Home / الرومانسية / نور الآدم / البارت الخامس

Share

البارت الخامس

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-24 02:55:36

سقط محمود على المقعد كالجثة الهامدة، ووضع رأسه بين يديه وهو يئن بألم وحزن حقيقي تغلغل في نبرته

-  نور هربت.. سابت البيت وهربت يا سامية

في تلك اللحظة، انطلقت صرخة مدوية من فم سامية، ولطمت خديها بعنف وعويل مصطنع هز أركان المكان

يا لهوي يا خرابي... يا فضيحتنا وسط الناس! شفت.. شفت أهو ده آخر دلعك فيها ووقوفك في صفها... البت فصحتنا وهربت

انتفض نادر من مكانه كالملسوع، وعيناه تشعان شرراً وهو يرمق زوجة أبيه بنظرات حارقة، فلم يعد يحتمل هذا السيل من الافتراء المسموم. هتف بها بصوت هادر زلزل أركان الغرفة

-؛ هي مين دي اللي اتدلعت؟ ليه ماتقوليش نور هربت من قسوتكم ومعاملتكم ليها... هربت من العريس اللي إنتي نفسك لو لفوا الدنيا حواليكي مش هترضي بيه لنفسك ولا لبناتك

تراجعت سامية خطوة للخلف، وتبدلت ملامحها إلى مزيج من الغيظ والذهول من جراءة نادر، فصاحت به بنبرة حادة وصوت مرتفع

-؛ أنت بتكلمني أنا كدة يا نادر؟ بعد كل اللي عملته عشانكم وبقيت راجل طول بعرض جايبلي قلة القيمة؟ مش كفاية الفضيحة والمصيبة اللي عملتها أختك، وكمان جاي تتشطر عليا وتتكلم؟

- بسسسس.. كفاية أنتوا الاتنين

انطلق صوت محمود كالقذيفة، صرخة مكتومة خرجت من جوف رجل مكسور، انتفض واجفاً وعيناه تملؤهما حمرة الدم والوعيد، ونظر إليهما بغضب بالغ وصاح

- أنتوا إيه؟ مفيش دم؟ قاعدين تتخانقوا وتصفوا حساباتكم ومش حاسين بالمصيبة اللي فوق دماغنا؟

هنقول إيه للراجل اللي زمانه على وصول المغرب ومعاه المأذون والشهود؟ هنقوله العروسة هربت؟ إحنا خلاص اتفضحنا في البلد والناس مش هترحمنا

في تلك الأثناء، انزوت ندى في ركن الصالة، وانفجرت في بكاء مرير صامت؛ كانت دموعها تتدفق حزناً على فراق شقيقتها الكبرى ونور حياتها. تلاطمت الأفكار في رأسها الصغيرة، وتساءلت بخوف

- يا ترى إنتي فين يا نور؟ حصلك حاجة وحشة في الشارع؟

لكنها سرعان ما مسحت دموعها وهي تدرك في أعماقها أن أي مصير في الخارج لن يكون أسوأ من البقاء مع ذلك الرجل البشع الذي اختاروه لها.

استمرت سامية في ولولتها وعويلها الذي يملأ البيت نفاقاً، بينما انهار محمود تماماً وجلس على مقعده كالمشلول، ينهش العجز عقله ولا يدري كيف يداري سوأته أمام الناس. ظل يفرك وجهه بقلة حيلة، حتى هداه تفكيره المشوش إلى الحل الوحيد المتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أمسك هاتف بطلب مرتجف، وضغط على رقم الأستاذ توفيق. انتظر بضع ثوانٍ تحولت إلى دهر، حتى جاءه صوت الرجل الغليظ، فبلع محمود ريقه وتحامل على نبرته المكسورة قائلاً

- أيوة يا أستاذ توفيق.. يا مرحب بيك يا فندم. أنا.. أنا كنت بكلمك عشان أقولك إن حصلت عندنا ظروف طارئة جداً ومفاجئة، للأسف مش هنقدر نكتب الكتاب النهاردة، ومضطرين نأجل الموضوع ده شوية.

