Home / الرومانسية / نور الآدم / البارت السابع

Share

البارت السابع

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-03 19:28:18

ولج آدم إلى مبنى شركته الفارهة بهيبته الرجولية الطاغية، فخطواته الواثقة المدروسة وجسده الرياضي الممشوق كانا كفيلين ببث حالة من الاستنفار الصامت في أرجاء المكان. كانت ملامحه الجادة الخالية من التعبير تشع صرامة حادة، تجبر الجميع على الالتفات إليه بتقدير ممزوج بالوجل.

اصطف الموظفون على جانبي الممر يلقون عليه تحية الصباح بإجلال، فكان يردها بإيماءة خفيفة وكبرياء صامت لا يخدش وقاره. تابع سيره حتى وصل إلى مكتب السكرتيرة التي انتفضت واجفة فور لمحه، ووقفت في رعب ورهبة حاولت جاهدة مداراتهما خلف ملامحها المهنية، ثم بدأت تملي عليه جدول أعمال اليوم بنبرة متحشرجة مرتجفة.

أشار لها بيده إشارة خاطفة لتتوقف، ثم تركها ودلف إلى داخل مكتبه الخاص الفسيح، دون أن يتفوه بكلمة واحدة.

وما إن انغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه وعزل صخب الشركة بالخارج، حتى تلاشت تلك الصلابة المصطنعة وتهاوت حصونه. ارتمى بجسده المنهك على مقعده الجلدي الوثير، وأسند رأسه إلى الخلف مغمضاً عينيه بعمق. زفر زفرة حارقة خرجت من جوف صدره الضائق، وربت على جبهته وهو يردد بصوت خافت يقطر مرارة وأسى

- هيفضل شبح الماضي يطاردني طول عمري؟ مش هعتق منه أبداً؟

✨✨✨✨✨✨✨✨

فتحت نور عينيها الفيروزيتين وتلفتت حولها بذعر مؤقت؛ كان المكان غريباً، وجدرانه غارقة في الرطوبة، لكن ما إن استعادت وعيها كاملًا حتى تذكرت تفاصيل الأمس. تذكرت تلك السيدة العجوز الطيبة التي فتحت لها باب بيتها دون أن تسألها عن هويتها أو تطلب دليلاً على برائتها، لتجد فيها طيف حنان الأم المفقود الذي طالما تمنت أن ترتمي في أحضانه.

تنهدت بعمق وتمطت بجسدها المنهك، ثم نهضت متجهة صوب الحمام وغسلت وجهها بالماء البارد لعله يطرد ما تبقى من غيوم النوم. خرجت محاولةً إشغال نفسها، فبدأت تتجول في الشقة باحثة عن شيء ترتبه، لكنها وجدتها منظمة ومرتبة بعناية رغم بساطتها الشديدة. توجهت إلى المطبخ وأعدت لنفسها كوباً من الشاي الساخن، وجلست تتناول بعض اللقيمات الصغيرة مع قطعة جبن، بينما كانت الأسئلة تنهش عقلها دون رحمة

- هل هفضل كدة قاعدة حمل تقيل على الست العجوز دي؟ ولا أرجع لأبويا وأتحمل نتيجة اللي عملته؟

وما إن لاح طيف المنصورة في بالها، حتى تذكرت ذلك الندل الخسيس الذي تحدت الدنيا وهربت من أجله، لتكتشف في النهاية مدى حقارته ودناءته، فاستعاذت بالله وغص حلقها بمرارة الخديعة.

بعد قليل، سمعت صوت قعقعة مفاتيح يتردد عند الباب الخارجي. انقبض قلبها برعب وتصلب جسدها لثوانٍ، لكن سرعان ما عادت إليها السكينة حين انفتح الباب ودلفت السيدة زينب وهي تحمل بيديها المرتجفتين بعض الأكياس الثقيلة.

