LOGIN"أحيانًا لا تكون السعادة في أن نحصل على ما حلمنا به، بل في أن نجد من يجعلنا نجرؤ على الحلم من جديد."في صباح اليوم التالي، اصطحب قاسم ماسة إلى أحد أشهر المعارض المتخصصة بملابس الزفاف.وما إن دخلا حتى التفتت إليه باستغراب، قبل أن يبتعد هو عنها بخطوات قليلة ويشير إلى إحدى الموظفات.— أريدك أن تأخذي راحتك تمامًا. اختاري ما يعجبك، وهي ستساعدك في كل شيء.رفعت ماسة حاجبًا.— كل شيء؟ابتسم بثقة، وكأنه لم يقل شيئًا يستحق الاستغراب.— كل شيء.ثم التفت إلى الموظفة وأضاف بجدية جعلتها تكاد تضحك:— لا تدعيها ترفض أي شيء يعجبها بحجة السعر.اتسعت عينا ماسة.— قاسم...لكنه سبق احتجاجها.— وأنا سأكون في الخارج.ثم غادر تاركًا إياها مع الموظفة، التي ابتسمت لها بحماس وبدأت تأخذها بين الأقسام.عندها فقط اكتشفت ماسة أن الأمر لم يكن متعلقًا ببدلة الزفاف وحدها.كان قاسم قد أعد لها جهاز عروس كاملًا.ملابس داخلية، وملابس منزلية، وفساتين، وملابس للخروج، وأحذية، وحقائب، وحتى بعض التفاصيل الصغيرة التي لم يخطر ببالها أصلًا أنه قد ينتبه إليها.كانت كلما انتهت من قياس مجموعة، وجدت الموظفة تحمل إليها مجموعة أخرى.وه
في الصباح الباكر، استيقظت ماسة تتمطى كالقطط. كانت تلك المرة الأولى منذ وقت طويل التي تنام فيها دون أن تقضّ الكوابيس والذكريات المقيتة مضجعها. لكن ما إن أدركت سر راحتها حتى تدفقت أحداث الليلة الماضية إلى ذاكرتها؛ كان رأسها يتوسد صدر قاسم.انتفضت مبتعدة عنه بحرج، لتجد ابتسامة متهكمة ونظرات عابثة في عينيه.— صباح الخير، أيتها الأميرة.عضت شفتيها وهي تنهض مسرعة.— صباح الخير.ثم سألته بخجل:— لماذا لم توقظني؟اتسعت ابتسامته.— لم أتمكن... كنتِ تبدين فاتنة، ولم أستطع ارتكاب إثم إيقاظك.احمر وجهها وأشاحت بنظرها. لم يقترب منها، بل اكتفى بمراقبتها من مسافة آمنة.— هل نمتِ جيدًا؟أومأت بخجل.— أجل... شكرًا لك.وحين لاحظ توترها، قال:— ما رأيك أن تأخذي حمامًا ريثما أعد الفطور؟ أنا أتضور جوعًا.أومأت موافقة، وما إن خرج من الغرفة حتى أسرعت إلى إغلاق الباب، وأسندت ظهرها إليه محاولة تهدئة ضربات قلبها المتسارعة.أعدّا الفطور معًا وسط جو من المرح والألفة، وشعرت ماسة براحة وطاقة إيجابية افتقدتهما طويلًا.مرت الأيام التالية بهدوء لم تعتده ماسة.لم تختفِ الذكريات تمامًا، لكنها لم تعد تبتلعها كما كانت. و
كل شيء حدث بسرعة جنونية، ولم يكن هناك وقت للتفكير. كان على قاسم أن يتحرك معها في اللحظة ذاتها. رآها تتعثر أمام عينيه، يختل توازنها ويتهاوى جسدها نحو الحافة، وقبل أن تهوي إلى عمق الهوة السحيقة، اندفع نحوها بكل ما تبقى في جسده من قوة. صرخت باسمه بغريزة يائسة: — قاسم! ولم يحتج إلى أكثر من ذلك. امتدت يده وأطبقت على معصمها في اللحظة الأخيرة. ارتطم جسده بالأرض، وامتدت ساقاه إلى الخلف محاولًا تثبيت نفسه، بينما