Home / الرومانسية / نور الآدم / البارت الرابع

Share

البارت الرابع

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-24 02:47:25

ارتدى سامح قميصه على عجل، ونزل متوجهاً إلى المكان الذي وصفته له. سار بخطوات ثقيلة ينهش العقارب عقله، حتى لمح طيفها من بعيد. ما إن رأته نور، حتى أضاء وجهها المتعب بابتسامة دافئة غسلت شقاء رحلتها، وأقبلت نحوه بلهفة طفلة عثرت على أمانها. وقفت أمامه تطالعه بهيام، وتأملت ملامحه التي طالما تخيلتها خلف الشاشة، فلم تسعفها الكلمات، ولم تجد في جوفها سوى عبارة واحدة خرجت بنبرة مرتعشة

-  عامل إيه؟

وقف سامح مكانه مرتبكاً، وتلجلجت الكلمات في حلقه. زاغت عيناه في أرجاء الشارع، يلتفت حوله بخوف ورعب من أن يلمحه أحد من معارفه أو جيرانه في هذا الموقف.

انقبض قلب نور، وتبخرت فرحتها تدريجياً وهي تراقب ارتباكه المريب ونظراته الحائرة التي تتجنب عينيها، فسألته بدهشة ووجل

-  مالك يا سامح؟ أنت مش مبسوط إني جيت؟

زاد سؤاله من توتره، ففرك يديه بقلة حيلة ونطق بنبرة متلعثمة خالية من الحميمية

-  مش حكاية مش مبسوط.. بس الموضوع جه فجأة كدة وأنا مش عامل حسابي خالص، يعني.. الجواز مش خبط لزق يا نور.

هبطت كلماته الباردة كالفأس على رأسها. شحب وجهها الفيروزي فجأة حتى حاكي وجوه الموتى، وشعرت بركبتيها لا تقويان على حملها. تراجعت بضع خطوات إلى الخلف، وسقطت على أول مقعد خشبي وجدته في طريقها. أخذت تنظر حولها بذهول وصدمة، وكأن الدنيا تدور بها في حلقة مفرغة، ثم همست بألم يمزق نياط القلب

-  يعني إيه؟ يعني كل ده كنت بتضحك عليا؟ أنا سبت أهلي وبلدي وجيت أجري ورا سراب؟

نظر إليها سامح بشفقة حقيقية، وهو يرى دموعها التي انفجرت فجأة وتنهمر كالشلالات على وجنتيها. رق قلبه الماكر قليلاً لمشهد انكسارها، فاقترب منها خطوة ومد يده يناديها بنبرة خافتة

-  نور.. أنا آسف.

انتفضت نور من مكانها كالملسوعة، ودفعته عنها بصرخة قوية هزت أركان المكان

-  ابعد عني... سيبني ومش عاوزة أشوف وشك تاني أنت كداب وخداع.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أخي... ابعد عني بقى وملبيش دعوة بيا

نهضت دفعة واحدة، واستدارت تهرول مبتعدة عنه دون أن تنظر خلفها. وقف سامح مذهولاً من ردة فعلها القوية؛ فقد كان يتوقع في مخيلته المريضة أن تستعطفه، وتبكي بين يديه، وترضخ في النهاية لطلبه بأن تكون رفيقة له في السر. لكنه أدرك متأخراً أنها ما زالت ناصعة البياض، نقية وطاهرة لا تقبل الدنس. تحركت بداخله غريزة الخوف عليها، فركض خلفها منادياً بصوت مرتفع

-  نور... استني بس.. هتعملي إيه لوحدك هنا؟

توقفت نور فجأة، واستدارت تطلع إليه بنظرات قوية يشع منها التحدي والكبرياء، رغم الدموع الكثيفة. مسحت وجهها بظهر يدها بعنف، وقالت له بنبرة حادة وصارمة

-  مالكش دعوة بيا.. أنت خلاص مابقاش ليك وجود في حياتي.

تركت في وجهه تلك الكلمات وغادرت، بينما وقف هو ينظر في أثرها وعلامات الهزيمة تكسو وجهه، حتى غابت عن عينيه بين زحام الشوارع.