ارتسمت ابتسامه دافئة على وجه زينب المرهق، وقالت بنبرة تفيض حناناً

- صباح الخير يا حبيبتي.. عاملة إيه الوقتي؟ إن شاء الله تكوني ارتحتي ونمتي كويس.

أسرعت نور نحوها وخففت عنها الحمل، والتقطت الأكياس من يدها قائلة بابتسامه رقيقة

- الحمد لله يا طنط، أنا أحسن بكتير.. لسه صاحية من شوية صغيرين.

توجهت السيدة زينب نحو الأريكة المتهالكة، وجلست عليها بإعياء وهي تلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم نظرت إلى الأكياس في يد نور وقالت بنبرة رجاء دافئة

- حضري لنا بقى لقمة ناكلها سوا يا بنتي، عشان نقعد بعدها بمزاج ونشرب كوبايتين شاي معتبرين.. وتحكي لي حكايتك، ده لو حابة يعني ومش هضايقك.. يمكن يا ضنايا أقدر أساعدك في ضيقتك دي.

تطلعت إليها نور بعينين لامعتين بالإمتنان العميق أمام هذه الطيبة الفطرية التي ندر وجودها، وأجابت بابتسامة هادئة هزت بها رأسها

- حاضر من عينيا، هحضر الأكل علطول.

بادتها العجوز الابتسامة، وقالت بعفوية وهي تضرب جبهتها بخفة

- ياه.. كل ده وفاتني ومعرفتش اسمك إيه لحد دلوقتي

توقفت نور على عتبة المطبخ، والتفتت إليها قائلة بابتسامة ناصعة زادت وجهها جمالاً

- اسمي نور.

تأملت السيدة زينب ملامح الفتاة الصافية، وشعرت في أعماق قلبها بأن هذا الاسم لم يأتِ من فراغ، بل هي فعلاً النور الذي سيضيء عالمها المظلم وبيتأ الموحش، فقالت بفرحة صادقة غمرت صوتها

- عاشت الأسامي يا نور.. اسم على مسمى يا بنتي. أنا بقى من هنا ورايح تقولي لي يا ماما زينب.. يلا يا نور عيني، حضري الأكل وتعالي قوام.

✨✨✨✨✨✨✨

شعر نادر بدمائه تغلي في عروقه، وتلاقت نظراته بنظرات والده التي كانت تحمل رجاءً حاراً يطالبه بإنهاء هذا الشك الصامت. زفر زفرة حانقة ونهض بخطوات مشحونة بالغضب نحو حاسوب نور المحمول القابع على الطاولة الجانبية. فتحه بعنف، وأصابعه تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة غاصت معها دقات قلبه في المجهول؛ لم يكن خائفاً من أخت هربت لتصون كرامتها، بل كان يرتعد خوفاً من أن يجد دليلاً يثبت ادعاءات تلك الأفاعي المحيطة به.

ساد صمت خانق في الصالة، وتعلقت العيون بالشاشة المضيئة كأنها خشبة مسرح ينتظر الجميع ان الستار عنها. انفتحت الصفحة الشخصية لنور، وتقدمت سامية بخطوات ثعلبية تمد عنقها برغبة عارمة في القنص، تتبعها ندى التي لمعت عيناها بانتصار مسبق.

- وريني بقى.. ادخل على الرسائل علطول يا سي نادر.

نطقت سامية بعبارتها تلك بنبرة لزجة حثته على التحرك. نقر نادر على أيقونة الرسائل، لتظهر قائمة من المحادثات البسيطة مع زميلات دراستها، حتى تعثرت عيناه باسم واحد غريب.. سامح.