ساد صمت ثقيل على الطرف الآخر، قبل أن يجيبه توفيق بنبرة جافة، حادة، وفيها الكثير من التعالي والغرور

- تأجيل؟ والله يا حاج محمود أنا راجل وقتي بفلوس ومسافر بعد كام يوم، ولو الموضوع ده اتأجل للظروف اللي بتقول عليها.. يبقى التأجيل ده هيكون للأبد.

شعر محمود بغصة في حلقه، ونظر إلى الفراغ بقلب يعتصره الندم والخزي، لكنه لم يجد أمامه بداً من إنهاء الكابوس، فأجابه بنبرة مستسلمة

- اللي تشوفه يا أستاذ توفيق.. اللي فيه الخير يقدمه ربنا. مع السلامة.

أغلق محمود الهاتف، وسقطت يده بجواره كجذع شجرة خاوٍ، بينما ساد الصمت البيت؛ صمت ثقيل يسبق عواصف لا يعلم مداها إلا الله.

✨✨✨✨✨✨✨✨

لم تجد نور في جوفها إجابة سوى البكاء؛ انهمرت دموعها حارقة، وعجزت الحروف عن وصف حالتها أو شرح الكابوس الذي تعيشه. تزاحمت في مخيلتها حقيقة مريرة: لقد أصبحت بلا مأوى، وربما ستعيش ما تبقى من عمرها تلتحف أرصفة الشوارع.

طال صمت نور ونحيبها، فاشتدت دهشة السيدة العجوز والتي تُدعى زينب وظنت أن الفتاة خرساء لا تقوى على النطق. رق قلبها وتألمت غاية الألم وهي ترى هذا الجمال الأخاذ غارقاً في الانكسار، فدنت منها وحاولت معها مرة أخرى، قائلة بنبرة تفيض حناناً

- إيه يا حبيبتي مالك؟ هو.. هو أنتي خرسة يا بنتي مش بتتكلمي؟

نظرت إليها نور بدهشة، وابتلعت غصتها لتقول بتردد ونبرة مرتجفة

- لا.. أنا مش خرسة ولا حاجة.

ثم ساد الصمت مجدداً وهي تطالعها بخوف ووجل. جلست زينب بجوارها على الصخرة، وربتت على كتفها بحنو بالغ

- طب مالك يا ضنايا؟ وليه نايمة ع البحر كدة في وقت زي ده؟ وشكلك وهيئتك مش إسكندرانية خالص.

ابتلعت نور ريقها بصعوبة، شاعرة أن أمرها قد انكشف وأن ملامح الغربة تفضحها، فأجابت بنبرة متلعثمة وخفيضة

- أنا.. أنا من المنصورة، وبصراحة كدة.. ماليش مكان أروحه هنا.

انفجرت نور في بكاء مرير مجدداً تعزيةً لحالها، فلم تتردد السيدة زينب في جذبها نحو صدرها الدافئ، واحتضنتها بقوة قائلة بألم وتأثر

- ولا يهمك يا بنتي.. ولا تشيلي هم واصلي، تعالي معايا هوديكي بيتي، كلي لك لقمة ونامي لك شوية وارتاحي على ما أروح أنا شغلي وأرجع لك.

