Masukبعد دقائق، انشغلت ماسة وليلى في المطبخ، بينما انسحب قاسم ورائد إلى غرفة المكتب بحجة الحديث عن العمل.جلست مريم منشغلة بهاتفها، في حين عاد شقيقاها إلى صخبهما المعتاد.كان الليل قد ألقى سكونه على المنزل، والهواء البارد يتسلل من الشرفة المفتوحة، بعيدًا عن ضجيج المنزل.توقف قاسم قرب الشرفة، ثم التفت إلى رائد مباشرة.— متى تنوي إخبارها بالحقيقة؟تغير وجه رائد، وأطرق لحظة قبل أن يجيب بصوت خافت:— لا أدري...حدق فيه قاسم بحدة.— لا تدري... أم لا تريد؟لم يجب رائد.اقترب منه قاسم خطوة، وقال بصرامة:— هل تفضل أن تبقى ماسة معتقدة بأنها لقيطة؟ارتجفت ملامح رائد، وشردت عيناه بعيدًا، بينما عادت إلى ذاكرته كلمات ماسة ودموعها وانكسارها... ذلك النفور الذي تحمله نحوه، دون أن تعرف حتى أنه والدها.«كان رجلًا فاسقًا.»«أكرهه أكثر مما كرهت الرجل الذي قتل والدتي.»«بسببه دُمرت حياتي.»«قتلها أمام عيني.»أغمض رائد عينيه لحظة، ثم قال بصوت متحشرج:— إنها تكرهني.عقد قاسم حاجبيه.تابع رائد، وقد خانته نبرته:— ذلك الوغد الذي ادعى أنه والدها... قتل والدتها أمام عينيها.تجمد قاسم في مكانه.— ماذا تقول؟رفع رائد ع
— العشاء جاهز.التفت الجميع إليها.ابتسم قاسم بلباقة وقال:— تفضلوا.جلس على رأس الطاولة، إلى يساره رائد وزوجته، وإلى يمينه ماسة، ثم مريم والتوأم محمد ومحمود اللذان لم يتوقفا لحظة عن المشاغبة.ما إن استقرت ماسة في مقعدها حتى شعرت بنظرات قاسم تستقر عليها.لم ترفع عينيها.انشغلت بسكب الطعام وتوزيعه على ضيوفها بود وعفوية، حتى إذا وصل الدور إليه...، تصلبت أصابعها للحظة قبل أن تضع الطعام في طبقه.كانت نظراته تضايقها، لذلك أبقت عينيها منشغلتين بالطعام.وحين انتهت، جلست وتناولت طعامها بهدوء.بدأ الحديث بصورة طبيعية، وتطرق قاسم إلى عقد الشراكة الذي جمعه برائد. ومن حديثهما فهمت ماسة أن الاتفاق يخص علاج موظفي شركة قاسم في مستشفى رائد، بحيث يحصلون على الرعاية الطبية دون أن يتحملوا التكاليف مباشرة.استمعت ماسة بصمت، تبتسم حين يوجه إليها أحدهم الحديث، وتجيب بأدب حين تُسأل.لكن أصابعها ظلت تكشف توترها؛ كانت تمسك الشوكة بقوة أكبر مما ينبغي.انتبه قاسم لذلك.مد يده بهدوء إلى طبقها، ووضع فيه بعض الطعام.رفعت عينيها إليه للحظة.التقت نظراتهما.كانت هي أول من أشاح بوجهه.قالت ليلى، زوجة رائد، وهي تنظر إ
مع حلول المساء، كانت ماسة تتحرك في المطبخ بين الأطباق والحلويات التي أعدتها بعناية. لم يخبرها قاسم بالكثير، اكتفى بالقول إن بعض الضيوف سيأتون لتناول العشاء، لكنها أعدت طعامًا يكفي لسبعة أشخاص، ورتبت المائدة بعناية، ثم أضافت أطباقًا صغيرة من الحلوى التي أمضت جزءًا من نهارها في إعدادها. ألقت نظرة أخيرة على كل شيء، ثم مسحت يديها بطرف مئزرها. في تلك اللحظة، وصلها صوت السيارات أمام المنزل. لقد