بيت / الرومانسية / ندبة لا ترى / الفصل الأول .. امرأة من جليد

مشاركة

ندبة لا ترى
ندبة لا ترى
مؤلف: مروة نصر

الفصل الأول .. امرأة من جليد

مؤلف: مروة نصر
last update تاريخ النشر: 2026-05-28 02:50:03

لم تكن خديجة تؤمن بالحب.

الحب بالنسبة لها لم يكن أكثر من خدعة جميلة تنتهي بكارثة، ووعد كاذب يُقال بصوت دافئ قبل أن يتحول إلى سكين يغرس ببطء داخل الروح.

كانت تؤمن بشيء واحد فقط…

النجاة.

وقفت أمام المرآة في غرفتها الصغيرة تعدّل ياقة قميصها الأبيض بعناية شديدة، بينما انعكس وجهها على الزجاج بملامح باردة لا تشبه عمرها الحقيقي.

في التاسعة والعشرين فقط…

لكن عينيها السوداوين كانتا تحملان تعب امرأة عاشت أكثر مما ينبغي.

عيناها لم تكونا قاسيتين بالفطرة، الحياة هي من جعلتهما هكذا.

حادتين.

حذرتين.

كأنهما تتوقعان الخيانة في أي لحظة.

مررت أصابعها فوق خصلات شعرها الداكن المربوطة بإحكام، ثم أغلقت أزرار سترتها العملية بسرعة وكأنها ترتدي درعًا لا ملابس.

خارج الغرفة، جاءها صوت والدتها المرتفع قليلًا:

— خديجة! هتتأخري يا بنتي.

أخذت حقيبتها الجلدية، ثم خرجت بخطوات هادئة.

كان المنزل بسيطًا، قديمًا بعض الشيء، لكنه نظيف ودافئ بشكل يختلف تمامًا عن برودة صاحبة البيت نفسها.

في غرفة الطعام، كانت والدتها تتحرك بعشوائية وهي تضع أكواب الشاي فوق الطاولة، بينما جلس شقيقها الأصغر كريم يحاول إصلاح شاشة هاتفه المكسورة بضيق واضح.

رفعت الأم عينيها فور رؤيتها.

— تعالي كلي لقمتين الأول.

فتحت خديجة هاتفها بسرعة وهي تراجع جدول اجتماعاتها.

— معنديش وقت.

تنهدت الأم بحزن تعرفه خديجة جيدًا.

ذلك الحزن الذي يظهر كلما رأت ابنتها تتحول أكثر إلى آلة تعمل بلا راحة.

قال كريم وهو يرمقها بضيق:

— إنتِ بقالك أسبوع مبتناميش غير ساعتين.

ردت دون أن ترفع عينيها:

— وده يخصك؟

رمقها بنظرة مستاءة.

— لا… بس لو وقعتي ميتة من الشغل محدش هيستفيد حاجة.

للحظة قصيرة جدًا…

تجمدت يدها فوق الهاتف.

ارتجف شيء صغير داخل صدرها.

شيء يشبه الخوف.

لكنها دفنته فورًا تحت طبقات الصلابة التي بنتها حول نفسها منذ سنوات.

اقتربت من والدتها وقبّلت رأسها سريعًا.

— سلام.

قالت الأم بحذر:

— خديجة…

توقفت عند الباب دون أن تلتفت.

— همم؟

ترددت الأم قليلًا قبل أن تقول:

— فكري ترتاحي شوية… الحياة مش شغل وبس.

أغمضت خديجة عينيها للحظة قصيرة.

ثم خرجت دون رد.

لأنها ببساطة…

لم تعد تعرف شكل الحياة الطبيعية أصلًا.

داخل شركة "الريان جروب"، كانت الفوضى المعتادة تملأ المكان.

موظفون يتحركون بسرعة بين المكاتب، أصوات هواتف لا تتوقف، أوراق، اجتماعات، شاشات مضيئة، وضغط يكاد يُرى في الهواء.

أما خديجة…

فكانت تسير وسط كل ذلك بثبات بارد جعل الجميع يفسح الطريق تلقائيًا.