سارت نور في الطرقات كالمغيبة، ضائعة لا تدري أين تسوقها قدماها. انهمرت الأسئلة في عقلها كالسياط: كيف وصلت إلى هنا؟ كيف وثقت بإنسان حقير كهذا استغل طيبتها وسذاجتها؟ ولكن السؤال الأكبر والأنكأ الذي بات ينهش صدرها: ماذا ستفعل الآن؟

هل تعود إلى المنصورة لتتلقى مصيرها المحتوم مع ذلك الكائن البدين وتواجه غضب أبيها وعقابه؟ أم تعود لتستأنف الشجار اليومي مع زوجة أبيها؟ ضاق بها الفضاء، ووصل بها اليأس حد التفكير في التخلص من حياتها لتنهي هذه الرواية الحزينة، لكن في تلك اللحظة تحديداً، ارتفع صوت آذان الظهر يتردد في الآفاق، فانتفض جسدها واستغفرت ربها باكية، طاردة تلك الفكرة الآثمة من مخيلتها.

تابعت سيرها بخطوات منهكة في شوارع لا تعلم عنها شيئاً، حتى لمحت سيارة ميكروباص ينادي سائقها

-  رمسيس.. رمسيس

. استقلتها فوراً وجلست في ركنها شاردة الذهن، حتى وصلت السيارة إلى وجهتها. نزلت نور لتجد محطة القطار شامخة أمامها، فدلفت إلى الداخل بخطوات آلية، وجلست على أحد المقاعد في صالة الانتظار.

كانت غائبة عن الوعي تقريباً، يمر عليها البشر ذهاباً وإياباً كأطياف لا تراها. مرت ساعات طويلة، تأتي قطارات وتغادر أخرى وهي قاطنة في مكانها لا تتحرك، حتى بدأت الشمس تجمع خيوطها معلنة الغروب. اقترب منها أحد الشبان الجريئين وجلس بجوارها، وبدأ يلقي بعبارات المعاكسة والتحرش اللفظي. نظرت إليه بعينين زجاجيتين غائبتين، ثم نهضت في صمت وتركت المقعد، وتوجهت مباشرة نحو القطار الواقف على الرصيف والمستعد للحركة.

دلفت إلى إحدى العربات، وجلست على مقعد شاغر بجوار النافذة. أسندت رأسها المتعب على الزجاج البارد، وسمحت لدموعها المحبوسة بالتحرر دون قيود. أغمضت عينيها الفيروزيتين، وفصلت نفسها تماماً عن الضجيج وصخب الركاب حولها؛ لم تكن تسمع سوى تلاطم الأفكار في رأسها، حتى غاصت في نوم يشبه الغيبوبة من فرط الإرهاق النفسي والجسدي.

لم تفق نور من غفوتها إلا على ضربات خفيفة متتالية على كتفها. فتحت عينيها بصعوبة ونظرت حولها في شرود تائه، لتجد العربة قد أصبحت خاوية تماماً، والقطار قد توقف عن الحركة، بينما كانت هناك سيدة ريفية طيبة الملامح تقف فوق رأسها وتنظر إليها بعينين تحملان ألف سؤال وسؤال.

قالت السيدة بنبرة دافئة تفيض حناناً

-  وصلنا يا بنتي.. انزلي يلا، شكلك تعبانة أوي وكنتي غرقانة في النوم.

نهضت نور في هدوء آلّي، ونظرت إلى السيدة بشرود وعينين زجاجيتين، ثم تمتمت بصوت خافت كاد ألا يُسمع

-  الحمد لله.. أنا كويسة، شكراً لحضرتك.

تركتها ونزلت من مقطورة القطار، لتقف على الرصيف وتتطلع حولها بدهشة جمدت أوصالها؛ لافتات المحطة ترحب بالزائرين في محطة مصر بالإسكندرية يا الله، ما الذي أتى بها إلى هنا؟ كيف استسلمت لقطار لا تدري وجهته؟

جلست على أحد المقاعد المعدنية بالمحطة تراقب المارة في شرود، حتى خارت قواها تماماً وشعرت بوهن شديد يزحف إلى أطرافها، لتتذكر فجأة أنها لم تذق قطرة ماء أو لقمة طعام منذ الصباح الباكر. تحاملت على جسدها المنهك وخرجت إلى الشارع المحيط بالمحطة، ابتاعت بعض الشطائر البسيطة وزجاجة مياه، ثم استقلت أول سيارة أجرة تصادفها دون أن تسأل عن وجهتها.

