Home / الرومانسية / نور الآدم / البارت الثانى

Share

البارت الثانى

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-24 02:34:25

دبّت الحركة في أرجاء المطبخ وهي تطهو الطعام بأنامل مرتجفة، ثم حملت الأطباق وتوجهت صوب مائدة الغداء. وضعت الصحون بهدوء، ووقفت لثوانٍ تتأمل المشهد؛ كانت علامات الانسجام والود طاغية بين أبيها وزوجته، يتبادلان الضحكات وتلمع في عيني والدها نظرات حنونة غريبة عنها. انقبض قلبها وتساءلت في مرارة: "ليه هو معاها بيضحك وحنين كدة، ومعايا أنا قاسي وجاف؟" حاولت جاهدة أن تنبش في دفاتر ذاكرتها عن المرات التي ابتسم فيها في وجهها، فلم تجد سوى مرات قليلة تكاد تُعد على أصابع اليد الواحدة.

-؛ ما علينا.. مش جديد عليه.

همست لنفسها بتلك العبارة التي تواسي بها قلبها دائماً، فقد اعتادت قسوته وشراسة زوجة أبيه. جلست على طرف مقعدها تتناول طعامها بصمت، وسط أجواء عائلية صاخبة بالحديث.. حديث يتبادله الجميع بحميمية، بينما تقبع هي في ركنها كالغريبة؛ تستمع إليهم فقط دون مشاركة، كأنها تشاهد برنامجاً تلفزيونياً حوارياً لا ناقة لها فيه ولا جمل.

لكن ذلك الحوار الهادئ لم يدم طويلاً، إذ انتهى بكارثة سمعية زلزلت كيانها، حين التفت محمود نحوها فجأة وألقى بأمرٍ صارم

- جهزي نفسك بالليل يا نور.. جايلك عريس، وأنا قعدت مع الراجل وشكله شاري ومش هيكلفني حاجة، هياخدك ويسافر بيكي على السعودية علطول.

سقطت الكلمات على مسامعها كالصاعقة. شعرت نور في تلك اللحظة وكأنها حِمل ثقيل يتوق أبوها للتخلص منه، أو سلعة رخيصة يتاجر بها في سوق الزواج. لم يمهلها حتى وقتاً للاستيعاب أو الاعتراض، بل عاد ليتناول طعامه وكأن الأمر لا يعنيها. في تلك الأثناء، التقت عيناها بعيني سامية التي كانت تنظر إليها بشماتة مسمومة؛ فسامية لم تكن تفاجأ بالخبر، بل هي من خططت له ورتبت خيوطه من خلف ظهر محمود، فالعريس من طرفها ومحسوب عليها. وما كان يضاعف نشوة الانتصار في قلب سامية، أن ذلك الرجل قد تخطى الأربعين من عمره، لكن الفارق السني لم يكن يهمها في شيء؛ فكل أملها يتلخص في إخراج نور من البيت أولاً، لتتفرغ بعدها لأخيها نادر، فيصفو لها وبناتها الجو تماماً.

ابتلعت نور غصتها، ونظرت إلى والدها بعينين تلمعان بحزن انكسر له قلبها. نهضت في صمت، وجمعت الأطباق متجهة إلى المطبخ. بدأت تنظف الصحون بآلية وجسد مجهد، والدموع تحرق جفنيها، ثم صنعت فنجان القهوة المفضل لأبيها كما اعتادت كل يوم.

خرجت وتحاملت على ركبتيها حتى وقفت أمامه، ومدت يدها بالفنجان وهي تحاول استجماع شجاعتها، وسألته بنبرة متحشرجة

- بابا.. هو أنت تعرف العريس ده كويس؟

صمتت لثانية، ثم تابعت بتردد وخوف ينهش صدرها

- يعني.. إيه اللي يخليه يوافق ياخدني كدة من غير ما يكلفك حاجة؟ وكمان هسافر معاه لبلد تانية بعيد عنكم.. أنا خايفة يا بابا، خايفة بجد.