همست إحدى الموظفات لزميلتها ما إن مرت بجوارهما:

— دي مخيفة والله.

ردت الأخرى بخفوت:

— بس عبقرية… الشركة كلها واقفة عليها.

لم تكن خديجة تهتم بما يقوله الناس عنها.

طالما العمل يسير كما تريد، فليعتقدوا ما يشاؤون.

دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم ألقت حقيبتها فوق المكتب وجلست تراجع الملفات المتراكمة أمامها.

كانت منظمة بشكل مرعب.

حتى الفوضى داخل مكتبها بدت مرتبة.

رن الهاتف الداخلي بعد دقائق.

أجابت بجمود:

— أيوه.

جاءها صوت السكرتيرة متوترًا قليلًا:

— أستاذة خديجة… المدير الجديد وصل.

توقفت يدها فوق الورق.

المدير الجديد.

كانت قد سمعت بالأمر قبل أسبوع فقط.

شريك جديد سيدخل الإدارة بعد انسحاب أحد المستثمرين الأساسيين.

لكنها لم تهتم كثيرًا وقتها.

أي مدير جديد سيأتي وينبهر بأرقام الشركة ثم يحاول فرض سلطته لأيام قبل أن يكتشف أن الإدارة الحقيقية تدور حولها هي.

قالت ببرود:

— وماله؟

— طالب اجتماع بكل رؤساء الأقسام حالًا.

أغلقت الخط دون رد.

ثم أخذت نفسًا بطيئًا وهي تشعر بانقباض غريب لا تعرف سببه.

شيء ثقيل…

كأن اليوم يحمل ما لا تتوقعه.

في قاعة الاجتماعات…

كان الجميع جالسًا حين فُتح الباب أخيرًا.

ودخل هو.

عمر.

توقفت الأحاديث تلقائيًا.

ليس لأنه مشهور أو معروف…

بل لأن حضوره وحده كان كافيًا لفرض الصمت.

طويل القامة بشكل لافت.

عريض الكتفين.

يرتدي بدلة سوداء بسيطة، لكن طريقته في الوقوف جعلتها تبدو وكأنها صُنعت خصيصًا له.

ملامحه حادة بطريقة مستفزة.

أما عيناه الرماديتان…

فكانتا باردتين بشكل أربك خديجة دون سبب واضح.

تحرك بنظراته فوق الوجوه بثقة هادئة، دون أن يحاول الابتسام أو التصنع.

حتى توقفت عيناه عليها.

ثانيتان فقط.

لكن شيئًا ثقيلًا مر بينهما في تلك اللحظة.

نفور فوري.

وكأن كلاهما أدرك منذ النظرة الأولى أنه لن يحتمل الآخر.

جلس عمر على رأس الطاولة بهدوء، ثم قال بصوت عميق ثابت:

— أتمنى الناس هنا تكون فاهمة إن المجاملات مش من ضمن أسلوب شغلي.

ساد الصمت.

ثم بدأ يقلب بعض الملفات أمامه.

— الشركة فيها فوضى إدارية واضحة… وأرقام متضاربة… وده معناه إن فيه ناس بتقبض مرتبات على الفاضي.

اشتعلت نظرات خديجة فورًا.

رفعت رأسها وقالت بحدة واضحة:

— لو عندك ملاحظة على شغلي تقدر تقولها بشكل مباشر.

رفع عينيه إليها ببطء.

كانت أول مرة ينظر لها بتركيز حقيقي.

جميلة…

لكن جمالها لم يكن أول ما يُلاحظ.

بل برودها.

تلك الطريقة التي تجلس بها وكأنها مستعدة للحرب طوال الوقت.

قال بهدوء مستفز:

— وأنا قولت اسمك؟

ردت فورًا:

— تقصدني.

مال بجسده للخلف قليلًا.

— يمكن لأنك حاسة إن الكلام عليكي فعلًا.

تشنج فكها بعنف.

أما بقية الموظفين فالتزموا الصمت وكأنهم يشاهدون قنبلة توشك على الانفجار.

