تسجيل الدخولمع حلول المساء، كانت ماسة تتحرك في المطبخ بين الأطباق والحلويات التي أعدتها بعناية. لم يخبرها قاسم بالكثير، اكتفى بالقول إن بعض الضيوف سيأتون لتناول العشاء، لكنها أعدت طعامًا يكفي لسبعة أشخاص، ورتبت المائدة بعناية، ثم أضافت أطباقًا صغيرة من الحلوى التي أمضت جزءًا من نهارها في إعدادها. ألقت نظرة أخيرة على كل شيء، ثم مسحت يديها بطرف مئزرها. في تلك اللحظة، وصلها صوت السيارات أمام المنزل. لقد وصلوا. ابتسمت دون أن تشعر، ثم خرجت من المطبخ لاستقبالهم. وقبل أن تغادر، ألقت نظرة سريعة على مظهرها وتأكدت أن كل شيء على ما يرام. وصلتها أصوات الضيوف من غرفة الجلوس. تنفست بعمق، واستجمعت شجاعتها، ثم خرجت وهي ترسم ابتسامة واسعة على شفتيها. لكن خطواتها توقفت فجأة. ما إن وقعت عيناها على الدكتور رائد حتى تجمدت في مكانها. كان يقف إلى جوار قاسم ويتحدث إليه براحة، بل ويبتسم وكأنه يعرفه منذ سنوات. عبست ماسة. منذ متى يعرف زوجها أستاذها السابق في الجامعة؟ ثم راحت عيناها تتنقلان بين أفراد عائلته. كانت برفقته امرأة شقراء جميلة، تبدو في بداية الأربعينيات، وإلى جوارها فتاة شقراء في مثل ع
مع مرور الأيام، بدأت ماسة تساعد قاسم في بعض الأمور البسيطة.ترتب الملفات.تراجع المواعيد.تجهز له قهوته بالطريقة التي يحبها.وأحيانًا تجلس إلى جواره أثناء عمله، تقرأ بصمت بينما يعمل هو أمامها.وفي إحدى المرات، دخل قاسم مكتبه فوجدها جالسة خلف مكتبه، تقرأ أحد المستندات بتركيز شديد.توقف عند الباب.— ماذا تفعلين؟رفعت رأسها.— أساعدك.نظر إلى الورقة بين يديها، ثم إلى الكرسي الذي تجلس عليه.— ومن سمح لك باستخدام مكتبي؟ابتسمت بثقة مصطنعة.— أنت.— لا أذكر أنني فعلت.أشارت إلى الكرسي.— عندما قلت لي: اعتبري المكتب مكتبك.فكر للحظة، ثم قال بجدية زائفة:— يبدو أنني ارتكبت خطأً كبيرًا.ضحكت.— يمكنك طردي.اقترب منها، وأخذ الملف من يدها ووضعه جانبًا.— مستحيل.ثم نظر إلى الأوراق أمامها.— لا أريد أن أرهق عقلك الصغير بأمور الشركة المعقدة.خفضت عينيها.— أحاول أن أكون نافعة فقط... لا أريد أن أشعر أنني عبء عليك.تغيرت ملامحه فورًا.انحنى حتى أصبح في مستوى عينيها.— أنتِ لستِ عبئًا.سكت لحظة، ثم قال بهدوء:— أنا أفعل كل هذا من أجلك، لكنني لا أريدك أن تعيشي وكأن حياتك توقفت بسبب ما حدث.رفعت عينيها
مرت الأيام التالية بهدوء لم تعتده ماسة.لم يكن هدوءًا كاملًا، فالقضية لم تنتهِ بعد، وقاسم كان يغادر المنزل لساعات طويلة، يتنقل بين اجتماعاته مع المحامي، ويتابع الشهادات والملفات، ويبحث مع فريقه عن الأدلة التي يمكن أن تُسقط النفوذ الذي احتمى به العميد خليل لسنوات.في البداية، حاولت ماسة ألا تتأثر بغيابه.كانت تقرأ قليلًا، تتصفح هاتفها، ترتب بعض الأشياء في المنزل، ثم تحاول النوم.لكنها، في كل مرة، كانت تجد نفسها تنظر إلى الساعة أكثر مما ينبغي.