ارتشف محمود رشفة بطيئة من فنجان القهوة الساخن، ثم وضعه على الطاولة الصغيرة بجواره، وظل صامتاً للحظات يحدق في الفراغ، باحثاً في عقله عن ردٍ يداري به ما يرتكبه في حقها. كان يعلم في أعماق نفسه أنه يرمي ابنته في المجهول، لكن رغبته في التخلص من ذلك العبء النفسي والشجار اليومي المرير كانت أقوى؛ فهو يدرك جيداً غيرة زوجته الشديدة من نور، وقد أنهكه الحمل والوقوف دائماً في المنتصف، فلم يجد حلاً سوى إرضاء سامية على حساب تلك المسكينة. كان يبرر لنفسه واهماً أن زواجها ورحيلها بعيداً أفضل بكثير من بقائها تحت رحمة خالتها.

بعد صمت طويل بدا لنور كأنه دهر، رفع عينه إليها وأجاب بنبرة حاول جعلها تبدو طبيعية ومقنعة

- آه طبعاً عارفه يا نور.. الراجل ابن حلال وكويس وعاوز يستقر، بس عشان شغله كله في السعودية فهو عاوز عروسة من مصر تسافر معاه، وبيقول مفيش داعي يكلف نفسه شقة هنا في المنصورة ويدفع دم قلبه فيها ويقفلها عالفاضي.. كلامه موزون واريح لينا وله.

نظرت إليه نور طويلاً، وشعرت بقلبها ينقبض؛ فطريقة كلامه المترددة ونبرته المدافعة بشكل مبالغ فيه أكدت لها أن هناك خطباً ما، فهي تحفظ تعبيرات أبيها جيدا وتعرف متى يهرب بعينيه منها. تحاملت على خوفها وطرحت عليه سؤالاً آخر وهي تحبس أنفاسها

- طب يا بابا.. هو عنده كام سنة؟ وشغال إيه بالظبط هناك؟

تجرّع محمود ما تبقى من فنجان قهوته دفعة واحدة، هرباً من الإجابة التي كانت تثقل لسانه. صمت لبرهة بأعين زائغة وفكر شارد، يتجنب التقاء نظراته بنظراتها الفيروزية المستكشفة. وحين طال صمته، أعادت نور عليه السؤال بنبرة أكثر إلحاحاً وترقباً، ليزفر بضيق ويجيبها أخيراً

- شغال في مطعم كبير هناك.. وتقريباً كدة، عنده بتاع أربعين سنة.

انتفضت نور واقفة في مكانها، وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تنظر لأبيها بذهول وصدمة زلزلت كيانها، بينما التمعت الدموع في عينيها لتغسل ما تبقى من أمل. همست بصوت مخنوق كسرته الخيبة

- أربعين سنة؟ وشغال في مطعم؟ ألهدرجة أنا حمل تقيل عليك يا بابا؟ للدرجة دى مستخسر فيا حتى تسأل عن الراجل وتختارلي صح؟ للدرجة دي عاوز تتخلص مني؟

لم تجد بعد ذلك كلمات تسعفها؛ تلاشت الحروف من مخيلتها وهربت العبارات، وكأن الصدمة عقدت لسانها فجعلتها خرساء لا تقوى على النطق. تبلدت حواسها تماماً حتى إنها لم تعد تسمع مبررات أبيها التي أخذ يلقيها خلفها. تركت الصالة مغادرة بخطوات متخبطة، وتسللت إلى غرفتها حيث أطلقت لدموعها المحبوسة العنان.

ارتمت على فراشها، ودمجت جسدها النحيل وهي تحتضن صورة والدتها الراحلة، تيكي بنشيج مزق صمت الغرفة حتى جفت الدموع في أحداقها، وغطت في نوم عميق هرباً من واقعها المرير.

