LOGINانسلخت القسوة من نظرات ليان لتتحول إلى هواء بارد
يصفع وجه مادلين ما إن أُغلق باب الشقة خلفهما. وعند السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت باهر . وقف باهر فجأة، وأمسك مادلين من ذراعها بقوة أربكتها لتلتفت إليه رغماً عنها، وقد تحجّرت عيناه بتسائل جريح: «هل حقاً تزوجتِني رغماً عنكِ؟». ارتبكت مادلين وحاولت سحب يدها بهدوء ، مستجدية تفهمه: «لا تفهم الموضوع خطأ يا باهر. . أنا فقط كنت أريد أن أكمل تعليمي، ولهذا السبب تحديداً كنت أرفض فكرة الارتباط بأي شخص ، ولم يكن الأمر بسب بك شخصياً!». «تكملين تعليمكِ؟!».. علت ابتسامة ساخرة وجهه، فيها من المهانة ما هو أشد من الضرب . استقل مقعد القيادة ودقّ عجلة القيادة بأصابعه متشيئاً بمرارة: «أنتِ حتى لم تنجحي في الثانوية العامة كي تفكري في إكمال تعليمكِ! أحمدي الله أنني قبلتُ بكِ وبهذا الوضع!». أطلق كلماته كالمشاطر المسمومة يريد بها استرداد كرامته التي خدشتها ليان أمام الجميع، غير مبالٍ بمدى العمق الذي تجرحه في قلب زوجته. رفعت مادلين رأسها بآلية لتداري دموعها، فصادفت عيناها وقفة ليان في الشرفة العالية؛ كانت تطوق صدرها بيديها، وتنظر إلى الأسفل بابتسامة نصر خبيثة تشفي غليلها. عند تلك اللحظة، و تحت ثقل الابتسامة المسمومة والكلمات الجارحة، انقطعت مادلين عن حاضرها. . وعادت بذاكرتها سنوات عديدة إلى الوراء. قاعات الامتحان في ذلك اليوم القائظ من نهاية العام الدراسي للصف الثالث المتوسط كانت تفوح برهبة الصمت ، لا يقطعها إلا صرير الأقلام اللاهثة على الأوراق. في تلك اللحظات الحاسمة ، كانت ليان تجلس أمام ورقتها البيضاء كصحراء قاحلة؛ لم تخطَّ فيها حرفاً واحداً. لم يكن الأمر يعنيها كثيراً، فالخطة كُتبت بدقة منذ ليلة أمس. رفعت يدها فجأة، ممسكة ببطنها بملامح متألمة اصطنعتها بإتقان ، وقالت بصوت خافت باكٍ: — أستاذتي.. أرجوكِ، ألمٌ مفاجئ في بطني، هل يمكنني الذهاب للمرحاض؟ أشارت لها المعلمة بالخروج وهي تزفر بأسف على حال الطالبات في قاعة الامتحان. خرجت ليان، وبمجرد أن أُغلق الباب خلفها، استقامت مشيتها واختفت علامات الألم. سارت بخطوات وئيدة في الممر، وعند مرورها بالفصل المجاور، أطلقت "كحة" عالية ومفتعلة.. كانت هذه هي الشفرة. داخل ذلك الفصل، انتفضت مادلين. وضعت قلمها جانباً بعد أن أنهت إجابة السؤال الأخير بدقة متناهية، ورفعت يدها مستأذنة للذهاب إلى المكان ذاته. في زاوية مهجورة من ممر المراحيض، التقت النسختان المتطابقتان. ملامح واحدة، عيون متطابقة، وشعر ينسدل بالطريقة ذاتها . لا يمكن لبشر أن يفرق بينهما. . إلا في تلك اللمحة الكامنة في نظراتهما. قالت ليان بهمس مستعجل: — هل انتهيتِ من امتحانك؟ أومأت مادلين بهدوء: — نعم، أنهيته بالكامل. مدت ليان يدها قائلة بأمر مبطن بالرجاء: — إذن، أعطني نظارتكِ واذهبي مكاني.. لم أجب على سؤال واحد حتى الآن! خلعت مادلين نظارتها الطبية بقلب يرتجف ، لكنه مستسلم. تبادلتا الأماكن بسلاسة تحسد عليها أمهر العصابات. دخلت مادلين قاعة ليان لتكتب لها مستقبلاً لا تستحقه، بينما خرجت ليان بنظارة مادلين لتقدم ورقة أختها كاملة الأوصاف. وهكذا، لسنوات طويلة، كانت ليان تمرح، تلعب، وتهمل دراستها، بينما تسهر مادلين تنحت الصخر في كتبها.. وفي النهاية؟ يتقاسمن المركز الأول في لوحة الشرف، بفضل عقل مادلين، وخدعة ليان. استفاقت مادلين على وقع صوته الحادّ يقطع حبل أفكارها. كان باهر يقف عند باب السيارة فتحَه، ينادي باسمها لعدة مرات دون جدوى، حتى تعرّجت نبرته وانفجر صوته فجأة ليوقظها من ذهولها: «مادلين!». التفتت إليه بدهشة مشوبة بالاضطراب، وهي تمسح غشاوة الذكريات عن عينيها: «هل وصلنا؟ عذراً.. لم أنتبه!». قال ببرود ممتزج بالسخرية وهو يحيد ببصره عنها: «من الواضح أنكِ كنتِ في عالم آخر تماماً». تطلعت إليه برجاء خفي يسعى لترميم ما انكسر بينهما قبل قليل، وسألته بصوت خافت: «ألن تصعد معي؟». ردّ بحزم وقسوة دون أن ينظر في عينيها: «لا.. أريد أن أمشي في الهواء قليلاً». عرضت عليه بحسن نية: «هل أذهب معك؟». قاطعها بنبرة حادة كالسيف، أراد بها صفع كرامتها مجدداً: «لو كنتُ أريدكِ معي.. لكنتُ صعدتُ معكِ لأعلى!». نزلت مادلين من السيارة بخطوات ثقيلة، وشاهدت طيفه يبتعد في ظلمة الشارع . وفي تلك اللحظة بالذات، أدركت مادلين بيقين يعصره الألم ، أنه من هذا اليوم.. لن يعود هدوء حياتهما كما كان أبداً.جمعت مادلين أمتعتها وسحبت حقائبها بخطوات حثيثة ومحسوبة، مغادرةً منزل والديها قبل أن تمنح ليان أي فرصة أخرى للغدر أو المواجهة الجانبية. فور وصولها إلى الفندق الرفيع، دخلت جناحها الهادئ، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بجبال الخوف والإرهاق تتهاوى عن كاهلها. ألقى التعب بثقله الكامل على جسدها المنهك، فارتمت براحة تامّة على السرير الفسيح، وغطّت في نوم عميق وثقيل بملابس سفرها دون أن تجد القوة حتى لتغييرها. مع إشراقة الصباح التالي، انساب ضياء الشمس الدافئ عبر الستائر الحريرية ليوقظها على شعور عارم بالتجدد والثبات . قامت سريعاً، وجهزت نفسها بطلة راقية تعكس وقار دكتورة المستقبل، ثم خرجت لاستكمال الإجراءات الرسمية والأوراق الحيوية التي جاءت من أجلها خصيصاً؛ إذ كان الدكتور شريف قد نسّق لها مسبقاً مع ضابط شرطة رفيع المستوى من أصدقائه المقربين لينهي لها الوثائق النهائية والتصديقات التي تحتاج إليها دون تعقيدات. أنهت مادلين معاملاتها الرسمية داخل مركز الشرطة ببراعة وسلاسة، وخرجت تنزل الدرجات الرخامية الخارجية، والشمس تلامس وجهها بابتسامة ارتياح ونصر مكتوم. وفي
