LOGINالفّتت نور حولها بقلبٍ واجف، تفتش بنظراتها في زوايا الصالون؛ أين هو ذلك العريس الأربعيني الذي تحدث عنه والدها؟ لم تجد أمامها سوى كائنٍ بدين، أصلع الرأس، برزت من فمه أسنان سوداء متهالكة تآكلت بفعل التسوس، بينما خطّت التجاعيد الغائرة مساراتٍ مشوهة على وجهه، واختلط ما تبقى من شعره بشعيرات بيضاء كثيفة. في بادئ الأمر، ظنت أنه والد العريس، لكن الكلمة هبطت عليها كالصاعقة.
انقبضت روحها برعب، ونظرت بعينين متسعتين من الهلع إلى ذلك الكائن الذي التفت نحوها، ووزع عليها ابتسامات سماجته المقززة. دارت الأرض بها، وتاهت في ملكوت أفكارها تبحث عن مخرج ما بك يا أبي؟ أترميني هكذا في بئر المجهول لمجرد إرضاء زوجتك؟ كيف لي أن أرتبط بإنسان كهذا؟ أين أنت يا سامح.. أين أنت يا حبيبي لأرتمي في أحضانك وأشكو إليك ما يريدون فعله بي؟ فجأة، انقطع حبل خيالاتها على صوت اتفاق عقيم يبرمه والدها مع الأستاذ توفيق؛ عقد القران غداً في حفلة عائلية ضيقة، تليها مباشرة إجراءات تخليص الأوراق الرسمية استعداداً للسفر إلى السعودية بعد أسبوعين. شعرت نور في تلك اللحظة وكأنها هواء، كائن بلا وجود، يقررون مصيرها ويشكلون مستقبها دون أن يرف لهم جفن أو يأخذوا رأيها. تملكها دافع قوي للاستسلام التام، أن تنهي حياتها وتتخلص من هذا العذاب، ولكن، ما إن عادت ونظرت إلى ذلك الرجل الذي يبدو أكبر سناً من والدها، حتى انتفضت بداخلها غريزة البقاء والصمود. لا، لن تكون ضحية. لم تجد أمامها حلاً سوى الهروب؛ الهروب إلى حبيبها لتنعم معه بالحياة الهادئة التي طالما حلمت بها، ولم تكن تعلم أنها بهذا القرار تخطو أولى خطواتها نحو الجحيم. جلست بينهم بجسدها كجثة خامدة، بينما كان عقلها يعمل كآلة لا تتوقف، ينسج خيوط خطة الهروب الكبير، وكيف ستترك لهم هذا البيت بما فيه. انتهت الجلسة المشؤومة، وما إن غادر الرجل حتى اقتربت سامية منها وتحضنتها بتصنع، وهي تقطر كلمات المباركة المسمومة، بينما عيناها تلمعان بشماتة وغل لا يخفى على أحد. في تلك الأثناء، دلف نادر الذي لم يحضر سوى اللحظات الأخيرة من الجلسة؛ كانت ملامحه مكسوة بالدهشة والذهول، يتساءل في سره كيف وافقت شقيقته الأبية على هذا الكائن؟ دقق النظر في عينيها الفيروزيتين، وحاول قراءة ما وراء نظراتها الثابتة، فاستشعر أنها تنوي فعل شيء ما، خطة غامضة لم يستطع الوصول إلى كنهها، فبارك لها بنبرة خافتة يملؤها عدم الاقتناع. دخلت نور غرفتها وأغلقت الباب بالمزلاج، سحبت هاتفها بلهفة وبدأت تحادث سامح. وكالعادة، انهمر صوته يثري أذنيها بكلمات الغزل والهيام، وهي ترد عليه بقلب ينبض بالأمل، حتى همست له بنبرة غامضة - سامح.. جهز نفسك، بكرا هعملك مفاجأة عمرك ما كنت تتخيلها. أجابها بنبرة ضاحكة مشتاقة - ومفاجأة إيه دي يا روحي؟ أنا مستني على أحر من الجمر، أوعي تتأخري عليا. أغلقت الهاتف والابتسامة تزين ثغرها، وشعرت بسعادة عارمة غسلت كل مخاوفها؛ غداً سينتهي الكابوس، وغداً يلتئم شملها بحبيبها. دثرت نفسها بغطائها وغطت في نوم عميق، ترسم في منامها أحلاماً وردية عن لقائهما الحار، وبيتهما الدافئ، وحياتهما القادمة استيقظت نور في الصباح لتجد البيت على غير عادته؛ كانت سامية تتحرك بنشاط غريب، تُعد طعام الإفطار، وترتيبات عقد القران المقررة مساءً تقام على قدم وساق. تحركت نور بخفة كأنها تستعد للحفل، لكنها في الخفاء أحضرت حقيبة يدها الكبيرة، ووضعت فيها كل ما يثبت هويتها: بطاقتها الشخصية، شهادة ميلادها، وشهادة تخرجها الجامعي، بالإضافة إلى بعض النقود التي نجحت في ادخارها طوال الأشهر الماضية. خرجت من غرفتها بكامل أناقتها، وقالت لسامية بهدوء مصطنع -؛ أنا خارجة يا خالتي، رايحة مع صاحبتي للكوافير عشان أجهز لكتب الكتاب بالليل. رحبت سامية بالفكرة فوراً وابتسمت باتساع؛ فلم يعد يفصلها عن التخلص من هذه الفتاة للأبد سوى ساعات قليلة. انطلقت نور بخطوات حثيثة نحو محطة قطار المنصورة المكتظة بالمسافرين. كانت تتلفت حولها برعب، ينهش الخوف صدرها من أن يلمحها أحد معارف والدها فيعيدها إلى تلك الزيجة البغيضة. سألت عن القطار المتجه إلى القاهرة، ووقفت على الرصيف تنتظره على أحر من الجمر. ما إن وصل القطار، حتى استقلته وجلست بجوار النافذة، تتأمل المساحات الخضراء وهي تشعر بأن الحرية باتت على بعد بضع ساعات فقط، وتتخيل ملامح الفرحة التي ستكسو وجه سامح حين يعلم بقرارها الشجاع بالزواج منه لبناء بيتهما سوياً. تحرك القطار مسرعاً، يطوي البلاد طياً، حتى أطلق صافرته معلناً الوصول إلى محطة مصر برمسيس. نزلت نور وتلفتت حولها بذهول؛ كانت هذه هي المرة الأولى التي تطأ فيها قدماها أرض العاصمة. صخب رهيب، وبشر يركضون في كل اتجاه، كلٌّ في وادٍ هائم. تقدمت بتوجس من أحد المارة وسألته عن كيفية الوصول إلى منطقة إمبابة، فوصف لها الطريق بدقة. استقلت وسيلة المواصلات كما أُرشدت، حتى نزلت في قلب إمبابة. وقفت في منتصف الشارع حائرة، تتطلع إلى المباني المتلاصقة؛ فهي لا تعلم عن عنوان سامح سوى اسم المنطقة فقط. سحبت هاتفها وضغطت على زر الاتصال بنبضات مرتجفة. رن الهاتف عدة مرات قبل أن يأتيها صوته المخمور بالنوم ومستنكراً - أيوه يا نور.. متصلة بدري كدة ليه يا بنتي؟ شعرت بنغزة في قلبها من طريقته الجافة، لكنها بررت الأمر في سرها بأنه أثر النوم، فأجابت بصوت يتدفق فرحة ولهفة - سامح.... أنا هنا في إمبابة نزلت الكلمة على مسامعه كالصاعقة التي أطارت النوم من عينيه، هبّ واقفاً من فراشه وعيناه متسعتان بجنون، وتمتم بذهول - إمبابة؟ نهار أسود.. يا بنت المجنونة انتفض صديقه حازم المستلقي على الفراش الآخر في الغرفة، ونظر إليه بدهشة من ردفة فعله العنيفة قائلاً - في إيه يا ابني قومت مفزوع كدة ليه؟ زي ما تكون حية قرصتك في سريرك وقف سامح لثوانٍ وهو يشعر بالدم يتجمد في عروقه، ونظر إلى صديقه بشرود تام وقال بصوت خافت مذهول - البت نور.. بنت المجنونة هربت من أهلها وجت على هنا.. قال إيه جاية عشان نتجوز انفجر حازم ضاحكاً بقهقهة عالية حتى دمعت عيناه، وقال من بين ضحكاته الساخرة وهو يضرب كفاً بكف - إلبس يا معلم تدبس يا بطل.. وريني بقى هتتصرف إزاي. شعر سامح بالخناق يضيق حول عنقه، وفكر بتردد وخوف - ألبس إيه يا عم أنت؟ دي أمي تطردني من البيت علطول.. هتقولي هصرف عليك ولا على المحروسة اللي جايبها معاك؟ صمت لبرهة، ثم نظر إلى حازم بملامح جادة وتابع — وبعدين البت دي مش شمال، يعني مش جاية تقضي وقت.. دي جاية وعاوزة جواز رسمي يا حازم، وشكلها غشيمة. وقف حازم يشاركه الحيرة، وعقد حاجبيه متسائلاً - طب والعمل؟ هتعمل إيه مع المصيبة دى يا فالح لمعت عينا سامح بمكر وخسة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة لئيمة وهو يجيب صديقه - ولا أي حاجة.. أنا هروح أقابلها وأقولها إني مش جاهز للجواز اليومين دول، وأقنعها ترجع لأهلها بالذوق.. أنا مش ناقص وجع دماغ ومشاكل مع أهالي الصعيد ولا فلاحين المنصورةدلفت نور إلى داخل استراحتها الخاصة، والصمت يلف أرجاء المكان من حولها. توجهت نحو المطبخ بخطوات متباطئة وأعدت بعض الشطائر البسيطة مع كوب من الشاي الدافئ، ثم جلست تتناول طعامها بهدوء؛ لم تكن تأكل لشهية أو رغبة في الطعام، بل كانت تأكل فقط لتسد جوع جسدها المنهك. في تلك الأثناء، استسلم عقلها لدوامة قاسية من الأفكار الحائرة، وتساءلت في سرها بمرارة... ما هي نهاية هذا الطريق الذي أسير فيه؟ شعور ثقيل ينهش صدرها بأنها أصبحت عالة على كرم هذه العائلة ونبلها، وتملكها خجل جارف يمنعها تماماً من فتح موضوع دفع إيجار الاستراحة مع كمال بيه، لعلمها بأنه سيرفض بصرامة أبوتّه المعهودة. وبعد طول تفكير، حسمت أمرها وقررت في سرها أنه بمجرد أن تتقاضى راتبها الأول من الشركة، ستترك منه جزءاً تضعه في مغلف مغلق كعوض رمزي مقابل سكنها، لتسترد جزءاً من كبريائها الجريح. قطع هذه السلسلة من الأفكار المفرطة طرقات مرحة، خفيفة ومتلاحقة على باب الاستراحة. تقدمت نور وفتحت الباب لتجد رحمة تقف أمامها بابتسامتها المشرقة، فتهلل وجه نور ورحبت بها بحفاوة بالغة أزاحت عنها ضيق الوحدة. جلست الفتاتان معاً، وراحت رحمة تثرثر بعفوية وتن
انقضى ذلك اليوم العصيب في الشركة متأرجحاً ما بين غضب آدم الثائر تارة، وحنانه المباغت الدافئ تارة أخرى؛ تقلبات مزاجية حادة جعلت نور في حالة من الدهشة والذهول المستمر، عاجزة عن فهم هذا الرجل الذي يمنحها الدفء والأمان في لحظة، ثم يمطيرها بـوابل من الغضب العارم في اللحظة التالية. أطلقت نور تنهيدة حارة من أعماق صدرها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن تقلباته لا تهمها في شيء، وأنها مجرد موظفة تؤدي عملها، وراحت تنهك جسدها ونفسها في التدقيق بالمعاملات لـتهرب من التفكير فيه، شاغلة عقلها بـشقيقتيها وزفاف نها المرتقب. أما آدم، فبالرغم من أن يومه كان ممتلئاً عن آخره بـالاجتماعات والمناقصات المصيرية، إلا أنه لم يسلم من قيدها؛ فبين الحين والآخر، كانت تجتاحه تلك الخفقة الزائدة في منتصف صدره، نبضة متمردة تنبهه بـعنفوان إلى وجودها القابع في أعماق قلبه، فـيطلق تنهيدة عميقة، طويلة، يكاد لهيبها الحارق يشعل الأوراق المبعثرة أمامه. وفي نهاية الدوام، دلف كريم إلى المكتب، وجلس يحاول بـذكاء استدراجه في الحديث لـعله يجد منفذاً يفضفض فيه آدم عما يكتنزه بـداخله. لكن آدم—الذي اعتاد الكتمان والصلابة كـدرع يحميه من ا
