مشروع قبلة في البرج

مشروع قبلة في البرج

last updateLast Updated : 2026-07-17
By:  سيف جعفرUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
16Chapters
109views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في عالم يسيطر عليه النفوذ وصراع المليارات وسط بغداد، يعود رجل الأعمال الغامض "سيف المنصور" بهدف واحد: الانتقام لعائلته وتدمير إمبراطورية "عاصم" الذي يظنه قتَل والده وسرق أحلامه. يضع سيف فخاً محكماً يجبر ابنة عدوه، مهندسة الديكور الذكية "مريم"، على توقيع عقد إذعان صارم يحبسها داخل برجه الاقتصادي الجديد لعام كامل تحت إشرافه المباشر ومراقبته اللصيقة. ​بين جدران البرج الباردة، تبدأ معركة كبرياء شرسة بين قسوة سيف وتحدي مريم. لكن اللعبة تنقلب رأساً على عقب عندما تنبش مريم أسرار الماضي، لتكتشف خيطاً مفقوداً وشريكاً ثالثاً خطيراً يتلاعب بالاثنين معاً ومستعد للقتل لإبقاء الحقيقة مدفونة في الظلام. ​وسط رصاص الغدر ومحاولات الاغتيال، يجد سيف نفسه مجبراً على الاختيار بين نيران انتقامه القديم، وبين مشاعره الملتهبة وحقائق الشغف التي تولد من "قبلة خطيرة" وسط العاصفة. هل ينجح اللقاء في إذابة جليد الحقد، أم أن البرج سينهار فوق رؤوس الجميع؟

View More

Chapter 1

الفصل الاول: العاصفة الصامتة

كانت عقارب الساعة المعلقة في مكتب "سيف المنصور" تقترب من منتصف الليل، وصوت المطر يضرب الزجاج الخارجي للمكتب الفاخر بعنف، يماثل الهدوء القاتل الذي يلف المكان. في الداخل، لم يكن هناك سوى صوت أنفاس ثقيلة لرجل عجوز يرى إمبراطورية عمره تنهار أمام عينيه بلمح البصر.

رمى سيف بملف أسود سميك على الطاولة الخشبية المصقولة، وارتد إلى الخلف في مقعده الجلدي بفخامة وهدوء مرعب. نظر إلى الرجل العجوز الجالس أمامه وعيناه الحادتان كالبرق تشعان بالقسوة والتشفي.

قال سيف بصوت منخفض، كفحيح أفعى يقطع سكون الغرفة:

— "توقيعك هنا يعني أنك تملك أربعاً وعشرين ساعة فقط لإخلاء منزلك.. ومكتبك.. وكل ما تظن طوال حياتك أنك تملكه."

رفع العجوز، عاصم، عينيه المنهكتين والممتلئتين بالدموع، ونظر إلى الشاب الذي يعادل في عمره عمر أبنائه، لكنه يملك نفوذاً يزلزل الأرض تحت أقدام الكبار في السوق. قال بنبرة مكسورة يملؤها الرجاء والانكسار:

— "سيف.. أرجوك. خذ الشركات، خذ الحسابات البنكية، خذ كل شيء.. لكن ابنتي مريم ليس لها علاقة بما حدث في الماضي. اتركها خارج هذه اللعبة القذرة."

لم تهتز في وجه سيف شعرة واحدة، وظلت ملامحه كالحجر الصمّام. شبك أصابعه أمام وجهه، ومال بجسده إلى الأمام قليلاً لتظهر ملامحه الحادة تحت الإضاءة الصفراء الخافتة، ثم ابتسم ابتسامة باردة ومظلمة لم تصل لعينيه أبداً.

— "هذا يعتمد عليك يا سيد عاصم.. يعتمد تماماً على مدى طاعتها وتنفيذها للعقد الجديد الذي وضعته لك في الصفحة الأخيرة من هذا الملف."

