Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-08-04 03:32:49

«ماذا حدث يا باهر؟»

غصّ الطعام في حلقه فجأة،

فاندفعت ليان بخفة وناولته كوب الماء الممتدّ بجوارها.

كان اقترابها المباغت، ونفحة عطرها الدافئة،

كفيلين بإرباكه؛ حتى إنه زاغ ببصره بعيداً عنها

كي يستردّ أنفاسه بصعوبة.

انتقل الجميع للجلوس في الشرفة بعد العشاء،

حيث التفتت ليان إلى مادلين وقالت بنبرة تدلّكها الرفاهية:

«حبيبتي، عليكِ أنتِ جمع الأطباق وغسلها..

تعلمين كم أخشى على كسر أظافري!»،

لتردّ مادلين بابتسامة قاطبة:

«كالعادة.. وهل أتعرف عليكِ لأول مرة؟».

لم يمضِ وقت طويل حتى نهض الأب متكئاً على مقعده،

وهمس لزوجته بمواعيد دوائه ورغبته في النوم،

فقامت الأخيرة لترافقه قائلة:

«حسناً، هيا لنأخذ دواءك.. بعد إذنك يا باهر».

ردّ باهر باحترام وهو يشيح بعينيه مجدداً:

«تفضلي يا أمي». لكنه رغم محاولته تجنب النظر،

شعر بوهج نظرات ليان المتفحصة وضحكتها الساخرة

وهي تهمس: «ما بك يا باهر؟ أأنت خجولٌ كزوجتك؟».

شعر بالتخبط، فنادى زوجته بصوتٍ عالٍ شابه بعض التوتر:

«مادلين!».

أقبلت مادلين والماء والصابون يكسوان يديها:

«ماذا هناك يا باهر؟ لمَ يرتفع صوتك؟».

قال مستعجلاً: «حبيبتي، ألن ننصرف؟ لقد تأخر الوقت كثيراً».

أجابته بوفاء: «أمهلني نصف ساعة فقط لأكمل غسيل الأواني لأمى

، فهي مريضة ولن تقوى على ذلك وحدها»

. وقبل أن تعود للمطبخ، هتفت ليان:

«مادلين، لا تنسي الشاي معكِ، لقد اشتقتُ إليه من يديكِ!»

، فردت الأخرى بطاعة: «حاضر، سأحضره فور انتهائي».

وعندما خلت الشرفة إلا منهما،

وقفت ليان بدلال، ودارت أمامه بخطوات بطيئة واثقة،

قبل أن تنحني قبالته مباشرة وتسبر غور عينيه.

رأت ارتباكه الواضح، وزفراته المتلاحقة وهو يبتلع ريقه بصعوبة،

فدنت أكثر وهمست: «ألم تشتق إليّ؟»

. وبحركة جريئة، أمسكت بذقنه لتجبره على المواجهة،

وطبعت قبّلة خاطفة على شفتيه

، أتبعتها بضحكة خبيثة مفعمة بالتحدي،

ثم تراجعت لتجلس أمامه بميوعة تسأل:

«متى علمتَ أنني لست مادلين؟».

تلعثم باهر وهو يحاول تجميع شتات شجاعته:

«لم أعلم بالطبع.. وإلا لكنتُ أوقفتُكِ فوراً!».

ابتسمت بمكر: «ونظراتك التي كانت تلاحق تفاصيل جسدي

على الطاولة؟».

ردّ بنبرة حازمة يحاول بها درء الخطر:

«ليان.. أنا أحب زوجتي، وحياتنا مستقرة وهادئة،

فلا تعكري صفونا بألاعيبكِ!».

مالت بنظرتها وقالت بثقة: «أنت أدرى.. ولكن إن غيرتَ رأيك —

وأنا أعلم أنك ستفعل قريباً

— فاتصل بي قبل أن أسافر، فلقد استمتعتُ اليوم جداً..

يا لَحَظِّ مادلين!».

وفي تلك اللحظة بالذات، أطلّت مادلين حاملة صينية الشاي

، وقالت بجرأة وعفوية: «يا لَحَظّي على أي شيء يا ليان؟!».

