Share

البارت الخامس

last update publish date: 2026-09-12 06:57:51

"اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد"

------------------

ساد صمتٌ ثقيل في الصالة، لم يقطعه سوى "تكتكة" الساعة القديمة وصوت أنفاس لينا المرتعشة. سعاد، التي كانت قبل لحظات ترش الملح وتتخيل "النداهة"، جلست الآن على طرف الأريكة، وقد اختفت كل ملامح الريبة من وجهها، وتحولت إلى نظرة شفقة حقيقية.

قطع الصمت صوت إبراهيم بنبرة أبوية هادئة:

- "بصي يا بنتي.. أنا عارف إن الموقف أصعب مما تتخيلي، بس حاولي تفتكري أي حاجة.. أي رقم تليفون لأهلك؟ زمانهم دلوقتي قالبين الدنيا عليكي وقلقانين.. هاتي لي الرقم وأنا هخليكي تكلميهم حالاً ييجوا ياخدوكي."

في تلك اللحظة، تجمدت لينا في مكانها. نزلت دمعة من عينيها بصمت، وبدأ شريط الذكريات ينهش في قلبها؛ صورة جدها، وحبه الكبير لها الذي أضاعته، وعنادها عندما اختارت "عاصم" رغم معرفتها أنه ابن عدو أبيها الذي كان سبباً في موته بحسرته. ثلاث سنوات من القطيعة، وثلاث سنوات عاشتها وهي تظن أنه أحبها وصانها... حتى جاءت لحظة الحفلة المفاجئة التي رمى فيها كل شيء أرضاً، وطلقها وطردها أمام الجميع.

في سرها، كانت الأفكار تنهش روحها بمرارة:

(أرجع لمين؟ أرجع لجدي اللي كان روحه فيا؟ أروح له بوشي إزاي بعد ما بعته عشان خاطر عاصم؟ بعد ما اخترت اللي قتل أبويا بحسرته؟ نظرة عتابه ليا.. نظرة "مش أنا قولتلك يا بنتي؟".. دي لوحدها كفيلة تموتني. لأ.. الضلمة اللي أنا فيها دلوقتي أرحم بكتير من إني أواجه نظرة انكسار في عين راجل كان بيشوفني الدنيا وما فيها.)

فاقت من شرودها على صوت سعاد التي قاطعت وجعها بحنان أمومي:

- "يا حبيبتي ما تضغطيش على نفسك.. كل حاجة بتيجي بالراحة.. افتكري بس أي رقم، عشان قلب أهلك يرتاح يا بنتي."

نظرت لينا إلى سعاد وإبراهيم، وعيناها تحملان حزناً وامتناناً، ثم ضغطت على رأسها بيديها الاثنتين بقوة كأنها تغلق بوابة ماضيها، وهزت رأسها بضعف:

- "مش فاكرة... مش فاكرة حاجة... كل ما أحاول أفتكر، بحس الدنيا بتسود قدامي."

وانفجرت بالبكاء وهي تهمس بألم:

- "أنا... أنا مش عارفة أروح لمين."

شعرت سعاد بغصة في حلقها، وضمت يد لينا بين يديها بحنان:

- "خلاص يا بنتي، خلاص.. قدّر الله وما شاء فعل. ما دام مش فاكرة، يبقى رزقك إنك تقعدي معانا لحد ما ربنا يفرجها ويرجع لك ذاكرتك."

التفتت سعاد إلى إبراهيم الذي كان يراقب الموقف بصمت، وقالت بحزم:

- "اسمع يا أبو سيد، البت حلوة ومبقاش فيه أمان عشان نسيبها لوحدها، وأدينا أكلنا بنقسمه سوا يا خويا.. إحنا عمرنا ما قفلنا بابنا في وش حد محتاج"

هز إبراهيم رأسه بالموافقة، ورغم كل الهواجس، لم يجد في قلبه إلا الرحمة، خاصة عندما رأى النظرة المكسورة في عيني لينا؛ تلك النظرة التي كانت تخبئ وراءها ندماً لا يعلم مداه أحد.

قالت لها سعاد:

- "يلا يا حبيبتي قومي معايا خدي دش عشان تفوقي ويغسل البهدلة اللي إنتي فيها دي، وأنا هجيب لك حاجة مريحة من هدوم نورا بنتي عشان تنامي مرتاحة."

بعد أن خرجت لينا من الحمام وهي ترتدي عباءة صيفية قطنية بنصف كم، لونها وردي وعليها تطريز خفيف على الصدر، نظرت إليها سعاد وقالت:

- "بسم الله ما شاء الله.. إيه الجمال ده كله! تصدقي العباية هتاكل منك حتة؟

هي آه واسعة عليكي شوية عشان نورا بنتي أملى منك، بس طالعة عليكي زي القشطة."