وصلوا. ابتسمت دون أن تشعر، ثم خرجت من المطبخ لاستقبالهم. وقبل أن تغادر، ألقت نظرة سريعة على مظهرها وتأكدت أن كل شيء على ما يرام. وصلتها أصوات الضيوف من غرفة الجلوس. تنفست بعمق، واستجمعت شجاعتها، ثم خرجت وهي ترسم ابتسامة واسعة على شفتيها. لكن خطواتها توقفت فجأة. ما إن وقعت عيناها على الدكتور رائد حتى تجمدت في مكانها. كان يقف إلى جوار قاسم ويتحدث إليه براحة، بل ويبتسم وكأنه يعرفه منذ سنوات. عبست ماسة. منذ متى يعرف زوجها أستاذها السابق في الجامعة؟ ثم راحت عيناها تتنقلان بين أفراد عائلته. كانت برفقته امرأة شقراء جميلة، تبدو في بداية الأربعينيات، وإلى جوارها فتاة شقراء في مثل ع
مع مرور الأيام، بدأت ماسة تساعد قاسم في بعض الأمور البسيطة.ترتب الملفات.تراجع المواعيد.تجهز له قهوته بالطريقة التي يحبها.وأحيانًا تجلس إلى جواره أثناء عمله، تقرأ بصمت بينما يعمل هو أمامها.وفي إحدى المرات، دخل قاسم مكتبه فوجدها جالسة خلف مكتبه، تقرأ أحد المستندات بتركيز شديد.توقف عند الباب.— ماذا تفعلين؟رفعت رأسها.— أساعدك.نظر إلى الورقة بين يديها، ثم إلى الكرسي الذي تجلس عليه.— ومن سمح لك باستخدام مكتبي؟ابتسمت بثقة مصطنعة.— أنت.— لا أذكر أنني فعلت.أشارت إلى الكرسي.— عندما قلت لي: اعتبري المكتب مكتبك.فكر للحظة، ثم قال بجدية زائفة:— يبدو أنني ارتكبت خطأً كبيرًا.ضحكت.— يمكنك طردي.اقترب منها، وأخذ الملف من يدها ووضعه جانبًا.— مستحيل.ثم نظر إلى الأوراق أمامها.— لا أريد أن أرهق عقلك الصغير بأمور الشركة المعقدة.خفضت عينيها.— أحاول أن أكون نافعة فقط... لا أريد أن أشعر أنني عبء عليك.تغيرت ملامحه فورًا.انحنى حتى أصبح في مستوى عينيها.— أنتِ لستِ عبئًا.سكت لحظة، ثم قال بهدوء:— أنا أفعل كل هذا من أجلك، لكنني لا أريدك أن تعيشي وكأن حياتك توقفت بسبب ما حدث.رفعت عينيها
مرت الأيام التالية بهدوء لم تعتده ماسة.لم يكن هدوءًا كاملًا، فالقضية لم تنتهِ بعد، وقاسم كان يغادر المنزل لساعات طويلة، يتنقل بين اجتماعاته مع المحامي، ويتابع الشهادات والملفات، ويبحث مع فريقه عن الأدلة التي يمكن أن تُسقط النفوذ الذي احتمى به العميد خليل لسنوات.في البداية، حاولت ماسة ألا تتأثر بغيابه.كانت تقرأ قليلًا، تتصفح هاتفها، ترتب بعض الأشياء في المنزل، ثم تحاول النوم.لكنها، في كل مرة، كانت تجد نفسها تنظر إلى الساعة أكثر مما ينبغي.وفي أحد الأيام، عاد قاسم متأخرًا.وجدها جالسة على الأريكة، والكتاب مفتوح فوق حجرها، بينما غلبها النعاس .توقف أمامها للحظات.ثم اقترب بهدوء، وأخذ الكتاب من يدها ووضعه جانبًا.تحركت جفناها ببطء، قبل أن تفتح عينيها.— عدت؟ابتسم.— نعم.نظرت إلى الساعة، ثم إليه.— تأخرت.— آسف.اعتدلت في جلستها بسرعة.— لا تعتذر... لم أكن أنتظرك.رفع حاجبه وهو ينظر إلى الكتاب الذي يحمله.— بالطبع.عبست.— كنت أقرأ.رفع الكتاب أمامها قليلًا.— واضح.ضحكت رغمًا عنها، ثم سكتت.جلس إلى جوارها، وتأمل وجهها للحظات قبل أن يسأل:— هل مللتِ؟ترددت قليلًا، ثم اعترفت:— كثيرًا
