LOGIN*البارت الأول*في منتصف الجنينة تمامًا، استقرت طاولة فخمة مزينة بالورود والشموع، تعلوها علبة هدية فاخرة التف حولها شريط مخملي أحمر بعناية واضحة.الجميع كان ينتظر.فالجميع يعلم كم تعبت "لينا" في التحضير لهذا اليوم، وكم كانت تحب "عاصم" بطريقة جعلتها تتحدى الجميع من أجله.وقفت لينا بين الحضور بفستانها الأسود الأنيق، وابتسامتها المليئة بالحماس لا تفارق وجهها، بينما كانت عيناها معلقتين بالرجل الذي اتجه نحو الطاولة بخطوات ثابتة وملامح جامدة كعادته.كان عاصم من النوع الذي يصعب قراءة ما يدور داخله، لكن لينا وحدها كانت تؤمن أنها تحفظ كل تعبير يمر بعينيه.أو هكذا كانت تظن.هدت الموسيقى وبقى صوتها واطي وسط تصفيق الحاضرين، بينما مدّ عاصم يده يفك الشريط المخملي ببطء.في تلك اللحظة، رفعت لينا هاتفها سريعًا وفتحت الكاميرا. أرادت أن تحتفظ بهذه اللحظة للأبد... لحظة فرحته بهديتها.كانت تتخيل ابتسامته، ونظرته لها، وربما حضنه أمام الجميع.لكنها لم تكن تعلم أنها توثق انهيار حياتها بالكامل.فتح عاصم العلبة أخيرًا.عقد حاجبيه باستغراب عندما وجدها فارغة... إلا من ظرف أبيض أنيق، وُضعت فوقه بطاقة صغيرة بخط مز
*لينا.. بين الألم والضياع* خرجت من خلف تلك البوابة الحديدية الباردة، لتجد نفسها في مواجهة شارع موحش لا تعرف له أولاً ولا آخراً.كان عقلها قد توقف عن العمل، عاجزاً عن استيعاب ما جرى. أهذا كابوس مفزع ستستيقظ منه بعد قليل؟ أم واقع مرير يفرض نفسه عليها بقسوة؟ رفضت روحها مجرد التصديق بأن هذه هي حقيقتها الجديدة.ظلت تسير بلا هدى، تخطو خطوات ثقيلة والظلام يبتلعها.. ساعة كاملة من السير المتواصل لم يكن يتردد فيها على مسامعها سوى كلمة واحدة.. كلمة واحدة كانت ترنّ في أذنها كالجرس العنيف وتطعن قلبها مع كل دقة: *"أنتِ طالق... أنتِ طالق..."*لم تكن تذكر من ثورته ولا صراخه سواها، كانت تلك الكلمة كفيلة بشلّ تفكيرها وعزلها عن العالم المحيط بها.حتى خارت قواها؛ ولم تعد قادرة على حمل روحها المنكسرة بعد تلك الساعة المريرة، وفجأة، انهارت على الأرض الباردة.في تلك اللحظة، بدأ وعيها يعود إليها تدريجياً لتدرك أين قادتها قدماها؛ كانت وحيدة في عتمة مكان لا تألفه.انفجرت باكية بمرارة، وظلت تُحدث نفسها بصوت مخنوق بالدموع:"ليه؟" "أنا عملت إيه عشان تعمل فيا كدا؟" "إيه اللي قلبك عليا فجأة؟" "دا أنا كنت م
*عاصم.. رماد الثقة وخنجر الظنون"داخل جدران الفيلا الفاخرة..بمجرد أن خرجت لينا، زاد غضب عاصم، فدفع كل ما على الطاولة أرضاً؛ فانكسرت كؤوس الكريستال، وتناثرت الهدايا الثمينة التي غصّت بها الحفلة بمناسبة عيد ميلاده.لم يكن شيئاً منها بأهمية الشظايا التي تتطاير من روحه.تراجع خطوتين، ووضع كفه على رأسه يضغط عليه وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار، ثم صرخ بصوتٍ حاد شقّ صمت المكان:*_"ليه؟! ليه يا لينا تعملي فيا كدا؟! ليه تبيعيني عشان تنتقمي؟! لو كنتِ طلبتِ ثروتي كلها... لو كنتِ طلبتِ روحي، كنت هقدمها لكِ وأنا مبسوط عشان أنتِ مبسوطة! ليه تدبحيني بالطريقة دي؟!"