نظرت لينا إليها بحزن وقالت:

- "شكراً يا طنط.. تسلمي."

ابتسمت سعاد وهي تحمل في يدها طبق مكرونة تعلوه قطعتان من البانيه وقالت:

- "يلا بقى يا حبيبتي كلي عشان تعرفي تنامي."

ردت لينا:

- "معلش يا طنط سامحيني، مش هقدر آكل، أنا محتاجة أنام."

ردت سعاد بغضب مصطنع:

- "إنتي كده بخيلة بقى! وأنا لو ماكلتيش هنيم عمك إبراهيم من غير عشا، يرضيكي الراجل ينام واقع من الجوع؟"

ابتسمت لينا بخفة وقالت:

- "خلاص هاكل."

سكتت لحظة، وتحركت أصابعها المرتجفة نحو يدها، ثم خلعت الخاتم الثمين من إصبعها وقالت:

- "طنط.. اتفضلي ده، بيعيه وخلي فلوسه معاكي لحد ما أشوف هعمل إيه."

تحولت نظرة سعاد إلى غضب، ودفعت يد لينا وهي تقول:

- "كده يا بنتي إنتي بتشتمينا! عايزة تدينا تمن أكلك ونومتك؟ إحنا صحيح ناس على قد حالنا بس بنفهم في الأصول كويس، وطول عمر بيت الأسطى إبراهيم مفتوح للغريب قبل القريب كمان. الخاتم ده يرجع في صباعك ومحبش أشوفه برة تاني!"

ردت لينا:

- "لا لا يا طنط والله ما أقصد أزعلك بس..."

قاطعتها سعاد بنبرة حنونة وهي تطبطب على كتفها:

- "من غير بس.. إنتي تاكلي طبقك كله، معنديش حد يرجع طبقه فيه أكل."

وبما إنك لابسة لبس نورا بقى، فحبيت أقولك إن الأوضة دي أصلاً بتاعتها، بس هي قاعدة عند خالتها بقالها يومين وهتقعد أسبوع بحاله عشان خالتها تعبانة وبتراعيها.. يعني الأوضة والسرير بتوعك يا قمر لوحدك لحد ما نورا تيجي، خدي راحتك خالص ومتحسيش إنك مضايقة حد ولا واخدة مكان حد، ولما ترجع نورا بقى وقتها يبقى يحلها ألف حلال.. المهم دلوقتي ترتاحي."

سكتت سعاد لحظة، ثم ابتسمت وهي تغير الموضوع ببهجة:

- "هسيبك بقى تاكلي براحتك خالص عشان عارفة إنك هتتحرجي تاكلي وأنا واقفة فوق راسك، وتنامي وترتاحي، وعشان الصبح تقعدي تحكيلي.. إنتي شعرك ده صبغتيه بإيه؟"

ضحكت لينا بخفة وقالت:

- "هو لونه كده يا طنط."

تراجعت سعاد خطوة إلى الوراء وضربت صدرها بخفة وهي تهز رأسها بذهول:

- "يا ساتر يا رب! لونه كده من غير صبغة؟ يا بنتي ده أنا لو شوفتك بالليل لوحدك هقرأ المعوذتين قبل ما أسلم عليكي! قوليلي الحق... إنتِ بني آدمة ولا هتطلعلي جنية دلوقتي؟"

ضحكت لينا من قلبها لأول مرة وسط دموعها، فابتسمت سعاد بارتياح لأنها استطاعت إخراجها من حزنها، وتركت الطبق بجانبها على الكومودينو وقالت:

- "يلا يا حبيبتي، البيت بيتك، خدي راحتك خالص ومطرح ما يسري يمري.. هقفل الباب ورايا وأسيبك تاكلي وتنامي.. تصبحي على خير يا بنتي."

- "وإنتي من أهله يا طنط."

خرجت سعاد، وقبل أن تغلق الباب وراءها نادتها لينا:

- "طنط سعاد.. متشكرة أوي."

ابتسمت سعاد وأغلقت الباب بحرص لتترك لينا على راحتها وتنقذها من الإحراج.

وفي أرجاء الغرفة المضاءة، تغطت لينا برفق، ولم تمد يدها إلى الطعام؛ بل تركت دموعها المحبوسة تفيض بغزارة على الوسادة. بكت بحرقة على السنوات الثلاث التي ضاعت من عمرها، وعلى ثقتها التي دفنت تحت أقدام عاصم، وعلى جدها الذي تشتاق لحضنه لكن كبرياءها المكسور يمنعها من العودة إليه.

