Se connecterنهض باهر يتخبط في خطاه كالمجذوب
، يرتدي قميصه بأصابع ترتجف من هول الفجيعة، وكأن الأرض تنزلق من تحت قدميه وشرايين رأسه تفور بالدم المتأكل. أمسكته ليان من ذراعه بقوة وهي تمنعه: «إلى أين تذهب؟! لن أتركك تخرج الآن في هذه الحالة.. يجب أن نجلس ونفكر بهدوء!». صرخ فيها وعيناه تشتعلان حمرة: «ليان.. اتركيني! سأقتلها بيدي اليوم!». ركضت ليان بخفة، وأدارت المفتاح في القفل لتغلق الباب وتدس المفتاح في يديها . زمجر باهر وهو يدنو منها كالمجنون : «ليان.. افتحي الباب فوراً!». ردت بثبات: «لن أفتحه.. لقد وعدتني قبل قليل أن تبقى معي!». صرخ والشرر يتطاير من بصره: «هل تنتظرين مني أن أقف ببرود بعد كل ما رأيته بأم عيني؟!». دنت منه ليان بخبث مسموم، ووضعت يدها على صدره المتأرجح بالأنفاس: «نعم.. حتى لا تضيع نفسك وتخسر كل شيء! ماذا سأفعل أنا بعد أن أفقدك؟ لماذا لا تفهم أنني فعلت كل هذا لأجلك أنت؟ لو لم أكن أحبك لتركتك تائهاً مخدوعاً دون أن تعرف حقيقتها!». زفر باهر بمرارة: «وما المطلوب مني الآن؟! هل أعود وأشاهد هذه الخائنة تتمدد بجواري؟!». قاطعتها ليان بنبرة تفيض بدهاء مكشوف: «لا يا باهر.. هي لم تخنك في بيتك؛ كل هذا المقطع كان في ماضيها قبل أن تعرفك، ولكنها الآن مخلصة لك.. أليس كذلك؟». هز رأسه بتخبط: «بالطبع.. أو ربما لم أعد أعرف شيئاً عن أي شيء!». أردفت ليان تضع سممها ببراعة: «إذاً.. إذا ثبت أنها تخونك هذه الأيام فمن حقك أن تفعل بها ما تشاء، لكن ليس من العدل أن تحاسبها على ماضٍ لم تكن أنت فيه! هل خلت حياتك أنت من فترات المراهقة؟». نكس باهر رأسه: «بالطبع حدثت بعض المواقف وأنا شاب صغير..». ارتقى صوت ليان وهي ترتدي فستانها أمامه ببطء وتصلح زواياه: «بالضبط! هذا أمر طبيعي جداً.. وأنا أيضاً عليّ الرضا بالواقع المرير .. أسفة لأنني أنجرفت وراء مشاعري معك». أمسكها باهر من ذراعيها فجأة، ونظر في عينيها بشغف جاحد وكسرة: «ليتكِ كنتِ أنتِ زوجتي يا ليان!..». اقترب يقبلها قبله حارقة أفرغ فيها كل غضبه وضياعه ، وبادلته هي بالنهم والشغف ذاته لتكبّله أكثر في حبائلها. سحبت نفسها منه بهدوء وقالت: «باهر.. اعتني بنفسك حتى أعود، ولا تفعل شيئاً تندم عليه». سألها بقلق: «إلى أين تذهبين؟». ردت بأسى مصطنع: «سأسافر قريباً إلى لندن لإكمال دراستي. . إجازتي اوشكت على الانتهاء». اعترضها باهر بحسم: «ليان.. علينا تصحيح هذا الوضع الخاطئ! سأطلقها وأتزوجكِ أنتِ!». ابتسمت ليان بمكر وقالت : «تعامل بذكاء يا باهر.. اجعلها هي من تطلب الطلاق حتى لا تكون أنت المخطئ أمام أمي وأبي ، ووقتها سيرفضون ارتباطنا كلياً! لكن إذا هجرتها وعاملتها بجفاء قسري ستطلب هي الطلاق بنفسها.. وإياك أن تظهر لها أنك رأيت هذا الفيديو، وإلا سأخسر أهلي جميعاً!». انصرف باهر وهو يجر خطاه في ظلمة الليل، ينهشه السؤال القاتل: كيف عاش مخدوعاً طوال عام كامل مع امرأة تخدعه بعفتها؟ حاول التماسك واختلاق البرود لأجل خطة ليان. عندما عاد إلى المنزل، كانت الشقة خاوية؛ ل م تكن مادلين قد عادت من عملها بعد. دخل واغتسل بالماء البارد ليطفئ جحيم صدره، وجلس ينتظرها بجمود تام بعد فترة، فُتح الباب ودخلت مادلين والإرهاق بادٍ على ملامحها. وضعت الحقائب جانباً، ومسحت عرق جبينها بظهر يدها، ثم اقتربت بابتسامة مصطنعة تحاول بها التودد إليه بعد جفاء الأيام الماضية: «حبيبي.. كيف حالك اليوم؟». رد باهر بصوت جاف كالصحراء: «بخير يا مادلين.. لقد تعبت». اقتربت وجلست على حافة السرير، ومدت يدها تتحسس جبهته بظهر كفها: «هل مرضت يا باهر؟». أزاح يدها عنه بقسوة قاطعة: «لستُ مريضاً!. . تعبتُ من انتظار رجوعكِ كل يوم.. من المفترض أن أعود إلى بيتي فأجد زوجتي في انتظاري!». قالت بنبرة اعتذارية: «أنت تعلم أن دوامي في العمل ينتهي بعدك بعدة ساعات..». صعقها رده القاطع وهو ينظر في عينيها بتحدٍّ مريب : «لن تعملي بعد اليوم!». وقفت مادلين مندهشة، واتسعت عيناها بذهول : «باهر! ماذا تقول؟! لا يمكن هذا إطلاقاً!». نهض ووقف أمامها بغضب عارم يكاد يخترق جسدها: «ماذا يعني لا يمكن؟! هل تخالفين كلمتي ورغبتي؟!». ترددت مادلين وقالت بصوت متهدج : «لا بالطبع لا.. ولكنك تعلم أنني أريد إكمال دراستي وأجمع النقود من أجل ذلك الحلم!». اقترب منها باهر خطوة مهددة، وانحنت شفته بسخرية مظلمة وهو يتذكر كلمات ليان والمقطع الملعون، وقال بصوت يقطر قسوة: «لا يهمني حلمكِ! .. أنا رجل أريد العودة إلى بيتي لأجد زوجتي في انتظاري. هيا.. بدلي ملابسكِ وتعالي فوراً.. فأنا أريدكِ اليوم!».«اجلسي يا مادلين!» قالها أمجد بنبرة مضطربة، فجلست أمامه دون أن ترتدي معطفها. كان مظهرها مغرياً إلى أبعد حد؛ شعرها المرفوع يبرز نعومة عنقها الصافي، وبشرتها الرقيقة كالأطفال تلمع تحت الإضاءة. كانت أكتافها العارية ومقدمة صدرها المكشوفة تعلو وتهبط مع أنفاسها بطريقة مثيرة للجنون. كان جسد أمجد يصعب السيطرة عليه؛ فكلما رمقها بنظرة، تملكته رغبة عارمة في أن يعتصرها بين يديه ، لكنه كان يحاول جاهداً إبعاد هذه الأفكار واستجماع كلماته: «كيف أستطيع مساعدتكِ؟ لابد من وضع حد لبطش باهر!». تظاهرت بالتفكير لثوانٍ ثم قالت: «لا يوجد سوى حل واحد...». سألها بلهفة: «ما هو؟!». قالت بنبرة خبيثة: «أليس للشركة فروع أخرى بعيداً عن هنا؟». أجابها أمجد: «بالطبع.. يوجد فرع في مدينة تبعد ساعة بالسيارة، والآخر في منطقة نائية تبعد خمس ساعات!». ارتسمت الفرحة على وجهها، ثم تحركت باتجاهه وانحنت على مكتبه بجراءة، لتصبح عينها في عينيه مباشرة، وينكشف انحناء صدرها أمامه بشكل لا يطاق؛ كان أمجد في موقف يصعب على أي رجل تحمله، وكأنها عارية أمامه بجسدها المثالي! قالت بدموع زائفة: «هل يمكن أن ت