في هذه الأثناء، وعلى الجانب الآخر من المدينة الصاخبة، كانت مريم تقف في ورشتها الصغيرة لتصميم الديكور، تتأمل لوحة خشبية رسمت عليها مخططاً هندسياً دقيقاً لمشروعها القادم الذي كانت تأمل أن يرفع اسم مكاتبهم عالياً. مريم، ذات الأربع وعشرين عاماً، كانت تشع حيوية وذكاءً وطموحاً لا حدود له، ولم تكن تعلم أبداً أن السقف الذي يحمي أحلامها على وشك أن ينهار فوق رأسها ورأس عائلتها.

رن هاتفها فجأة ب نغمة رنين قاطعت هدوء المكان المحيط بها. كان المتصل والدها.

أجابت مريم بابتسامتها المعتادة وصوتها الرقيق:

— "أهلاً يا أبي، هل ما زلت في العمل حتى هذا الوقت المتأخر؟ المطر شديد بالخارج والرياح قوية، لا تتأخر أرجوك."

لكن الصوت الذي جاءها من الطرف الآخر لم يكن صوت والدها القوي والحنون الذي اعتادت عليه، بل كان صوتاً متهدجاً، ضائعاً، يرتجف بوضوح تملؤه مأساة حقيقية:

— "مريم.. ابنتي الغالية.. أنا آسف جداً. لم أستطع حمايتكم كما يجب. كل شيء انتهى يا ابنتي.. انهار كل شيء."

انقبض قلب مريم فوراً بشعور سيء، وسقط القلم التخطيطي من يدها ليتدحرج على الأرض الخشبية. وقفت بذهول وصدمة قائلة:

— "أبي؟ ماذا تقصد بكلامك هذا؟ أين أنت الآن؟"

جاءها صوته المخنوق بالبكاء:

— "أنا في شركة المنصور للمقاولات.. مريم، إذا كنتِ تحبينني وتريدين مصلحة هذه العائلة.. وافقي على كل ما سيطلبه منكِ سيف المنصور.. أرجوكِ يا ابنتي، حياتي وحياة عائلتنا أصبحت بين يديه وتحت رحمته الآن."

انقطع الخط فجأة دون أي مقدمات أخرى.

وقفت مريم في مكانها متجمدة وكأن صاعقة من السماء أصابتها وشلت حركتها. من هو سيف المنصور هذا؟ وما الذي يملكه من نفوذ وقوة ضد والدها ليجعله يتحدث بهذه النبرة الانكسارية المرعبة التي لم تسمعها منه طوال حياتها؟ لم تتردد مريم لثانية واحدة في التفكير. التفتت بسرعة، التقطت معطفها وحقيبتها، وخرجت مسرعة إلى الشارع تحت المطر الغزير والرياح العاصفة، متوجهة بنبضات قلب متسارعة نحو برج "المنصور" العملاق الذي يلوح في أفق المدينة كقلعة سوداء مخيفة.

بعد نصف ساعة من القيادة المتوترة وسط شوارع بغداد المبتلة، كانت مريم تقف أمام باب المكتب الضخم في الطابق الأخير من البرج. أنفاسها متلاحقة، وملابسها مبتلة قليلاً برذاذ ماء المطر، وشعرها مبعثر. دفعت الباب الخشبي الثقيل بقوة ودخلت دون استئذان ولا مبالاة بالقواعد.

رأت والدها يجلس على الكرسي الجلدي واضعاً رأسه بين يديه بيأس تام وقهر، وخلف المكتب الكبير الفاخر، كان يجلس رجل ثلاثيني بكاريزما طاغية ونفوذ واضح، يرتدي بدلة سوداء أنيقة ومصممة بعناية، ويمسك بقلم حبر فاخر يبدو أغلى من ممتلكات كثيرة.