انقبضت أسارير نادر، بينما شهقت ندى بابتسامة خبيثة وصاحت

- أهو... مش قولتلكوا؟ مفيش حد بيسيب بيته ويطفش كدة من غير ترتيب... افتح المحادثة دي يابابا وشوف الهانم مشييت مع مين

ضغط نادر على الاسم مرغماً، وبدأت الحروف تتدفق أمام الأعين الأربعة. ساد وجوم رهيب وامتصت الصدمة أصوات الجميع؛ كانت الرسائل تفيض بعبارات الغزل والوعود الوردية بالزواج، والهروب من الجحيم الذي تعيشه، حتى دلفوا إلى رسائل الأمس واليوم.. الرسائل التي تطلب فيها نور اللقاء في إمبابة والوعود التي قطعها لها ذلك الخسيس بتعويضها عن قسوة أهلها.

تراجع محمود إلى الخلف خطوة، ويده المرتعشة تلمس صدره كأنه تلقى طعنة نافذة أوقفت أنفاسه. تحولت ملامحه المنكسرة إلى بركان من الخزي والعار، وهتف بنبرة متحشرجة وممزقة

- بنتي أنا.. بنتي تخرج من ورايا وتتفق مع غريب عشان تهرب له؟ يا كسرة ضهري وسط الناس.. يا فضيحتك يا محمود

في تلك اللحظة، لم تتمكن سامية من كبح جماح فرحتها، فارتفع صوتها بضحكة ساخرة تخترق الصدور، ولوت ذراعيها متهكمة

- أهو المستور بان يا أخويا..... الشريفة العفيفة اللي كانت واكلانا بجمالها ورقتها طلعت مقضياها من ورا ضهرنا ومسافرة للبيه بتاعها في مصر.... شفت بقى مين اللي كان ظالم ومين المظلوم في البيت ده؟

لم يستمع نادر لكلماتهم؛ كان يتطلع إلى الشاشة وعيناه تتسعان بذهول وغضب عارم، ليس من أخته، بل من ذلك النذل الذي استدرجها بمكره. التفت إلى والده وصاح بنبرة قوية تحاول استعادة زمام الأمور

- بابا.. نور مش كدة....... نور هربت من الظلم اللي شافته هنا، والندل ده استغل ضعفها ووحدتها.. أنا لازم أسافر القاهرة حالا، لازم أجيب أختي قبل ما يعمل فيها حاجة

نهض محمود بعينين جافتين التمعت فيهما قسوة غريبة، ونظر إلى ابنه بنبرة حادة كالشفرة

- تسافر تجيب مين؟ البت دي خلاص ماتت بالنسبالي.. اللي تبيع أبوها وبيتها وتمشي ورا واحد متعرفوش، ماليش بنت بالاسم ده! سيبها تغرق في مستنقعها.. إحنا ملناش دعوة بيها تاني

انطلقت صرخات سامية مؤيدة بتهليل، بينما انزوى نادر وهو يشعر بأن العالم كله يتكالب على شقيقته، وعقد العزم في أعماقه أن يتحرك بمفرده لينقذ النور المتبقي من عائلتهم، غير مدرك أن أخته باتت في وادٍ آخر تماماً.. بعيداً عن القاهرة وبعيداً عن حساباتهم جميعاً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • نور الآدم    96

    دلفت نور إلى داخل استراحتها الخاصة، والصمت يلف أرجاء المكان من حولها. توجهت نحو المطبخ بخطوات متباطئة وأعدت بعض الشطائر البسيطة مع كوب من الشاي الدافئ، ثم جلست تتناول طعامها بهدوء؛ لم تكن تأكل لشهية أو رغبة في الطعام، بل كانت تأكل فقط لتسد جوع جسدها المنهك. في تلك الأثناء، استسلم عقلها لدوامة قاسية من الأفكار الحائرة، وتساءلت في سرها بمرارة... ما هي نهاية هذا الطريق الذي أسير فيه؟ شعور ثقيل ينهش صدرها بأنها أصبحت عالة على كرم هذه العائلة ونبلها، وتملكها خجل جارف يمنعها تماماً من فتح موضوع دفع إيجار الاستراحة مع كمال بيه، لعلمها بأنه سيرفض بصرامة أبوتّه المعهودة. وبعد طول تفكير، حسمت أمرها وقررت في سرها أنه بمجرد أن تتقاضى راتبها الأول من الشركة، ستترك منه جزءاً تضعه في مغلف مغلق كعوض رمزي مقابل سكنها، لتسترد جزءاً من كبريائها الجريح. قطع هذه السلسلة من الأفكار المفرطة طرقات مرحة، خفيفة ومتلاحقة على باب الاستراحة. تقدمت نور وفتحت الباب لتجد رحمة تقف أمامها بابتسامتها المشرقة، فتهلل وجه نور ورحبت بها بحفاوة بالغة أزاحت عنها ضيق الوحدة. جلست الفتاتان معاً، وراحت رحمة تثرثر بعفوية وتن