استيقظ آدم من نومه مع تباشير الصباح الأولى، وعادت لتدب في جسده تلك الحيوية الطاغية والنشاط غير المعتاد. بمجرد أن فتح عينيه، قفز إلى ذهنه خاطر دافئ أضاء ثنايا روحه.... اليوم سيتناول إفطاره مع نور، ستكون شريكته في الصباح والمساء.نهض بـلهفة، وأبدل ثيابه بـأناقته المعهودة، ونزل درجات السلم الرخامي وهو يطلق ذلك الصفير المرح الذي بات يعلن عن قلبٍ تذوق طعم الفرح مجدداً. دلف إلى غرفة الطعام ليجد والده كمال بيه يجلس على رأس المائدة، يرتشف قهوته وينتظره حتى يتناولا وجبة الإفطار معاً.ألقى آدم تحية الصباح بـنبرة صوته الرخيمة، المشرقة، وجلس في مكانه المعتاد على يمين والده. كان المقعدان المقابلان له فارغين تماماً، حيث يغط كل من مالك ورحمة في نوم عميق، مستمتعين بـأول أيام الإجازة الصيفية بعد ماراثون امتحانات طويل شقّ عليهما.تطلع آدم نحو المقعد الشاغر بجوار رحمة، وتمنى في سريرته أن تطل نور في أي لحظة. مرت الدقائق ولم تأتِ، فأخرج هاتفه من جيب سترته بـنفاد صبر، وضغط على رقمها لـيهاتفها ويستعجل حضورها لتناول الإفطار معهم قبل الذهاب للشركة.استمع إلى رنين الهاتف حتى أتاه صوتها من الطرف الآخر، وما إن س
مرت حوالي نصف الساعة ونها غارقة في أوجاعها، حتى قطع سكون البيت رنين هاتف نادر. التفت إلى الشاشة ليجد اسم ياسر يزينها، فأجاب مستغربًا، ليطلب منه ياسر بلهجة مقتضبة النزول إلى أسفل البناية لبضع ثوانٍ.نزل نادر على مضض والضيق يملأ صدره من تصرف نسيبه المستقبلي، ولكنه ما إن وصل إلى الشارع واقترب من سيارة ياسر، حتى تجمدت الكلمات في حلقه؛ وجد ياسر يقف بوقار ممسكًا في يده باقة فخمة ومنسقة من الورود الطبيعية ذات الرائحة النفاذة، وبجوارها علبة أنيقة من الشوكولاتة الفاخرة.مد ياسر يده بالهدايا نحو نادر، وقال بابتسامة هادئة حملت الكثير من المعاني- معلش يا نادر نزلتك.. خد الحاجة دي اديها لـنها، وقولها ألف سلامة عليكي.وقبل أن يستوعب نادر الصدمة أو ينطق بكلمة شكر، كان ياسر قد استأذن وركب سيارته وانطلق في عتمة الليل. تعجب نادر لأمره بشدة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة بعد أن فهم أن الرجل لم يكن جافيًا، بل أراد منح خطيبته خصوصيتها في مرضها مع ترك أثر طيب يليق به؛ وفرح بهذه الخطوة الذكية التي ستجبر خاطر شقيقته المنكسر.صعد نادر الدرج مسرعًا بخطوات متلاحقة، ودلف مباشرة إلى غرفة نها التي بادرت بـالتظا
وصلا إلى الفيلا الفخمة، والتفتت إليه نور تسأله بـحرج - مستر آدم.. هي فين الاستراحة اللي هقعد فيها؟ عشان أودي حاجتي علطول. لم يجبها آدم، ولم يمنحها أدنى استعداد لـلمجادلة أو النقاش في تلك اللحظة؛ فـهو يخشى بـصدق لحظة انهيار عاطفي يفقد فيها ثباته ويعترف لها بكل شيء. اكتفى بـنبرة حازمة - ادخلي الفيلا الأول يا نور.. لحد ما أتاكد إنهم خلصوا تجهيزها وتنظيفها. وما إن دلفت من الباب، حتى تلاشت غيوم الصمت؛ إذ هرولت نحوها رحمة بـشقاوة طفولية عارمة، وطوقت عنقها بـأحضان حارة قائلة بـإنتصار - نور.... مش مصدقة... كل الأسئلة والنقاط اللي راجعتيها معايا امبارح بالليل جتلي النهاردة في الامتحان بالظبط أنا حليت ابتسمت نور من أعماق قلبها بـحب، وقبّلت وجنتها بـسعادة مفرطة على هذا الإنجاز، فـأردفت رحمة بـفرحة - واليوم كان آخر يوم في الامتحانات خلاص، يعني أنا من اللحظة دي انا فاضية ليكي تماماً يا قمر شدتها رحمة من يدها لـتصعد بها الدرج، لكن نور اعتذرت بـرقة - استني يا رحمة، مش هينفع.. أنا ورايا مهمة تانية خالص، لازم أروح أشوف الاستراحة وأرتب حاجتي فيه. في تلك الأثناء، أقبل عليهما كمال بيه بـوجهه ا