وضعت يدها على فمها لتكتم صوت شهقاتها حتى غلبها النوم من كثرة التعب والإرهاق.. لينتهي اليوم الأول للينا في عالمها الجديد.

************

على الجانب الآخر، وفي بقعة مختلفة تماماً من العاصمة.

استيقظ عاصم على طرقات خفيفة ومنتظمة على باب مكتبه. كان قد قضى ليلته متكوراً على أريكة الجلد الباردة، يهرب من فراشه ومن كل شيء يذكره بها. وجهه مرهق وعيناه حمراوان من السهر وقلة النوم؛ ليلة الحفلة المشؤومة التي تحولت من عيد ميلاده إلى يوم دفن كبريائه، وطلاقه للينا وطردها أمام الجميع.

فرك وجهه بيده بإرهاق، واعتدل في جلسته على الأريكة وهو يزفر بضيق، ثم قال بنبرة رخيمة جافة:

- "ادخل."

انفتح الباب ودخلت الخادمة باحترام:

- "دكتور عاصم.. واحنا بنلم الجنينة بعد الحفلة، لقينا الموبايل ده واقع تحت الشجر."

نظر عاصم إلى الهاتف وتجمد في مكانه. إنه هاتف لينا... الذي سقط منها بالأمس.

أخذه منها بأنفاس هادئة:

- "حطيه هنا واعملي قهوة."

وضعته الخادمة وغادرت.

أمسك بالهاتف المكسور وضغط على زر التشغيل، لتضيء الشاشة بصعوبة وتظهر صورته معها... ضحكتهما قبل ثلاث سنوات مضت، قبل أن يكتشف أنها باعته.

أدخل كلمة المرور-تاريخ زواجهما-بأصابعه المرتجفة، انفتح القفل، فارتسمت على وجهه ابتسامة سخرية مريرة وهو يتأمل الرقم الذي لا يزال شاهداً على خديعة كبرى.

اتجه ناحية المكتب ليحتفظ بالهاتف في الدرج، وقبل أن يغلقه، أضاءت شاشة الهاتف معلنة عن وصول رسالة جديدة من رقم مجهول. عقد حاجبيه باستغراب، ثم سحب الهاتف مجدداً وفتح الرسالة.

تحول عاصم إلى تمثال، وهرب الدم من وجهه. حدق في الشاشة كأنه يرى شبحاً أمامه، بينما أفلت الهاتف من يده ليصطدم بالمكتب الرخامي، ويُحدث صدىً ثقيل تردد في أرجاء الغرفة الصامتة كأنه دوي انهياره هو شخصياً.

ظل واقفاً للحظات لا يتحرك، لا يكاد يتنفس، ثم همس بصوت ميت امتزج فيه الذهول بعدم التصديق:

- "إنتِ... بجد؟!"

وتراجع خطوة إلى الخلف، بينما تسارعت أنفاسه بعنف، وقبض على حافة المكتب بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.

وفي تلك اللحظة، شعر وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه، وكأن كل ما كان يظنه حقيقة طوال السنوات الماضية بدأ ينهار أمام عينيه.

_يتبع...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نارين بين الحب والوجع    البارت 117

    ما إن انتهت الممرضة من كلماتها، حتى ترك مراد ذراعها واندفع إلى داخل الغرفة، يتبعه سليم بخطوات متعجلة، بينما أسرعت هي في الاتجاه الآخر لاستدعاء الطبيب.توقف مراد عند عتبة الباب للحظة، وكأنه لا يصدق ما تراه عيناه.كان عاصم مستلقيًا على فراشه، وعيناه مفتوحتان، تتنقلان ببطء بين أرجاء الغرفة، بنظرات شاردة لا تستقر على شيء.اقترب مراد منه مسرعًا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة امتزجت بدموع لم يستطع حبسها.«عاصم!.. يا حبيبي، حمد الله على سلامتك!»انحنى عليه وأمسك بيده، ثم تابع بلهفة وهو يحاول التقاط نظراته:«عاصم، إنت سامعني؟ أنا مراد.. بص لي يا حبيبي.»تحركت عينا عاصم ببطء نحو مصدر الصوت، واستقرتا على وجه مراد للحظات، لكنه لم ينطق بكلمة، ولم تظهر على ملامحه أي علامة تدل على أنه تعرف إليه.ابتلع مراد غصته، والتفت إلى سليم الذي كان يقف بجواره، وعيناه معلقتان بوجه صديقه، وعلى شفتيه ابتسامة لم تفارقه منذ أن رآه مفتوح العينين.اقترب سليم بدوره، وربت برفق على كتف عاصم قائلًا بصوت غلب عليه التأثر:«ألف حمد الله على سلامتك يا صاحبي.. أخيرًا نورت الدنيا تاني.»ثم حاول أن يخفف من تأثره بابتسامة:«

