Share

نبضات العشق
نبضات العشق
Author: روزالين محمد

الفصل الاول

last update publish date: 2026-09-04 05:53:40

الفصل الأول: عاصفة البدايات

​كان هواء المكتب مكيفاً بدرجة برودة مزعجة، لكن رائحة القهوة التركية الثقيلة الممزوجة برائحة الورق القديم كانت تملأ المكان وتمنحه بعض الدفء وسط طوفان المستندات المبعثرة. في منتصف الغرفة الواسعة نسبياً، كانت حبيبة منكبّة على شاشة حاسوبها المحمول، تنفخ بخفة على خصلة شعر سوداء تمردت من كعكتها الفوضوية لتستقر على جبينها العريض. عدلت نظارتها الطبية ذات الإطار الأسود بحركة عصبية متكررة، وعيناها مصوّبتان بتركيز تام نحو الرسوم الهندسية المعقدة التي تملأ الشاشة.

​هذه الصفقة الضخمة.. مشروع "بورتو الشرق" السياحي.. لم تكن مجرد مشروع عابر، بل كانت طوق النجاة الوحيد لمسيرتها المهنية بأكملها. فالشركة الكبرى التي تعمل بها كمهندسة استشارية رئيسية وضعت شروطاً صارمة، ولمحت مراراً وتكراراً إلى أن أي خطأ صغير يعني نهاية مستقبلها المهني بضغطة زر. لقد قضت أياما وشهوراً تسهر الليالي لتصميم كل زاوية، ولم تكن تتوقع أبداً ولا حتى في كابوسها الأسود أن يُفرض عليها شريك في هذا التوقيت الحساس.. شريك يملك اسماً وحده يكفي لإثارة الرعب والرهبة في قلوب الجميع بمجرد ذكره: مراد الهواري.

​فجأة، وبدون أي مقدمات أو طرق مؤدب على الباب، انفتح الباب الخشبي الثقيل بعنف ومفاجأة، ليدخل منه تيار هواء بارد ولاذع، محمل برذاذ المطر الغزير الذي كان يهطل بغزارة ويضرب نوافذ المبنى بلا رحمة.

​رفعت حبيبة رأسها بحدة فائقة، مستعدة لإلقاء محاضرة قاسية ولاذعة في قواعد العمل، والاحترام المتبادل، وأصول الاستئذان المؤسسي. لكن الكلمات جمدت تماماً في حلقها، وابتلعته مع صدمة الرؤية.

​كان مراد يقف بوقفته الطويلة المهيبة، يرتدي معطفاً رمادياً غامقاً بلل المطر أطرافه العريضة، وعيناه الحادتان كالصقر تجوبان المكان ببرود مستفز وغطرسة واضحة. شعرت أن ظلاً ثقيلاً وسامقاً قد ألقى بظلاله المظلمة على طاولة مكتبها الصغيرة، ليضيق المكان بأكمله بوجوده الطاغي.

​تقدم بخطوات واثقة وبطيئة، وصرامته تعلو المكان؛ فكان صرير حذائه الجلدي الفاخر يصطدم بالأرضية الخشبية بانتظام مريب ومزعج، حتى وقف تماماً أمام مكتبها، ليحجب عنها ضوء المصباح الوحيد ويغرقها في ظلاله.

​ـ صوت عالي، ومطر مالي الشارع، وشغل مكلكع.. هو ده نظامكم هنا يا هندسة؟ ولا أنتم متعودين تخلصوا ملايين الشركات بالحب والبركة؟

​تأجج الغضب العارم في عروق حبيبة، واشتعلت وجنتاها بحمرة فورية فاقعة من جرأته الوقحة وطريقته الاستفزازية المتعالية. لكنها، ورغم دقات قلبها المتسارعة، أخذت نفساً عميقاً وبطيئاً لتستعيد رباطة جأشها، وأغلقت غطاء حاسوبها المحمول بعنف مدروس، ثم رفعت رأسها لتواجهه بندية مطلقة، ناظرة إليه من خلف عدسات نظارتها بحدة لا تمحى:

​ـ أهلاً يا بشمهندس مراد.. نورت المكتب الضيق اللي مش عاجب حضرتك. بس الواضح تماماً إنك نسيت أبسط أبجديات الشغل، وهي إن فيه باب بيتم تخبط عليه قبل ما تقتحم خلوة الناس وتفرض نفسك كده.. ولا ده عيب أصلاً في الكتالوج بتاعك؟!