تطلعت إليها نور بذهول تلوح في أفق عينيها؛ كيف لامرأة مسنة لا تعرف عنها شيئاً ولا تدري ما وراءها أن تستضيفها بهذه البساطة والأمان؟ في تلك اللحظة، سرى في جسد نور شعور دافئ دفق في عروقها روح الأمومة التي افتقدتها منذ نعومة أظافرها، فقالت بغير تصديق

- بس.. بس حضرتك ما تعرفينيش... إزاي هتدخليني بيتك بالبساطة دي؟ مش خايفة مني لأكون تطلع مني حاجة وحشة؟

نظرت إليها السيدة زينب بعينين تلمعان بحنان جارف، وارتسمت على وجهها الخشن ابتسامة دافئة قائلة

- يا بنتي إنتي شكلك بنت حلال ومتربية، وواضح إنك واقعة في ضيقة كبيرة، أسيبك يعني مرمية في الشارع للناس اللي ما ترحمش؟

ثم ضحكت بخفة مكملة حديثها

- وبعدين ما تقلقيش يا ستي.. أنا يدوبك على قد حالي ومعنديش في بيتي حاجة أخاف عليها أساساً.

نهضت نور وهي تنفض ما علق بملابسها من غبار البحر، وسارت بجوار السيدة زينب التي كانت تخطو بخطوات مثقلة بالسن والإرهاق، حتى وصلتا إلى منزلها. دلفت نور خلفها لتجد نفسها في شقة متواضعة للغاية، تتكون من غرفة واحدة وصالة صغيرة، تظهر آثار الرطوبة واضحة على جدرانها القديمة، ورغم ذلك، كان البيت يبدو نظيفاً، مرتباً، وينبعث من أركانه هدوء نفسي غريب جعل نور تنسی قسوة الساعات الماضية. جلست على طرف أريكة متهالكة بخجل شديد مطرقة رأسها.

دخلت السيدة زينب المطبخ الصغير، وغابت لدقائق ثم خرجت حاملة صينية معدنية بسيطة، عليها القليل من الطعام وكوب من الشاي الساخن يفوح منه عبق النعناع. وضعتها أمام نور التي كانت جالسة بصمت، والأفكار تتلاطم في عقلها حول ما يخبئه لها الغد.

لم يكن لدى السيدة زينب المتسع من الوقت لتستجوب الفتاة أو تسألها عما جرى معها، فقالت بإرهاق وهي تعدل شالها استعداداً للخروج

- الأكل أهو يا بنتي، كلي لك لقمة ترم عضمك، وبعدين ادخلي نامي لك شوية جوة.. وما تخافيش واصلي، أنا محدش بيجيلي البيت هنا. معلش بقى يا بنتي أنا اتأخرت على شغلي وزمان آدم بيه صحي ومستنيني.

نظرت إليها نور بنظرات شاردة، وممتنة

- اتفضلي يا طنط.. شكراً ليكي جداً.

تركتها السيدة زينب وغادرت الشقة، مغلقة الباب الخارجي خلفها بهدوء. نهضت نور بخطوات وئيدة، دخلت الحمام وغسلت وجهها بالماء، ثم خرجت لتتناول بعض اللقيمات الصغيرة وتحتسي بضع رشفات من الشاي الساخن. لم تقو على إكمال طعامها؛ فالإرهاق النفسي والجسدي كان أقوى من جوعها. توجهت نحو الفراش الوحيد في الغرفة، وارتست بجسدها النحيل عليه، وما هي إلا لحظات حتى غطت في نوم عميق، تاركة همومها على عتبة الأحلام.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
تامر السيد احمد تامر احمد
تحفة بجد اوى
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • نور الآدم    96