أتت جملة ليان كأنها شرارة ألقت بها في وعاء مملوء بالمشتقات

المشتعلة، لم تتردد لحظة واحدة في تعكير صفو المكان.

«أنتِ محظوظة جداً.. يظهر من كلمات باهر عنكِ أنه يعشقكِ!»

قالتها ليان بنبرة تحمل من التهكم أكثر مما تحمل من المودة.

ردت مادلين بجرأة ودون أن ترف لها عين،

وهي تضع صينية الشاي بثبات:

«بالطبع، وأنا أيضاً أحب زوجي جداً».

ابتسمت ليان ابتسامة خبيثة

، متلذذة بالطريقة التي تستفز بها مشاعر الجميع:

«غريب جداً!.. هل تعلم أنها تزوجتكَ رغماً عنها بضغط شديد من والدي؟».

«ليان!» اندفعت مادلين نحوها كالسهم، يرتفع صوتها بصرخة ذهول

واستنكار: «هل جننتِ؟! انتبهي جيداً لما تقولين!».

أشاحت ليان بكتفيها ببرود،

وكأنها لم تفعل شيئاً: «بالطبع هذا كان قبل زواجكما..

ولكني أرى أن الأمر تبدل الآن تماماً».

ارتجفت يدا مادلين من الغضب

، لكنها ضبطت أنفاسها وتطلعت إلى أختها بنظرة خيبة أمل،

وقالت بحزم: «ستبقين كما أنتِ دوماً.. لن ينصلح حالكِ أبداً».

ثم التفتت إلى زوجها وقالت برجاء خنقته العبرات:

«هيا يا باهر، أرجوك.. لنذهب الآن فوراً».

نادتها ليان بنبرة استخفاف وهي تراقب انسحابها

: «مادلين! ابقوا قليلاً، كنت أداعبكِ فقط.

. هل ما زلتِ تغضبين من أي شيء بسرعة؟».

لم تعرها مادلين أي اهتمام، ولم تلتفت خلفها

، بل تمسكت بذراع باهر وقالت بنبرة قاطعة لا تحتمل التأجيل:

«هيا يا باهر.. من فضلك».

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٣٠

    «اجلسي يا مادلين!» قالها أمجد بنبرة مضطربة، فجلست أمامه دون أن ترتدي معطفها. كان مظهرها مغرياً إلى أبعد حد؛ شعرها المرفوع يبرز نعومة عنقها الصافي، وبشرتها الرقيقة كالأطفال تلمع تحت الإضاءة. كانت أكتافها العارية ومقدمة صدرها المكشوفة تعلو وتهبط مع أنفاسها بطريقة مثيرة للجنون. كان جسد أمجد يصعب السيطرة عليه؛ فكلما رمقها بنظرة، تملكته رغبة عارمة في أن يعتصرها بين يديه ، لكنه كان يحاول جاهداً إبعاد هذه الأفكار واستجماع كلماته: «كيف أستطيع مساعدتكِ؟ لابد من وضع حد لبطش باهر!». تظاهرت بالتفكير لثوانٍ ثم قالت: «لا يوجد سوى حل واحد...». سألها بلهفة: «ما هو؟!». قالت بنبرة خبيثة: «أليس للشركة فروع أخرى بعيداً عن هنا؟». أجابها أمجد: «بالطبع.. يوجد فرع في مدينة تبعد ساعة بالسيارة، والآخر في منطقة نائية تبعد خمس ساعات!». ارتسمت الفرحة على وجهها، ثم تحركت باتجاهه وانحنت على مكتبه بجراءة، لتصبح عينها في عينيه مباشرة، وينكشف انحناء صدرها أمامه بشكل لا يطاق؛ كان أمجد في موقف يصعب على أي رجل تحمله، وكأنها عارية أمامه بجسدها المثالي! قالت بدموع زائفة: «هل يمكن أن ت