وفي أحد الأيام، عاد قاسم متأخرًا.وجدها جالسة على الأريكة، والكتاب مفتوح فوق حجرها، بينما غلبها النعاس .توقف أمامها للحظات.ثم اقترب بهدوء، وأخذ الكتاب من يدها ووضعه جانبًا.تحركت جفناها ببطء، قبل أن تفتح عينيها.— عدت؟ابتسم.— نعم.نظرت إلى الساعة، ثم إليه.— تأخرت.— آسف.اعتدلت في جلستها بسرعة.— لا تعتذر... لم أكن أنتظرك.رفع حاجبه وهو ينظر إلى الكتاب الذي يحمله.— بالطبع.عبست.— كنت أقرأ.رفع الكتاب أمامها قليلًا.— واضح.ضحكت رغمًا عنها، ثم سكتت.جلس إلى جوارها، وتأمل وجهها للحظات قبل أن يسأل:— هل مللتِ؟ترددت قليلًا، ثم اعترفت:— كثيرًا
حينما وصلا إلى المنزل، لم يوقظها قاسم.حملها بين ذراعيه بهدوء، وصعد بها الدرج حتى غرفة النوم، ثم وضعها على الفراش برفق وسحب الغطاء فوقها.بقي واقفًا للحظات يتأمل وجهها.بدت ملامحها أكثر هدوءًا الآن، لكن الشحوب لم يغادرها تمامًا.انحنى وقبّل جبينها، ثم خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.كان يعرف أنها بحاجة إلى الراحة... والغذاء.لذلك اتجه إلى المطبخ، شمر عن ساعديه، وبدأ بإعداد وجبة سريعة بنفسه.لم يكن من عادته أن يقف طويلًا في المطبخ، لكنه لم يكن يهتم.كل ما كان يشغله الآن أن تستعيد ماسة قوتها.وفي مكان آخر، كان الدكتور رائد يحاول الالتزام بوعده لقاسم.لم يتدخل أمام ماسة، ولم يحاول الاقتراب منها قبل أن يسمح له قاسم بذلك.لكن ابتعاده عن الصورة لم يكن يعني أنه وقف مكتوف اليدين.كان رائد قد دلّ قاسم على أول الخيوط، وترك له مهمة تتبعها بنفسه.أوصله ببعض الطالبات اللواتي سبق أن تقدمن بشكاوى ضد العميد خليل، ومحامي قاسم اقنعهن بالتحدث من جديد.لم تكن المشكلة في غياب الشكاوى.بل في أنها كانت تختفي قبل أن تصل إلى المكان الذي يمكن أن تُسمع فيه.نفوذ العميد كان كافيًا لإيقافها، وإجبار أصحابها على التراج
— السيدة ماسة... إفراج.رفعت ماسة رأسها ونظرت إلى الحارس. هل نادى اسمها حقًا، أم أن خيالاتها هي التي أوهمتها بذلك؟ظل يحدق بها بحزم، بينما بقيت مكانها للحظات، كأن عقلها لم يستوعب الكلمة بعد.نظرت حولها، محاولة التأكد من أنها سمعت جيدًا.كانت جميع العيون قد اتجهت إليها.بدأت الهمسات تتعالى من هنا وهناك.— لديها نفوذ قوي.— ألم تري ذلك الرجل الذي أتى لزيارتها؟ردت أخرى:— سمعت أنه زوجها.اعترضت ثالثة:— مستحيل... ربما عشيقها.احمر وجه ماسة حتى أذنيها، وخفضت عينيها بخجل.قال الحارس بنفاد صبر:— تحركي للخارج.اتجهت نحو الباب بخطوات مترددة.وحين أُغلق باب الحجز خلفها، توقفت.استنشقت الهواء بعمق.لا قضبان.لا جدران باردة.لا أبواب تُغلق خلفها.كانت حرة.لأول مرة منذ ساعات، شعرت أن صدرها يستطيع التنفس من جديد.— ماسة...التفتت.كان قاسم قادمًا نحوها بخطوات واسعة وسريعة.لم يكن في ملامحه شيء من هدوئه المعتاد.كان وجهه شاحبًا من القلق، وعيناه معلقتين بها وكأنه يريد أن يتأكد بنفسه أنها أمامه فعلًا.وما إن التقت عيناه بعينيها حتى انكسر ذلك التماسك الذي حاول الحفاظ عليه.لهفة واضحة.اشتياق.وخوف
