Teilen

الفصل الثامن عشر : البلاغ المجهول

last update Zuletzt aktualisiert: 17.03.2026 01:31:24

خرجت إلى الشارع بسرعة، وكأن الهواء نفسه يدفعني بعيدًا عن ذلك البيت.

لم ألتفت خلفي.

لم أرد أن أرى الباب مرة أخرى… ولا تلك النافذة.

الشارع كان هادئًا أكثر مما يجب.

مصباح قديم عند زاوية الطريق كان يومض بضوء باهت، يضيء المكان لحظة ثم يعيده إلى الظلام.

حاولت أن أهدئ أنفاسي.

لكن إحساسًا ثقيلًا بقي عالقًا في صدري… إحساس بأنني لست وحدي.

رفعت رأسي ونظرت عبر الشارع.

هناك… قرب السياج الحديدي لأحد البيوت…

رأيت شخصًا يقف في الظل.

لم يتحرك.

فقط يقف… ويراقب.

ضيقت عيني محاولًا رؤية وجهه، لكن الظلام كان كثيفًا. لم أستطع تمييز ملامحه، فقط هيئة ساكنة.

خطوت خطوة صغيرة نحوه.

في تلك اللحظة مرّت سيارة في الشارع وأضاءت مصابيحها المكان للحظة قصيرة.

وعندما اختفى الضوء…

لم يعد هناك أحد.

اختفى الظل كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

تجمدت مكاني.

"توهمت…" تمتمت لنفسي.

لكن شيئًا في داخلي لم يصدق ذلك.

قبل أن أفكر أكثر—

انعكس ضوء أزرق على الجدران.

ثم جاء صوت محرك يقترب.

استدرت ببطء.

سيارة شرطة توقفت أمامي.

فتح الباب ونزل رجل بزي الشرطة، تبعه عنصر آخر.

وقف أمامي ونظر إليّ مباشرة.

"مساء الخير."

أخرج بطاقة صغيرة.

"الرائد كمال."

أعاد البطاقة إلى جيبه ثم قال:

"اسمك؟"

ترددت لحظة قصيرة قبل أن أجيب.

"كاي."

هز رأسه قليلًا.

"وين ساكن يا كاي؟"

قلت:

"شقة 12… عمارة النورس… شارع السرو."

توقفت نظرته عند العنوان لحظة.

ثم سأل:

"وشو بتعمل هون بهالوقت من الليل؟"

قلت ببرود:

"ماشي."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"بس؟"

"بس."

بقي ينظر إليّ لحظة أخرى قبل أن يقول:

"وصلنا بلاغ عن شخص يتسلل بين البيوت في هالحي."

قطبت حاجبي.

"بلاغ من مين؟"

تغيرت نظرته فورًا.

قال ببرود:

"مش شغلك."

ثم أضاف بنبرة أكثر صرامة:

"انت دورك تجاوب… مش تسأل."

شعرت بالانزعاج يتصاعد في صدري.

قلت بحدة أخف:

"أنا ما تسللت لحدا."

رفع كتفيه قليلًا.

"ممكن."

ثم أشار إلى سيارة الشرطة.

"بس شكلنا رح نتحقق من هالشي."

نظرت إلى السيارة ثم عدت بنظري إليه.

"يعني بدك تاخذني معك؟"

"بالضبط."

لم يكن السؤال مطروحًا للنقاش.

بعد دقائق كنت جالسًا في المقعد الخلفي لسيارة الشرطة.

أضواء المدينة تمر خلف الزجاج ببطء.

لم يتكلم أحد.

لكن داخل رأسي…

سمعت الصوت الذي بدأت أكرهه.

نير.

"يبدو أن ليلتك أصبحت أكثر إثارة."

أغمضت عيني للحظة.

"اصمت."

ضحك بخفة.

"أنت من بدأ هذا الطريق."

لم أجب.

توقفت السيارة أخيرًا أمام مبنى قديم.

قسم الشرطة.

قادوني عبر ممر طويل حتى غرفة صغيرة.

طاولة معدنية في المنتصف.

كرسيان.

مصباح أبيض قاسٍ فوق رؤوسنا.

جلست على الكرسي.

بعد دقائق دخل الرائد كمال وجلس أمامي.

"خلينا نعيد."

رفع نظره إليّ.

"اسمك."

"كاي."

"عنوانك."

"شقة 12… عمارة النورس… شارع السرو."

"وشو كنت تعمل بالحي؟"

تنهدت بضيق.

"قلتلك… كنت ماشي."

