ANMELDENساد صمت ثقيل ومكهرب أرجاء المكتب لعدة ثوانٍ طويلة، لم يقطعها سوى صوت هطول المطر العنيف وهو يضرب زجاج النوافذ بلا رحمة. واقتراب مراد المفاجأ من حبيبه كانت أنفاس مراد الدافئة تداعب صفحة رقبتها عن قُرب شديد يكاد يفقدها القدرة على التنفس، بينما كادت دقات قلب حبيبة العنيفة تخترق سكون المكان وتفضح ارتباكها الكامل الذي حاولت بشتى الطرق ستره خلف جدار من الجمود. شعرت بأن الأرض تمور من تحت قدميها، وبأن هذا الغريب المغرور يملك قدرة شيطانية ومباغتة على محو كل حدودها الدفاعية بنظرة واحدة أو همسة قريبة.
رفعت رأسها فجأة بعنف، ودفعت كرسيها المكتبي للخلف بقوة جعلته يصطدم بالحائط بصوت مكتوم، متخذة مسافة أمان مصطنعة بينهما لعلها تسترد بها بعضاً من سيطرتها المفقودة، وهتفت بنبرة مرتبكة تحاول باستماتة إخفاء ارتعاشة شفتيها الواضحة:
ـ إنت قليل الذوق على فكرة! وبطل قلة الأدب والتعدي ده عشان شغلي مش هيبوظ أبداً بسبب تطفلك الزايد وطريقتك المستفزة.
نظر إليها مراد بتمعن بالغ وتركيز عميق، وعدلت تلك الابتسامة المستفزة والغامضة مسيرتها لتزين شفتيه مجدداً، بينما أخذ يعقد ذراعيه القويتين أمام صدره العريض ويستند بكتفه الممشوق إلى حافة المكتب بتباسط فادح:
ـ قلة أدب؟! أنا بس بفكرك بالواقع اللي أنتي متجاهلاه.. الوقت بيجري كالسراب، والصفقة دي لو ضاعت في وسط المزايدات دي، أنا اللي هبقى الواجهة والمقصود قدام مجلس الإدارة الصارم.. مش أنتي يا بشمهندسة، فياريت توفري طاقتك دي للمشاكل الحقيقية.
تأففت حبيبة بغضب ساطع جعل وجنتيها تشتعلان، وجذبت إليها أحد الملفات السميكة بعنف لتخفي توترها الظاهر، وفتحت صفحاته ورسوماته الهندسية المعقدة وكأنها تحتمي بتلك الأوراق منه ومن تأثيره الطاغي على حواسها:
ـ طب اتفضل اقعد ع الكرسي الثاني وسيبني أخلص لو سمحت، وورينا شطارتك وخبرتك دي يا هضبة.. ولا إنت فالح بس في الكلام والتنطيط وفرض النفس وخلاص من غير أي نتيجة ملموسة؟
تحرك ببطء متعمد ومدروس، وجلس ببرود وثقة تامة على الكرسي المقابل لها تماماً، لكن عينيه الحادتين لم تفارقا وجهها قط طوال الوقت؛ كان يراقب كل حركة ترتعش فيها أصابعها الرقيقة، وكل ذرة غضب أو حمرة تخط طريقها على وجنتيها المحمرتين من شدة الانفعال والضغط العصبي.
ـ ماشي يا سستي.. ورينا إبداعك الهندسي العبقري ده اللي مخليكي ناشفة كده زي الورق، ومنورة المكتب في نص الليل وكأن مفيش حياة بره الشغل ده.
مرت الساعات الأولى من الليل ببطء ثقيل وسط نقاشات حادة ومتقطعة بين أخذ ورد، وتفنيد لكل نقطة في المشروع. كانت أفكار حبيبة الهندسية دقيقة، مبهرة، ومليئة بالحلول المبتكرة التي تحل أصعب العقد المعمارية، وكلما تحدثت وعرضت رؤيتها بثقة وثبات، كلما زاد إعجاب مراد الخفي بها وبذكائها الحاد، رغم حرصه الشديد على إخفاء ذلك الإعجاب خلف قناع السخرية الدائمة والتحدي المستمر الذي يشتعل بينهما.
