Share

البارت الثاني

last update publish date: 2026-09-12 06:13:27

*لينا.. بين الألم والضياع*

خرجت من خلف تلك البوابة الحديدية الباردة، لتجد نفسها في مواجهة شارع موحش لا تعرف له أولاً ولا آخراً.

كان عقلها قد توقف عن العمل، عاجزاً عن استيعاب ما جرى.

أهذا كابوس مفزع ستستيقظ منه بعد قليل؟

أم واقع مرير يفرض نفسه عليها بقسوة؟

رفضت روحها مجرد التصديق بأن هذه هي حقيقتها الجديدة.

ظلت تسير بلا هدى، تخطو خطوات ثقيلة والظلام يبتلعها..

ساعة كاملة من السير المتواصل لم يكن يتردد فيها على مسامعها سوى كلمة واحدة..

كلمة واحدة كانت ترنّ في أذنها كالجرس العنيف وتطعن قلبها مع كل دقة:

*"أنتِ طالق... أنتِ طالق..."*

لم تكن تذكر من ثورته ولا صراخه سواها، كانت تلك الكلمة كفيلة بشلّ تفكيرها وعزلها عن العالم المحيط بها.

حتى خارت قواها؛ ولم تعد قادرة على حمل روحها المنكسرة بعد تلك الساعة المريرة، وفجأة، انهارت على الأرض الباردة.

في تلك اللحظة، بدأ وعيها يعود إليها تدريجياً لتدرك أين قادتها قدماها؛ كانت وحيدة في عتمة مكان لا تألفه.

انفجرت باكية بمرارة، وظلت تُحدث نفسها بصوت مخنوق بالدموع:

"ليه؟"

"أنا عملت إيه عشان تعمل فيا كدا؟"

"إيه اللي قلبك عليا فجأة؟"

"دا أنا كنت محضرة لك مفاجأة كنت فاكرة إنها هتفرحك.."

"أنا مش فاهمة حاجة خالص!"

"طب كنت فهمني.. ريحني من العذاب والحيرة اللي أنا فيها دي."

ومع تدفق ذكريات الخناقة، بدأت تتردد في عقلها بقية كلماته القاسية كشظايا زجاج تجرح روحها؛

تذكرت نبرته المليئة بالكسرة وهو يصيح في وجهها:

*"أنا المغفل اللي حبك لدرجة العمى!"*

ثم مرت في أذنها صرخته الأخيرة العنيفة وهو يطردها قائلًا:

*"اخرجي بره حياتي.. مش عايز أشوف وشك تاني!"*

تداخلت الأصوات في رأسها لتزيد من ضياعها بعد أن أفاقت من صدمة الكلمة الأولى.

انقبض قلبها بشدة، ومسحت دموعها بكفين مرتعشتين وتابعت بهمس مرير:

"أنا حاسة إني وجعتك أوي.."

"بس مش عارفة ليه ولا إزاي!"

"بدل ما ترميني في الشارع كدا، كنت سيبني على الأقل أدافع عن نفسي..."

ولم تتحمل هذا الوجع أكثر، فصرخت بأعلى صوتها في جوف الليل:

"آآآه!"

"بعت الكل عشانك!"

"آآآه!"

"بعت حضن جدي وحب أهلي كلهم عشانك أنت!"

"طب أرجع لهم إزاي دلوقتي؟"

"إزاي هبص في عيونهم بعد ما أنا اللي اخترت بإيدي أسيبهم عشانك؟"

وفجأة، قطع بكاءها ضحكة ساخرة يملؤها القهر والندم:

"وأنت.. يا ريتك صنت!"

"يا خسارة حبي ليك.."

"معقولة هنت عليك بالبساطة دي؟"

عادت لتجهش بالبكاء بحرقة أكبر، وهي تتخيل سيناريوهات العودة:

"لو رجعت قصر جدي.. إزاي هستحمل نظرة الشفقة والعتاب اللي هشوفها في عيونهم؟"

"دا غير إن جدي لو شافني بالحالة دي.. قلبه هيقف وممكن يروح فيها!"