لم يوقظها من نومها الثقيل سوى هزات عنيفة من يد زوجة أبيها "سامية"، والتي كانت تقف فوق رأسها بملامح متوثبة قائلة بنبرة آمرة

- اصحي يا ختي يلا، جهزي نفسك.. العريس والناس زمانهم على وصول، مش عاوزين فضايح.

نهضت نور بجسد مجهد وروح مكسورة، توجهت إلى الحمام وغسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ النيران المشتعلة في صدرها. ارتدت فستاناً بسيطاً يضم أطرافها، كان مألوفاً لديها حتى بهتت ألوانه من كثرة الاستعمال، ثم وقفت تصفف شعرها الحريري لينسدل خلفها كالليل الحالك، مغطياً ظهرها في تموجات ساحرة لم تزدها إلا رقة.

في تلك اللحظة، دلفت سامية مجدداً دون استئذان، وتطلعت إلى مظهر نور الزاهد، فقالت بتهكم وضيق

- إيه ده؟ هتقابلي الناس كدة كأنك رايحة عزا؟ حطي لك شوية زينة في وشك ده عشان ينور.. الراجل يدخل يلاقي عروسة تفتح النفس.

نظرت إليها نور بحزن عميق، وحبست دمعة حائرة كادت أن تخون كبرياءها، ثم رفعت رأسها برفض قاطع

- مش هحط حاجة.. أنا هقابلهم كدة.

لوت سامية فمها بسخرية وتمتمت وهي تتحرك نحو الباب

- براحتك يا أختي.. أنا اللي غلطانة إني عاوزة مصلحتك وبتمنالك الخير.

لمحت نور النفاق يشع من عينيها، فردت عليها بنبرة باردة متهكمة

- عارفة.. عارفة كويس إنك عاوزة مصلحتي يا مرات أبويا.

رمقتها سامية بنظرات حارقة تقطر غيظاً، ورددت في نفسها بحقد دفين

- خلاص هانت وتغوري من هنا يا بومة.. إنتي اللي واقفة في سوق بناتي بجمالك ده، عاملة زي أمك زمان كانت واقفة في زورنا لحد ما غارت في داهية وخلصنا منها.

خرجت سامية من الغرفة، فالتفتت نور إلى المرآة تطالع انعكاس وجهها. استجمعت شتات نفسها، وحاولت بث الثقة في روحها المرتجفة؛ فقد اتخذت قراراً باطنياً بأنها لن ترضخ لرغباتهم أبداً، فهذا مستقبليها وتلك حياتها ولن تتركهم يشكلونها كدمية.

تنفست بعمق وتوجهت نحو المطبخ، أعدت القهوة بيديها وقدمتها على صينية صغيرة، ثم دلفت إلى الصالون بخطوات متزنة وهدوء مصطنع. جالت بعينيها في أرجاء الغرفة تبحث عن العريس الأربعيني فلم تجده، بل وجدت رجلاً مسناً يجلس بجوار والدها. تنهدت في سرها بارتياح شديد، وظنت أن العريس تخلف عن الحضور وأن هذا الشيخ هو والده الذي جاء ليعتذر، فرسمت ابتسامة رقيقة على وجهها وجلست بارتياح وهي ترتب في عقلها كلمات الرفض اللطيفة.

ولكن، تبددت كل أوهامها وصعقت تماماً حين التفت إليها محمود وقال بنبرة جافة

- سلمي على العريس يا نور.. الأستاذ توفيق.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نور الآدم    96

