخْفَى ظِلًّا كَانَ أَصْدَقَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي حَضَرَتْ دَفْنَهُ. ابتَسَمَ... ابتِسامَةً بعيده عن الفَرَحَ، لمعةٌ تُشبهُ السُّخرِيَةَ من الذِّكرى: "بَعْضُ الحِكَايَاتِ يَا صَغِيرَتِي لَا تُرْوَى... إِنَّهَا تُخَزَّنُ فِي القُلُوبِ كَالسُّمِّ، تُنْكِرُهَا الحَيَاةُ... وَيَسْتَرْجِعُهَا المَوْتُ." حَرَّك يَدَهُ... كَأَنَّهُ يَسْحَبُ سِتَارَ مَذْبَحَةٍ، لَا نِهَايَةَ فِيهَا، وَلَا بَدَايَةَ، إِنَّمَا وِعْدٌ بِأَنْ يَبْتَلِعَ الظَّلُّ مَا تَبَقَّى مِن الضَّوْءِ "اسْمُكِ نَقِيٌّ كَالأَلَمِ يَا إِيلَارَا، وَلَكِنَّهُمْ يُرِيدُونَهُ نَسَبًا لِلْحِسَابْ، لَا لِلْحِسَابِ." "هَذَا المَكَانُ لَا يُشْبِهُكِ... وَأَنَا رَجُلٌ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَى ظِلَّ دِيفِيد يُهَانُ." "تَعَالَي... فَهُنَا لَا أَحَدَ يَرِثُ إِلَّا الظِّلُّ، وَأَمْلِكُ مِنَ الضَّوْءِ مَا يَكْفِي لِأَقُودَكِ فِي العَتْمَةِ." كَانَتْ عَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ شَيْئًا يُشْبِهُ الأَمَانَ... وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَثِقُ بِالأَشْيَاءِ الَّتِي تُشْبِهُ. ارْتَجَفَ شَيْءٌ مَا فِيهَا، لَا خَوْفًا مِنْهُ، بَلْ خَوْفًا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُشْعِلَ فِيهَا. هَلْ يُعْقَلُ أَنْ تَنْبُتَ الثِّقَةُ مِنْ تُرَابِ المَوْتِ؟ أَمْ أَنَّ رُوحَ أَبِيهَا أَرْسَلَتْ هَذَا الغَرِيبَ لِيَحْمِلَ النِّصْفَ البَاقِيَ مِنْهَا؟ لَمْ تَعْرِفْ، وَلَكِنَّهَا شَعَرَتْ... بِأَنَّ خُطْوَةً وَاحِدَةً نَحْوَهُ، قَدْ تَعْنِي أَنَّهَا بَدَأَتْ لِتَوِّهَا جَنَازَةَ البَرَاءَةِ، لَا الحُزْنِ. ملاحظه الكاتبه أنا لم أكذب عليكم… فقط لم أقل الحقيقة كاملة البارت الثاني مجرد شق في جدار الأسرار. خذوا نفسًا عميقًا… فقد بدأ الانهيار.🍒دَخَلْتُ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، أَسِيرُ عَلَى نَصَائِحِ الذِي يَقْبَعُ خَلْفِي. وَجَدْتُ الجَمِيعَ حَاضِرًا، وَالطَّمَعُ يَبْرُقُ فِي عُيُونِهِمْ كَخَنَاجِرَ مَسْمُومَةٍ. أَنْ تَكُونِي ابْنَةً مُتَبَنَّاةً لِعَائِلَةٍ لَا ذُرِّيَّةَ لَهَا، لَكِنَّهَا تَمْلِكُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ نَسْلًا قَذِرًا، وَأَنْ يَكُونَ رَاعِيكِ وَحَامِي ظَهْرِكِ هُوَ النَّقَاءَ الوَحِيدَ المَزْعُومَ مِنْ هَذَا النَّسْلِ... أَمْرٌ يَفُوقُ قُدْرَتَكِ عَلَى تَحَمُّلِ جَشَعِهِمْ. لَمْ يُحَاوِلُوا حَتَّى مُدَارَاةَ كُرْهِهِمْ لِي.وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى مَارْكُوس، ابْنِ عَمِّي رِيتْشَارْد. لَقَدْ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ مُنْذُ أَنْ كَانَ صَغِيرًا، وَهُوَ مَنْ تَوَلَّى الِاهْتِمَامَ بِأُمُورِ العَائِلَةِ، وَلَطَالَمَا كَانَ مُقَرَّبًا مِنْ وَالِدِي "دِيفِيد".أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، وَلَمْ أُحَاوِلْ تَصَنُّعَ مَلَامِحِي؛ سَوْفَ أُعَامِلُهُمْ بِالْمِثْلِ وَأُظْهِرُ مَشَاعِرَ الكُرْهِ الَّتِي تَعْتَلِجُ فِي صَدْرِي.ــ "السَّيِّدُ كَارْث... الوَكِيلُ المَسْؤُولُ عَنِ الوَصِيَّةِ. هَذِهِ الآوِنَةَ السَّيِّدَةُ إِيلارَا."نَط
ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ يَعْتَقِدُ المُلْحِدُونَ أَنَّ الكَوْنَ نَشَأَ نَتِيجَةَ تَفَاعُلَاتٍ كِيمْيَائِيَّةٍ وَفِيزْيَائِيَّةٍ بَحْتَة، وَأَنَّنَا لَسْنَا سِوَى ذَرَّاتٍ عَابِرَةٍ تَصْطَدِمُ بِبَعْضِهَا فِي هَذَا الفَرَاغِ. يَقُولُونَ إِنَّ البَشَرَ يَنْقَسِمُونَ إِلَى صِنْفَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ. الأَشْخَاصُ الجَيِّدُونَ هُمْ مَنْ نَبَتُوا مِنَ العَنَاصِرِ النَّقِيَّةِ أُحَادِيَّةِ المَجْمُوعَاتِ، بَيْنَمَا الأَسْوِيَاءُ سِيئُو النِّيَّةِ هُمْ مَخْلُوقَاتٌ مُشَوَّهَةٌ أَنْجَبَتْهَا الطَّبِيعَةُ فِي لَحْظَةِ خَطَأٍ. وَأَنَا... وَمَنْ يَجْلِسُ بِجَانِبِي الآنَ، نَنْتَمِي إِلَى الصِّنْفِ الثَّانِي لَا مَحَالَةَ. كِلَانَا مُشَوَّهٌ بِطَرِيقَتِهِ، وَكِلَانَا يُكَمِّلُ الآخَرَ فِي هَذَا الخَرَابِ. ـ ـ ـ ـ"هَلْ يُوجَدُ شَيْءٌ فِي وَجْهِي؟" قَطَعَ تَأَمُّلَات
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ فِي صَبَاحِ "فَالِيدْمُورَا" المُثْلِجِ وَالقَارِسِ، كَانَتْ حَسْنَاؤُنَا تَقِفُ أَمَامَ الشُّرْفَةِ، تُرَاقِبُ بِعَيْنَيْنِ رَاكِدَتَيْنِ أَسْرَابَ العَصَافِيرِ المُهَاجِرَةِ الَّتِي تَشُقُّ رِمَادَ السَّمَاءِ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صَقِيعِ الجَوِّ الَّذِي يَكَادُ يَجْمَدُ لَهُ الشَّجَرُ، كَانَتْ تَرْتَدِي مَلَابِسَ خَفِيفَةً لا تَقِي شَيْئًا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَهْلاً مِنْهَا، بَلْ عِشْقاً لِلْبَرْدِ؛ كَانَتْ تَعْشَقُ أَنْ يَسْرِيَ الصَّقِيعُ فِي عِظَامِ جَسَدِهَا، وَيَرُوقُهَا ذَلِكَ الشُّعُورُ الخَاصُّ بِالقُشَعْرِيرَةِ النَّاتِجَةِ عَنْهُ كَأَنَّهُ يُثْبِتُ لَهَا أَنَّهَا لا تَزَالُ تَتَنَفَّسُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهَا المُرْتَبِكِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ سِوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ السِّرْيَالِيِّ... "مَارْك". ـ ـ عَضَّتْ عَلَى شَفَتَيْهَا بِحِقْدٍ دَفِينٍ عِنْدَمَا طَفَا طَيْفُهُ
𝒦.𝑅.𝒜.𝒩.𝐸 . .. مَلْمَسُ ٱلْمَاءِ وَهُوَ يَتَسَاقَطُ عَلَى جِلْدِي... لَيْسَ دِفْئًا، بَلْ جَلْدٌ يُجْلَدُنِي. كُلُّ قَطْرَةٍ تَنْغَرِسُ فِيَّ كَذِكْرَى، كَطَعْنَةٍ لَهَا وَجْهٌ قَدِيمٌ، كَأَنَّ ٱلسَّمَاءَ تُعِيدُ إِلَيَّ ذُنُوبِي، لَا لِتَغْسِلَهَا... بَلْ لِتُذَكِّرَنِي بِهَا. أَقِفُ فِي ٱلْمُنْتَصَف لَا حَيٌّ تَمَامًا، وَلَا مَيِّتٌ بِمَا يَكْفِي لِأَنْسَى. "مَنْ أَكُونُ؟" سُؤَالٌ تَافِهٌ حِينَ تَتَآكَلُ هُوِيَّتُكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْظُرُ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ وَلَا تَرَاهَا. إِنَّنِي فِي سَاحَةِ حَرْبٍ. نَعَمْ... سَاحَةٌ لَا يُرْفَعُ فِيهَا عَلَمُ ٱنْتِصَارٍ، وَلَا تُبْنَى فِيهَا قُبُورٌ تَلِيقُ بِٱلْخَاسِرِينَ. كُلُّ مَا فِيهَا صُرَاخُ مَنْ لَا صَوْتَ لَهُ. . وَإِنْ فُزْتُ... خَسِرْتُ. وَإِنْ خَسِرْتُ... فَقَدْتُ. . وَفِي كِلَا ٱلِٱحْتِمَالَيْنِ: "أَنَا ٱلْخَاسِرُ." أَنَا وَحْدِي، ٱلَّذِي يَتَآكَلُهُ ٱلْفَرَاغُ مِنَ ٱلدَّاخِلِ، ٱلَّذِي كُلَّمَا نَهَضَ، وَجَدَ نَفْسَهُ مُمَدَّدًا عَلَى سَرِيرِ هَزِيمَتِهِ. أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لَا طَ