    دلفت نور إلى داخل استراحتها الخاصة، والصمت يلف أرجاء المكان من حولها. توجهت نحو المطبخ بخطوات متباطئة وأعدت بعض الشطائر البسيطة مع كوب من الشاي الدافئ، ثم جلست تتناول طعامها بهدوء؛ لم تكن تأكل لشهية أو رغبة في الطعام، بل كانت تأكل فقط لتسد جوع جسدها المنهك. في تلك الأثناء، استسلم عقلها لدوامة قاسية من الأفكار الحائرة، وتساءلت في سرها بمرارة... ما هي نهاية هذا الطريق الذي أسير فيه؟ شعور ثقيل ينهش صدرها بأنها أصبحت عالة على كرم هذه العائلة ونبلها، وتملكها خجل جارف يمنعها تماماً من فتح موضوع دفع إيجار الاستراحة مع كمال بيه، لعلمها بأنه سيرفض بصرامة أبوتّه المعهودة. وبعد طول تفكير، حسمت أمرها وقررت في سرها أنه بمجرد أن تتقاضى راتبها الأول من الشركة، ستترك منه جزءاً تضعه في مغلف مغلق كعوض رمزي مقابل سكنها، لتسترد جزءاً من كبريائها الجريح. قطع هذه السلسلة من الأفكار المفرطة طرقات مرحة، خفيفة ومتلاحقة على باب الاستراحة. تقدمت نور وفتحت الباب لتجد رحمة تقف أمامها بابتسامتها المشرقة، فتهلل وجه نور ورحبت بها بحفاوة بالغة أزاحت عنها ضيق الوحدة. جلست الفتاتان معاً، وراحت رحمة تثرثر بعفوية وتن

  • نور الآدم    95

    انقضى ذلك اليوم العصيب في الشركة متأرجحاً ما بين غضب آدم الثائر تارة، وحنانه المباغت الدافئ تارة أخرى؛ تقلبات مزاجية حادة جعلت نور في حالة من الدهشة والذهول المستمر، عاجزة عن فهم هذا الرجل الذي يمنحها الدفء والأمان في لحظة، ثم يمطيرها بـوابل من الغضب العارم في اللحظة التالية. أطلقت نور تنهيدة حارة من أعماق صدرها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن تقلباته لا تهمها في شيء، وأنها مجرد موظفة تؤدي عملها، وراحت تنهك جسدها ونفسها في التدقيق بالمعاملات لـتهرب من التفكير فيه، شاغلة عقلها بـشقيقتيها وزفاف نها المرتقب. أما آدم، فبالرغم من أن يومه كان ممتلئاً عن آخره بـالاجتماعات والمناقصات المصيرية، إلا أنه لم يسلم من قيدها؛ فبين الحين والآخر، كانت تجتاحه تلك الخفقة الزائدة في منتصف صدره، نبضة متمردة تنبهه بـعنفوان إلى وجودها القابع في أعماق قلبه، فـيطلق تنهيدة عميقة، طويلة، يكاد لهيبها الحارق يشعل الأوراق المبعثرة أمامه. وفي نهاية الدوام، دلف كريم إلى المكتب، وجلس يحاول بـذكاء استدراجه في الحديث لـعله يجد منفذاً يفضفض فيه آدم عما يكتنزه بـداخله. لكن آدم—الذي اعتاد الكتمان والصلابة كـدرع يحميه من ا

  • نور الآدم    94

    استيقظ آدم من نومه مع تباشير الصباح الأولى، وعادت لتدب في جسده تلك الحيوية الطاغية والنشاط غير المعتاد. بمجرد أن فتح عينيه، قفز إلى ذهنه خاطر دافئ أضاء ثنايا روحه.... اليوم سيتناول إفطاره مع نور، ستكون شريكته في الصباح والمساء.نهض بـلهفة، وأبدل ثيابه بـأناقته المعهودة، ونزل درجات السلم الرخامي وهو يطلق ذلك الصفير المرح الذي بات يعلن عن قلبٍ تذوق طعم الفرح مجدداً. دلف إلى غرفة الطعام ليجد والده كمال بيه يجلس على رأس المائدة، يرتشف قهوته وينتظره حتى يتناولا وجبة الإفطار معاً.ألقى آدم تحية الصباح بـنبرة صوته الرخيمة، المشرقة، وجلس في مكانه المعتاد على يمين والده. كان المقعدان المقابلان له فارغين تماماً، حيث يغط كل من مالك ورحمة في نوم عميق، مستمتعين بـأول أيام الإجازة الصيفية بعد ماراثون امتحانات طويل شقّ عليهما.تطلع آدم نحو المقعد الشاغر بجوار رحمة، وتمنى في سريرته أن تطل نور في أي لحظة. مرت الدقائق ولم تأتِ، فأخرج هاتفه من جيب سترته بـنفاد صبر، وضغط على رقمها لـيهاتفها ويستعجل حضورها لتناول الإفطار معهم قبل الذهاب للشركة.استمع إلى رنين الهاتف حتى أتاه صوتها من الطرف الآخر، وما إن س