نزلت حيث وجدته يقف.. أمام البحر. لم تكن تعلم اسم المكان، ولا أين هي تحديداً في هذه المدينة الساحلية الواسعة، كل ما تعرفه أنها بحاجة إلى الاختباء. جلست على صخرة قريبة من الشاطئ، وبدأت تتناول طعامها بصمت مرير، وعيناها الفيروزيتان معلقتان بالأمواج المتلاطمة بعنف؛ شعرت في تلك اللحظة أن حياتها تشبه تماماً هذه الأمواج الغاضبة التي تضرب الصخور وتتكسر دون هوادة. أخذت تبث البحر شكواها وهمومها في سرها، ومع سكون الليل وبرودة النسمات، ثقلت جفانها لتغفو وهي جالسة في مكانها، مستسلمة لضياعها.

وفي ذات الوقت.. في مدينة المنصورة.

عاد محمود من عمله باكراً على غير العادة، فالأجواء مشحونة واليوم هو موعد عقد قران ابنته الكبرى. دلف إلى الشقة بخطوات ثقيلة، فلاحظ هدوءاً مريباً وخلو البيت من حركة نور. التفت إلى زوجته وسألها بنبرة متوجسة، فأجابته سامية ببرود وهي ترتب الصالة

-  راحت مع صاحبتها الكوافير من بدري عشان تجهز لكتب الكتاب... زمانها على وصول، ما تقلقش.

جلس محمود على مقعده الوثير، ودفن وجهه بين كفيه؛ كانت الأفكار تتصارع في عقله كالعواصف، يتساءل في مرارة إن كان ما يفعله بابنته صواباً أم خطأً فادحاً سيعيش بذنبها طوال عمره. حاول، كعادته، إقناع نفسه المهزومة بأن هذا هو الصواب، وأن ابنته على قدرٍ عالٍ من الجمال الفاتن الذي يوجب تزويجها سريعاً لسترها قبل أن يطمع فيها أحد شبان الطيش، تماماً كما كانت سامية تبث في عقله من سموم وأفكار بشكل يومي.

توالت الساعات بطيئة خانقة، ولم يظهر لنور أي أثر. بدأ الشك يتسلل إلى قلب الأب، وتحول القلق إلى نار تنهش صدره. أخرج هاتفه وطلب رقمها مراراً وتكراراً، لكن دون جدوى.. الهاتف مغلق.

وفجأة، أضاءت الشاشة معلنة وصول رسالة نصية قصيرة من رقمها. فتحها بلهفة ارتدت فوراً رعباً زلزل كيانه، حيث كانت الحروف تقطر تمرداً وقسوة

(أنا سبت البيت ومش هرجع تاني أبداً.. مش هسمح إني أكون سلعة تبيعوها عشان تخلصوا منها وتكسبوا من وراها.)

تسمر محمود في مكانه، وصعد الدم إلى رأسه دفعة واحدة، فانتفض يصيح في أرجاء البيت بصوت هادر أرعب الجدران. تجمع أفراد الأسرة على صراخه متفاجئين، وتقدمت منه سامية بملامح مذهولة مصطنعة، وقالت بنبرة مرتفعة

-  جرى إيه يا محمود؟ بتزعق كدة ليه وصوتك جايب آخر الشارع؟ في إيه؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نور الآدم    البارت العاشر

    مع خيوط الصباح الأولى، التفت الأسرة كعادتها حول مائدة الإفطار، واتخذ كل فرد مكانه المعتاد في صمت. كان الجو مشحوناً وثقيلاً، وزاد من قتامته ذلك الوجه الغاضب الذي تكسوه ملامح الإرهاق الشديد؛ وجه آدم وعيناه المحتقنتان بأثر السهر. لم تمر به حالته هذه على والده "كمال"، الذي رمقه بنظرات ثاقبة ومتفحصة، نظرات يفهمها آدم جيداً ويحفظ مغزاها، مما جعله يشيح بعينيه بعيداً هرباً من تلك المواجهة الصامتة. دبّت حركة خفيفة في الأرجاء مع دخول "زينب" كعادتها منذ سنوات طويلة، تحمل أطباق الطعام وتضعها على السفرة بهدوء ووقار أضفى لمسة من السكينة المؤقتة. هز كمال رأسه لها شاكراً بأدب جم - تسلم إيدك يا زينب. بدأ الجميع في تناول إفطارهم، وتسلل الصمت القاتل مجدداً ليتسيد الموقف، فما كان من مالك ورحمة إلا أن يتبادلا نظرات ذات مغزى، يملؤها الضيق من هذا الجو الكئيب. ولأن مالك لا يطيق هذه الأجواء، تنحنح وقال بنبرة مرحة ومطاطة ليحطم بها الصمت - وحدووووووه التقطت رحمة الإشارة على الفور، وصفقت بكفها الآخر مكملة اللعبة بضحكة مكتومة - لا إله إلا الله توقفت حركة يد آدم، ورفع رأسه ببطء ليوجه إليهما نظرة صارمة كفيلة