وقفت ليان في الممر الخارجي خلف الباب المغلق ، تشعر بذل وهوان لم تتذوقهما طوال حياتها . كانت وجنتها الملتهبة تثور بالحرارة من أثر الصفعة ، وجسدها يرتجف بانهيار وغضب شيطاني عارم. مسحت وجهها بظهر يدها المرتجفة ، وثبتت نظراتها المشتعلة بالشر على مقابض الباب ، وقالت بصوت خفيض كحسيس الأفاعي يملؤه الوعيد القاتل: «حسناً يا مادلين... أقسم لكِ أنني سأجعلكِ تركعين أمامي وتتوسلين أقدامي كي أرحمكِ! هل تعتقدين حقاً أنكِ قادرة على سرقة اسمي وهويتي وحياتي وأنا سأقف متفرجة وأترككِ تتهني بها؟! سأريكِ من تكون (ليان) الحقيقية وكيف تُسحق الأوهام!». استدارت ليان وغادرت المنزل بخطوات حاقدة وسريعة ، والشرر يتطاير من عينيها ، وذهنها يتوقد لتدبير انتقام مدمر يمسح أختها من الوجود. في هذه الأثناء، وداخل الغرفة المظلمة، كانت مادلين ما زالت تجلس خلف الباب، تحاول لملمة شتات نفسها واستعادة أنفاسها المضطربة. مسحت عرق وجنتيها المحمرتين، ثم رفعت هاتفها المرتجف فوراً لتعيد الاتصال بالدكتور شريف. لم تمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى جاءها صوته المليء بالقلق والترقب عبر الخط: «مادلين!.. ماذا حدث ل
ما إن أغلقت الأم الباب وانسحبت بخطوات هادئة نحو الصالة، حتى تحولت ملامح الخضوع الزائف على وجه ليان فوراً إلى قناع من الشراسة والشر المطلق. تلاشت مسكنتها المصنوعة، واندفعت كالأفعى الجريحة نحو مادلين، وقبضت على ذراعها بقوة وغشامة ، وأظافرها تنغرس في بشرتها بغلٍّ مكتوم. ثبتت ليان عينيها المشتعلتين بالشر في عيني أختها، وهتفت بصوت خفيض كالحديث الشيطاني ، ونبرتها تقطر بالتهديد : «كيف تجرأتِ عليّ إلى هذه الدرجة أيتها الغبية؟! كيف ترفعين يدكِ الصعلوكة لِتصفعيني، ثم تدعين أمام أمي أنكِ أنتِ (ليان)؟! هل نسيَ عقلكِ الصغير من أكون وكيف أستطيع مسحكِ من الوجود في لحظة واحدة؟!». رغم الألم الذي اعتصر ذراعها ، لم ترف لمادلين عين، ولم ينقبض قلبها كما كان يحدث في الماضي. كانت برودة ثلجية عجيبة تسري في عروقها ، مدعومة بوعيها الكامل بأن القانون والسجلات الأكاديمية والشهادات الحية تسند ظهرها الآن باسم (ليان). عقدت مادلين حاجبياها ببرود واستعلاء ، وأزاحت يد ليان عن ذراعها بحركة حاسمة وقوية جعلت ليان تتراجع خطوة إلى الخلف من شدة الذهول. نظرت مادلين إليها ب
حطّت الطائرة في المطار، ولامست عجلاتها أرض الوطن بعد عام كامل من الغياب والتغيرات الجذرية. هبطت مادلين درجات السلم بخطوات متأنية وواثقة، يتطاير شعرها مع هبات النسيم الدافئ. وقفت للحظات تنظر حولها بنظرات تفحصية حادة، ترتدي نظارتها الشمسية الداكنة وتلتف برداء راقٍ يفيض بالأناقة. خفق قلبها بشدة تحت صدريتها، لكنها اعتصرت ذعرها الداخلي، واستجمعت كل ذرة ثبات لتتقن دور أختها "ليان" ؛ متذكرة نصيحة الدكتور شريف بالتكبر والاستعلاء المعتاد. في صالة الوصول، كان والدها ووالدتها يقفان بلهفة وشوق ينتظران ابنتهما المدللة. اقتربت