قال عمر وهو يغلق الملف أمامه:

— من النهارده أي قرار مالي هيعدي عليّا شخصيًا.

ردت بسرعة:

— ده هيعطل الشغل.

— وأنا اللي أحدد ده.

ضيقت عينيها بغضب.

— واضح إنك بتحب السيطرة.

ولأول مرة…

ابتسم.

ابتسامة صغيرة باردة زادت استفزازها.

— وواضح إنك مبتحبيش حد يقولك لأ.

كانت نبرته هادئة، لكنها أشعلت أعصابها بالكامل.

شعرت برغبة حقيقية في صفعه.

أما هو…

فكان يراقبها وكأنه يقرأ شيئًا خلف ملامحها.

امرأة متعجرفة.

مستفزة.

لكن الأهم…

أن عينيها تخفيان خوفًا قديمًا.

شيئًا مظلمًا.

انتهى الاجتماع أخيرًا بتوتر خانق.

غادر الجميع بسرعة وكأنهم يهربون من ساحة معركة، بينما بقيت خديجة تجمع أوراقها بعصبية واضحة.

كانت على وشك المغادرة حين سمعت صوته خلفها:

— أستاذة خديجة.

استدارت ببطء.

وقف عمر مستندًا إلى الطاولة ينظر إليها مباشرة.

قال بهدوء:

— النجاح مش معناه إنك تتعاملي بفوقية مع الناس.

ضحكت بسخرية قصيرة.

— وأنت متخيل إنك فاهمني من أول اجتماع؟

اقترب خطوة واحدة فقط.

— الناس الواضحة بتتفهم بسرعة.

في اللحظة التي اقترب فيها…

ارتجف شيء داخلها دون إرادتها.

أنفاسها اضطربت فجأة.

الاقتراب من الرجال كان دائمًا يربكها…

يعيد إليها شيئًا دفنته بالقوة.

تراجعت خطوة لا إراديًا.

لاحظ عمر ذلك فورًا.

ضاقت عيناه قليلًا.

قالت بسرعة حادة:

— متقربش كده تاني.

ارتفع حاجبه بدهشة خفيفة.

ثم ابتسم بسخرية باردة:

— متقلقيش… مش مهتم.

واستدار مغادرًا.

أما هي فبقيت مكانها للحظات طويلة، تحاول استعادة أنفاسها.

كانت تكره هذا الشعور.

تكره أن يهزمها الخوف ولو للحظة واحدة.

أغمضت عينيها بقوة…

لكن الذكرى اللعينة عادت رغمًا عنها.

يد خشنة تقبض على ذراعها…

صوت كاذب يهمس قرب أذنها:

"أنا بحبك…"

ثم ألم.

وبكاء.

وظلام.

فتحت عينيها بعنف وكأنها خرجت من كابوس.

لا.

لن تعود تلك الفتاة الضعيفة أبدًا.

في المساء…

كانت الشركة شبه خالية.

أغلب الموظفين غادروا منذ وقت طويل، بينما بقيت خديجة وحدها داخل مكتبها تراجع بعض التقارير.

أرهق الصداع رأسها، لكنها تجاهلته كعادتها.

العمل كان الشيء الوحيد الذي يمنع عقلها من العودة للماضي.

رن هاتفها فجأة.

نظرت إلى الشاشة.

وفي لحظة واحدة…

تجمد الدم داخل عروقها.

رقم مجهول.

لكنها عرفته.

رغم السنوات…

عرفته.

ارتجفت أصابعها وهي ترد أخيرًا:

— مين؟

وجاءها الصوت الذي دمر حياتها يومًا:

— وحشتيني يا خديجة.

شحب وجهها بالكامل.

توقف الزمن حولها.

ذلك الصوت وحده كان كافيًا ليعيدها سنوات طويلة للخلف.

سنوات حاولت دفنها بكل قوتها.

قال الرجل بهدوء بارد:

— شكلك نسيتي سليم بسرعة.

شهقت أنفاسها بعنف.

سليم.

عاد.

بعد كل هذه السنوات…

عاد.

همس بصوت منخفض مرعب:

— وأنا بصراحة… لسه ما خلصتش معاكي.