  • نارين بين الحب والوجع    البارت 116

    ارتسمت على شفتيها ضحكة خافتة، امتزجت فيها السخرية بالانكسار. صمتت لثوانٍ، غاصت خلالها في صمت موحش، وعيناها معلقتان بوجهه الغائب، قبل أن تعود وتقول بنبرة مخنوقة:«دي المفاجأة اللي كنت محضراها ليك..»سكتت مرة أخرى، وارتفعت غصّة مريرة من أعماقها كادت تقطع أنفاسها، ثم تابعت بوجع:«بس مع الأسف.. إنت كسرتني وطردتني!»توقفت للحظة، ثم رفعت يدها المرتجفة ومسحت دموعها بكمّ سترتها، وهي تشهق بوجع. اقتربت بوجهها منه أكثر، وضمت كفّه إلى خدها، وقالت بلهفة جارفة، متخليةً عن كل عتابها:«بس مش مهم.. مش مهم أي حاجة دلوقتي.. المهم إنك تفوق وتصحى!»ظلت ممسكة بيده، تضغط عليها وكأنها تخشى أن تفقد آخر ما يربطها به، وعيناها تتشبثان بملامحه في انتظار أي إشارة منه، حين انفتح الباب بهدوء، ودخلت الممرضة.تقدمت نحوها بنظرة متعاطفة، لكنها حازمة، ثم قالت بصوت خفيض:«ما ينفعش كده يا مدام.. المريض محتاج راحة تامة، وحضرتك كده بتضغطي عليه وعلى أعصابه، وده غلط على حالته دلوقتي.»ابتلعت لينا غصتها، ورفعت يدها الأخرى تمسح دموعها المتبقية بسرعة، ثم نظرت إلى الممرضة وأومأت برأسها قائلة بصوت متحشرج:«حاضر..»أرخت قبضتها عن كف

  • نارين بين الحب والوجع    البارت 115

    كانت لينا تجلس أمام المرآة، تمشط شعرها، حين سمعت صوت عاصم يدخل الغرفة بعد عودته من سيارته.لم تكد تلتفت نحوه حتى اقترب منها من الخلف، وأحاطها بذراعيه، ثم هزها برفق وهو يضمها إليه، قائلًا بحنان:«وحشتيني أوي يا لينا.»ابتسمت لينا، ونظرت إليه من خلال المرآة بمشاكسة:«يا سلام؟! وأنت لحقت تنزل أصلًا؟ ده أنت مابقالكش دقيقتين يا دوب وصلت للعربية وعندك ميعاد مهم!»ابتعد عنها قليلًا، ثم جلسها أمام منضدة الزينة، وأخذ المشط من يدها، ليبدأ في تمشيط شعرها برفق، وهو يتأمل انعكاس وجهها في المرآة.قال بصوت هادئ، يحمل من الصدق ما جعل قلبها يخفق:«تعرفي يا لينا.. إنتي بتوحشيني حتى وإنتي في حضني، بحس إن أنا مش عايش غير وإنتي معايا.»تعلقت عيناها بعينيه في المرآة، وابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتيها. كانت تحبه بكل ما فيها، وكان قربه منها يمنحها شعورًا بالأمان لا يشبهه شيء.وضع عاصم المشط جانبًا، ثم مال نحوها وقبّلها.كانت قبلة هادئة وعميقة في آن واحد، تدفق فيها حبهما كأنفاس متلاحقة، جعلت الزمن يتوقف حولهما، وأشعرتهما بأن العالم بأسره قد اختفى، ولم يعد هناك سوى نبضاتهما المتسارعة التي تعهدت ألا يفرق بينهما