ومع عجزها عن إيجاد مخرج، لم يتبقَّ لها سوى الصراخ..

فظلت تصرخ وتصرخ في فضاء الشارع الخالي، وكأنها تحاول طرد الوجع من أعماق روحها.

وفجأة، وأطراف صراخها تمزق سكون الليل،

شق عتمة الشارع ضوء كشافات قوية،

واهتزت الأرض تحتها على صوت فرملة حادة لسيارة نقل بضائع ضخمة توقفت على بُعد بضعة سنتيمترات منها.

انفتح باب الشاحنة المرتفعة، ونزل منها رجل خمسيني، حاد الملامح وقوي البنية، يرتدي جلباباً يشي بوقار وهيبة.

وقعت عيناه عليها وهي منهارة وسط الطريق؛ وراعه مشهدها الذي كان يلخص نكبتها.

كانت مثل زهرة نادرة عصف بها الإعصار فجأة؛

ورغم حالتها المزرية، كانت فائقة الجمال، وبشرتها البيضاء الصافية زادها الحزن شحوباً.

ترتدي فستاناً أسود فاخراً يفوح بالثراء والترف، لكنه الآن ملطخ بطين الشارع وممزق الأطراف،

بينما كانت تلمع في عنقها ومعصمها مجوهرات ماسية فاخرة،

وبرق في أصابع يدها المرتعشة خاتم ماسي نادر ونفيس،

وتلألأ قرطها الماسي الطويل بين خصلات شعرها الأحمر الناري الثائر حول وجهها؛

طقم كامل يبرق بأخّاذ تحت ضوء كشافات السيارة ليؤكد أن هذه الفتاة تنتمي لعالم آخر من الرفاهية والجاه والملوكية.

غمرت الدموع عينيها الزرقاوين الساحرتين،

وسال الكحل ليرسم خطوطاً من الوجع والخذلان على ملامحها الفاتنة.

اقترب منها الرجل الخمسيني بجلبابه الصارم، وانحنى يمد يده بوقار ليساعدها على النهوض وهو يتفحص حالتها بقلق وجواهرها وخواتمها الماسية تبرق تحت الضوء، وقال بنبرة حانية يحاول طمأنتها بها:

"قومي يا بنتي.. وحدي الله وقومي معايا، أنتِ كويسة؟

حصلك حاجة؟

طب بيتك فين وأنا أوصلك لحد باب بيتك؟"

نظرت إليه لينا بعينيها الزرقاوين الغارقتين بالدموع والكحل السائل،

شفتيها كانت ترتجف وتحاول النطق،

تريد أن تقول له "ليس لي بيت.. لقد طردني زوجي واتهمني بالخيانة"،

وتريد أن تقول له "أخاف أن أعود لقصر جدي"..

لكن صوتها لم يخرج.

كانت أنفاسها تتلاحق بتعب شديد، وجسدها يرتعش تحت فستانها الأسود الملطخ بالطين.

حاولت الاستناد على يده لتنهض، لكن قواها خارت تماماً، وثقلت الدنيا في عينيها.

وقبل أن تجيب على سؤاله، دارت الأرض بها،

واستسلم جسدها المنهك لتسقط غائبة عن الوعي بين يديه في ليل الشارع الموحش،

تاركةً خلفها حكاية حب تحولت في ليلة عيد ميلاده إلى رماد..

يتبع....

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نارين بين الحب والوجع    البارت الاول