  • نور الآدم    البارت التاسع

    انفصلت نور عن أحضان زينب ببطء، وتراجعت خطوة للخلف وهي تطأطئ رأسها. نظرت إليها بعينين حائرتين يغشاهما الخجل، وشبكت أصابعها بارتباك وهي تهمس بصوت متهدج - زمانك دلوقتي بتقولي عليا إيه؟ ندمتي إنك دخلتيني بيتك، صح؟ ترقرقت دمعة حائرة في عين زينب، ونظرت إلى وجه نور الشاحب بقلب يعتصره التأثر بعدما استمعت إلى حكايتها المريرة. اقتربت منها وبنبرة تقطر طيبة وأمومة قالت - ليه يا بنتي تقولى كده؟ إنتي آه غلطتي، والغلط مفيش فيه كلام.. بس إنتي برضه ضحية. ملقتيش اللي ياخد بإيدك، ولا اللي يوجهك ويعرفك الصح من الغلط في الوقت اللي كنتِ محتاجة فيه سند. مسحت زينب طرف عينها بطرف شالها وتابعت وعيناها تثبتان في عيني نور - بس ده درس يا نور، درس هيفضل محفور في قلبك طول عمرك.. إياكِ تثقي في حد تاني بالسهولة دي، ولازم تحسبي الخطوة وتفكري في عواقبها مية مرة قبل ما تخطيها. هزت نور رأسها بإيجاب مرير، والدموع تنحدر على وجنتيها - عندك حق.. عندك حق في كل كلمة فعلاً. امتدت يد زينب الحانية لتربت على ظهرها، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة دافئة تحمل كل معاني الاحتواء، ثم جذبتها إليها مرة أخرى وضمتها لصدورها وهي تسألها به

  • نور الآدم    البارت الثامن

    وضعت نور اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام المتواضعة، وجلست تشارك "ماما زينب" زادها البريء. تناولت طعامها بهدوء، ثم نهضت لتعد كوبين من الشاي الساخن بالنعناع، وعادت لتجلس بجوار العجوز التي كانت تطالعها بعينين تفيضان بألف سؤال وسؤال. ورغم فضول الأمومة الفطري، إلا أن زينب آثرت الصمت، تاركة لنور المساحة والوقت لتتحدث حين تشاء وتكشف ما تشاء.ترجمت نور تلك النظرات الحانية، فارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة مغلفة بحزن دفين، بينما التمعت الدموع في عينيها الفيروزيتين كحبات لؤلؤ أوشكت على السقوط، وقالت بنبرة مخنوقة:— أكيد حضرتك عاوزة تعرفي أنا إيه اللي جابني هنا.. وإيه اللي رماني الرمية دي في وقت زي ده؟امتدت يد زينب الخشنة لتربت على ظهر الفتاة بنعومة تفيض حناناً، وقالت بصوت دافئ:— لو عاوزة تحكي يا بنتي وتفضفضي أنا سمعاكي وقاعدالك، ولو مش عاوزة ومش قادرة.. فده مش هيغير أي حاجة واصلي؛ بيتي هيفضل مفتوح ليكي، وسرك في بير.نظرت إليها نور بنظرات غمرها الاطمئنان، ولأول مرة منذ رحيلها تشعر بأرض صلبة تقف عليها، فقالت بثقة تولدت من رحم الانكسار:— هحكيلك.. هحكيلك عشان حسيت منك بحنان لأول مرة في حياتي كل