​ابتسم مراد ابتسامة جانبية ساخرة وغامضة، أظهرت وميضاً حاداً في عينيه الواسعتين، وانحنى قليلاً برأسه للأمام متجاوزاً كل الحدود المهنية والمسافات المعتادة بين الرؤساء والشركاء، حتى لامست أنفاسه الدافئة المحملة برائحة عطره الرجولي الفاخر الهواء المحيط بوجهها مباشرة:

​ـ أنا متعود آخد اللي عايزه من غير ما أخبط على باب حد يا حبيبة.. وخصوصاً لو كان الشغل ده هيوقف خسارة مليونية تهد اسم عائلة الهواري كله. خلصتي كلامك، ولا لسه سارحة في تفاصيل تانية أبعد من الشغل؟

​ارتجف قلب حبيبة بعنف شديد داخل صدرها من هذا القرب المباغت والجرأة الصارخة في صوته ونبرته الرجولية، لكنها كست وجهها بقناع من الجفاء الفولاذي، ودفعت كرسيها للخلف بقوة لتصنع مسافة أمان واضحة بينهما، وردت بصوت يقطر حداً وبروداً مصطنعاً:

​ـ الملفات قدامك أهيه يا هضبة.. ولو سمحت، ابعد شوية عن مكتبي عشان أعرف أركز، الهوا هنا فعلاً اتكتف بوجودك غير المرغوب فيه!

​أصدر مراد ضحكة عميقة ومبحوحة هزت صدره العريض بقوة، ومال أكثر نحوها حتى كادت شفتاه تقتربان بشكل خطير من حافة أذنها، وهمس بصوت نافذ ومخترق يبعث القشعريرة في الأبدان:

​ـ ولو ما بعدتش يا بشمهندس.. هتعملي إيه؟ هتمشيني من مكتبي.. ولا هتستحملي قربي أكتر من كده؟

​تراجع بعدها بخطوات قليلة ببرود مبالغ فيه وابتسامة نصر مستفزة ترتسم على شفتيه، لتبدأ من هنا تلك المواجهة المشتعلة التي لا رحمة فيها، معلنة عن ليلة طويلة لن تنتهي بسهولة بينهما.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نبضات العشق   الفصل خامس عشر

    الفصل الخامس عشر والأخير: ​بعد مرور عدة أشهر، كانت شركة "العمارة الحديثة" تعيش أزهى عصورها المهنية. مشروع "بورتو الشرق" لم يقتصر على كونه مجرد مشروع هندسي ضخم، بل تحول إلى حديث السوق العقاري بأسره بفضل دقة تصاميمه، وعبقرية حساباته التي أشرفت عليها حبيبة بنفسها، مسجلةً بذلك نجاحاً ساحقاً جعل اسم «مهندسة حبيبة» يلمع في كل مكان. تقديراً لتفوقها وكفاءتها الاستثنائية، لم يكتفِ مجلس الإدارة برد اعتبارها فحسب، بل أصدر قراراً رسمياً بترقيتها لتصبح الشريكة الهندسية الأولى والمديرة التنفيذية للقسم الهندسي بجانب مراد، لتجتمع طاقاتهما معاً في قمة النجاح.​لكن الحياة لم تكن كلها مكاتب وأوراق ومشاريع؛ فبعد انتهاء ضغوط العمل الشاقة، حرص الاثنان على أخذ مساحة خاصة بعيداً عن صخب الشركة وجدرانها. كانت حبيبة تقضي بعض الوقت بمنزل أسرتها الهادئ، تستمتع بالهدوء والدفء العائلي، بينما كان مراد يزورها بانتظام، محاولاً تعويض كل لحظة قلق مرّا بها. أدرك الاثنان تماماً أن الحب الحقيقي لا يزدهر فقط بين جدران المكاتب، بل يحتاج إلى حياة حقيقية، ودفء بيتي يجمع قلبيهما بعيداً عن أعباء الحياة المهنية.​وفي ليلة خاص