وانقطع الخط.

سقط الهاتف من يدها على الأرض.

بدأت أنفاسها تتسارع بعنف، بينما ارتجفت يداها بشكل خارج عن السيطرة.

لا…

لا…

مش بعد كل اللي حاولت تنساه…

وضعت يدها فوق فمها تمنع شهقة مرتعبة، لكنها انتفضت فجأة عندما فُتح باب المكتب دون استئذان.

دخل عمر متجهمًا:

— لسه هنا لحد دلوقتي؟

لكن كلماته توقفت فورًا.

لأن خديجة…

المرأة الباردة التي واجهت الجميع كالصخر منذ الصباح…

كانت تقف أمامه الآن بلون شاحب، وعينين مذعورتين، وجسد يرتجف وكأنه خرج للتو من كارثة.

تجمدت نظراته عليها.

ثم قال ببطء شديد:

— مين اللي خوّفك بالشكل ده…؟

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
تعليقات (2)
goodnovel comment avatar
Asmaa Ali
جميلة واحداث مشوقة من البداية...
goodnovel comment avatar
Norseen Mohamed
بالتوفيق بداية موفقة
عرض جميع التعليقات

أحدث فصل

  • ندبة لا ترى    الفصل الخامس والأربعون... الخاطف الغامض

    "العربية دي بتاعة سليم."لم يتكلم أحد.وكأن الكلمات سقطت فوق رؤوسهم جميعًا.أما خديجة...فشعرت ببرودة تسري في أطرافها.سليم.عاد الاسم من جديد.عاد بكل ما يحمله من ذكريات موجعة.ومن خيبات.ومن أسئلة بلا إجابات.رفع عمر رأسه ببطء.ونظر إلى سامح.— متأكد؟أومأ سامح.— شوفتها أكتر من مرة.— أيام ما كان لسه بيبني نفوذه.— ومستحيل أنساها.ساد الصمت.لكن محمود لم يقتنع.— استنى.التفت الجميع إليه.فقال وهو يفكر بصوت مرتفع:— لو العربية فعلًا تبع سليم...يبقى في حاجة غلط.عقد عمر حاجبيه.— ليه؟— لأن سليم لو عايز يخطف كريم...مش هيبعت عربية معروفة إنها تبعه.تبادل الجميع النظرات.ولأول مرة...بدأ الشك يتسلل.أكمل محمود:— ده لو فعلاً سليم ورا الموضوع.— لكن لو حد عايز يلبسه التهمة...يبقى الوضع مختلف.ساد الصمت.لأن كلامه منطقي.ومنطقي جدًا.في تلك اللحظة...رن هاتف سامح.نظر إلى الشاشة.فتغير وجهه.— مين؟سأل عمر.لكن سامح لم يجب.ظل ينظر إلى الاسم.كأنه يرى شبحًا.ثم ضغط زر الرد.ووضع الهاتف على أذنه.— ألو.جاءه صوت خشن من الطرف الآخر.— بقالك سنين مستخبي يا سامح.تجمد الجميع.أما سامح...

  • ندبة لا ترى    الفصل الرابع والأربعون...خطف

    "فيه ناس كانت مراقبة البيت."انعقد حاجبا عمر فورًا.— إنت فين دلوقتي؟جاءه صوت كريم متعبًا.وصوته يخرج بصعوبة.— تحت العمارة.شعرت خديجة أن قلبها انقبض.فقد بدا صوت شقيقها وكأنه خرج من معركة.— إنت كويس؟سأل عمر بسرعة.ضحك كريم ضحكة قصيرة متألمة.— شوفت ناس أحسن مني.— كريم.— متقلقش.أنا رايح أطمن أمي وأطلعلكم.ثم سكت ثانية.وأكمل بنبرة مختلفة:— بس فيه حاجة مش مريحاني.تبادل الجميع النظرات.— إيه؟— العربية اللي كانت واقفة تحت البيت من الصبح رجعت تاني.شعر عمر بتيار بارد يمر في جسده.— متطلعش.— يا عم سيبني أطمن أمي الأول.— كريم اسمع كلامي.لكن كريم كان قد أغلق الخط.نظر عمر إلى الشاشة بضيق.ثم سبّ بصوت خافت.فهمس محمود:— هنعمل إيه؟— هننزل.حالًا.نهض من مكانه.لكن خديجة أمسكت ذراعه.التفت إليها.فوجد الخوف واضحًا في عينيها.خوف لم تحاول إخفاءه هذه المرة.— خليه يرد أول ما تكلمه.نظر إليها للحظات.ثم أومأ.— هرجعهولك.لكن قلبه لم يكن مطمئنًا.أبدًا.ــــــــــــــــــــــفي نفس الوقتأمام بيت خديجةأغلق كريم الهاتف.ثم رفع رأسه نحو شرفة الشقة.كانت الأنوار مطفأة.لكنه يعرف أن أم