انغرست أصابعه حول معصمها بكل قوته، وكأن إفلاتها يعني أن يفقد جزءًا من روحه معها. رفعت ماسة عينيها إليه. كان وجهه فوقها مباشرة، وأنفاسه متقطعة، وشعره مبعثر، وعيناه تحملان رعبًا لم تره فيه من قبل. هتف بصوت حازم اختلط فيه الغضب بالخوف: — إما أن نعيش سويًا... أو نموت سويًا. لا يوجد خيار ثالث يا ماسة. ظل ممسكًا بها، وذراعه ترتجف من شدة الإجهاد. ثم مد يده الأخرى نحوها. — هاتي يدك... تشبثي بي. رفعت يدها بسرعة. أمسك بها، وأحكم قبضته حول أصابعها، ثم بدأ يسحبها نحوه ببطء، بينما راحت تدفع جسدها بكل ما تملك من قوة. حتى تمكنت أخيرًا من تجاوز الحافة. استقرت بجسدها على صدره، بينما ظل
حين بدأ الليل ينسدل على الحديقة، أخذ الدفء الذي ملأ المكان قبل قليل يتراجع ببطء، تاركًا خلفه بقايا ضحكات، وأطباقًا فارغة، وهدوءًا لم يعد مخيفًا كما كان.نهض الجميع للمساعدة في التنظيف.جمعت ماسة الأطباق الصغيرة، بينما حملت شويي بعضها إلى الداخل، وانشغلت ليان بترتيب ما تبقى فوق المائدة.أما قاسم ومعتز، فتولّيا غسل الأطباق وسط صخب من المزاح والمشاحنات العابرة، حتى بدت الفوضى الصغيرة أقرب إلى مشهد عائلي عادي.ألقى قاسم نظرة خاطفة نحو ماسة.كانت منسجمة تمامًا مع شويي وليان، تضحك وتبتسم، وكأنها لم تعش يومًا خوفًا أو ألمًا.راقبها بصمت.كان يريدها أن تشعر بأنها استعادت شيئًا من حياتها الطبيعية؛ فالمعاملة الخاصة، مهما كانت نابعة من الحب، قد تذكّرها بضعفها، وتدفعها إلى الانغلاق على نفسها من جديد.لذلك، لم يحاول الاقتراب منها أكثر مما تسمح به.وحين انتهوا، وقفت ماسة أمام شويي وليان.احتضنت ليان طويلًا.أحاطتها بذراعيها بقوة، وكأنها تخشى أن يكون هذا الوداع مجرد حلم آخر، وأن تستيقظ منه ذات صباح على جدران السجن من جديد.ابتعدت عنها قليلًا، ثم أشارت بيديها:— اعتني بنفسك.ابتسمت ليان وأجابتها بإشا
بالرغم من غضبها السابق من قاسم، إلا أنها، بوجود شويي وليان، نسيت مخاوفها وغضبها مؤقتًا. كانت مشتاقة إلى ليان كثيرًا، خاصة أنهما تشاركتا معًا بعض الأحداث الأليمة، وعاشتا الخوف ذاته، وإن اختلفت تفاصيله. سألتها بإشارة من يدها: — هل كنتِ بخير ؟ أومأت ليان برأسها، وراحت تشرح لها أنها كانت في دير للراهبات، وأنهن اعتنين بها جيدًا، ولم يصبها أي سوء طوال فترة فراقهم. تنفست ماسة براحة. فقد أوهمها البارون بأنها في مكان خطر، وأنها قد تتعرض للأذى في أي لحظة. كانت هناك الكثير من الأحداث التي لم تسأل عنها قاسم. ربما لأنها، وصلت إلى النهاية دون أن تفقد أحدًا من أحبائها، فاختارت أن تتجاوز ما حدث بدلًا من الغوص في تفاصيله. لكن الفضول تملكها الآن، وأصبحت ترغب في معرفة كل شيء. كيف نجا قاسم من الموت، بعدما رأته بعينيها تحت مشرط الطبيب؟ كيف وصلت الشرطة؟ وماذا حدث للشاحنات المحملة بالبشر؟ كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها حين اقترب قاسم ومعتز، وسمعا آخر ما تفوهت به. ساد الصمت لحظة. التقت عيناها الفضوليتين بعيني قاسم، ولم يكن فيهما الغضب الذي اعتاد أن يراه خلال الأيام الماضية. اقترب وجلس أمامها، مح