حينما وصلا إلى المنزل، لم يوقظها قاسم.حملها بين ذراعيه بهدوء، وصعد بها الدرج حتى غرفة النوم، ثم وضعها على الفراش برفق وسحب الغطاء فوقها.بقي واقفًا للحظات يتأمل وجهها.بدت ملامحها أكثر هدوءًا الآن، لكن الشحوب لم يغادرها تمامًا.انحنى وقبّل جبينها، ثم خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.كان يعرف أنها بحاجة إلى الراحة... والغذاء.لذلك اتجه إلى المطبخ، شمر عن ساعديه، وبدأ بإعداد وجبة سريعة بنفسه.لم يكن من عادته أن يقف طويلًا في المطبخ، لكنه لم يكن يهتم.كل ما كان يشغله الآن أن تستعيد ماسة قوتها.وفي مكان آخر، كان الدكتور رائد يحاول الالتزام بوعده لقاسم.لم يتدخل أمام ماسة، ولم يحاول الاقتراب منها قبل أن يسمح له قاسم بذلك.لكن ابتعاده عن الصورة لم يكن يعني أنه وقف مكتوف اليدين.كان رائد قد دلّ قاسم على أول الخيوط، وترك له مهمة تتبعها بنفسه.أوصله ببعض الطالبات اللواتي سبق أن تقدمن بشكاوى ضد العميد خليل، ومحامي قاسم اقنعهن بالتحدث من جديد.لم تكن المشكلة في غياب الشكاوى.بل في أنها كانت تختفي قبل أن تصل إلى المكان الذي يمكن أن تُسمع فيه.نفوذ العميد كان كافيًا لإيقافها، وإجبار أصحابها على التراج
توقف الزمن في عقل قاسم عند كلمات عمه الأصغر القذرة. شعر ببركان ينفجر في عروقه، ولم يعِ بنفسه إلا وهو ينقض كالمجنون على ياقة عمه، كابساً على عنقه بيد، ورافعاً يده الأخرى بقبضة حديدية مهشمة، كاد يطيح بها برأسه لولا صرخة عمته الهستيرية التي هزت جدران صالة العزاء. اندفع عمه الأكبر بسرعة، وبصعوبة بالغة
كان يصعب على حنان ترك ماسة والرحيل الا انها اضطرت لذلك بعد ان وعدتها بأن تعود لتأخذها لاحقا الى المدرسة . انتزعت حنان نفسها من أفكارها على صوت باب غرفة يفتح، نهضت لتجد ماسة امام غرفتها تقف كالتائهة، رق قلب حنان لاجلها فبسبب اعاقتها لا تفهم حاجتها كي تلبيها لها . تقدمت منها برفق تسألها: - هل
كان إخفاء الحقيقة عن قاسم أصعب بكثير مما توقعه والداه. رغم انتقالهم إلى السعودية تنفيذًا لنصيحة الطبيب، ورغم محاولات حنان المستمرة لإبعاده عن كل ما يذكره بميس، لم ينسها يومًا. كانت حاضرة في كل تفاصيل يومه، وفي نهاية كل نشاط أو رحلة كان يعود بالسؤال ذاته: متى ستعود ميس؟ وكانا يكذبان عليه كل مرة.
-قاسم تعال لترحب بشقيقتك نظر اليها قاسم البالغ من العمر 9 سنوات بغضب واشمئزاز وصاح صارخا بحدة. - هذه ليست شقيقتي أنا اريد اختي الحقيقية وليست هذه البكماء وأندفع راكضا إلى غرفته مقفلا على نفسه الباب وعاد ليتقوقع على نفسه يغرق وسادته بدموع القهر والحزن على فراق شقيقته الحبيبة التي توفت بحادث سير تس