وعند منتصف الليل تماماً، وكأن العاصفة الخارجية أرادت أن تضع بصمتها الأخيرة على هذه الليلة المشحونة، انقطع التيار الكهربائي فجأة عن الطابق بأكمله دون أي مقدمات، ليغرق المكتب الواسع في ظلام دامس ورهيب لم يناره سوى ومضات البرق الخاطفة والقوية من خلف النوافذ الكبيرة المبللة بالمطر.
أطلقت حبيبة شهقة خفيفة ومفاجئة من هول المفاجأة والمباغتة، ومالت تلقائياً بحركة لا إرادية لتصطدم بكتف مراد القوي الذي كان جالساً بقربها يراقبها في صمت العتمة. ولم تردعه لحظة مفاجأة، بل مد يده في الظلام الدامس بسرعة البرق وأمسك بمعصمها النحيل برفق مباغت ودافئ، ليمنعها من السقوط أو التخبط في الظلام الدامس المحيط بهما.
همس بصوت عميق، دافئ، وقريب بشكل خطير كاد يفقدها ما تبقى لها من ثبات، وقد اقترب وجهه منها لدرجة أذهلتها وعطلت تماماً قدرتها على التفكير في عتمة الغرفة المظلمة:
ـ خايفة من الضلمة ولا مني يا حبيبة؟
أغمضت عينيها للحظة واحدة طويلة كادت أن توقف الزمن، وشعرت برعشة لذيذة وخاطفة تسري في عمودها الفقري كله من ملمس أصابعه القوية الحانية على يدها، بينما تردد صدا صوته المخترق والقريب جداً في رأسها بلا توقف، معلناً سقوط آخر خطوط الدفاع بينهما في منتصف الليل الحالك، وكاتباً بداية فصل جديد لا يمكن التراجع عنه.
الفصل الخامس عشر والأخير: بعد مرور عدة أشهر، كانت شركة "العمارة الحديثة" تعيش أزهى عصورها المهنية. مشروع "بورتو الشرق" لم يقتصر على كونه مجرد مشروع هندسي ضخم، بل تحول إلى حديث السوق العقاري بأسره بفضل دقة تصاميمه، وعبقرية حساباته التي أشرفت عليها حبيبة بنفسها، مسجلةً بذلك نجاحاً ساحقاً جعل اسم «مهندسة حبيبة» يلمع في كل مكان. تقديراً لتفوقها وكفاءتها الاستثنائية، لم يكتفِ مجلس الإدارة برد اعتبارها فحسب، بل أصدر قراراً رسمياً بترقيتها لتصبح الشريكة الهندسية الأولى والمديرة التنفيذية للقسم الهندسي بجانب مراد، لتجتمع طاقاتهما معاً في قمة النجاح.لكن الحياة لم تكن كلها مكاتب وأوراق ومشاريع؛ فبعد انتهاء ضغوط العمل الشاقة، حرص الاثنان على أخذ مساحة خاصة بعيداً عن صخب الشركة وجدرانها. كانت حبيبة تقضي بعض الوقت بمنزل أسرتها الهادئ، تستمتع بالهدوء والدفء العائلي، بينما كان مراد يزورها بانتظام، محاولاً تعويض كل لحظة قلق مرّا بها. أدرك الاثنان تماماً أن الحب الحقيقي لا يزدهر فقط بين جدران المكاتب، بل يحتاج إلى حياة حقيقية، ودفء بيتي يجمع قلبيهما بعيداً عن أعباء الحياة المهنية.وفي ليلة خاص