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٢٩

    وصلت مادلين أخيراً إلى منزلها؛ أغلقت الباب بإحكام بالترابيس والقفل، ثم ارتمت على السرير تلتقط أنفاسها المتهدجة، وجسدها يرتجف من أثر الرعب والبرد. في المقابل، كان الدكتور شريف يستقل سيارته يذرع الشوارع المحيطة جائلاً بعينيه في كل زاوية بعدما بحث عنها كثيراً دون جدوى. ترجل أمام منزله يسترجع نظرتها المذعورة ودموعها الصادقة، وظل يفكر بذهول ونوع من الندم: «كيف تحولت هذه الفتاة بالكامل؟ هل يعقل أن أكون قد ظلمتها وتسرعت في الحكم عليها بناءً على انطباع سابق؟! هناك شيئاً مفقوداً في هذه القصة!». مرت عدة أيام ثقيلة لم تغادر فيها مادلين شقتها الضيقة في لندن مطلقاً، وانقطعت عن الذهاب إلى الجامعة، تجر أذيال الحيرة والخوف وتقتات على ما تبقى لديها من طعام. بينما على الضفة الأخرى في لويزيانا، كانت ليان تتمتع بحياتها الجديدة كلياً، وتنسج شباك إغواائها لمديرها أمجد على مهل وبذكاء شيطاني. وفي صباح يوم جديد، ارتدت ليان ملابس أنيقة تنضح بالأنوثة وتغطي جسدها إلى حد ما؛ تنورة طويلة ضيقة تصل لركبتيها تبرز تفاصيل جسدها، وبلوزة مكشوفة الأكتاف والصدر يغطيها معطف أملس

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٢٨

    رفعت مادلين نظرها بذهول وهي تلهث بشدة، وصدرها يعلو ويهبط من الفزع؛ ملابسها مبعثرة، وأزرار قميصها مفكوكة، وشعرها ثائر وغير مرتب، ليلتقي نظرتها المذعورة بحديث عيني الدكتور شريف القاسيتين. التفتت خلفها برعب، فوجدت صاحب المقهى يخرج من المطبخ ممسكاً برأسه والدم ينزف منه، ويتوعدها بصراخ هادِر: «لن تفلتي مني أيها العاهره!». لم تنتظر مادلين لحظة واحدة؛ أزاحت شريف بيدها المرتجفة وخرجت تركض في ظلام الشوارع كالهاربه من حتفها . ارتبك صاحب المقهى عندما وجد شريف يقف أمامه بملامحه الصارمة، فسارع بمواراة جرمه بكذبة قذرة: «هذه اللصّة سرقت الأموال من الخزينة! وعندما ضبطتها متلبسة، ضربتني بهذه المزهرية على رأسي!». لم تنطلِ الكذبة على شريف؛ رمقه بنظرة احتقار ثاقبة، وانطلق خلفها مسرعاً يبحث عنها في أزقة لندن المعتمة، لكنها كانت قد اختفت تماماً وسط ظلمات الليل. وفي لويزيانا، وبداخل شقة باهر، كانت ليان تسند ظهرها إلى الجدار وهي شاردة الذهن، تغرق في تخطيطها الخبيث لكيفية إيقاع أمجد في شباكها؛ ليرفعها إلى عالم الثراء وينتشلها من هذا الفقر والروتين القاتل. ا

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٢٧

    دخلت ليان إلى مكتب أمجد بيه بالطابق السابع، مطمئنة تماماً لأن باهر يعمل في الطابق الأول ولن يرصد حركاتها. وقفت أمام المرآة المعلقة، وعدّلت ملابسها بجراءة؛ فكّت الزر الأعلى لقميصها لتبرز مفاتنها، وأخرجت أحمر الشفاه لتضيف طبقة صارخة زادتها إغراءً. دخل أمجد المكتب فوجدها بانتظاره : «مرحباً مادلين.. أرى أنكِ بدأتِ العمل مبكراً اليوم! ردت بنبرة ناعمة: «بالطبع، أنا أعشق عملي وأحرص على الالتزام منذ اليوم الأول!». تقدمت بخفة وتناولت حقيبة الأوراق من يديه. ابتسم أمجد برسمية: «لا داعي لذلك..». ردت بدلال: «عذراً، هذا من صميم عملي!». وقبل أن يجلس، اقتربت منه وسألته برقة: «هل تحب أن تخلع السترة؟» . تلعثم أمجد محاولاً الحفاظ على الوقار: «حسناً.. فكرة جيدة». مدت يديها أعلى كتفيه وأنزلت السترة برفق، فانسابت أناملها كالكهرباء على جسده. شعر أمجد بإثارة جامحة حاول مداراتها بصعوبة، وجلس على مقعده بينما ذهبت هي لتعليق السترة . عادت ووقفت أمامه بابتسامة فاتنة: «هل أحضر لك أي شيء الآن؟». رد بنبرة متقطعة: «شكراً مادلين.. إذا احتجتُ شيئاً سأبلغكِ». تحركت