__ساد الذهول وجوه الحاضرين، وتسمر الصحفيون في أماكنهم لثوانٍ قبل أن تنطلق ومضات كاميراتهم الخاطفة تلتهم المشهد.أسرعت نجاة هانم نحو ابنها الأصغر مراد، وأمسكت بذراعه تهمس بنبرة حازمة تخفي وراءها رعباً حقيقياً: __"مراد، اتصرف ومَشّي الناس دي والصحفيين فوراً، كفاية فضايح لحد كدا! وأنا هاخد عاصم أحاول أهديه جوه قبل ما ينفضح أكتر من كدا."__تحرك مراد بآلية ولباقة، معتذراً من الضيوف وموجهاً رجال الأمن لإخلاء الحديقة.في تلك الأثناء، اقت
صعد الأسطى إبراهيم سلالم المنزل يحمل "لينا" وهو ينهج من التعب وثقل الموقف، وما إن فتح الباب ليدخل سريعاً ويضعها على أقرب كنبة في الصالة، حتى سمع صوت زوجته سعاد قادمة من المطبخ وهي ترتدي مريلة الطعام الملطخة بالصلصة.*سعاد:* - "أنت جيت يا إبراهي..."لم تكمل الكلمة! انفتحت عيناها على وسعهما، وسقط فكها لأسفل بصدمة وهي ترى زوجها "وقار الحارة" يضع فتاةً شديدة الجمال ذات شعر أحمر ناري على الكنبة. لطمت سعاد صدرها:*سعاد:* - "مين دي يا إبراهيم؟!" ولم تنتظر رد، صرخت على طول وقالت: - "يا مصيبتي! يا خراب بيتك يا سعاد!" - "أنت اتجوزت عليا يا راجل؟! بعد كل السنين دي؟ بعد ما استحمّلتك وعشت معاك على المُر!" - "يوم ما اتجوزتني مكنتش لاقي تمن سندوتش فول، وفي الآخر تجيب لي ضرة قد ولادك؟!"*إبراهيم:* - "جواز إيه ونيلة على دماغك؟! هو اللي يتجوزك يفكر يعيدها تاني؟!"*سعاد:* - "تصدق عندك حق برضو.. هي دي ترضى بيك أصلا؟!" أخذت تولول مرة أخري:- "يا مصيبتك يا سعاد! روحتي في داهية يا سعاد!" - "هتروحي اللومان يا سعاد وتاكلي عيش وحلاوة يا سعاد!"إبراهيم اتنرفز ورد عليها بغضب:*إبراهيم:* - "يا دي الطين
"اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد" ------------------ ساد صمتٌ ثقيل في الصالة، لم يقطعه سوى "تكتكة" الساعة القديمة وصوت أنفاس لينا المرتعشة. سعاد، التي كانت قبل لحظات ترش الملح وتتخيل "النداهة"، جلست الآن على طرف الأريكة، وقد اختفت كل ملامح الريبة من وجهها، وتحولت إلى نظرة شفقة حقيقية. قطع الصمت صوت إبراهيم بنبرة أبوية هادئة: - "بصي يا بنتي.. أنا عارف إن الموقف أصعب مما تتخيلي، بس حاولي تفتكري أي حاجة.. أي رقم تليفون لأهلك؟ زمانهم دلوقتي قالبين الدنيا عليكي وقلقانين.. هاتي لي الرقم وأنا هخليكي تكلميهم حالاً ييجوا ياخدوكي." في تلك اللحظة، تجمدت لينا في مكانها. نزلت دمعة من عينيها بصمت، وبدأ شريط الذكريات ينهش في قلبها؛ صورة جدها، وحبه الكبير لها الذي أضاعته، وعنادها عندما اختارت "عاصم" رغم معرفتها أنه ابن عدو أبيها الذي كان سبباً في موته بحسرته. ثلاث سنوات من القطيعة، وثلاث سنوات عاشتها وهي تظن أنه أحبها وصانها... حتى جاءت لحظة الحفلة المفاجئة التي رمى فيها كل شيء أرضاً، وطلقها وطردها أمام الجميع. في سرها، كانت الأفكار تنهش روحها بمرارة: (أرجع لمين؟ أرجع لجدي اللي كا