الفصل الرابع عشر: مرت أسابيع قليلة معدودة، بطيئة وهادئة، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تمنح شركة "العمارة الحديثة" وموظفيها فرصة ذهبية ومطلوبة لالتقاط أنفاسهم العميقة بعد الهزات العنيفة، المروعة والمرعبة التي تعرضت لها مؤخراً وكادت تعصف بكل أساساتها. في مكتبه الواسع والفاخر، كان مراد جالساً براحة تامة على كرسيه الجلدي الوثير، يرتدي قميصه المريح والأنيق، وقد اختفت تماماً آثار الإصابة الخطيرة والأليمة من كتفه العريض، مخلّفة وراءها ندبة خفيفة، صغيرة وبسيطة تذكره دائماً بذلك اليوم العصيب والمصيري الذي كاد يفقد فيه كل شيء يملكه في ومضة عين وسرعة البرق.لم يكن تركيزه اليوم منصباً على الإطلاق على الأرقام الحسابية المعقدة، ولا على ضغوط الميزانية الثقيلة أو خطط التطوير المستقبلية، بل كانت عيناه العسليتان تتأملان بعمق بالغ وبابتسامة دافئة وساحرة تلك الورقة الهندسية الملقاة أمامه على سطح المكتب المصقول، والتي تحمل توقيع حبيبة الواثق والأنيق، بعد أن أثبت التحقيق القانوني النهائي نظافة ذمتها المهنية والأخلاقية بالكامل ودون أدنى شائبة، وإدانة نيرمين رسمياً ودون شك بتهم التزوير الجسيم ومحاولة القت
الفصل الثالث عشر: لم تكن سيارة الإسعاف لتصل بالسرعة المطلوبة التي تمنتها وتوسلتها حبيبة بكل كيانها؛ فقد كان الوقت يجري كقطرات السم السامة في عروقها وهي تضغط بيديها المرتجفتين بقوة وعنف على جرح مراد النازف بغزارة، محاولة جاهدة منع الدماء الحارة من التسرب واستنزاف طاقته. كانت أضواء الشارع الباهتة والخافتة تتسلل ببطء عبر زجاج السيارة المهتز، مسلطة ومكشفة عن وجه مراد الشاحب كالموت، والذي كانت عيناه النصف مغمضتين تتحركان ببطء شديد وبصعوبة بالغة للبحث عن وجهها وسط ضباب الألم الجارف والظلام الذي يحيط بهما.ـ حبيبة.. ارجعي لورا.. اهتمي بنفسك.. سيبيني ونمشي..همس بها مراد بصوت متقطع، واهن وخافت كأنه حفيف ورق جاف يحمله الريح، لتقاطع هي بكاءها العنيف وصراخها الداخلي بانهيار عصبي كامل وهي تضغط بدموعها الساخنة فوق كفه البارد:ـ اخرس خالص يا مراد! إياك تنطق بكلمة زيادة.. مش هسمحلك تسيبني وتكسرني.. سامعني؟! أنا سامحتك في كل حاجة حصلت، ونسيت كل الشك، بس تعيش.. أرجوك عيش عشاني!في مستشفى العاصمة الكبير، تحولت الممرات المعقمة فجأة إلى ساحة طوارئ مصغرة وصاخبة؛ أطباء وممرضون يركضون بخفة وهلع حول ا
الفصل الثاني عشر: لم تكن عودة انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ مجرد صدفة عادية أو عطل تقني عابر في ذلك المساء الموحش والمظلم؛ فبينما كانت عتمة المكتب الدامسة تحيط بهما من كل جانب وتجدد بداخلها ذكرى تلك الليلة الأولى والقديمة التي جمعتهما معاً وسط الخوف والتوتر، كان صمت المكان يحمل في طيات سكونه توتراً كهربائياً مختلفاً ومحرقاً. كان مراد واقفاً في الظلام على بعد خطوات معدودة منها، يحاول جاهداً وبعينين مليئتين بالرجاء كسر الجليد السميك والطويل الذي بنته بينهما الأيام، قبل أن تباغتهما فجأة أصوات غريبة، خشنة وحركة مريبة للغاية قادمة من الممر الخارجي المظلم والموحش.