LOGINدبّت الحركة في أرجاء المطبخ وهي تطهو الطعام بأنامل مرتجفة، ثم حملت الأطباق وتوجهت صوب مائدة الغداء. وضعت الصحون بهدوء، ووقفت لثوانٍ تتأمل المشهد؛ كانت علامات الانسجام والود طاغية بين أبيها وزوجته، يتبادلان الضحكات وتلمع في عيني والدها نظرات حنونة غريبة عنها. انقبض قلبها وتساءلت في مرارة: "ليه هو معاها بيضحك وحنين كدة، ومعايا أنا قاسي وجاف؟" حاولت جاهدة أن تنبش في دفاتر ذاكرتها عن المرات التي ابتسم فيها في وجهها، فلم تجد سوى مرات قليلة تكاد تُعد على أصابع اليد الواحدة.
-؛ ما علينا.. مش جديد عليه. همست لنفسها بتلك العبارة التي تواسي بها قلبها دائماً، فقد اعتادت قسوته وشراسة زوجة أبيه. جلست على طرف مقعدها تتناول طعامها بصمت، وسط أجواء عائلية صاخبة بالحديث.. حديث يتبادله الجميع بحميمية، بينما تقبع هي في ركنها كالغريبة؛ تستمع إليهم فقط دون مشاركة، كأنها تشاهد برنامجاً تلفزيونياً حوارياً لا ناقة لها فيه ولا جمل. لكن ذلك الحوار الهادئ لم يدم طويلاً، إذ انتهى بكارثة سمعية زلزلت كيانها، حين التفت محمود نحوها فجأة وألقى بأمرٍ صارم - جهزي نفسك بالليل يا نور.. جايلك عريس، وأنا قعدت مع الراجل وشكله شاري ومش هيكلفني حاجة، هياخدك ويسافر بيكي على السعودية علطول. سقطت الكلمات على مسامعها كالصاعقة. شعرت نور في تلك اللحظة وكأنها حِمل ثقيل يتوق أبوها للتخلص منه، أو سلعة رخيصة يتاجر بها في سوق الزواج. لم يمهلها حتى وقتاً للاستيعاب أو الاعتراض، بل عاد ليتناول طعامه وكأن الأمر لا يعنيها. في تلك الأثناء، التقت عيناها بعيني سامية التي كانت تنظر إليها بشماتة مسمومة؛ فسامية لم تكن تفاجأ بالخبر، بل هي من خططت له ورتبت خيوطه من خلف ظهر محمود، فالعريس من طرفها ومحسوب عليها. وما كان يضاعف نشوة الانتصار في قلب سامية، أن ذلك الرجل قد تخطى الأربعين من عمره، لكن الفارق السني لم يكن يهمها في شيء؛ فكل أملها يتلخص في إخراج نور من البيت أولاً، لتتفرغ بعدها لأخيها نادر، فيصفو لها وبناتها الجو تماماً. ابتلعت نور غصتها، ونظرت إلى والدها بعينين تلمعان بحزن انكسر له قلبها. نهضت في صمت، وجمعت الأطباق متجهة إلى المطبخ. بدأت تنظف الصحون بآلية وجسد مجهد، والدموع تحرق جفنيها، ثم صنعت فنجان القهوة المفضل لأبيها كما اعتادت كل يوم. خرجت وتحاملت على ركبتيها حتى وقفت أمامه، ومدت يدها بالفنجان وهي تحاول استجماع شجاعتها، وسألته بنبرة متحشرجة - بابا.. هو أنت تعرف العريس ده كويس؟ صمتت لثانية، ثم تابعت بتردد وخوف ينهش صدرها - يعني.. إيه اللي يخليه يوافق ياخدني كدة من غير ما يكلفك حاجة؟ وكمان هسافر معاه لبلد تانية بعيد عنكم.. أنا خايفة يا بابا، خايفة بجد. ارتشف محمود رشفة بطيئة من فنجان القهوة الساخن، ثم وضعه على الطاولة الصغيرة بجواره، وظل صامتاً للحظات يحدق في الفراغ، باحثاً في عقله عن ردٍ يداري به ما يرتكبه في حقها. كان يعلم في أعماق نفسه أنه يرمي ابنته في المجهول، لكن رغبته في التخلص من ذلك العبء النفسي والشجار اليومي المرير كانت أقوى؛ فهو يدرك جيداً غيرة زوجته الشديدة من نور، وقد أنهكه الحمل والوقوف دائماً في المنتصف، فلم يجد حلاً سوى إرضاء سامية على حساب تلك المسكينة. كان يبرر لنفسه واهماً أن زواجها ورحيلها بعيداً أفضل بكثير من بقائها تحت رحمة خالتها. بعد صمت طويل بدا لنور كأنه دهر، رفع عينه إليها وأجاب بنبرة حاول جعلها تبدو طبيعية ومقنعة - آه طبعاً عارفه يا نور.. الراجل ابن حلال وكويس وعاوز يستقر، بس عشان شغله كله في السعودية فهو عاوز عروسة من مصر تسافر معاه، وبيقول مفيش داعي يكلف نفسه شقة هنا في المنصورة ويدفع دم قلبه فيها ويقفلها عالفاضي.. كلامه موزون واريح لينا وله. نظرت إليه نور طويلاً، وشعرت بقلبها ينقبض؛ فطريقة كلامه المترددة ونبرته المدافعة بشكل مبالغ فيه أكدت لها أن هناك خطباً ما، فهي تحفظ تعبيرات أبيها جيدا وتعرف متى يهرب بعينيه منها. تحاملت على خوفها وطرحت عليه سؤالاً آخر وهي تحبس أنفاسها - طب يا بابا.. هو عنده كام سنة؟ وشغال إيه بالظبط هناك؟ تجرّع محمود ما تبقى من فنجان قهوته دفعة واحدة، هرباً من الإجابة التي كانت تثقل لسانه. صمت لبرهة بأعين زائغة وفكر شارد، يتجنب التقاء نظراته بنظراتها الفيروزية المستكشفة. وحين طال صمته، أعادت نور عليه السؤال بنبرة أكثر إلحاحاً وترقباً، ليزفر بضيق ويجيبها أخيراً - شغال في مطعم كبير هناك.. وتقريباً كدة، عنده بتاع أربعين سنة. انتفضت نور واقفة في مكانها، وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تنظر لأبيها بذهول وصدمة زلزلت كيانها، بينما التمعت الدموع في عينيها لتغسل ما تبقى من أمل. همست بصوت مخنوق كسرته الخيبة - أربعين سنة؟ وشغال في مطعم؟ ألهدرجة أنا حمل تقيل عليك يا بابا؟ للدرجة دى مستخسر فيا حتى تسأل عن الراجل وتختارلي صح؟ للدرجة دي عاوز تتخلص مني؟ لم تجد بعد ذلك كلمات تسعفها؛ تلاشت الحروف من مخيلتها وهربت العبارات، وكأن الصدمة عقدت لسانها فجعلتها خرساء لا تقوى على النطق. تبلدت حواسها تماماً حتى إنها لم تعد تسمع مبررات أبيها التي أخذ يلقيها خلفها. تركت الصالة مغادرة بخطوات متخبطة، وتسللت إلى غرفتها حيث أطلقت لدموعها المحبوسة العنان. ارتمت على فراشها، ودمجت جسدها النحيل وهي تحتضن صورة والدتها الراحلة، تيكي بنشيج مزق صمت الغرفة حتى جفت الدموع في أحداقها، وغطت في نوم عميق هرباً من واقعها المرير. لم يوقظها من نومها الثقيل سوى هزات عنيفة من يد زوجة أبيها "سامية"، والتي كانت تقف فوق رأسها بملامح متوثبة قائلة بنبرة آمرة - اصحي يا ختي يلا، جهزي نفسك.. العريس والناس زمانهم على وصول، مش عاوزين فضايح. نهضت نور بجسد مجهد وروح مكسورة، توجهت إلى الحمام وغسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ النيران المشتعلة في صدرها. ارتدت فستاناً بسيطاً يضم أطرافها، كان مألوفاً لديها حتى بهتت ألوانه من كثرة الاستعمال، ثم وقفت تصفف شعرها الحريري لينسدل خلفها كالليل الحالك، مغطياً ظهرها في تموجات ساحرة لم تزدها إلا رقة. في تلك اللحظة، دلفت سامية مجدداً دون استئذان، وتطلعت إلى مظهر نور الزاهد، فقالت بتهكم وضيق - إيه ده؟ هتقابلي الناس كدة كأنك رايحة عزا؟ حطي لك شوية زينة في وشك ده عشان ينور.. الراجل يدخل يلاقي عروسة تفتح النفس. نظرت إليها نور بحزن عميق، وحبست دمعة حائرة كادت أن تخون كبرياءها، ثم رفعت رأسها برفض قاطع - مش هحط حاجة.. أنا هقابلهم كدة. لوت سامية فمها بسخرية وتمتمت وهي تتحرك نحو الباب - براحتك يا أختي.. أنا اللي غلطانة إني عاوزة مصلحتك وبتمنالك الخير. لمحت نور النفاق يشع من عينيها، فردت عليها بنبرة باردة متهكمة - عارفة.. عارفة كويس إنك عاوزة مصلحتي يا مرات أبويا. رمقتها سامية بنظرات حارقة تقطر غيظاً، ورددت في نفسها بحقد دفين - خلاص هانت وتغوري من هنا يا بومة.. إنتي اللي واقفة في سوق بناتي بجمالك ده، عاملة زي أمك زمان كانت واقفة في زورنا لحد ما غارت في داهية وخلصنا منها. خرجت سامية من الغرفة، فالتفتت نور إلى المرآة تطالع انعكاس وجهها. استجمعت شتات نفسها، وحاولت بث الثقة في روحها المرتجفة؛ فقد اتخذت قراراً باطنياً بأنها لن ترضخ لرغباتهم أبداً، فهذا مستقبليها وتلك حياتها ولن تتركهم يشكلونها كدمية. تنفست بعمق وتوجهت نحو المطبخ، أعدت القهوة بيديها وقدمتها على صينية صغيرة، ثم دلفت إلى الصالون بخطوات متزنة وهدوء مصطنع. جالت بعينيها في أرجاء الغرفة تبحث عن العريس الأربعيني فلم تجده، بل وجدت رجلاً مسناً يجلس بجوار والدها. تنهدت في سرها بارتياح شديد، وظنت أن العريس تخلف عن الحضور وأن هذا الشيخ هو والده الذي جاء ليعتذر، فرسمت ابتسامة رقيقة على وجهها وجلست بارتياح وهي ترتب في عقلها كلمات الرفض اللطيفة. ولكن، تبددت كل أوهامها وصعقت تماماً حين التفت إليها محمود وقال بنبرة جافة - سلمي على العريس يا نور.. الأستاذ توفيق.مع خيوط الصباح الأولى، التفت الأسرة كعادتها حول مائدة الإفطار، واتخذ كل فرد مكانه المعتاد في صمت. كان الجو مشحوناً وثقيلاً، وزاد من قتامته ذلك الوجه الغاضب الذي تكسوه ملامح الإرهاق الشديد؛ وجه آدم وعيناه المحتقنتان بأثر السهر. لم تمر به حالته هذه على والده "كمال"، الذي رمقه بنظرات ثاقبة ومتفحصة، نظرات يفهمها آدم جيداً ويحفظ مغزاها، مما جعله يشيح بعينيه بعيداً هرباً من تلك المواجهة الصامتة. دبّت حركة خفيفة في الأرجاء مع دخول "زينب" كعادتها منذ سنوات طويلة، تحمل أطباق الطعام وتضعها على السفرة بهدوء ووقار أضفى لمسة من السكينة المؤقتة. هز كمال رأسه لها شاكراً بأدب جم - تسلم إيدك يا زينب. بدأ الجميع في تناول إفطارهم، وتسلل الصمت القاتل مجدداً ليتسيد الموقف، فما كان من مالك ورحمة إلا أن يتبادلا نظرات ذات مغزى، يملؤها الضيق من هذا الجو الكئيب. ولأن مالك لا يطيق هذه الأجواء، تنحنح وقال بنبرة مرحة ومطاطة ليحطم بها الصمت - وحدووووووه التقطت رحمة الإشارة على الفور، وصفقت بكفها الآخر مكملة اللعبة بضحكة مكتومة - لا إله إلا الله توقفت حركة يد آدم، ورفع رأسه ببطء ليوجه إليهما نظرة صارمة كفيلة