  • ندبة لا ترى    الفصل الثالث والأربعون...ارتباط الماضى بالحاضر

    وقف عادل بسيارته أمام عمارة قديمة في أحد الشوارع الجانبية.وأطفأ المحرك.لكنّه لم ينزل.ظل جالسًا خلف المقود.أصابعه تدق ببطء فوق عجلة القيادة.وعيناه مثبتتان على العمارة المقابلة.كان غاضبًا.غاضبًا بصورة لم يشعر بها منذ سنوات.لأن شيئًا ما لا يسير كما يجب.منذ ليلة المقبرة وهو يشعر أن هناك قطعة مفقودة من الصورة.شيء لا يعرفه.وهذا أكثر ما يكرهه عادل.أن يجهل.رن هاتفه.نظر إلى الشاشة.ثم رد.— ها.جاءه صوت أحد رجاله.— فتشنا المكان كله يا باشا.— وبعدين؟— مفيش حاجة.ساد الصمت.ثم قال الرجل:— بس...ضاقت عينا عادل.— بس إيه؟— واضح إن حد دخل البيت قبلنا.تجمدت أصابعه فوق المقود.— إيه؟— في درج مكسور.وفي مكان كان متخبى فيه ورق.واضح إنه اتفتح من زمان.شعر عادل بشيء بارد يمر داخل صدره.ليس خوفًا.بل غضب.غضب خالص.لأن ذلك يعني شيئًا واحدًا.أن هناك لاعبًا آخر.شخص سبق الجميع.شخص دخل بيت حسن قبل سنوات.وأخذ شيئًا مهمًا.وأخفاه.أغلق الهاتف.ثم أسند رأسه إلى المقعد.وأغمض عينيه.للحظات قصيرة فقط.لكن صورة قديمة ظهرت أمامه فورًا.حسن.وابتسامته المستفزة.ففتح عينيه بعنف.— حتى بعد موت

  • ندبة لا ترى    الفصل الثاني والأربعون...اعتراف بالحب وسط الدموع

    بعد الصدمة التي تركتها كلمات سامح...لم يعد أحد قادرًا على التفكير.أو الكلام.أو حتى ترتيب ما يحدث.إذا كان سليم آخر شخص رأى حسن حيًا...فهذا يعني أن نصف الحقائق التي عرفوها طوال السنوات الماضية قد تكون كذبة.جلس محمود في ركن الغرفة واضعًا رأسه بين كفيه.بينما انشغل رامي وسامح بمراجعة الأوراق والرسالة من جديد.أما عمر...فلم يبقَ في الغرفة.خرج إلى الشرفة الصغيرة الملحقة بالمنزل.كان الليل قد عاد ليسدل ستاره على الحقول.والهواء يحمل برودة خفيفة.لكنها لم تنجح في تهدئة النار المشتعلة داخله.كان يفكر في حسن.وفي خديجة.وفي السنوات التي سُرقت منها.ثم أغلق عينيه.وتخيل للحظة ماذا كان سيحدث لو لم يبحث خلف تلك الصورة القديمة.لو لم يفتح ذلك الصندوق.لو لم يدخل حياتها أصلًا.ربما كانت ستظل تعيش نفس العذاب.وحدها.شعر بألم أشد من إصابته.ألم فكرة أنها حملت كل هذا وحدها.كل هذه السنوات.في الداخل...كانت خديجة تنظر إلى الباب الذي خرج منه.منذ ساعات وهي تشعر أنه يريد الحديث معها.وهي أيضًا.لكنها كانت تهرب.لأن هناك كلمات تخيف أكثر من الرصاص.وكلمات إذا خرجت...لن يمكن إعادتها مرة أخرى.وأخير