    دلفت نور إلى داخل استراحتها الخاصة، والصمت يلف أرجاء المكان من حولها. توجهت نحو المطبخ بخطوات متباطئة وأعدت بعض الشطائر البسيطة مع كوب من الشاي الدافئ، ثم جلست تتناول طعامها بهدوء؛ لم تكن تأكل لشهية أو رغبة في الطعام، بل كانت تأكل فقط لتسد جوع جسدها المنهك. في تلك الأثناء، استسلم عقلها لدوامة قاسية من الأفكار الحائرة، وتساءلت في سرها بمرارة... ما هي نهاية هذا الطريق الذي أسير فيه؟ شعور ثقيل ينهش صدرها بأنها أصبحت عالة على كرم هذه العائلة ونبلها، وتملكها خجل جارف يمنعها تماماً من فتح موضوع دفع إيجار الاستراحة مع كمال بيه، لعلمها بأنه سيرفض بصرامة أبوتّه المعهودة. وبعد طول تفكير، حسمت أمرها وقررت في سرها أنه بمجرد أن تتقاضى راتبها الأول من الشركة، ستترك منه جزءاً تضعه في مغلف مغلق كعوض رمزي مقابل سكنها، لتسترد جزءاً من كبريائها الجريح. قطع هذه السلسلة من الأفكار المفرطة طرقات مرحة، خفيفة ومتلاحقة على باب الاستراحة. تقدمت نور وفتحت الباب لتجد رحمة تقف أمامها بابتسامتها المشرقة، فتهلل وجه نور ورحبت بها بحفاوة بالغة أزاحت عنها ضيق الوحدة. جلست الفتاتان معاً، وراحت رحمة تثرثر بعفوية وتن

  • نور الآدم    95

    انقضى ذلك اليوم العصيب في الشركة متأرجحاً ما بين غضب آدم الثائر تارة، وحنانه المباغت الدافئ تارة أخرى؛ تقلبات مزاجية حادة جعلت نور في حالة من الدهشة والذهول المستمر، عاجزة عن فهم هذا الرجل الذي يمنحها الدفء والأمان في لحظة، ثم يمطيرها بـوابل من الغضب العارم في اللحظة التالية. أطلقت نور تنهيدة حارة من أعماق صدرها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن تقلباته لا تهمها في شيء، وأنها مجرد موظفة تؤدي عملها، وراحت تنهك جسدها ونفسها في التدقيق بالمعاملات لـتهرب من التفكير فيه، شاغلة عقلها بـشقيقتيها وزفاف نها المرتقب. أما آدم، فبالرغم من أن يومه كان ممتلئاً عن آخره بـالاجتماعات والمناقصات المصيرية، إلا أنه لم يسلم من قيدها؛ فبين الحين والآخر، كانت تجتاحه تلك الخفقة الزائدة في منتصف صدره، نبضة متمردة تنبهه بـعنفوان إلى وجودها القابع في أعماق قلبه، فـيطلق تنهيدة عميقة، طويلة، يكاد لهيبها الحارق يشعل الأوراق المبعثرة أمامه. وفي نهاية الدوام، دلف كريم إلى المكتب، وجلس يحاول بـذكاء استدراجه في الحديث لـعله يجد منفذاً يفضفض فيه آدم عما يكتنزه بـداخله. لكن آدم—الذي اعتاد الكتمان والصلابة كـدرع يحميه من ا

  • نور الآدم    94

    استيقظ آدم من نومه مع تباشير الصباح الأولى، وعادت لتدب في جسده تلك الحيوية الطاغية والنشاط غير المعتاد. بمجرد أن فتح عينيه، قفز إلى ذهنه خاطر دافئ أضاء ثنايا روحه.... اليوم سيتناول إفطاره مع نور، ستكون شريكته في الصباح والمساء.نهض بـلهفة، وأبدل ثيابه بـأناقته المعهودة، ونزل درجات السلم الرخامي وهو يطلق ذلك الصفير المرح الذي بات يعلن عن قلبٍ تذوق طعم الفرح مجدداً. دلف إلى غرفة الطعام ليجد والده كمال بيه يجلس على رأس المائدة، يرتشف قهوته وينتظره حتى يتناولا وجبة الإفطار معاً.ألقى آدم تحية الصباح بـنبرة صوته الرخيمة، المشرقة، وجلس في مكانه المعتاد على يمين والده. كان المقعدان المقابلان له فارغين تماماً، حيث يغط كل من مالك ورحمة في نوم عميق، مستمتعين بـأول أيام الإجازة الصيفية بعد ماراثون امتحانات طويل شقّ عليهما.تطلع آدم نحو المقعد الشاغر بجوار رحمة، وتمنى في سريرته أن تطل نور في أي لحظة. مرت الدقائق ولم تأتِ، فأخرج هاتفه من جيب سترته بـنفاد صبر، وضغط على رقمها لـيهاتفها ويستعجل حضورها لتناول الإفطار معهم قبل الذهاب للشركة.استمع إلى رنين الهاتف حتى أتاه صوتها من الطرف الآخر، وما إن س