ظل ينظر إليّ بهدوء قبل أن يقول:

"بتعرف شو المشكلة؟"

لم أجب.

تابع:

"المشكلة لما الناس تبدأ تنبش بأماكن ما إلها فيها."

رفع عينيه نحوي.

"وهاي المدينة… فيها أشياء كثير من الأفضل تظل مدفونة."

قلت ببرود:

"ما فهمت شو قصدك."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

ثم قال:

"ما في مشكلة."

وقف من مكانه.

"رح تظل هون الليلة."

رفعت رأسي نحوه.

"شو؟"

"احتجاز مؤقت. لحد الصبح."

اشتعل الغضب في صدري.

"بأي حق؟"

أجابني بهدوء:

"لأنك تعرقل التحقيق."

ثم أضاف:

"ولأنك بحاجة تتعلم شوي كيف تحكي مع الشرطة."

خرج من الغرفة.

وتركني وحدي.

مر الوقت ببطء شديد.

أصوات بعيدة في الممرات… خطوات… أبواب تُفتح وتُغلق.

ثم عاد الرائد كمال أخيرًا.

جلس أمامي مرة أخرى.

قال بهدوء:

"مرت عليّ قصة قبل فترة."

لم أتكلم.

تابع:

"عائلة صغيرة."

"أب يشرب."

"ابن أول… قاتل."

شعرت بيديّ تنقبضان دون أن أشعر.

لكن كمال تابع وكأنه لم يلاحظ شيئًا.

"الأم كانت ضعيفة."

"ماتت."

"يقولوا من القهر."

رفع نظره نحوي.

"والابن الثاني…"

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"ضايع."

ساد صمت ثقيل بيننا.

ثم أكمل:

"الابن الأول اسمه ريڤان."

"حكمه طال… ووضعه بالسجن يزداد سوء."

نظر إليّ مباشرة.

"الغريب بس…"

"إن أخوه ما زاره ولا مرة."

شعرت بالغضب يتصاعد في صدري.

لكنني بقيت صامتًا.

تابع بصوت هادئ:

"أب يشرب… ابن أول قاتل… أم ماتت من القهر."

ثم قال ببطء:

"والابن الثاني…"

"...واضح أنه يدور على فرصته."

"إما ليلحق أخوه بالسجن…"

"...أو الموت."

ساد الصمت.

لكن في مكان عميق داخل رأسي…

همس نير بصوت بارد:

"لو عرف كم عدد الموتى الذين يراقبونك الآن… لما قال ذلك."

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • هل يمكن للظلال أن تقودني إلى النور؟   الفصل الثامن عشر : البلاغ المجهول

    خرجت إلى الشارع بسرعة، وكأن الهواء نفسه يدفعني بعيدًا عن ذلك البيت. لم ألتفت خلفي. لم أرد أن أرى الباب مرة أخرى… ولا تلك النافذة. الشارع كان هادئًا أكثر مما يجب. مصباح قديم عند زاوية الطريق كان يومض بضوء باهت، يضيء المكان لحظة ثم يعيده إلى الظلام. حاولت أن أهدئ أنفاسي. لكن إحساسًا ثقيلًا بقي عالقًا في صدري… إحساس بأنني لست وحدي. رفعت رأسي ونظرت عبر الشارع. هناك… قرب السياج الحديدي لأحد البيوت… رأيت شخصًا يقف في الظل. لم يتحرك. فقط يقف… ويراقب. ضيقت عيني محاولًا رؤية وجهه، لكن الظلام كان كثيفًا. لم أستطع تمييز ملامحه، فقط هيئة ساكنة. خطوت خطوة صغيرة نحوه. في تلك اللحظة مرّت سيارة في الشارع وأضاءت مصابيحها المكان للحظة قصيرة. وعندما اختفى الضوء… لم يعد هناك أحد. اختفى الظل كأنه لم يكن موجودًا أصلًا. تجمدت مكاني. "توهمت…" تمتمت لنفسي. لكن شيئًا في داخلي لم يصدق ذلك. قبل أن أفكر أكثر— انعكس ضوء أزرق على الجدران. ثم جاء صوت محرك يقترب. استدرت ببطء. سيارة شرطة توقفت أمامي. فتح الباب ونزل رجل بزي الشرطة، تبعه عنصر آخر. وقف أمامي ونظر إليّ مباشرة. "مساء الخير." أخ