«هُوَ يَخْلُقُ القَوانِينَ، وَهِيَ تُجِيدُ كَسْرَهَا.»كَمْ غُرْفَةً في هَذَا القَصْرِ تُخْفِي صَدَأَهَا تَحْتَ الطِّلَاءِ؟كَمْ يَدًا عَبَثَتْ بِهَذِهِ الأَدْرَاجِ قَبْلِي، تَبْحَثُ عَنِ الشَّيْءِ ذَاتِهِ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ الآنَ... وَرُبَّمَا دَفَعَتْ ثَمَنَهُ؟تُضْحِكُنِي فِكْرَةُ الأَسْرَارِ.لَيْسَ لأَنَّهَا تُخِيفُنِي، بَلْ لأَنَّهَا دَائِمًا أَوْهَنُ مِمَّا نَظُنُّ، وَأَثْقَلُ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الذَّاكِرَةُ.أُقَلِّبُ هَذِهِ الأَوْرَاقَ كَمَا يُقَلَّبُ جَسَدُ قَتِيلٍ فِي مَشْرَحَةٍ بَارِدَةٍ.حَرَكَةٌ بَطِيئَةٌ، مَحْسُوبَةٌ، كَأَنِّي أَخْشَى أَنْ أُوقِظَ بَيْنَ الصَّفَحَاتِ شَيْئًا لَا يُحِبُّ الضَّوْءَ.لَيْسَ هَدَفِي أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، أَنَا فَقَطْ أَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ صَغِيرٍ، كَلِمَةٍ سَقَطَتْ سَهْوًا، اسْمٍ كُتِبَ فِي مَكَانٍ لَا يُفْتَرَضُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ.كُلُّ مَا حَوْلِي يَبْدُو كَاذِبًا؛الكُتُبُ مَرْصُوصَةٌ كَجُنُودٍ عُمْيَانٍ، السَّتَائِرُ مُغْلَقَةٌ كَفَمٍ دَفَنَ سِرَّهُ، الطَّاوِلَةُ مُصْقُولَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَلِيقُ بِأَحَدٍ يَعِيشُ هُنَا.ل
كَانَ الجَسَدُ مَائِلًا عَلَى الأَرِيكَةِ العَتِيقَةِ، كَأَنَّمَا انْحَنَى الزَّمَنُ بِنَفْسِهِ لِيَسْتَرِيحَ.كَتِفَاهُ العَرِيضَتَانِ اسْتَسْلَمَتَا لِثِقْلٍ دَاخِلِيٍّ لَا يُرَى، وَقَدِ انْفَرَجَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى سِيجَارَةٍ نِصْفُ مُطْفَأَةٍ، يَتَصَاعَدُ دُخَانُهَا فِي دَوَائِرَ مُلْتَفَّةٍ كَالأَفَاعِي، تَتَرَاقَصُ فَوْقَ السَّقْفِ المُنْخَفِضِ كَأَطْيَافِ لَعْنَةٍ تَأْبَى الرَّحِيلَ.مَفَاصِلُهُ مُتَيَبِّسَةٌ قَلِيلًا، كَأَنَّ البُرُودَةَ تَسَلَّلَتْ مِنْ أَعْمَاقِهِ لَا مِنَ الطَّقْسِ. أَنْفَاسُهُ بَطِيئَةٌ، تَنْسَابُ مِنْ صَدْرٍ يَخْتَنِقُ بِصَمْتٍ مَكْظُومٍ، وَكَأَنَّ الضِّلْعَ الأَيْسَرَ يَئِنُّ كُلَّمَا مَرَّتْ ذِكْرَى عَلَى هَيْئَةِ أَلَمٍ قَدِيمٍ. مَلَامِحُهُ شَاحِبَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُشْتَعِلَةٌ فِي آنٍ؛ عَيْنَاهُ الغَائِرَتَانِ بَدَتَا كَفَجْوَتَيْ لَيْلٍ لَا قَمَرَ فِيهِ، وَجَبْهَتُهُ تَلْمَعُ بِرُطُوبَةٍ بَارِدَةٍ، تَأْبَى أَنْ تَجِفَّ.لَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ إِلَّا انْعِكَاسًا لَهُ-كَأَنَّهَا اقْتُطِعَتْ مِنْ كَابُوسٍ حَجَرِيٍّ لَا يَتَحَرَّكُ.الهَوَاءُ سَاكِنٌ،