وفي تلك الأثناء، وفي الظلام الدامس والرهيب خارج الغرفة، كانت عقلية شيطانية مريضة ومدمرة تتسلل بخطوات قططية وخبيثة نحو المكتب؛ كانت «نيرمين». لم تكن تلك المرأة قد غادرت حقًا دائرة الهوس الأعمى والرغبة في الانتقام، بل نجحت في التسلل والهروب المؤقت من ملاحقة الشرطة لتختبئ بذكاء في أروقة المبنى القديمة والمهملة طوال الأيام الماضية، مرتدية معطفًا داكنًا وطويلاً يخفي ملامح وجهها الشاحب والمجنون، وعيناها الدمويتان تبرقان بشرارة
الفصل الحادي عشر:بعد أن أُسدل الستار أخيراً على فصل الفضيحة المدوي وسقوط نيرمين الذريع والمدمر، غادرت نيرمين مبنى شركة "العمارة الحديثة" خاسرة كل شيء ومحملة بالخزي والعار المبرح، بينما عادت قاعة الاجتماعات الكبرى تدريجياً إلى هدوئها الحذر والساكن. لكن الهدوء البارد الذي حلّ بالمكان لم يكن سوى سكون ما بعد العاصفة الهوجاء، وخاصة بين مراد وحبيبة اللذين كانا يعيشان زلزالا داخلياً لا يقل ضراوة.وقفت حبيبة أمام مكتبها الواسع، تنزع نظارتها الطبية ببطء شديد وبأنفاس متقطعة، وتغسل وجهها بماء بارد تحاول به جاهدة أن تطفئ نيران القهر المشتعلة وتأكل صدرها من الداخل. لم تكن فرحتها العارمة بظهور براءتها الساطعة توازي أبداً مرارة الخذلان الهائل الذي تجرعته وتذوقت علقمه حين هان عليها مراد، وانساق خلف سراب تقارير الغدر والتشكيك من اللحظة الأولى دون أن يمنحه قلبه فرصة للدفاع عنها. أخذت تجمع أدواتها الهندسية، أوراقها، ومستلزماتها الشخصية في حقيبتها بهدوء وثبات قاتل وصارم، وقد عقدت العزم النهائي والقطعي على مغادرة المكان فوراً وعدم البقاء دقيقة واحدة إضافية.قبل أن تخطو خطوتها الأولى وثابتة خارج باب ال
الفصل العاشر: لم يتحمل الهواء الثقيل والخانق والمكهرب في أرجاء قاعة الاجتماعات الكبرى وزر الفضيحة المدوية والمرعبة التي تسببت فيها نيرمين بكل خبث ودهاء وشر مستطير. كانت شاشة العرض الكبرى المعلقة في صدر القاعة ما زالت تعرض بوضوح تام، وبجودة فائقة، لقطات كاميرات المراقبة الرقمية والمستندات التقنية التي توثق جريمتها النكراء وتلاعبها الخبيث بالتفصيل الدقيق، بينما عمّ صمت مذهول، ثقيل ومطبق أرجاء المكان لدرجة سماع دقات الأنفاس المتلاحقة للجميع.وسط هذا السكون القاتل والمهيب الذي خيم على الحاضرين، نهضت نيرمين من مكانها ببطء شديد، وقد تحولت ملامحها المغرورة المتماسكة إلى حالة هستيرية عارمة من الجنون والانهيار العصبي الكامل. ركضت بتخبط وعشوائية نحوه، ودموعها المصطنعة تسيل بغزارة على وجنتيها الشاحبتين، بينما فتحت ذراعيها المرتجفتين تحاول يائسة تبرير ما اقترفته يداها بصوت متقطع، باهت ومرتجف بشدة يكاد يضيع في الفراغ:ـ مراد! أرجوك افهمني.. ارجوك اسمعني الأول قبل ما تحكم عليّ بالاعدام! أنا.. أنا مفعلتش كده إلا عشان بحبك بجنون وعشق أعمى! غصب عني والله العظيم.. الغيرة كانت هتموتني وتحرق قلبي من