  • نور الآدم    95

    انقضى ذلك اليوم العصيب في الشركة متأرجحاً ما بين غضب آدم الثائر تارة، وحنانه المباغت الدافئ تارة أخرى؛ تقلبات مزاجية حادة جعلت نور في حالة من الدهشة والذهول المستمر، عاجزة عن فهم هذا الرجل الذي يمنحها الدفء والأمان في لحظة، ثم يمطيرها بـوابل من الغضب العارم في اللحظة التالية. أطلقت نور تنهيدة حارة من أعماق صدرها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن تقلباته لا تهمها في شيء، وأنها مجرد موظفة تؤدي عملها، وراحت تنهك جسدها ونفسها في التدقيق بالمعاملات لـتهرب من التفكير فيه، شاغلة عقلها بـشقيقتيها وزفاف نها المرتقب. أما آدم، فبالرغم من أن يومه كان ممتلئاً عن آخره بـالاجتماعات والمناقصات المصيرية، إلا أنه لم يسلم من قيدها؛ فبين الحين والآخر، كانت تجتاحه تلك الخفقة الزائدة في منتصف صدره، نبضة متمردة تنبهه بـعنفوان إلى وجودها القابع في أعماق قلبه، فـيطلق تنهيدة عميقة، طويلة، يكاد لهيبها الحارق يشعل الأوراق المبعثرة أمامه. وفي نهاية الدوام، دلف كريم إلى المكتب، وجلس يحاول بـذكاء استدراجه في الحديث لـعله يجد منفذاً يفضفض فيه آدم عما يكتنزه بـداخله. لكن آدم—الذي اعتاد الكتمان والصلابة كـدرع يحميه من ا

  • نور الآدم    94

    استيقظ آدم من نومه مع تباشير الصباح الأولى، وعادت لتدب في جسده تلك الحيوية الطاغية والنشاط غير المعتاد. بمجرد أن فتح عينيه، قفز إلى ذهنه خاطر دافئ أضاء ثنايا روحه.... اليوم سيتناول إفطاره مع نور، ستكون شريكته في الصباح والمساء.نهض بـلهفة، وأبدل ثيابه بـأناقته المعهودة، ونزل درجات السلم الرخامي وهو يطلق ذلك الصفير المرح الذي بات يعلن عن قلبٍ تذوق طعم الفرح مجدداً. دلف إلى غرفة الطعام ليجد والده كمال بيه يجلس على رأس المائدة، يرتشف قهوته وينتظره حتى يتناولا وجبة الإفطار معاً.ألقى آدم تحية الصباح بـنبرة صوته الرخيمة، المشرقة، وجلس في مكانه المعتاد على يمين والده. كان المقعدان المقابلان له فارغين تماماً، حيث يغط كل من مالك ورحمة في نوم عميق، مستمتعين بـأول أيام الإجازة الصيفية بعد ماراثون امتحانات طويل شقّ عليهما.تطلع آدم نحو المقعد الشاغر بجوار رحمة، وتمنى في سريرته أن تطل نور في أي لحظة. مرت الدقائق ولم تأتِ، فأخرج هاتفه من جيب سترته بـنفاد صبر، وضغط على رقمها لـيهاتفها ويستعجل حضورها لتناول الإفطار معهم قبل الذهاب للشركة.استمع إلى رنين الهاتف حتى أتاه صوتها من الطرف الآخر، وما إن س