كان قاسم يراقب العميد. للمرة الأولى، لم يعد الرجل يبدو واثقًا كما دخل. تابع المحامي: — لدينا أيضًا إفادتان من طالبتين أخريين. كلتاهما تحدثتا عن استخدام الدرجات والسلطة الأكاديمية للضغط عليهما. قال العميد بغضب: — كذب! أجاب المحامي. — لكن إذا كانت هذه مجرد ادعاءات كاذبة، فلا يوجد ما يدعو موكلنا للخوف من فحصها. تدخل المحقق: — هل تقدمت أي من الطالبات بشكوى رسمية؟ — إحدى الإفادات القديمة موجودة في سجلات الجامعة، ولدينا ما يثبت وجود مراسلات متبادلة. أما الأخريات فمستعدتان لتقديم إفادتيهما رسميًا. نظر المحقق إلى العميد. — هل سبق أن تلقيت شكوى تتعلق بسلوكك مع الطالبات؟ صمت خليل. كان الصمت هذه المرة أطول. قال محاميه: — موكلي لا يرغب في الإجابة عن هذا السؤال قبل الاطلاع على كامل المستندات. أومأ المحقق ببطء. ثم أعاد نظره إلى ملف ماسة. — دعونا نعود إلى زوجة السيد قاسم. فتح محامي قاسم صفحة أخرى. — موكلتي لم تنكر ضرب العميد. — أعرف. — لكنها قالت منذ البداية إنها ذهبت إلى منزله لمواجهته بشأن تهديداته، ثم وقع ما دفعها إلى استخدام القوة. قال العميد فورًا: — هذا كذب لم أقم بتهد
توقف الزمن في عقل قاسم عند كلمات عمه الأصغر القذرة. شعر ببركان ينفجر في عروقه، ولم يعِ بنفسه إلا وهو ينقض كالمجنون على ياقة عمه، كابساً على عنقه بيد، ورافعاً يده الأخرى بقبضة حديدية مهشمة، كاد يطيح بها برأسه لولا صرخة عمته الهستيرية التي هزت جدران صالة العزاء. اندفع عمه الأكبر بسرعة، وبصعوبة بالغة
أمعنت ماسة النظر أمامها بتوتر، لتتفاجأ بقصي يظهر من بين الظلال وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة. اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل إليها حتى أمسك بذراعها قائلاً بغضب واضح: — هل جننتِ؟! لم يكن عليكِ المغادرة وحدكِ بهذا الوقت. اتسعت عينا ماسة بذهول. كيف يجرؤ على التحدث معها بهذه الطريق
منذ سفر حنان وسالم لحضور خطوبة قاسم، تحوّل المنزل إلى ساحة حرب صامتة. كانت هناء تراقب ماسة وكأنها دخيلة على العائلة، لا ابنة تربّت بينهم منذ طفولتها. ومع ذلك… لم ترد ماسة يومًا. كل كلمة جارحة كانت تستقبلها بابتسامتها الهادئة نفسها، وكأنها ترفض النزول إلى مستوى خالتها مهما استفزتها. وفي مساء
كان وجود زوج ك سالم مصدر فخر لها بقوته وهيبته و حكمته وعدله، لم يخيب ظنها يوما لطالما ساندها ووقف الى جانبها في اسوأ الاوقات . تنهدت حنان وهي تشكر حظها للمرة الألف لحصولها على زوج مثله . عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها و كأنها غنيمتها من احدى غزواتها التي قامت بها . كانت ماسة تتميز بجمال