    *البارت الأول*في منتصف الجنينة تمامًا، استقرت طاولة فخمة مزينة بالورود والشموع، تعلوها علبة هدية فاخرة التف حولها شريط مخملي أحمر بعناية واضحة.الجميع كان ينتظر.فالجميع يعلم كم تعبت "لينا" في التحضير لهذا اليوم، وكم كانت تحب "عاصم" بطريقة جعلتها تتحدى الجميع من أجله.وقفت لينا بين الحضور بفستانها الأسود الأنيق، وابتسامتها المليئة بالحماس لا تفارق وجهها، بينما كانت عيناها معلقتين بالرجل الذي اتجه نحو الطاولة بخطوات ثابتة وملامح جامدة كعادته.كان عاصم من النوع الذي يصعب قراءة ما يدور داخله، لكن لينا وحدها كانت تؤمن أنها تحفظ كل تعبير يمر بعينيه.أو هكذا كانت تظن.هدت الموسيقى وبقى صوتها واطي وسط تصفيق الحاضرين، بينما مدّ عاصم يده يفك الشريط المخملي ببطء.في تلك اللحظة، رفعت لينا هاتفها سريعًا وفتحت الكاميرا. أرادت أن تحتفظ بهذه اللحظة للأبد... لحظة فرحته بهديتها.كانت تتخيل ابتسامته، ونظرته لها، وربما حضنه أمام الجميع.لكنها لم تكن تعلم أنها توثق انهيار حياتها بالكامل.فتح عاصم العلبة أخيرًا.عقد حاجبيه باستغراب عندما وجدها فارغة... إلا من ظرف أبيض أنيق، وُضعت فوقه بطاقة صغيرة بخط مز

  • نارين بين الحب والوجع    البارت الثاني

    *لينا.. بين الألم والضياع* خرجت من خلف تلك البوابة الحديدية الباردة، لتجد نفسها في مواجهة شارع موحش لا تعرف له أولاً ولا آخراً.كان عقلها قد توقف عن العمل، عاجزاً عن استيعاب ما جرى. أهذا كابوس مفزع ستستيقظ منه بعد قليل؟ أم واقع مرير يفرض نفسه عليها بقسوة؟ رفضت روحها مجرد التصديق بأن هذه هي حقيقتها الجديدة.ظلت تسير بلا هدى، تخطو خطوات ثقيلة والظلام يبتلعها.. ساعة كاملة من السير المتواصل لم يكن يتردد فيها على مسامعها سوى كلمة واحدة.. كلمة واحدة كانت ترنّ في أذنها كالجرس العنيف وتطعن قلبها مع كل دقة: *"أنتِ طالق... أنتِ طالق..."*لم تكن تذكر من ثورته ولا صراخه سواها، كانت تلك الكلمة كفيلة بشلّ تفكيرها وعزلها عن العالم المحيط بها.حتى خارت قواها؛ ولم تعد قادرة على حمل روحها المنكسرة بعد تلك الساعة المريرة، وفجأة، انهارت على الأرض الباردة.في تلك اللحظة، بدأ وعيها يعود إليها تدريجياً لتدرك أين قادتها قدماها؛ كانت وحيدة في عتمة مكان لا تألفه.انفجرت باكية بمرارة، وظلت تُحدث نفسها بصوت مخنوق بالدموع:"ليه؟" "أنا عملت إيه عشان تعمل فيا كدا؟" "إيه اللي قلبك عليا فجأة؟" "دا أنا كنت م

  • نارين بين الحب والوجع    البارت الثالث

    *عاصم.. رماد الثقة وخنجر الظنون"داخل جدران الفيلا الفاخرة..بمجرد أن خرجت لينا، زاد غضب عاصم، فدفع كل ما على الطاولة أرضاً؛ فانكسرت كؤوس الكريستال، وتناثرت الهدايا الثمينة التي غصّت بها الحفلة بمناسبة عيد ميلاده.لم يكن شيئاً منها بأهمية الشظايا التي تتطاير من روحه.تراجع خطوتين، ووضع كفه على رأسه يضغط عليه وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار، ثم صرخ بصوتٍ حاد شقّ صمت المكان:*_"ليه؟! ليه يا لينا تعملي فيا كدا؟! ليه تبيعيني عشان تنتقمي؟! لو كنتِ طلبتِ ثروتي كلها... لو كنتِ طلبتِ روحي، كنت هقدمها لكِ وأنا مبسوط عشان أنتِ مبسوطة! ليه تدبحيني بالطريقة دي؟!"__ساد الذهول وجوه الحاضرين، وتسمر الصحفيون في أماكنهم لثوانٍ قبل أن تنطلق ومضات كاميراتهم الخاطفة تلتهم المشهد.أسرعت نجاة هانم نحو ابنها الأصغر مراد، وأمسكت بذراعه تهمس بنبرة حازمة تخفي وراءها رعباً حقيقياً: __"مراد، اتصرف ومَشّي الناس دي والصحفيين فوراً، كفاية فضايح لحد كدا! وأنا هاخد عاصم أحاول أهديه جوه قبل ما ينفضح أكتر من كدا."__تحرك مراد بآلية ولباقة، معتذراً من الضيوف وموجهاً رجال الأمن لإخلاء الحديقة.في تلك الأثناء، اقت