  • نبضات العشق   الفصل الرابع عشر

    الفصل الرابع عشر: ​مرت أسابيع قليلة معدودة، بطيئة وهادئة، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تمنح شركة "العمارة الحديثة" وموظفيها فرصة ذهبية ومطلوبة لالتقاط أنفاسهم العميقة بعد الهزات العنيفة، المروعة والمرعبة التي تعرضت لها مؤخراً وكادت تعصف بكل أساساتها. في مكتبه الواسع والفاخر، كان مراد جالساً براحة تامة على كرسيه الجلدي الوثير، يرتدي قميصه المريح والأنيق، وقد اختفت تماماً آثار الإصابة الخطيرة والأليمة من كتفه العريض، مخلّفة وراءها ندبة خفيفة، صغيرة وبسيطة تذكره دائماً بذلك اليوم العصيب والمصيري الذي كاد يفقد فيه كل شيء يملكه في ومضة عين وسرعة البرق.​لم يكن تركيزه اليوم منصباً على الإطلاق على الأرقام الحسابية المعقدة، ولا على ضغوط الميزانية الثقيلة أو خطط التطوير المستقبلية، بل كانت عيناه العسليتان تتأملان بعمق بالغ وبابتسامة دافئة وساحرة تلك الورقة الهندسية الملقاة أمامه على سطح المكتب المصقول، والتي تحمل توقيع حبيبة الواثق والأنيق، بعد أن أثبت التحقيق القانوني النهائي نظافة ذمتها المهنية والأخلاقية بالكامل ودون أدنى شائبة، وإدانة نيرمين رسمياً ودون شك بتهم التزوير الجسيم ومحاولة القت

  • نبضات العشق   الفصل الثالث عشر

    الفصل الثالث عشر: ​لم تكن سيارة الإسعاف لتصل بالسرعة المطلوبة التي تمنتها وتوسلتها حبيبة بكل كيانها؛ فقد كان الوقت يجري كقطرات السم السامة في عروقها وهي تضغط بيديها المرتجفتين بقوة وعنف على جرح مراد النازف بغزارة، محاولة جاهدة منع الدماء الحارة من التسرب واستنزاف طاقته. كانت أضواء الشارع الباهتة والخافتة تتسلل ببطء عبر زجاج السيارة المهتز، مسلطة ومكشفة عن وجه مراد الشاحب كالموت، والذي كانت عيناه النصف مغمضتين تتحركان ببطء شديد وبصعوبة بالغة للبحث عن وجهها وسط ضباب الألم الجارف والظلام الذي يحيط بهما.​ـ حبيبة.. ارجعي لورا.. اهتمي بنفسك.. سيبيني ونمشي..همس بها مراد بصوت متقطع، واهن وخافت كأنه حفيف ورق جاف يحمله الريح، لتقاطع هي بكاءها العنيف وصراخها الداخلي بانهيار عصبي كامل وهي تضغط بدموعها الساخنة فوق كفه البارد:ـ اخرس خالص يا مراد! إياك تنطق بكلمة زيادة.. مش هسمحلك تسيبني وتكسرني.. سامعني؟! أنا سامحتك في كل حاجة حصلت، ونسيت كل الشك، بس تعيش.. أرجوك عيش عشاني!​في مستشفى العاصمة الكبير، تحولت الممرات المعقمة فجأة إلى ساحة طوارئ مصغرة وصاخبة؛ أطباء وممرضون يركضون بخفة وهلع حول ا

  • نبضات العشق   الفصل الثاني عشر

    ​الفصل الثاني عشر: ​لم تكن عودة انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ مجرد صدفة عادية أو عطل تقني عابر في ذلك المساء الموحش والمظلم؛ فبينما كانت عتمة المكتب الدامسة تحيط بهما من كل جانب وتجدد بداخلها ذكرى تلك الليلة الأولى والقديمة التي جمعتهما معاً وسط الخوف والتوتر، كان صمت المكان يحمل في طيات سكونه توتراً كهربائياً مختلفاً ومحرقاً. كان مراد واقفاً في الظلام على بعد خطوات معدودة منها، يحاول جاهداً وبعينين مليئتين بالرجاء كسر الجليد السميك والطويل الذي بنته بينهما الأيام، قبل أن تباغتهما فجأة أصوات غريبة، خشنة وحركة مريبة للغاية قادمة من الممر الخارجي المظلم والموحش.​وفي تلك الأثناء، وفي الظلام الدامس والرهيب خارج الغرفة، كانت عقلية شيطانية مريضة ومدمرة تتسلل بخطوات قططية وخبيثة نحو المكتب؛ كانت «نيرمين». لم تكن تلك المرأة قد غادرت حقًا دائرة الهوس الأعمى والرغبة في الانتقام، بل نجحت في التسلل والهروب المؤقت من ملاحقة الشرطة لتختبئ بذكاء في أروقة المبنى القديمة والمهملة طوال الأيام الماضية، مرتدية معطفًا داكنًا وطويلاً يخفي ملامح وجهها الشاحب والمجنون، وعيناها الدمويتان تبرقان بشرارة