انفصلت نور عن أحضان زينب ببطء، وتراجعت خطوة للخلف وهي تطأطئ رأسها. نظرت إليها بعينين حائرتين يغشاهما الخجل، وشبكت أصابعها بارتباك وهي تهمس بصوت متهدج - زمانك دلوقتي بتقولي عليا إيه؟ ندمتي إنك دخلتيني بيتك، صح؟ ترقرقت دمعة حائرة في عين زينب، ونظرت إلى وجه نور الشاحب بقلب يعتصره التأثر بعدما استمعت إلى حكايتها المريرة. اقتربت منها وبنبرة تقطر طيبة وأمومة قالت - ليه يا بنتي تقولى كده؟ إنتي آه غلطتي، والغلط مفيش فيه كلام.. بس إنتي برضه ضحية. ملقتيش اللي ياخد بإيدك، ولا اللي يوجهك ويعرفك الصح من الغلط في الوقت اللي كنتِ محتاجة فيه سند. مسحت زينب طرف عينها بطرف شالها وتابعت وعيناها تثبتان في عيني نور - بس ده درس يا نور، درس هيفضل محفور في قلبك طول عمرك.. إياكِ تثقي في حد تاني بالسهولة دي، ولازم تحسبي الخطوة وتفكري في عواقبها مية مرة قبل ما تخطيها. هزت نور رأسها بإيجاب مرير، والدموع تنحدر على وجنتيها - عندك حق.. عندك حق في كل كلمة فعلاً. امتدت يد زينب الحانية لتربت على ظهرها، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة دافئة تحمل كل معاني الاحتواء، ثم جذبتها إليها مرة أخرى وضمتها لصدورها وهي تسألها به
وضعت نور اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام المتواضعة، وجلست تشارك "ماما زينب" زادها البريء. تناولت طعامها بهدوء، ثم نهضت لتعد كوبين من الشاي الساخن بالنعناع، وعادت لتجلس بجوار العجوز التي كانت تطالعها بعينين تفيضان بألف سؤال وسؤال. ورغم فضول الأمومة الفطري، إلا أن زينب آثرت الصمت، تاركة لنور المساحة والوقت لتتحدث حين تشاء وتكشف ما تشاء.ترجمت نور تلك النظرات الحانية، فارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة مغلفة بحزن دفين، بينما التمعت الدموع في عينيها الفيروزيتين كحبات لؤلؤ أوشكت على السقوط، وقالت بنبرة مخنوقة:— أكيد حضرتك عاوزة تعرفي أنا إيه اللي جابني هنا.. وإيه اللي رماني الرمية دي في وقت زي ده؟امتدت يد زينب الخشنة لتربت على ظهر الفتاة بنعومة تفيض حناناً، وقالت بصوت دافئ:— لو عاوزة تحكي يا بنتي وتفضفضي أنا سمعاكي وقاعدالك، ولو مش عاوزة ومش قادرة.. فده مش هيغير أي حاجة واصلي؛ بيتي هيفضل مفتوح ليكي، وسرك في بير.نظرت إليها نور بنظرات غمرها الاطمئنان، ولأول مرة منذ رحيلها تشعر بأرض صلبة تقف عليها، فقالت بثقة تولدت من رحم الانكسار:— هحكيلك.. هحكيلك عشان حسيت منك بحنان لأول مرة في حياتي كل
ولج آدم إلى مبنى شركته الفارهة بهيبته الرجولية الطاغية، فخطواته الواثقة المدروسة وجسده الرياضي الممشوق كانا كفيلين ببث حالة من الاستنفار الصامت في أرجاء المكان. كانت ملامحه الجادة الخالية من التعبير تشع صرامة حادة، تجبر الجميع على الالتفات إليه بتقدير ممزوج بالوجل. اصطف الموظفون على جانبي الممر يلقون عليه تحية الصباح بإجلال، فكان يردها بإيماءة خفيفة وكبرياء صامت لا يخدش وقاره. تابع سيره حتى وصل إلى مكتب السكرتيرة التي انتفضت واجفة فور لمحه، ووقفت في رعب ورهبة حاولت جاهدة مداراتهما خلف ملامحها