  • نور الآدم    93

    مرت حوالي نصف الساعة ونها غارقة في أوجاعها، حتى قطع سكون البيت رنين هاتف نادر. التفت إلى الشاشة ليجد اسم ياسر يزينها، فأجاب مستغربًا، ليطلب منه ياسر بلهجة مقتضبة النزول إلى أسفل البناية لبضع ثوانٍ.نزل نادر على مضض والضيق يملأ صدره من تصرف نسيبه المستقبلي، ولكنه ما إن وصل إلى الشارع واقترب من سيارة ياسر، حتى تجمدت الكلمات في حلقه؛ وجد ياسر يقف بوقار ممسكًا في يده باقة فخمة ومنسقة من الورود الطبيعية ذات الرائحة النفاذة، وبجوارها علبة أنيقة من الشوكولاتة الفاخرة.مد ياسر يده بالهدايا نحو نادر، وقال بابتسامة هادئة حملت الكثير من المعاني- معلش يا نادر نزلتك.. خد الحاجة دي اديها لـنها، وقولها ألف سلامة عليكي.وقبل أن يستوعب نادر الصدمة أو ينطق بكلمة شكر، كان ياسر قد استأذن وركب سيارته وانطلق في عتمة الليل. تعجب نادر لأمره بشدة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة بعد أن فهم أن الرجل لم يكن جافيًا، بل أراد منح خطيبته خصوصيتها في مرضها مع ترك أثر طيب يليق به؛ وفرح بهذه الخطوة الذكية التي ستجبر خاطر شقيقته المنكسر.صعد نادر الدرج مسرعًا بخطوات متلاحقة، ودلف مباشرة إلى غرفة نها التي بادرت بـالتظا

  • نور الآدم    92

    وصلا إلى الفيلا الفخمة، والتفتت إليه نور تسأله بـحرج - مستر آدم.. هي فين الاستراحة اللي هقعد فيها؟ عشان أودي حاجتي علطول. لم يجبها آدم، ولم يمنحها أدنى استعداد لـلمجادلة أو النقاش في تلك اللحظة؛ فـهو يخشى بـصدق لحظة انهيار عاطفي يفقد فيها ثباته ويعترف لها بكل شيء. اكتفى بـنبرة حازمة - ادخلي الفيلا الأول يا نور.. لحد ما أتاكد إنهم خلصوا تجهيزها وتنظيفها. وما إن دلفت من الباب، حتى تلاشت غيوم الصمت؛ إذ هرولت نحوها رحمة بـشقاوة طفولية عارمة، وطوقت عنقها بـأحضان حارة قائلة بـإنتصار - نور.... مش مصدقة... كل الأسئلة والنقاط اللي راجعتيها معايا امبارح بالليل جتلي النهاردة في الامتحان بالظبط أنا حليت ابتسمت نور من أعماق قلبها بـحب، وقبّلت وجنتها بـسعادة مفرطة على هذا الإنجاز، فـأردفت رحمة بـفرحة - واليوم كان آخر يوم في الامتحانات خلاص، يعني أنا من اللحظة دي انا فاضية ليكي تماماً يا قمر شدتها رحمة من يدها لـتصعد بها الدرج، لكن نور اعتذرت بـرقة - استني يا رحمة، مش هينفع.. أنا ورايا مهمة تانية خالص، لازم أروح أشوف الاستراحة وأرتب حاجتي فيه. في تلك الأثناء، أقبل عليهما كمال بيه بـوجهه ا