  • هل يمكن للظلال أن تقودني إلى النور؟   الفصل السابع عشر : خلف الباب المغلق

    توقفت عند آخر درجة.الطابق العلوي كان أظلم من الأسفل، ليس بسبب غياب الضوء فقط، بل لأن الهواء نفسه بدا أغمق. كثيف. ساكن. كأنه لا يتحرك منذ سنوات.الممر أمامي ضيق. أرضيته الخشبية مغطاة بطبقة غبار سميكة، وعند نهايته… باب واحد فقط.باب مغلق.خشبه داكن، متشقق، وحوله آثار خدوش طويلة، كأن أحدهم حاول فتحه بأظافر عارية.هنا جاء صوت نير.هادئ… لكنه هذه المرة لم يكن واثقًا كعادته."لا تدخل."تجمدت."ليش؟" همست.ساد صمت قصير.ثم قال:"لأن ما خلف هذا الباب ليس ظلًا عاديًا… وليس ذكرى… وليس بقايا روح."اقتربت خطوة رغم نفسي.الأرضية أصدرت صريرًا خافتًا."شو هو إذًا؟""نقطة ارتباط."وضعت يدي على الحائط لأثبت نفسي."اربط شو بشو؟"صوته انخفض أكثر."البيت بالعقد… والمرأة بالمدينة… وأنت بالاثنين."شعرت بقشعريرة تمر في ظهري."يعني أنا جزء من هاد المكان؟""ليس بعد…" قال نير."لكن إذا فتحت هذا الباب… ستبدأ العملية."نظرت إلى المقبض.كان معدنيًا، صدئًا، عليه بقع داكنة غير واضحة."وإذا ما فتحته؟"ضحك نير بخفة بلا مرح."البيت سيجد طريقة أخرى لإدخالك."صمت ثقيل سقط بيننا.من داخل الغرفة…سمعت الصوت.ليس حركة.لي

  • هل يمكن للظلال أن تقودني إلى النور؟   الفصل السادس عشر: البيت الذي لا ينام

    أغلقتُ الباب خلفي ببطء، ليس لأنني أردت ذلك، بل لأن يدي كانت ترتجف وكأنها لم تعد تطيعني. الصوت الخافت لانغلاق الخشب خلفي بدا أعلى مما يجب، كأنه إعلان غير مرئي بأنني دخلت منطقة لا عودة منها.الظلام في الداخل لم يكن طبيعيًا. لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كثافة سوداء تلتصق بالجدران، تتسلل بين الشقوق، وتتمدد على الأرض كظل حي. حاولت أن أتنفس بعمق، لكن الهواء كان ثقيلًا، محمّلًا برائحة الرطوبة والقدم، كأن هذا البيت لم يُفتح منذ سنوات رغم أنني دخلته قبل أيام فقط."تشعر به الآن، أليس كذلك؟"صوت نير ارتفع في رأسي فجأة، أقرب من أي وقت مضى، واضحًا حدّ الإزعاج.همست وأنا أتقدم خطوة أخرى: "هذا المكان… يتغير."ضحك ضحكة قصيرة بلا دفء. "لا. أنتَ الذي تتغير. العقد بدأ يعمل."توقفت عند بداية الممر الطويل المؤدي إلى الداخل. الأرضية الخشبية أصدرت صريرًا خافتًا تحت قدمي، وكأنها تشتكي من وزني، أو تحذرني من المتابعة. على الجدران، كانت الصور القديمة لا تزال معلقة، إطاراتها متشققة، والزجاج المغبر يخفي الوجوه خلفه. اقتربت من واحدة منها ومسحت الغبار بطرف كمّي.امرأة تقف بجانب نافذة، ملامحها باهتة، وعيناها واسعتان ب

  • هل يمكن للظلال أن تقودني إلى النور؟   الفصل الخامس عشر: ذكريات البيت

    خرجت من بيت الجار الغامض وأنا أحاول استجماع أنفاسي. المدينة حولي لم تعد مألوفة، كل شيء يبدو أعمق ظلاماً، أكثر ثقلاً، وكأن كل شارع يحمل صدى أسرار مخفية. الأصوات، رائحة الرطوبة، صدى خطواتي على الرصيف… كل شيء أصبح أثقل، وكأن الهواء نفسه يحاول كتم أنفاسي. شعرت بأن كل مبنى، كل نافذة، كل باب كان يراقبني، يتربص بي، يهمس بأشياء لم أستطع فهمها بعد، وكأن المدينة نفسها تعرف كل خطواتي، كل نية خفية، كل خوف دفين في صدري. عبرت الشارع ونظرت إلى البيت المقابل… بيت المرأة. كان مفتوحًا على مصراعيه، كما كان في الليلة الماضية. شعرت بقشعريرة تمر عبر جسدي، وذكرت نفسي بالصوت الذي رافقني منذ الأيام الأولى للعقد: نير، همسه البارد في رأسي: "كل خطوة تقربك من ما لم تفهمه بعد…" تقدمت ببطء نحو الباب، وكل خطوة أعادت إليّ صور أول مرة دخلت هذا البيت. الرهبة التي شعرت بها، الأصوات الغامضة القادمة من الطابق العلوي، الطقطقة الخافتة للأثاث، والهمسات التي لم أفهمها بعد. كل شيء بدا حيًا، يراقبني، وكأن البيت نفسه يتنفس، كائن حي يختبر شجاعتي، صبري، وحدسي. شعرت بأن كل زاوية، كل جدار، كل لوحة على الحائط تحمل أسرارًا خفية، رس