المهنية، ثم بدأت تملي عليه جدول أعمال اليوم بنبرة متحشرجة مرتجفة. أشار لها بيده إشارة خاطفة لتتوقف، ثم تركها ودلف إلى داخل مكتبه الخاص الفسيح، دون أن يتفوه بكلمة واحدة. وما إن انغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه وعزل صخب الشركة بالخارج، حتى تلاشت تلك الصلابة المصطنعة وتهاوت حصونه. ارتمى بجسده المنهك على مقعده الجلدي الوثير، وأسند رأسه إلى الخلف مغمضاً عينيه بعمق. زفر زفرة حارقة خرجت من جوف صدره الضائق، وربت على جبهته وهو يردد بصوت خافت يقطر مرارة وأسى - هيفضل شبح الماضي يطاردني طول عمري؟ مش هعتق م
في بقعة هادئة وراقية، شيدت فيلا ضخمة تتحدث واجهتها عن الثراء الفاحش، بينما يفوح من داخلها عبق الفخامة الكلاسيكية. قُسم الطابق السفلي ببراعة ليضم غرفة مكتب فارهة بجدران خشبية، وصالوناً واسعاً، وغرفة سفرة ممتدة، يطلان جميعاً على تراس فسيح يمتص خيوط الصباح الأولى. أما الطابق العلوي، فقد احتوى على الأجنحة وغرف النوم التي تباينت ديكوراتها وألوانها لتعكس اختلاف أذواق قاطنيها.على رأس مائدة الإفطار، كان يجلس كمال؛ رجل في العقد الخامس من عمره، ذو بشرة قمحية، وقامة ممشوقة طويلة، وعينين عسليتين حادتين. كانت ملامحه تميل إلى القسوة، وقد حفرت التكشيرة الدائمة خطوطاً خفيفة من التجاعيد حول جبهته وعينيه، غير أن أكثر ما يميزه هو ذلك الحزن الدفين الكامن في حدقتيه، والذي لا يتلاشى حتى وإن زارت الابتسامة شفتيه.تربّع كمال في مواجهة المائدة، بينما جلس ابنه الأكبر آدم على يمنته، يقابله من الناحية الأخرى التوأم "مالك" ورحمة. كان آدم غارقاً في تصفح جريدته الصباحية بملامح جامدة، في حين انهمك التوأم في تبادل همسات سريعة وضحكات مكتومة، ضاق بها صدر الأب، فهتف بهما بنبرة غاضبة حاسمة- بطلوا ودودة على الصبح.. مش ع
سقط محمود على المقعد كالجثة الهامدة، ووضع رأسه بين يديه وهو يئن بألم وحزن حقيقي تغلغل في نبرته- نور هربت.. سابت البيت وهربت يا ساميةفي تلك اللحظة، انطلقت صرخة مدوية من فم سامية، ولطمت خديها بعنف وعويل مصطنع هز أركان المكانيا لهوي يا خرابي... يا فضيحتنا وسط الناس! شفت.. شفت أهو ده آخر دلعك فيها ووقوفك في صفها... البت فصحتنا وهربتانتفض نادر من مكانه كالملسوع، وعيناه تشعان شرراً وهو يرمق زوجة أبيه بنظرات حارقة، فلم يعد يحتمل هذا السيل من الافتراء المسموم. هتف بها بصوت هادر زلزل أركان الغرفة-؛ هي مين دي اللي اتدلعت؟ ليه ماتقوليش نور هربت من قسوتكم ومعاملتكم ليها... هربت من العريس اللي إنتي نفسك لو لفوا الدنيا حواليكي مش هترضي بيه لنفسك ولا لبناتكتراجعت سامية خطوة للخلف، وتبدلت ملامحها إلى مزيج من الغيظ والذهول من جراءة نادر، فصاحت به بنبرة حادة وصوت مرتفع-؛ أنت بتكلمني أنا كدة يا نادر؟ بعد كل اللي عملته عشانكم وبقيت راجل طول بعرض جايبلي قلة القيمة؟ مش كفاية الفضيحة والمصيبة اللي عملتها أختك، وكمان جاي تتشطر عليا وتتكلم؟- بسسسس.. كفاية أنتوا الاتنينانطلق صوت محمود كالقذيفة، صرخة