  • نور الآدم    93

    مرت حوالي نصف الساعة ونها غارقة في أوجاعها، حتى قطع سكون البيت رنين هاتف نادر. التفت إلى الشاشة ليجد اسم ياسر يزينها، فأجاب مستغربًا، ليطلب منه ياسر بلهجة مقتضبة النزول إلى أسفل البناية لبضع ثوانٍ.نزل نادر على مضض والضيق يملأ صدره من تصرف نسيبه المستقبلي، ولكنه ما إن وصل إلى الشارع واقترب من سيارة ياسر، حتى تجمدت الكلمات في حلقه؛ وجد ياسر يقف بوقار ممسكًا في يده باقة فخمة ومنسقة من الورود الطبيعية ذات الرائحة النفاذة، وبجوارها علبة أنيقة من الشوكولاتة الفاخرة.مد ياسر يده بالهدايا نحو نادر، وقال بابتسامة هادئة حملت الكثير من المعاني- معلش يا نادر نزلتك.. خد الحاجة دي اديها لـنها، وقولها ألف سلامة عليكي.وقبل أن يستوعب نادر الصدمة أو ينطق بكلمة شكر، كان ياسر قد استأذن وركب سيارته وانطلق في عتمة الليل. تعجب نادر لأمره بشدة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة بعد أن فهم أن الرجل لم يكن جافيًا، بل أراد منح خطيبته خصوصيتها في مرضها مع ترك أثر طيب يليق به؛ وفرح بهذه الخطوة الذكية التي ستجبر خاطر شقيقته المنكسر.صعد نادر الدرج مسرعًا بخطوات متلاحقة، ودلف مباشرة إلى غرفة نها التي بادرت بـالتظا

  • نور الآدم    92

    وصلا إلى الفيلا الفخمة، والتفتت إليه نور تسأله بـحرج - مستر آدم.. هي فين الاستراحة اللي هقعد فيها؟ عشان أودي حاجتي علطول. لم يجبها آدم، ولم يمنحها أدنى استعداد لـلمجادلة أو النقاش في تلك اللحظة؛ فـهو يخشى بـصدق لحظة انهيار عاطفي يفقد فيها ثباته ويعترف لها بكل شيء. اكتفى بـنبرة حازمة - ادخلي الفيلا الأول يا نور.. لحد ما أتاكد إنهم خلصوا تجهيزها وتنظيفها. وما إن دلفت من الباب، حتى تلاشت غيوم الصمت؛ إذ هرولت نحوها رحمة بـشقاوة طفولية عارمة، وطوقت عنقها بـأحضان حارة قائلة بـإنتصار - نور.... مش مصدقة... كل الأسئلة والنقاط اللي راجعتيها معايا امبارح بالليل جتلي النهاردة في الامتحان بالظبط أنا حليت ابتسمت نور من أعماق قلبها بـحب، وقبّلت وجنتها بـسعادة مفرطة على هذا الإنجاز، فـأردفت رحمة بـفرحة - واليوم كان آخر يوم في الامتحانات خلاص، يعني أنا من اللحظة دي انا فاضية ليكي تماماً يا قمر شدتها رحمة من يدها لـتصعد بها الدرج، لكن نور اعتذرت بـرقة - استني يا رحمة، مش هينفع.. أنا ورايا مهمة تانية خالص، لازم أروح أشوف الاستراحة وأرتب حاجتي فيه. في تلك الأثناء، أقبل عليهما كمال بيه بـوجهه ا