  • هل يمكن للظلال أن تقودني إلى النور؟   الفصل الرابع عشر: أولى خطوات العقد

    كنت أسير في الشوارع الضيقة، كل خطوة تثقل قلبي أكثر من التي قبلها. المدينة من حولي لم تعد مألوفة، كل زاوية، كل نافذة، كل ظل… يبدو أنه يراقبني، كما لو أن الليل كله يعرف كل حركة أقوم بها. الجار الغامض اختفى، لكنه ترك أثره في عقلي. الكلمات التي قالها ما زالت تطنّ: "تحتاج أن تتعلم شيئًا… ليس كل ما تراه يُرى كما هو." توقفت عند زاوية شارع مظلم. هناك، في نافذة مهجورة، لاحظت حركة خافتة. شيئًا… لا أستطيع وصفه بدقة، لكنه كان يراقبني. شعرت بأن جسدي يتجمد. ثم تذكرت كلمات نير: "كل خطوة للأمام ستكلفك أكثر." أدركت أن العقد لم يعد مجرد همس في رأسي… كان يرشّدني، يختبرني، يضغط عليّ لأتجاوز حدودي. شعرت برعشة غريبة، شعور بالقدرة… لكنها لم تكن قوة جسدية. كانت رؤية خفية، فهم للظلال، وشيء في داخلي بدأ يتفاعل مع كل ما حولي. اقتربت خطوة. لاحظت تفاصيل لم أرها من قبل: خطوط على الجدار، رموز صغيرة محفورة، آثار أقدام تتبعني ثم تختفي. كان كل شيء حولي مليئًا بالرسائل… لكنني لم أكن أعرف تفسيرها بعد. ثم حدث أول اختبار حقيقي: سمعت صرخة مكتومة من الداخل، من المبنى المهجور نفسه الذي راقبته الليلة الماضية

  • هل يمكن للظلال أن تقودني إلى النور؟   الفصل الثالث عشر: قانون الظلال

    خرجت من المستودع وأنا ألهث، ركبتيّ ترتجفان من التمرّد على الخوف. كل شيء حولي بدا أعمق ظلمة، أصوات المدينة كما لو أنها تشوهت، تتحدث بلغة لم أفهمها من قبل. الهواء كان ثقيلاً، يلتصق بصدري، وكل نفس أتنفسه كان كأنه يُسحب بالقوة من رئتي.وضعت يدي على صدري، أشعر بأن شيئًا داخلي يتآكل، شيء من ذكرياتي، شيئًا مني… لم أستطع تحديده بالضبط. كل ما أعرفه أن العقد يبتلع شيئًا آخر مني هذه المرة، لكنني لم أشعر بأي دماء. كان الفراغ أسوأ من الألم، فراغ صامت يتمدد ببطء.ثم تذكرت كلمات نير: "ادفع الثمن… وخذ فرصة الهروب."لم أفهمها حينها، لكن الآن… شعرت بالمعنى. لم يكن مجرد تحذير. كان توجيهًا غامضًا، ولكنه صارم، كأمر لا يقبل النقاش.سرت إلى البيت، كل خطوة أثقل من التي قبلها. الشوارع التي كنت أعرفها منذ الطفولة باتت مألوفة وغريبة في نفس الوقت، كأنها مرآة مشوهة لمدينة قديمة لكنها لا تزال حية. أعمدة الإنارة بدت أطول، والظلال أعمق، وكأن الطريق نفسه يحاول ابتلاعي.عندما وصلت، كان الجار الغامض واقفًا عند الباب، عيناه تلمعان بطريقة غريبة. اقترب مني ببطء، وكأنه يعرف كل شيء قبل أن أتكلم."لقد خرجت متأخرًا الليلة… وم

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status