  • نارين بين الحب والوجع    البارت 114

    لكنها سحبت يدها من يده بقوة، وأدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، رافضة حتى النظر إليه من شدة زعلها وعتابها له.عقد مراد حاجبيه باستغراب وحزن، وارتسم الضيق والأسى على ملامحه؛ فهو يعلم كم جرحتها حقيقة أنه أخفى عنها ما حدث.اقترب منها أكثر، وقال بصوت خافت يملؤه الشجن:«أنا عارف إنك زعلانة مني يا ماما.. وحقك عليا. بس والله أنا عملت كده عشان كنت خايف عليكي وعلى صحتك ومش عايز أصدِمك.. وكمان مكنتش عارف هقولك إيه!»توقف لحظة، ثم تابع بصوت مثقل بالعجز:«الفترة دي أنا كنت بتعذب كتير ومش عارف أتصرف إزاي ولا أروح فين. عاصم مرمي في المستشفى تحت الحراسة، وممنوع حتى إني أشوفه أو أطمن عليه، وأنا واقف عاجز مش قادر أعمل له حاجة.»ثم أمسك يدها برفق، وتابع:«بس الحمد لله، عاصم هيطلع براءة لأن تحليل الـDNA طلع سلبي والجثة مش لينا أصلًا.»تأثرت نجاة بصدق كلماته، والتفتت إليه ببطء، وقد امتزجت الدموع في عينيها بالارتياح بعد أن زال عنها كابوس التهمة.قالت بصوت واهن:«يعني خلاص يا مراد؟ مش هيتحبس؟»ضغط مراد على يدها بحنان، وابتسم لها رغم الدموع التي لمعت في عينيه:«أيوه يا ماما..»تنفست نجاة بارتياح، ثم قالت بلهف

  • نارين بين الحب والوجع    البارت 113

    أجابه غريب من الطرف الآخر دون تردد:«ثواني يا باشا.»ثم حرّك الهاتف الذي يحمله، ووجّه الكاميرا بعيدًا عن وجهه، لتظهر صورة المكان الذي يقف فيه.كان غريب متخفيًا في مكان قريب من المقهى، يراقب شاكر من مسافة تسمح له بتصويره دون أن يلفت انتباهه.وما إن ظهرت الصورة بوضوح على شاشة الهاتف، حتى انخلع قلب بهاء من مكانه، وجمدت الدماء في عروقه.كان شاكر يجلس في مقهى مفتوح وسط الثلوج في العاصمة الروسية موسكو، في مواجهة مبنى المطابع ومصانع الورق الدولية، حيث سافر لإتمام صفقة استيراد الشحنة الجديدة لصالح دار النشر الخاصة بهم.كان شاكر يرتشف قهوته ببرود، غير عالم بما يدور حوله، بينما كانت الكاميرا تلتقطه من مكان قريب من غريب، وتُظهر بدقة نقطة ليزر حمراء صغيرة مثبتة في منتصف صدره تمامًا، تتحرك ببطء مع أنفاسه، وتنتظر إشارة واحدة لتخترق قلبه!أمسك صابر الهاتف، واقترب بوجهه من بهاء، ليهمس بفحيح مرعب زلزل ما تبقى من ثباته:«غريب مستني كلمة واحدة مني دلوقتي عشان يخلي ابنك ينام في الثلج ده وميقومش تاني.. اخلص وامضي يا بهاء، بدل ما المكالمة الجاية تكون تصريح بدفن حتة منك.. ساعتها هتعرف يعني إيه تخسر أغلى ما

  • نارين بين الحب والوجع    البارت 112

    ثم استدارت سريعًا واتجهت إلى غرفتها، دون أن تنتظر ردًا آخر، لتبدّل ملابسها وتستعد للسفر. نظرت سعاد إلى إيمان، وقالت بحسم: «إيمان، اتصلي على أبوكي خليه ييجي حالًا.. هو في مشوار قريب ومش بعيد.» أومأت إيمان سريعًا، وأخرجت هاتفها واتصلت بوالدها، وأخبرته بما حدث وبإصرار لينا على الذهاب إلى القاهرة لإنقاذ عاصم وإثبات أنها ما زالت على قيد الحياة. وفي الوقت نفسه، اتجهت سعاد إلى غرفتها لتبدّل ملابسها وتجمع بعض الأغراض الضرورية. أنهت إيمان مكالمتها مع والدها، ثم أسرعت هي الأخرى إلى غرفتها لتستعد. وفي أثناء عودته إلى المنزل، أخرج إبراهيم هاتفه، وأجرى اتصالًا بشريف. وما إن جاءه الرد، حتى قال إبراهيم بصوت خافت متوتر: «أيوة يا باشا.. الموضوع اتقلب جد. البنت شافت خبر عاصم الرشيدي والغيبوبة بتاعته، ومصممة تروح القاهرة حالًا، ومن هناك على المستشفى والنيابة عشان تنقذه وتثبت إنها عايشة. وأنا في طريقي لهم دلوقتي.. إيه العمل؟» --- لم ينطق بهاء بحرف واحد، واكتفى بالصمت بملامح متجمدة، بينما كان صابر يتأمله في صمت مطبق. أسند صابر ظهره إلى كرسيه الجلدي الفاخر، ورفع ساقيه ووضعهما فوق سطح ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status