  • نور الآدم    93

    مرت حوالي نصف الساعة ونها غارقة في أوجاعها، حتى قطع سكون البيت رنين هاتف نادر. التفت إلى الشاشة ليجد اسم ياسر يزينها، فأجاب مستغربًا، ليطلب منه ياسر بلهجة مقتضبة النزول إلى أسفل البناية لبضع ثوانٍ.نزل نادر على مضض والضيق يملأ صدره من تصرف نسيبه المستقبلي، ولكنه ما إن وصل إلى الشارع واقترب من سيارة ياسر، حتى تجمدت الكلمات في حلقه؛ وجد ياسر يقف بوقار ممسكًا في يده باقة فخمة ومنسقة من الورود الطبيعية ذات الرائحة النفاذة، وبجوارها علبة أنيقة من الشوكولاتة الفاخرة.مد ياسر يده بالهدايا نحو نادر، وقال بابتسامة هادئة حملت الكثير من المعاني- معلش يا نادر نزلتك.. خد الحاجة دي اديها لـنها، وقولها ألف سلامة عليكي.وقبل أن يستوعب نادر الصدمة أو ينطق بكلمة شكر، كان ياسر قد استأذن وركب سيارته وانطلق في عتمة الليل. تعجب نادر لأمره بشدة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة بعد أن فهم أن الرجل لم يكن جافيًا، بل أراد منح خطيبته خصوصيتها في مرضها مع ترك أثر طيب يليق به؛ وفرح بهذه الخطوة الذكية التي ستجبر خاطر شقيقته المنكسر.صعد نادر الدرج مسرعًا بخطوات متلاحقة، ودلف مباشرة إلى غرفة نها التي بادرت بـالتظا

  • نور الآدم    92

    وصلا إلى الفيلا الفخمة، والتفتت إليه نور تسأله بـحرج - مستر آدم.. هي فين الاستراحة اللي هقعد فيها؟ عشان أودي حاجتي علطول. لم يجبها آدم، ولم يمنحها أدنى استعداد لـلمجادلة أو النقاش في تلك اللحظة؛ فـهو يخشى بـصدق لحظة انهيار عاطفي يفقد فيها ثباته ويعترف لها بكل شيء. اكتفى بـنبرة حازمة - ادخلي الفيلا الأول يا نور.. لحد ما أتاكد إنهم خلصوا تجهيزها وتنظيفها. وما إن دلفت من الباب، حتى تلاشت غيوم الصمت؛ إذ هرولت نحوها رحمة بـشقاوة طفولية عارمة، وطوقت عنقها بـأحضان حارة قائلة بـإنتصار - نور.... مش مصدقة... كل الأسئلة والنقاط اللي راجعتيها معايا امبارح بالليل جتلي النهاردة في الامتحان بالظبط أنا حليت ابتسمت نور من أعماق قلبها بـحب، وقبّلت وجنتها بـسعادة مفرطة على هذا الإنجاز، فـأردفت رحمة بـفرحة - واليوم كان آخر يوم في الامتحانات خلاص، يعني أنا من اللحظة دي انا فاضية ليكي تماماً يا قمر شدتها رحمة من يدها لـتصعد بها الدرج، لكن نور اعتذرت بـرقة - استني يا رحمة، مش هينفع.. أنا ورايا مهمة تانية خالص، لازم أروح أشوف الاستراحة وأرتب حاجتي فيه. في تلك الأثناء، أقبل عليهما كمال بيه بـوجهه ا