في ساحة جامعة المنصورة، كان الصخب يملأ الأرجاء، ممزوجاً بـأنفاس الراحة والترقب؛ فـاليوم هو الطوق الأخير، والورقة الأخيرة في ماراثون اختبارات نهاية العام. وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان صفحات المذكرة بـآلية، لكن عقل نادر لم يكن يرى الحروف؛ بل كان غارقاً في تفاصيل وجهها، يتأملها بـألمٍ صامت غلف نظراته بـمسحة من الوجع الخفي. كان صدره يغلي بـتساؤلات المجهول المرعب... اليوم تنتهي اللقاءات الرسمية تحت مظلة الجامعة، فماذا يخبئ لهما الغد؟ هل ستظل إسراء متمسكة بـعهودهما أمام أمواج الحياة العاتية، أم ستستسلم في النهاية لتيار خالد وثروته وتتركه وحيداً على ضفاف الخيبة؟ لمح حدس إسراء الأنثوي تلك الغيمة السوداء التي احتلت عينيه، فـأغلقت المذكرة فجأة، والتفتت إليه تسأله بـنبرة حانية يملؤها القلق - مالك يا نادر؟ اتغيرت فجأة ليه تنهد نادر بـمرارة، وخرج صوته مبحوحاً ومشحوناً بـالخوف الذي ينهش ضلوعه - مرعوب يا إسراء.. مرعوب من فكرة الفراق. الامتحانات خلصت، والوقت اللي كان بيجمعنا انتهى.. وخايف المجهول يبعدك عني. صمتت إسراء لـلحظات ثقيلة، وتصلبت ملامحها الرقيقة، ثم صوّبت نحوه نظرة حادة امتزج فيها ال
سقط محمود على المقعد كالجثة الهامدة، ووضع رأسه بين يديه وهو يئن بألم وحزن حقيقي تغلغل في نبرته- نور هربت.. سابت البيت وهربت يا ساميةفي تلك اللحظة، انطلقت صرخة مدوية من فم سامية، ولطمت خديها بعنف وعويل مصطنع هز أركان المكانيا لهوي يا خرابي... يا فضيحتنا وسط الناس! شفت.. شفت أهو ده آخر دلعك فيها
ارتدى سامح قميصه على عجل، ونزل متوجهاً إلى المكان الذي وصفته له. سار بخطوات ثقيلة ينهش العقارب عقله، حتى لمح طيفها من بعيد. ما إن رأته نور، حتى أضاء وجهها المتعب بابتسامة دافئة غسلت شقاء رحلتها، وأقبلت نحوه بلهفة طفلة عثرت على أمانها. وقفت أمامه تطالعه بهيام، وتأملت ملامحه التي طالما تخيلتها خلف ال
دبّت الحركة في أرجاء المطبخ وهي تطهو الطعام بأنامل مرتجفة، ثم حملت الأطباق وتوجهت صوب مائدة الغداء. وضعت الصحون بهدوء، ووقفت لثوانٍ تتأمل المشهد؛ كانت علامات الانسجام والود طاغية بين أبيها وزوجته، يتبادلان الضحكات وتلمع في عيني والدها نظرات حنونة غريبة عنها. انقبض قلبها وتساءلت في مرارة: "ليه هو مع
في قلب مدينة المنصورة، حيث ينساب النيل هادئاً كشاهدٍ على حكايات البشر، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل بنعومة عبر شرفة إحدى البنايات المطلة على الضفة. تراقص الضوء على وجه نور، وتغلغل بين أهدابها الكثيفة، ليوقظها برقة من حلمٍ دافئ طافت به في دروب خيالها.فتحت عينيها الفيروزيتين، ونظرت حولها بابتسامة ر