  • نارين بين الحب والوجع    البارت الرابع

    صعد الأسطى إبراهيم سلالم المنزل يحمل "لينا" وهو ينهج من التعب وثقل الموقف، وما إن فتح الباب ليدخل سريعاً ويضعها على أقرب كنبة في الصالة، حتى سمع صوت زوجته سعاد قادمة من المطبخ وهي ترتدي مريلة الطعام الملطخة بالصلصة.*سعاد:* - "أنت جيت يا إبراهي..."لم تكمل الكلمة! انفتحت عيناها على وسعهما، وسقط فكها لأسفل بصدمة وهي ترى زوجها "وقار الحارة" يضع فتاةً شديدة الجمال ذات شعر أحمر ناري على الكنبة. لطمت سعاد صدرها:*سعاد:* - "مين دي يا إبراهيم؟!" ولم تنتظر رد، صرخت على طول وقالت: - "يا مصيبتي! يا خراب بيتك يا سعاد!" - "أنت اتجوزت عليا يا راجل؟! بعد كل السنين دي؟ بعد ما استحمّلتك وعشت معاك على المُر!" - "يوم ما اتجوزتني مكنتش لاقي تمن سندوتش فول، وفي الآخر تجيب لي ضرة قد ولادك؟!"*إبراهيم:* - "جواز إيه ونيلة على دماغك؟! هو اللي يتجوزك يفكر يعيدها تاني؟!"*سعاد:* - "تصدق عندك حق برضو.. هي دي ترضى بيك أصلا؟!" أخذت تولول مرة أخري:- "يا مصيبتك يا سعاد! روحتي في داهية يا سعاد!" - "هتروحي اللومان يا سعاد وتاكلي عيش وحلاوة يا سعاد!"إبراهيم اتنرفز ورد عليها بغضب:*إبراهيم:* - "يا دي الطين

  • نارين بين الحب والوجع    البارت الخامس

    "اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد" ------------------ ساد صمتٌ ثقيل في الصالة، لم يقطعه سوى "تكتكة" الساعة القديمة وصوت أنفاس لينا المرتعشة. سعاد، التي كانت قبل لحظات ترش الملح وتتخيل "النداهة"، جلست الآن على طرف الأريكة، وقد اختفت كل ملامح الريبة من وجهها، وتحولت إلى نظرة شفقة حقيقية. قطع الصمت صوت إبراهيم بنبرة أبوية هادئة: - "بصي يا بنتي.. أنا عارف إن الموقف أصعب مما تتخيلي، بس حاولي تفتكري أي حاجة.. أي رقم تليفون لأهلك؟ زمانهم دلوقتي قالبين الدنيا عليكي وقلقانين.. هاتي لي الرقم وأنا هخليكي تكلميهم حالاً ييجوا ياخدوكي." في تلك اللحظة، تجمدت لينا في مكانها. نزلت دمعة من عينيها بصمت، وبدأ شريط الذكريات ينهش في قلبها؛ صورة جدها، وحبه الكبير لها الذي أضاعته، وعنادها عندما اختارت "عاصم" رغم معرفتها أنه ابن عدو أبيها الذي كان سبباً في موته بحسرته. ثلاث سنوات من القطيعة، وثلاث سنوات عاشتها وهي تظن أنه أحبها وصانها... حتى جاءت لحظة الحفلة المفاجئة التي رمى فيها كل شيء أرضاً، وطلقها وطردها أمام الجميع. في سرها، كانت الأفكار تنهش روحها بمرارة: (أرجع لمين؟ أرجع لجدي اللي كا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status