التفت سيف ببطء شديد نحو الباب المصدر للصوت. تلاقت عيناه الحادتان كالبرق مع عيني مريم المشتعلتين بمزيج متناقض من التحدي والخوف في آن واحد. ساد صمت رهيب وخانق في أرجاء الغرفة الواسعة لم يقطعه سوى صوت رعد عنيف هز أرجاء المكان من خلف النوافذ الزجاجية.

نهض سيف من مقعده ببطء شديد ينم عن ثقة مطلقة بالنفس، وخطا خطوات هادئة وواثقة باتجاهها، وعيناه تتفحصان كل تفاصيل وجهها بدقة شديدة، وكأنه يرى صيداً ثميناً وغالياً وقع في شباكه المحكمة أخيراً بعد سنوات من الانتظار. توقف على بُعد خطوتين فقط منها، ونظر في عينيها بنظرة غامضة يصعب تفسيرها، وقال بنبرة واثقة هادئة هزت كيانها:

— "توقعتُ وصولكِ المتأخر هذا يا آنسة مريم.. والآن بعد أن شرفتنا، دعينا نتحدث بجدية وبشكل مباشر عن الثمن المطلوب لإنقاذ رقبة والدكِ العزيز من خلف قضبان السجن."

نظرت مريم إليه بجسد يرتجف، لكن كبرياءها منعها من التراجع خطوة واحدة إلى الوراء. تقدمت نحوه خطوة إضافية لتصبح المسافة بينهما شبه منعدمة، وقالت بصوت حاد ومسموع:

— "السجن؟ أنت واهم إن كنت تظن أن عائلة عاصم ستنحني أمام تهديداتك الجبانة. أخبرني الآن، ما هو هذا العقد الذي تتحدث عنه؟ وما هو الثمن الفعلي الذي تريده منا لإنهاء هذه المسرحية؟"

أطلق سيف ضحكة خفيفة باردة، ثم انحنى قليلاً ليهمس بجانب أذنها بنبرة جعلت أنفاسها تتسارع:

— "الثمن بسيط جداً يا آنسة مريم.. سنة كاملة من حياتكِ، تعملين فيها تحت إمرتي ومراقبتي الشخصية داخل هذا البرج، لتشهدي بنفسكِ كيف سأسترد كرامة عائلتي التي دمرها والدكِ في الماضي. توقيعكِ هنا ينقذه، ورفضكِ يرميه خلف القضبان للأبد."