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٢٦

    أمضت مادلين باقي الوردية بسلام؛ فبعد التاسعة مساءً أصبح المكان أهدأ مع انصراف طلاب الجامعة. عادت إلى شقتها الضيقة وفي جيبها راتبها اليومي وما حصلت عليه من إكراميات الزبائن. وفي لويزيانا، كلما حاول باهر لمس ليان في الفراش، ابتعدت عنه وتصنعت النوم ببرود. همس باهر في أذنها: «مادلين.. استيقظي، أعرف أنكِ لستِ نائمة!». استدارت له بضيق: «ماذا تريد الآن يا باهر؟». قال بحيرة: «أليس اليوم هو الموعد المحدد لنكون سوياً؟». اتسعت عينا ليان بذهول، وقالت في سرها باستهزاء: «هل لهذا جدول ومواعيد محددة أيضاً؟!». ثم انفجرت ضاحكة بتهكم! سألها باهر بغضب: «لماذا تضحكين؟!». . ردت بسخرية: «أبداً!.. عندما كنتُ متحمسة في السيارة رفضتني، والان ونحن في منتهى الرتابة والملل تطلبني؟!». قال باهر مدافعاً: «نفترض أن أحداً رآنا في السيارة!». ردت: «وما بها؟!». أوضح بحزم: «هل أعرضكِ لخطر أن يراكِ أحدهم مكشوفة في الشارع؟ هذا لا يصح!». قالت بقلة صبر واستسلام: «حسناً.. هيا لننتهي من هذا الآن! تفضل، أنا أمامك!». جامعها باهر بروتينية وثقل، تماماً كما كان يفعل مع مادلين القديمة، حتى انتهى ونام

  • هوس أختى التوأم بحياتى    الفصل ٢٥

    في المقهى القريب من جامعة لندن، تمالكت مادلين نفسها بجهد جهيد؛ أحكمت قبضة يدها وضغطت على أصابعها حتى أبيضّت مفاصلها. ابتعدت عنه بآلية خطوة للوراء، وأمسكت بالقميص تحتمي به متصنعة الهدوء: «حسناً.. يبدو ملائما جداً!». ابتسم الرجل بسماجة ووقاحة بالغة: «رائع! ننتظركِ الليلة يا جميلة». خرجت مادلين من المقهى تستنشق الهواء النقي بلهفة ، ومسحت بظهر يدها دمعة حارقة فرّت من عينيها. هزت رأسها وقالت لنفسها بإصرار جريح: «لن يكون الأمر سهلاً أبداً.. ولكنكِ ستتحملين يا مادلين!». وفي لويزيانا، وبداخل مكتب «أمجد»، ساد الصمت لثوانٍ بعد خروج باهر، قبل أن يجلس أمجد متحدثاً مع ليان أريحية وتودد أكبر. تحدثت ليان بذكاء طافح بجراءة ناعمة وروح خفيفة تخلب ألباب الرجال سريعا ، فابتسم أمجد وسألها بريبة: «ألن يؤثر وجود زوجكِ معكِ في نفس الشركة على عملكِ؟». تحولت ملامح وجهها في لحظة إلى حزن درامي متقن، وطاطأت رأسها: «لا، لن يؤثر.. ولكن الكلام الذي سيخرج مني الآن سيبقى بيننا رجاءً يا أمجد بيه!». رد باهر بجدية واهتمام: «بالطبع، لا تقلقي مطلقاً!». همست بصوت مهدود: «أنا وباهر عل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status