  • نور الآدم    91

    في ساحة جامعة المنصورة، كان الصخب يملأ الأرجاء، ممزوجاً بـأنفاس الراحة والترقب؛ فـاليوم هو الطوق الأخير، والورقة الأخيرة في ماراثون اختبارات نهاية العام. وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان صفحات المذكرة بـآلية، لكن عقل نادر لم يكن يرى الحروف؛ بل كان غارقاً في تفاصيل وجهها، يتأملها بـألمٍ صامت غلف نظراته بـمسحة من الوجع الخفي. كان صدره يغلي بـتساؤلات المجهول المرعب... اليوم تنتهي اللقاءات الرسمية تحت مظلة الجامعة، فماذا يخبئ لهما الغد؟ هل ستظل إسراء متمسكة بـعهودهما أمام أمواج الحياة العاتية، أم ستستسلم في النهاية لتيار خالد وثروته وتتركه وحيداً على ضفاف الخيبة؟ لمح حدس إسراء الأنثوي تلك الغيمة السوداء التي احتلت عينيه، فـأغلقت المذكرة فجأة، والتفتت إليه تسأله بـنبرة حانية يملؤها القلق - مالك يا نادر؟ اتغيرت فجأة ليه تنهد نادر بـمرارة، وخرج صوته مبحوحاً ومشحوناً بـالخوف الذي ينهش ضلوعه - مرعوب يا إسراء.. مرعوب من فكرة الفراق. الامتحانات خلصت، والوقت اللي كان بيجمعنا انتهى.. وخايف المجهول يبعدك عني. صمتت إسراء لـلحظات ثقيلة، وتصلبت ملامحها الرقيقة، ثم صوّبت نحوه نظرة حادة امتزج فيها ال

  • نور الآدم    البارت الرابع

    ارتدى سامح قميصه على عجل، ونزل متوجهاً إلى المكان الذي وصفته له. سار بخطوات ثقيلة ينهش العقارب عقله، حتى لمح طيفها من بعيد. ما إن رأته نور، حتى أضاء وجهها المتعب بابتسامة دافئة غسلت شقاء رحلتها، وأقبلت نحوه بلهفة طفلة عثرت على أمانها. وقفت أمامه تطالعه بهيام، وتأملت ملامحه التي طالما تخيلتها خلف ال

  • نور الآدم    البارت الثالث

    الفّتت نور حولها بقلبٍ واجف، تفتش بنظراتها في زوايا الصالون؛ أين هو ذلك العريس الأربعيني الذي تحدث عنه والدها؟ لم تجد أمامها سوى كائنٍ بدين، أصلع الرأس، برزت من فمه أسنان سوداء متهالكة تآكلت بفعل التسوس، بينما خطّت التجاعيد الغائرة مساراتٍ مشوهة على وجهه، واختلط ما تبقى من شعره بشعيرات بيضاء كثيفة.

  • نور الآدم    البارت الثانى

    دبّت الحركة في أرجاء المطبخ وهي تطهو الطعام بأنامل مرتجفة، ثم حملت الأطباق وتوجهت صوب مائدة الغداء. وضعت الصحون بهدوء، ووقفت لثوانٍ تتأمل المشهد؛ كانت علامات الانسجام والود طاغية بين أبيها وزوجته، يتبادلان الضحكات وتلمع في عيني والدها نظرات حنونة غريبة عنها. انقبض قلبها وتساءلت في مرارة: "ليه هو مع

  • نور الآدم    البارت السادس

    في بقعة هادئة وراقية، شيدت فيلا ضخمة تتحدث واجهتها عن الثراء الفاحش، بينما يفوح من داخلها عبق الفخامة الكلاسيكية. قُسم الطابق السفلي ببراعة ليضم غرفة مكتب فارهة بجدران خشبية، وصالوناً واسعاً، وغرفة سفرة ممتدة، يطلان جميعاً على تراس فسيح يمتص خيوط الصباح الأولى. أما الطابق العلوي، فقد احتوى على الأج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status