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
16 Chapters
الفصل الاول: العاصفة الصامتة
كانت عقارب الساعة المعلقة في مكتب "سيف المنصور" تقترب من منتصف الليل، وصوت المطر يضرب الزجاج الخارجي للمكتب الفاخر بعنف، يماثل الهدوء القاتل الذي يلف المكان. في الداخل، لم يكن هناك سوى صوت أنفاس ثقيلة لرجل عجوز يرى إمبراطورية عمره تنهار أمام عينيه بلمح البصر.رمى سيف بملف أسود سميك على الطاولة الخشبية المصقولة، وارتد إلى الخلف في مقعده الجلدي بفخامة وهدوء مرعب. نظر إلى الرجل العجوز الجالس أمامه وعيناه الحادتان كالبرق تشعان بالقسوة والتشفي.قال سيف بصوت منخفض، كفحيح أفعى يقطع سكون الغرفة:— "توقيعك هنا يعني أنك تملك أربعاً وعشرين ساعة فقط لإخلاء منزلك.. ومكتبك.. وكل ما تظن طوال حياتك أنك تملكه."رفع العجوز، عاصم، عينيه المنهكتين والممتلئتين بالدموع، ونظر إلى الشاب الذي يعادل في عمره عمر أبنائه، لكنه يملك نفوذاً يزلزل الأرض تحت أقدام الكبار في السوق. قال بنبرة مكسورة يملؤها الرجاء والانكسار:— "سيف.. أرجوك. خذ الشركات، خذ الحسابات البنكية، خذ كل شيء.. لكن ابنتي مريم ليس لها علاقة بما حدث في الماضي. اتركها خارج هذه اللعبة القذرة."لم تهتز في وجه سيف شعرة واحدة، وظلت ملامحه كالحجر الصمّام
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل الثاني: شروط الاذعان
الفصل الثاني: شروط الإذعانمرت الدقائق داخل مكتب سيف المنصور وكأنها دهور كاملة لا نهاية لها. كانت مريم تشعر بثقل نظراته الحادة التي تفحصت ملامحها بدقة تفوق الاحتمال، ولم تكن نبرته الهامسة والمهددة سوى تأكيد صارخ على أن هذا الرجل لا يعرف المزاح، ولا يملك في قاموسه مكاناً للتراجع أو الرحمة.تراجعت مريم خطوة صغيرة إلى الوراء، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة إخفاء تلك الرجفة العنيفة التي سرت في أوصال جسدها جراء قربه المفاجئ وأنفاسه الدافئة، وقالت بصوت حاد حاولت جاهدة أن تجعله ثابتاً وقوياً يعكس كبرياءها:— "سنة كاملة من حياتي؟ وتحت إشرافك ومراقبتك الشخصية اللصيقة؟ أنت لا تبحث عن موظفة أو مهندسة ديكور لبرجك الجديد يا سيد سيف.. أنت ببساطة تبحث عن سجينة مستسلمة لتفرغ فيها حقدك القديم وثأرك الأعمى!"تحرك سيف ببطء شديد وثقة تامة، وعاد ليقف خلف مكتبه الفاخر ذي الخشب المصقول. التفت ببرود التقط القلم الثمين مرة أخرى ومرره بين أصابعه الطويلة ببراعة لافتة، ثم نظر إليها بعينين تشتعلان ببريق غامض وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل حزماً قاطعاً زلزل كيانها:— "سمّها ما شئتِ يا آنسة مريم.. سجينة، رهينة، أو موظفة ب
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل الثالث: مواجهة في الطابق الاربعين
الفصل الثالث: مواجهة في الطابق الأربعينأشرقت شمس بغداد الدافئة لتغسل شوارعها وبيوتها القديمة من بقايا أمطار الليلة الماضية العاصفة، لكن تلك الشمس لم تنجح في غسل الهموم الثقيلة الجاثمة على صدر مريم. وقفت مريم أمام المرآة في غرفتها الصغيرة تعدل ياقة قميصها بدقة، مرتديةً قميصاً أبيض رسمياً بسيطاً وبنطالاً أسود قماشياً أنيقاً يمنحها مظهراً عملياً وجاداً. كانت عيناها المتعبتان من قلة النوم تخفيان خلفهما بركاناً هائلاً من الإصرار والتحدي؛ فقد أقسمت في نفسها ألا تسمح لسيف المنصور برؤية انكسارها أو ضعفها مهما حدث.