جلس قاسم في الحديقة، يراقب نافذتها من بعيد ... لم يبتعد كثيرًا... أو ربما لم يكن قادرًا على الابتعاد أكثر. أسند رأسه بين كفيه، بينما ظلت صرختها تتردد في رأسه.كان غاضبًا من نفسه؛ فقد حذّره الطبيب، ومع ذلك اندفع خلف اشتياقه إليها وكأنه نسي تمامًا كم كانت جراحها عميقة.لم يكن يؤلمه أنها دفعته، بقدر ما آلمه الخوف الذي رآه في عينيها.كان يريد أن يكون أمانها... فإذا به يصبح للحظات مصدر خوفها.تنهد بمرارة، ثم رفع رأسه.لا فائدة من الندم الآن، عليه أن يصلح ما أفسده. كان جزء من كبريائه يذكّره بأنها زوجته، وأن ما حدث بينهما لم يكن، في نظره، سببًا كافيًا لكل هذا الجفاء... لكنه كان يعرف في أعماقه أن خوفها أهم من كبريائه.فجأةاعتدل في جلسته على الفور، وأخرج هاتفه واتصل بصديقه معتز، وكله أمل.وصله صوته الساخر عبر الهاتف - آه الصديق الطالح يتذكرنا عند المصالح ... ماذا تريد ؟! بادره قاسم برجاء:- معتز... أنقذني!سرعان ما تحولت نبرة معتز الساخرة إلى الجدية، وتسرب القلق إلى صوته:- ماذا يحدث؟! هل أصابك مكروه؟رد قاسم بنبرة درامية جادة:- إن تأخرت... لن تجدني حيًا!شتم معتز بتوتر، وصاح:- اللعنة
اتسعت عينا ميرنا بصدمة وهي تستمع لماسة. - أنتِ مجنونة! لماذا خرجتِ بالدراجة دون إذنه؟! تنهدت ماسة وكتبت بسرعة في دفترها: - لم أقصد إثارة المشاكل... لكنه يستفزني دائمًا. ابتسمت ميرنا بحالمية وهي ترمي نفسها فوق السرير. - ليت أحدًا يستفزني مثل قاسم... ذلك الرجل خطير بشكل رائع! رمقتها ماسة ب
نهض قاسم صباحًا من نومه... نظر إلى الساعة فوجدها الحادية عشرة قبل الظهر... لقد نام بالأمس كالقتيل... نهض بسرعة من فراشه... بدا البيت هادئًا جدًا، يبدو أن ماسة أيضًا لم تستيقظ بعد... تذكر نظراتها إليه بالأمس... فقد بدت كطفلة ضائعة ترجو أمان والديها... زفر قاسم مقتحمًا المطبخ بنشاط... سوف يعد إفطارً
توقف الزمن في عقل قاسم عند كلمات عمه الأصغر القذرة. شعر ببركان ينفجر في عروقه، ولم يعِ بنفسه إلا وهو ينقض كالمجنون على ياقة عمه، كابساً على عنقه بيد، ورافعاً يده الأخرى بقبضة حديدية مهشمة، كاد يطيح بها برأسه لولا صرخة عمته الهستيرية التي هزت جدران صالة العزاء. اندفع عمه الأكبر بسرعة، وبصعوبة بالغة
استيقظت ماسة في وقت متأخر من الصباح بعد ليلة جافاها فيها النوم كلياً. جلست إلى مكتبها وخطت رسالة طويلة تفيض بالشوق إلى والدتها الحبيبة، لكنها تذكرت أنها لا تعرف العنوان . ( لا بأس ستسأل قاسم عن العنوان حين تراه ) هبطت إلى الصالة، ولتتفاجأ بالطفلة الصغيرة زهرة، حفيدة لطيف وسارة، تركض وتمرح في الأنح