  • نبضات العشق   الفصل الحادي عشر

    الفصل الحادي عشر:​بعد أن أُسدل الستار أخيراً على فصل الفضيحة المدوي وسقوط نيرمين الذريع والمدمر، غادرت نيرمين مبنى شركة "العمارة الحديثة" خاسرة كل شيء ومحملة بالخزي والعار المبرح، بينما عادت قاعة الاجتماعات الكبرى تدريجياً إلى هدوئها الحذر والساكن. لكن الهدوء البارد الذي حلّ بالمكان لم يكن سوى سكون ما بعد العاصفة الهوجاء، وخاصة بين مراد وحبيبة اللذين كانا يعيشان زلزالا داخلياً لا يقل ضراوة.​وقفت حبيبة أمام مكتبها الواسع، تنزع نظارتها الطبية ببطء شديد وبأنفاس متقطعة، وتغسل وجهها بماء بارد تحاول به جاهدة أن تطفئ نيران القهر المشتعلة وتأكل صدرها من الداخل. لم تكن فرحتها العارمة بظهور براءتها الساطعة توازي أبداً مرارة الخذلان الهائل الذي تجرعته وتذوقت علقمه حين هان عليها مراد، وانساق خلف سراب تقارير الغدر والتشكيك من اللحظة الأولى دون أن يمنحه قلبه فرصة للدفاع عنها. أخذت تجمع أدواتها الهندسية، أوراقها، ومستلزماتها الشخصية في حقيبتها بهدوء وثبات قاتل وصارم، وقد عقدت العزم النهائي والقطعي على مغادرة المكان فوراً وعدم البقاء دقيقة واحدة إضافية.​قبل أن تخطو خطوتها الأولى وثابتة خارج باب ال

  • نبضات العشق   الفصل العاشر

    ​الفصل العاشر: ​لم يتحمل الهواء الثقيل والخانق والمكهرب في أرجاء قاعة الاجتماعات الكبرى وزر الفضيحة المدوية والمرعبة التي تسببت فيها نيرمين بكل خبث ودهاء وشر مستطير. كانت شاشة العرض الكبرى المعلقة في صدر القاعة ما زالت تعرض بوضوح تام، وبجودة فائقة، لقطات كاميرات المراقبة الرقمية والمستندات التقنية التي توثق جريمتها النكراء وتلاعبها الخبيث بالتفصيل الدقيق، بينما عمّ صمت مذهول، ثقيل ومطبق أرجاء المكان لدرجة سماع دقات الأنفاس المتلاحقة للجميع.​وسط هذا السكون القاتل والمهيب الذي خيم على الحاضرين، نهضت نيرمين من مكانها ببطء شديد، وقد تحولت ملامحها المغرورة المتماسكة إلى حالة هستيرية عارمة من الجنون والانهيار العصبي الكامل. ركضت بتخبط وعشوائية نحوه، ودموعها المصطنعة تسيل بغزارة على وجنتيها الشاحبتين، بينما فتحت ذراعيها المرتجفتين تحاول يائسة تبرير ما اقترفته يداها بصوت متقطع، باهت ومرتجف بشدة يكاد يضيع في الفراغ:ـ مراد! أرجوك افهمني.. ارجوك اسمعني الأول قبل ما تحكم عليّ بالاعدام! أنا.. أنا مفعلتش كده إلا عشان بحبك بجنون وعشق أعمى! غصب عني والله العظيم.. الغيرة كانت هتموتني وتحرق قلبي من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status