في تمام الساعة السابعة وخمسين دقيقة صباحاً، خطت مريم أولى خطواتها داخل البهو العملاق والفاخر لبرج المنصور الاقتصادي الشهير. كان المكان في هذا الوقت يضج بالنشاط والحركة؛ موظفون وموظفات ببدلات رسمية فاخرة يتحركون بسرعة، ورجال أمن ينتشرون في كل زاوية، وأصوات كعوب الأحذية تطرق الأرضية الرخامية اللامعة التي تعكس الإضاءة القوية. شعرت مريم للحظة بأنها تدخل قفصاً ذهبياً ضخماً، لكنه قفص يحمل في طياته صياداً ماهراً لا يعرف معنى الرحمة أو التراجع.توجهت بخطوات ثابتة نحو المصعد الإلكتروني السر
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل الرابع: اسرار الطابق الثامن والثلاثين
نزلت مريم إلى الطابق الثامن والثلاثين وجسدها ما زال يرتجف أثراً من تلك المواجهة الحادة مع سيف المنصور. كانت الكلمات القاسية التي تبادلاها في الطابق الأربعين تدور في رأسها كالعاصفة الهوجاء. دخلت المكتب المخصص لها، وكان عبارة عن قاعة واسعة مجهزة بأحدث أدوات الرسم الهندسي وشاشات العرض الكبيرة، وتطل نوافذها الزجاجية على شوارع بغداد الصاخبة الممتدة بلا نهاية.جلست خلف مكتبها وحاولت التركيز والسيطرة على أنفاسها المضطربة. بعد دقائق معدودة، دخلت موظفة من قسم السكرتارية وسلمتها ملفاً أسود ضخماً يحتوي على المخططات الأساسية والقياسات الفنية للقاعة الكبرى في الطابق الأرضي. فتحت مريم الملف وبدأت تتفحص الخطوط، وسرعان ما غمرها شغف المهندسة المحترفة، وبدأت ترسم خطوطها الأولى وتضع لمساتها الإبداعية التي تمزج أصالة التراث بجمال الحداثة.مرت ساعات العمل سريعة وثقيلة، ومع اقتراب المساء، هدأ الصخب تماماً في الممرات وبدأ الموظفون بالمغادرة واحداً تلو الآخر. شعرت مريم بإرهاق شديد في عينيها، وقررت ترتيب الأوراق والمخططات قبل رحيلها. وأثناء جمعها للمخططات القديمة المرفقة في أسفل الملف، تعثرت يدها بظرف ورقي أص
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل الخامس: الزائر غير المتوقع
​عادت مريم إلى منزلها والشرر يتطاير من عينيها المتعبتين، والورقة السرية المطوية في حقيبتها تكاد تحرق يدها من فرط خطورتها وأهميتها. كان صدى كلمات سيف المنصور القاسية ونظراته الغامضة والمخيفة يلاحقها في كل زاوية من زوايا عقلها المشتت. دخلت غرفتها بسرعة وأغلقت الباب خلفها بقفل حديدي لتضمن الخصوصية الكاملة، ثم أخرجت تلك الورقة القديمة والمتهالكة وفرشتها بعناية على مكتبها الخشبي الصغير تحت إضاءة المصباح الأصفر الخافتة.​بدأت مريم تدرس السطور المكتوبة بدقة مهندسة اعتادت على قراءة ما بين الخطوط والمخططات المعقدة. التواقيع الباهتة والموجودة في الأسفل كانت تعود بوضوح لوالدها عاصم ولوالد سيف الراحل، ولكن هذا الحبر المغاير والبند السري الذي شطب اسم الشريك الثالث بعناية كان لغزاً حقيقياً يثير الريبة والشكوك. شعرت في أعماقها بأنها تمسك بأول خيط حقيقي وثمين قد يثبت براءة والدها من تهمة السرقة والاختلاس الكبيرة التي دمرت سمعة مكاتبهم وجعلتهم تحت رحمة ونفوذ عائلة المنصور القاسية.​قررت مريم في نفسها ألا تخبر والدها بأي شيء في الوقت الحالي؛ فحالتها الصحية والنفسية المتدهورة لا تتحمل المزيد من الصدمات