  • ندبة لا ترى    الفصل الحادى وهو الأربعون...القاتل يقترب

    لأول مرة منذ أيام طويلة...ناموا دون سماع أصوات مطاردة.دون خطوات رجال يقتربون.ودون خوف من باب قد يُكسر في أي لحظة.كان المخبأ الذي أخذهم إليه سامح عبارة عن منزل ريفي قديم يقع وسط أرض زراعية بعيدة.بسيط.هادئ.ومنعزل عن العالم.لكن الهدوء لم ينجح في تهدئة أحد.خصوصًا خديجة.كانت تقف أمام نافذة صغيرة مع أول خيوط الفجر.تنظر إلى الحقول الممتدة أمامها.بينما عقلها يرفض التوقف عن التفكير.كلما أغلقت عينيها...عادت الكلمات.رسالة والدها.اعتراف محمود.خيانة الشاذلي.وكشف سامح.والأصعب من كل ذلك...عمر.التفتت نحو الأريكة الموجودة في آخر الغرفة.كان نائمًا أخيرًا.بعد أن نجح سامح في إحضار طبيب يثق به بعيدًا عن المستشفيات.أكد الطبيب أن إصابة الرأس خطيرة.لكنها ليست مميتة.بشرط الراحة.ابتسمت خديجة بمرارة.وكأن عمر يعرف أصلًا معنى الراحة.اقتربت منه بهدوء.وجلست على المقعد المقابل.كانت هذه أول مرة تراه نائمًا.نائمًا حقًا.دون قلق.دون استعداد دائم للقتال.بدا أصغر سنًا.وأكثر هدوءًا.فشعرت بوخزة مؤلمة داخل قلبها.كم مرة كاد يخسر حياته بسببها؟كم مرة وقف بينها وبين الخطر؟وكم مرة تجاهلت ما

  • ندبة لا ترى    الفصل الأربعون....كل الطرق تؤدى إلى القبر

    قبل ما ندخل على بيت حسن، لازم فعلًا نجاوب على سؤال مهم: سامح عرف مكانهم منين؟ لأن لو سيبناها من غير تفسير هتبقى ثغرة في الأحداث. الأفضل يكون عنده سبب منطقي مرتبط بحسن نفسه، مش مصادفة.الكتابةالفصل السابع والثلاثون الجزء الأوللم ينطق أحد بعد كلمات سامح الأخيرة."في حد دخل بيت حسن."كانت الجملة كافية لتسحب الهواء من صدورهم جميعًا.وقفت خديجة فجأة.كأنها نسيت تعبها وخوفها وكل ما مرت به.— مين؟هز سامح رأسه.— معرفش.قالها بصدق هذه المرة.— لكن اللي متأكد منه إن البيت كان تحت مراقبتي.انعقد حاجبا عمر.حتى رامي نظر إليه باستغراب.— تحت مراقبتك؟أخرج سامح هاتفًا صغيرًا من جيبه.ثم فتح صورة التقطتها كاميرا مراقبة.ظهرت سيارة سوداء متوقفة أمام البيت.وصورة لرجل يرتدي قبعة ويخفي معظم ملامحه.شحب وجه محمود.أما الشاذلي...فتغيرت ملامحه للحظة قبل أن يسيطر على نفسه.لكن عمر انتبه.انتبه جيدًا.وقال بحدة:— إنت عرفت الراجل ده.التفت الجميع نحو الشاذلي.أما هو فصمت.ثم قال:— مش متأكد.ضحك كريم بسخرية.— يعني عرفته.لكن عمر لم يكمل الحديث.كان هناك سؤال أهم.نظر إلى سامح.— وإنت عرفت مكاننا منين

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status