  • نور الآدم    91

    في ساحة جامعة المنصورة، كان الصخب يملأ الأرجاء، ممزوجاً بـأنفاس الراحة والترقب؛ فـاليوم هو الطوق الأخير، والورقة الأخيرة في ماراثون اختبارات نهاية العام. وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان صفحات المذكرة بـآلية، لكن عقل نادر لم يكن يرى الحروف؛ بل كان غارقاً في تفاصيل وجهها، يتأملها بـألمٍ صامت غلف نظراته بـمسحة من الوجع الخفي. كان صدره يغلي بـتساؤلات المجهول المرعب... اليوم تنتهي اللقاءات الرسمية تحت مظلة الجامعة، فماذا يخبئ لهما الغد؟ هل ستظل إسراء متمسكة بـعهودهما أمام أمواج الحياة العاتية، أم ستستسلم في النهاية لتيار خالد وثروته وتتركه وحيداً على ضفاف الخيبة؟ لمح حدس إسراء الأنثوي تلك الغيمة السوداء التي احتلت عينيه، فـأغلقت المذكرة فجأة، والتفتت إليه تسأله بـنبرة حانية يملؤها القلق - مالك يا نادر؟ اتغيرت فجأة ليه تنهد نادر بـمرارة، وخرج صوته مبحوحاً ومشحوناً بـالخوف الذي ينهش ضلوعه - مرعوب يا إسراء.. مرعوب من فكرة الفراق. الامتحانات خلصت، والوقت اللي كان بيجمعنا انتهى.. وخايف المجهول يبعدك عني. صمتت إسراء لـلحظات ثقيلة، وتصلبت ملامحها الرقيقة، ثم صوّبت نحوه نظرة حادة امتزج فيها ال

  • نور الآدم    البارت التاسع

    انفصلت نور عن أحضان زينب ببطء، وتراجعت خطوة للخلف وهي تطأطئ رأسها. نظرت إليها بعينين حائرتين يغشاهما الخجل، وشبكت أصابعها بارتباك وهي تهمس بصوت متهدج - زمانك دلوقتي بتقولي عليا إيه؟ ندمتي إنك دخلتيني بيتك، صح؟ ترقرقت دمعة حائرة في عين زينب، ونظرت إلى وجه نور الشاحب بقلب يعتصره التأثر بعدما استمعت

  • نور الآدم    البارت الثامن

    وضعت نور اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام المتواضعة، وجلست تشارك "ماما زينب" زادها البريء. تناولت طعامها بهدوء، ثم نهضت لتعد كوبين من الشاي الساخن بالنعناع، وعادت لتجلس بجوار العجوز التي كانت تطالعها بعينين تفيضان بألف سؤال وسؤال. ورغم فضول الأمومة الفطري، إلا أن زينب آثرت الصمت، تاركة لنور المساحة

  • نور الآدم    البارت السابع

    ولج آدم إلى مبنى شركته الفارهة بهيبته الرجولية الطاغية، فخطواته الواثقة المدروسة وجسده الرياضي الممشوق كانا كفيلين ببث حالة من الاستنفار الصامت في أرجاء المكان. كانت ملامحه الجادة الخالية من التعبير تشع صرامة حادة، تجبر الجميع على الالتفات إليه بتقدير ممزوج بالوجل. اصطف الموظفون على جانبي الممر يل

  • نور الآدم    البارت السادس

    في بقعة هادئة وراقية، شيدت فيلا ضخمة تتحدث واجهتها عن الثراء الفاحش، بينما يفوح من داخلها عبق الفخامة الكلاسيكية. قُسم الطابق السفلي ببراعة ليضم غرفة مكتب فارهة بجدران خشبية، وصالوناً واسعاً، وغرفة سفرة ممتدة، يطلان جميعاً على تراس فسيح يمتص خيوط الصباح الأولى. أما الطابق العلوي، فقد احتوى على الأج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status