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل السادس: جحيم في الطابق الثامن والثلاثين
لم تذق مريم طعم النوم في تلك الليلة الحافلة؛ فصورة سيف المنصور وهو يقف وسط بهو منزلها المتواضع، ونبرة صوته المخيفة والمهددة وهي تهمس بالقرب من أذنها، ظلت تلاحقها كالكابوس المستمر. ومع خيوط الفجر الأولى، حزمت أمرها ووضعت الظرف الأصفر القديم في جيب داخلي سري للغاية بحقيبتها، متوجهةً صوب البرج وهي تعلم علم اليقين أن هذا اليوم لن يمر بسلام، وأن سيف سينفذ وعيده بتحويل حياتها إلى جحيم مستعر.في تمام الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً، كانت مريم تجلس خلف مكتبها في الطابق الثامن والثلاثين، تحاول استجماع شجاعتها والتركيز على المخططات الهندسية أمامها. لكن الهدوء لم يدم طويلاً؛ فمع دقات الثامنة تماماً، دُفع باب قاعة التصميم المشتركة بعنف، ودخل رامي، رئيس قسم الهندسة والذراع اليمنى لسيف، وخلفه مساعدان يحملان تلالاً من الملفات الزرقاء الثقيلة، وألقوها على مكتب مريم لتحدث صوتاً مدوياً جذب أنظار جميع المهندسين المتواجدين في القاعة.نظرت مريم إلى رامي بعقدة حاجبين مستنكرة، وقالت بنبرة حادة:— "ما هذا يا مهندس رامي؟ أنا مكلفة بإعادة تصميم القاعة الأرضية الكبرى فقط وفقاً للأوامر الصادرة أمس، فلما
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل السابع: اعترافات في مهب الريح
لم يكد سيف يغادر القاعة في تلك الليلة، حتى ارتمت مريم على كرسيها الجلدي، وكأن الحياة قد استُنزفت من عروقها دفعة واحدة. كانت أنفاسها متلاحقة، وقلبها يقرع جدران صدرها بعنف لا يهدأ، وكأنه يحاول الهروب من سجنه. القرب الجسدي الذي حدث قبل لحظات، تلك النبرة المبحوحة التي تخللت تهديداته، والوميض الغامض في عينيه الذي كان يتأرجح بين القسوة والرغبة المحرمة، كانت كلها عوامل تضافرت لتجعل من المستحيل عليها الحفاظ على قناع الجمود الذي ارتدته طويلاً. لم يعد سيف بالنسبة لها مجرد عدو غاشم يسعى للانتقام، بل تحول إلى قوة طبيعية جبارة بدأت تزلزل ثوابتها، وتجعل الأرض تحت قدميها تبدو هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة.​جلست مريم طويلاً في الظلام، تسترجع كلمات سيف. هل هو حقاً ذلك الوحش الذي لا يرحم؟ أم أنه مجرد مرآة تعكس انكساراته الخاصة؟ نظرت إلى يديها المرتعشتين، وتذكرت لمسة أصابعه على وجهها. كان هناك دفء غير متوقع، دفء يتناقض مع برودة نظراته المعتادة. في تلك اللحظة، أدركت مريم أن وجودها في هذا البرج قد تجاوز حدود العمل والرهينة؛ لقد دخلت إلى منطقة رمادية حيث لا يوجد خير مطلق ولا شر مطلق، بل أفراد يقاتلون للب
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل الثامن: في احشاء البرج
بعد ذلك الحوار المشحون الذي جرى في مكتب سيف، خرجت مريم وهي تشعر بأن الأرض تحت قدميها قد تغيرت معالمها تماماً؛ لم يعد البرج مجرد هيكل من الزجاج والفولاذ، بل تحول إلى كائن حي يتنفس الغموض ويخفي في طياته أسراراً قد تودي بحياة من يقترب منها. لم يعد سيف المنصور هو العدو الوحيد أو حتى الخطر الأكبر، بل أصبح "الظل" الذي حذرها منه هو الخطر الحقيقي الذي يتربص بها من وراء الكواليس. بينما كانت تسير في الممر الطويل باتجاه المصاعد، لاحظت أن كاميرات المراقبة المثبتة في الزوايا، والتي كانت في الأيام الماضية تدور بآلية مملة ورتيبة، لم تعد تتحرك بشكل عشوائي؛ بل كانت تتبع خطواتها بوضوح ودقة مريبة؛ وكأن أحداً ما يراقبها بتركيز شخصي، يحلل ترددها، ويقرأ في عينيها ذلك الخوف الذي تحاول جاهدة إخفاءه خلف قناع المهندسة القوية.