  • نور الآدم    البارت السابع

    ولج آدم إلى مبنى شركته الفارهة بهيبته الرجولية الطاغية، فخطواته الواثقة المدروسة وجسده الرياضي الممشوق كانا كفيلين ببث حالة من الاستنفار الصامت في أرجاء المكان. كانت ملامحه الجادة الخالية من التعبير تشع صرامة حادة، تجبر الجميع على الالتفات إليه بتقدير ممزوج بالوجل. اصطف الموظفون على جانبي الممر يلقون عليه تحية الصباح بإجلال، فكان يردها بإيماءة خفيفة وكبرياء صامت لا يخدش وقاره. تابع سيره حتى وصل إلى مكتب السكرتيرة التي انتفضت واجفة فور لمحه، ووقفت في رعب ورهبة حاولت جاهدة مداراتهما خلف ملامحها المهنية، ثم بدأت تملي عليه جدول أعمال اليوم بنبرة متحشرجة مرتجفة. أشار لها بيده إشارة خاطفة لتتوقف، ثم تركها ودلف إلى داخل مكتبه الخاص الفسيح، دون أن يتفوه بكلمة واحدة. وما إن انغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه وعزل صخب الشركة بالخارج، حتى تلاشت تلك الصلابة المصطنعة وتهاوت حصونه. ارتمى بجسده المنهك على مقعده الجلدي الوثير، وأسند رأسه إلى الخلف مغمضاً عينيه بعمق. زفر زفرة حارقة خرجت من جوف صدره الضائق، وربت على جبهته وهو يردد بصوت خافت يقطر مرارة وأسى - هيفضل شبح الماضي يطاردني طول عمري؟ مش هعتق م

  • نور الآدم    البارت السادس

    في بقعة هادئة وراقية، شيدت فيلا ضخمة تتحدث واجهتها عن الثراء الفاحش، بينما يفوح من داخلها عبق الفخامة الكلاسيكية. قُسم الطابق السفلي ببراعة ليضم غرفة مكتب فارهة بجدران خشبية، وصالوناً واسعاً، وغرفة سفرة ممتدة، يطلان جميعاً على تراس فسيح يمتص خيوط الصباح الأولى. أما الطابق العلوي، فقد احتوى على الأجنحة وغرف النوم التي تباينت ديكوراتها وألوانها لتعكس اختلاف أذواق قاطنيها.على رأس مائدة الإفطار، كان يجلس كمال؛ رجل في العقد الخامس من عمره، ذو بشرة قمحية، وقامة ممشوقة طويلة، وعينين عسليتين حادتين. كانت ملامحه تميل إلى القسوة، وقد حفرت التكشيرة الدائمة خطوطاً خفيفة من التجاعيد حول جبهته وعينيه، غير أن أكثر ما يميزه هو ذلك الحزن الدفين الكامن في حدقتيه، والذي لا يتلاشى حتى وإن زارت الابتسامة شفتيه.تربّع كمال في مواجهة المائدة، بينما جلس ابنه الأكبر آدم على يمنته، يقابله من الناحية الأخرى التوأم "مالك" ورحمة. كان آدم غارقاً في تصفح جريدته الصباحية بملامح جامدة، في حين انهمك التوأم في تبادل همسات سريعة وضحكات مكتومة، ضاق بها صدر الأب، فهتف بهما بنبرة غاضبة حاسمة- بطلوا ودودة على الصبح.. مش ع

  • نور الآدم    البارت الخامس

    سقط محمود على المقعد كالجثة الهامدة، ووضع رأسه بين يديه وهو يئن بألم وحزن حقيقي تغلغل في نبرته- نور هربت.. سابت البيت وهربت يا ساميةفي تلك اللحظة، انطلقت صرخة مدوية من فم سامية، ولطمت خديها بعنف وعويل مصطنع هز أركان المكانيا لهوي يا خرابي... يا فضيحتنا وسط الناس! شفت.. شفت أهو ده آخر دلعك فيها ووقوفك في صفها... البت فصحتنا وهربتانتفض نادر من مكانه كالملسوع، وعيناه تشعان شرراً وهو يرمق زوجة أبيه بنظرات حارقة، فلم يعد يحتمل هذا السيل من الافتراء المسموم. هتف بها بصوت هادر زلزل أركان الغرفة-؛ هي مين دي اللي اتدلعت؟ ليه ماتقوليش نور هربت من قسوتكم ومعاملتكم ليها... هربت من العريس اللي إنتي نفسك لو لفوا الدنيا حواليكي مش هترضي بيه لنفسك ولا لبناتكتراجعت سامية خطوة للخلف، وتبدلت ملامحها إلى مزيج من الغيظ والذهول من جراءة نادر، فصاحت به بنبرة حادة وصوت مرتفع-؛ أنت بتكلمني أنا كدة يا نادر؟ بعد كل اللي عملته عشانكم وبقيت راجل طول بعرض جايبلي قلة القيمة؟ مش كفاية الفضيحة والمصيبة اللي عملتها أختك، وكمان جاي تتشطر عليا وتتكلم؟- بسسسس.. كفاية أنتوا الاتنينانطلق صوت محمود كالقذيفة، صرخة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status