مادلين بخطوات متمهلة ورأس مرفوع ، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غرور مصنوعة ببراعة . ألقت بنفسها في أحضان والديها بفتور مدروس ، وتبادلت معهما القبلات السريعة ، مظهرة الثقة المطلقة التي طالما تميزت بها ليان. جلست معهما في الصالة لبعض الوقت قبل التوجه إلى غرفتها ، وأخذت تحكي لهما بنبرة متعالية عن إنجازاتها العظيمة وانتصاراتها الباهرة في لندن، وكيف أضحت القمة درباً سهلاً تسير فيه، مطبقة بكل دقة ذات الأسلوب الاستعلائي الذي كانت لي
مر عام كامل تلاشت فيه آخر معالم الكبرياء لدى ليان ، وانزلقت فيه خطوة تلو الأخرى نحو قاع عالم سري مظلم ، شُيدت أركانه من النفوذ والصفقات المشبوهة. لم تعد الشقة الفارهة مجرد ملجأ فاخر ، بل استحالت مسرحاً مغلقاً لليالي طويلة لا تنتهي، غاب فيها ضوء النهار وحلت محله أضواء خافتة ورايات البذخ الزائف. اعتادت ليان على هذا الواقع الجديد تدريجياً حتى صار جزءاً من كيانها ؛ أصبحت التابع الدائم لأمجد في كل محفل مغلق ودعوة خاصة تجمع كبار رجال الأعمال والشخصيات النافذة. كانت الصفقات الكبرى تُبرم على أطراف موائد القمار وفي أروقة الأجنحة الملكية، وكانت هي الورقة الرابحة التي يلوح بها أمجد لإذابة جمود المفاوضات وتسريع التوقيعات. في تلك الليالي، كانت المشاعر تتأرجح في أرجائها بكثافة قاسية؛ تتذوق أحياناً نشوة السطوة حين ترى أكثر الرجال نفوذاً ينساقون خلف دلالها المعسول ورقتها المصنوعة، ويسارعون لتلبية رغباتها لمجرد ابتسامة مشجعة او ليله ساخنه . لكن هذه النشوة الكاذبة سرعان ما كانت تتبدد ليلة بعد أخرى ، ليحل محلها ألم مكتوم وانكسار داخلي ينهك روحها. تنوعت تلك السهرات وطقوسه
على الضفة الأخرى في لندن، كان النقاء والسكون يخيمان على حياة مادلين الجديدة. جليسة هي أمام مكتبها الخشبي الأنيق في حجرتها الجامعية الهادئة، تغمرها أضواء المصباح الدافئة ، وأمامها المراجع الطبية الضخمة والملاحظات الدقيقة التي طالما حلمت بالغوص في تفاصيلها. تنفسّت مادلين الصعداء بعدما وردها الخبر من ليان بتحررها النهائي والكامل من قيد باهر؛ سقط عن كاهلها جبلٌ ثقيل من الهموم والذعر الذي كان يطاردها كلما تذكرت احتمال عودتها لذلك السجن المسمى بالزواج. شعرت لأول مرة في حياتها بآدميتها، وبأن الهواء الذي تستنشقه بات خالصاً نقيّاً لا تشوبه خيانة أو استغلال . ابتسمت مادلين بصفاء وهي تقلب صفحات كتاب التشريح، وسرت في عروقها نشوة عارمة وشغف لا حدّ له . لم تعد تدرس خوفاً أو قلقاً ، بل غدت تلتهم المعلومات بنهم وتفوق ، مدركة أن كل سهر، وكل قطرة عرق، وكل درجات تميزها ستسجل اليوم وفي المستقبل باسمها الحقيقي والشرعي المعتمد رسمياً في النظام: "ليان". كانت تدرك بذكاء وارتياح أن أختها ليان في لويزيانا تسعى وراء الملذات والأموال الزائفة، بينما تصنع هي بيدي