​قررت مريم أن الوقت قد حان لاستخدام مهاراتها الهندسية في شيء آخر غير التصميم الجمالي والديكور. بفضل اطلاعها العميق على المخططات الإنشائية الأصلية للبرج التي كلفها سيف بمراجعتها—والتي كانت مليئة بالثغرات الهندسية والتعديلات غير المفهومة التي أثارت ريبتها منذ اليوم الأول—تذكرت وجود منطقة "ف
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل التاسع: على حافة الهاوية
​كان صوت صفارات الإنذار يمزق سكون الليل، وميض الأضواء الحمراء الراقص على الجدران المعدنية كان يجعل المكان يبدو كقطعة من الجحيم، حيث تتداخل الظلال مع الدخان المتصاعد من أنظمة التبريد المعطلة. وقفت مريم في تلك اللحظة الفاصلة، أنفاسها متسارعة، وقلبها يتخبط بين الخوف من المجهول وبين تلك النظرة التي رأت فيها سيف للمرة الأولى بشراً، لا مجرد آلة انتقامية باردة. لم تكن الصدمة ناتجة فقط عن رؤية والدها، بل عن إدراكها أن البساط الذي كانت تقف عليه في حياتها قد سُحب بالكامل. نظرت إلى معصمها الذي لا يزال يشعر بحرارة قبضة سيف، ثم التقت عيناهما. لم يكن هناك وقت للجدال، ولا وقت لتحليل الدوافع، فالحقيقة التي كشفتها الشاشات كانت أسرع من قدرتها على الاستيعاب.​"أنا معك،" قالتها مريم بصوت حازم، متجاوزةً كل مخاوفها السابقة. "قل لي ماذا أفعل."​شد سيف على يدها بقوة، وكأنها طوق النجاة الوحيد في خضم هذا الطوفان، وسحبها نحو ممر جانبي ضيق كان مخفياً خلف لوحة تحكم كهربائية لا يلحظها إلا من يعرف أسرار هذا البرج جيداً. "هذا الممر يؤدي إلى غرفة تبريد قديمة، ومنها يمكننا الوصول إلى مرآب السيارات تحت الأرض دون المرور
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
الفصل العاشر: شفرة الخيانة
​بعد تلك الليلة العصيبة على ضفاف النهر، لم يعد العالم كما كان. أدركت مريم أن قصرها القديم الذي لجأت إليه مع سيف لم يكن مجرد مخبأ، بل كان شاهداً على تحول جوهري في كيانها؛ لم تعد تلك المهندسة التي تكتفي برسم الخطوط على الورق، بل أصبحت لاعبة رئيسية في رقعة شطرنج قذرة، قطعها من بشر، وميدانها هو نفوذ إمبراطورية "المنصور". بينما كانت الشمس تبدأ في تسلق سماء بغداد، مرسلة أشعتها الذهبية لتكشف عن ملامح الإرهاق على وجه سيف، كانت مريم تجلس في زاوية الغرفة، تراجع الوثيقة السرية التي سرقتها، تحلل كل كلمة، كل توقيع، وكل رمز مخفي بين السطور.​"هل وجدتِ شيئاً؟" سأل سيف، صوته كان هادئاً، مشحوناً بنبرة رجولية خشنة توحي بأن النوم لم يزره منذ أيام. كان جالساً أمام طاولة خشبية متهالكة، يفكك مسدسه الشخصي وينظفه بحركات ميكانيكية دقيقة، وكأن هذا الفعل يمنحه طمأنينة لا يجدها في غيره.​رفعت مريم رأسها، وعيناها تلمعان ببريق الاكتشاف. "سيف، لقد كنتُ مخطئة في تقييمي للرموز. لم تكن هذه مجرد تواقيع أو أختام، بل كانت شفرة إحداثيات لموقع جغرافي دقيق داخل البرج.. وليس في الطابق العاشر فحسب، بل في قبو الأساسات الخرساني
last updateLast Updated : 2026-07-09
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status