  • نور الآدم    91

    في ساحة جامعة المنصورة، كان الصخب يملأ الأرجاء، ممزوجاً بـأنفاس الراحة والترقب؛ فـاليوم هو الطوق الأخير، والورقة الأخيرة في ماراثون اختبارات نهاية العام. وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان صفحات المذكرة بـآلية، لكن عقل نادر لم يكن يرى الحروف؛ بل كان غارقاً في تفاصيل وجهها، يتأملها بـألمٍ صامت غلف نظراته بـمسحة من الوجع الخفي. كان صدره يغلي بـتساؤلات المجهول المرعب... اليوم تنتهي اللقاءات الرسمية تحت مظلة الجامعة، فماذا يخبئ لهما الغد؟ هل ستظل إسراء متمسكة بـعهودهما أمام أمواج الحياة العاتية، أم ستستسلم في النهاية لتيار خالد وثروته وتتركه وحيداً على ضفاف الخيبة؟ لمح حدس إسراء الأنثوي تلك الغيمة السوداء التي احتلت عينيه، فـأغلقت المذكرة فجأة، والتفتت إليه تسأله بـنبرة حانية يملؤها القلق - مالك يا نادر؟ اتغيرت فجأة ليه تنهد نادر بـمرارة، وخرج صوته مبحوحاً ومشحوناً بـالخوف الذي ينهش ضلوعه - مرعوب يا إسراء.. مرعوب من فكرة الفراق. الامتحانات خلصت، والوقت اللي كان بيجمعنا انتهى.. وخايف المجهول يبعدك عني. صمتت إسراء لـلحظات ثقيلة، وتصلبت ملامحها الرقيقة، ثم صوّبت نحوه نظرة حادة امتزج فيها ال

  • نور الآدم    البارت الرابع

    ارتدى سامح قميصه على عجل، ونزل متوجهاً إلى المكان الذي وصفته له. سار بخطوات ثقيلة ينهش العقارب عقله، حتى لمح طيفها من بعيد. ما إن رأته نور، حتى أضاء وجهها المتعب بابتسامة دافئة غسلت شقاء رحلتها، وأقبلت نحوه بلهفة طفلة عثرت على أمانها. وقفت أمامه تطالعه بهيام، وتأملت ملامحه التي طالما تخيلتها خلف ال

  • نور الآدم    البارت الثالث

    الفّتت نور حولها بقلبٍ واجف، تفتش بنظراتها في زوايا الصالون؛ أين هو ذلك العريس الأربعيني الذي تحدث عنه والدها؟ لم تجد أمامها سوى كائنٍ بدين، أصلع الرأس، برزت من فمه أسنان سوداء متهالكة تآكلت بفعل التسوس، بينما خطّت التجاعيد الغائرة مساراتٍ مشوهة على وجهه، واختلط ما تبقى من شعره بشعيرات بيضاء كثيفة.

  • نور الآدم    البارت الثانى

    دبّت الحركة في أرجاء المطبخ وهي تطهو الطعام بأنامل مرتجفة، ثم حملت الأطباق وتوجهت صوب مائدة الغداء. وضعت الصحون بهدوء، ووقفت لثوانٍ تتأمل المشهد؛ كانت علامات الانسجام والود طاغية بين أبيها وزوجته، يتبادلان الضحكات وتلمع في عيني والدها نظرات حنونة غريبة عنها. انقبض قلبها وتساءلت في مرارة: "ليه هو مع

  • نور الآدم    البارت الأول

    في قلب مدينة المنصورة، حيث ينساب النيل هادئاً كشاهدٍ على حكايات البشر، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل بنعومة عبر شرفة إحدى البنايات المطلة على الضفة. تراقص الضوء على وجه نور، وتغلغل بين أهدابها الكثيفة، ليوقظها برقة من حلمٍ دافئ طافت به في دروب خيالها.فتحت عينيها الفيروزيتين، ونظرت حولها بابتسامة ر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status