وصلت مادلين أخيراً إلى منزلها؛ أغلقت الباب بإحكام بالترابيس والقفل، ثم ارتمت على السرير تلتقط أنفاسها المتهدجة، وجسدها يرتجف من أثر الرعب والبرد. في المقابل، كان الدكتور شريف يستقل سيارته يذرع الشوارع المحيطة جائلاً بعينيه في كل زاوية بعدما بحث عنها كثيراً دون جدوى. ترجل أمام منزله يسترجع نظرتها المذعورة ودموعها الصادقة، وظل يفكر بذهول ونوع من الندم: «كيف تحولت هذه الفتاة بالكامل؟ هل يعقل أن أكون قد ظلمتها وتسرعت في الحكم عليها بناءً على انطباع سابق؟! هناك شيئاً مفقوداً في هذه القصة!». مرت عدة أيام ثقيلة لم تغادر فيها مادلين شقتها الضيقة في لندن مطلقاً، وانقطعت عن الذهاب إلى الجامعة، تجر أذيال الحيرة والخوف وتقتات على ما تبقى لديها من طعام. بينما على الضفة الأخرى في لويزيانا، كانت ليان تتمتع بحياتها الجديدة كلياً، وتنسج شباك إغواائها لمديرها أمجد على مهل وبذكاء شيطاني. وفي صباح يوم جديد، ارتدت ليان ملابس أنيقة تنضح بالأنوثة وتغطي جسدها إلى حد ما؛ تنورة طويلة ضيقة تصل لركبتيها تبرز تفاصيل جسدها، وبلوزة مكشوفة الأكتاف والصدر يغطيها معطف أملس
رفعت مادلين نظرها بذهول وهي تلهث بشدة، وصدرها يعلو ويهبط من الفزع؛ ملابسها مبعثرة، وأزرار قميصها مفكوكة، وشعرها ثائر وغير مرتب، ليلتقي نظرتها المذعورة بحديث عيني الدكتور شريف القاسيتين. التفتت خلفها برعب، فوجدت صاحب المقهى يخرج من المطبخ ممسكاً برأسه والدم ينزف منه، ويتوعدها بصراخ هادِر: «لن تفلتي مني أيها العاهره!». لم تنتظر مادلين لحظة واحدة؛ أزاحت شريف بيدها المرتجفة وخرجت تركض في ظلام الشوارع كالهاربه من حتفها . ارتبك صاحب المقهى عندما وجد شريف يقف أمامه بملامحه الصارمة، فسارع بمواراة جرمه بكذبة قذرة: «هذه اللصّة سرقت الأموال من الخزينة! وعندما ضبطتها متلبسة، ضربتني بهذه المزهرية على رأسي!». لم تنطلِ الكذبة على شريف؛ رمقه بنظرة احتقار ثاقبة، وانطلق خلفها مسرعاً يبحث عنها في أزقة لندن المعتمة، لكنها كانت قد اختفت تماماً وسط ظلمات الليل. وفي لويزيانا، وبداخل شقة باهر، كانت ليان تسند ظهرها إلى الجدار وهي شاردة الذهن، تغرق في تخطيطها الخبيث لكيفية إيقاع أمجد في شباكها؛ ليرفعها إلى عالم الثراء وينتشلها من هذا الفقر والروتين القاتل. ا
دخلت ليان إلى مكتب أمجد بيه بالطابق السابع، مطمئنة تماماً لأن باهر يعمل في الطابق الأول ولن يرصد حركاتها. وقفت أمام المرآة المعلقة، وعدّلت ملابسها بجراءة؛ فكّت الزر الأعلى لقميصها لتبرز مفاتنها، وأخرجت أحمر الشفاه لتضيف طبقة صارخة زادتها إغراءً. دخل أمجد المكتب فوجدها بانتظاره : «مرحباً مادلين.. أرى أنكِ بدأتِ العمل مبكراً اليوم! ردت بنبرة ناعمة: «بالطبع، أنا أعشق عملي وأحرص على الالتزام منذ اليوم الأول!». تقدمت بخفة وتناولت حقيبة الأوراق من يديه. ابتسم أمجد برسمية: «لا داعي لذلك..». ردت بدلال: «عذراً، هذا من صميم عملي!». وقبل أن يجلس، اقتربت منه وسألته برقة: «هل تحب أن تخلع السترة؟» . تلعثم أمجد محاولاً الحفاظ على الوقار: «حسناً.. فكرة جيدة». مدت يديها أعلى كتفيه وأنزلت السترة برفق، فانسابت أناملها كالكهرباء على جسده. شعر أمجد بإثارة جامحة حاول مداراتها بصعوبة، وجلس على مقعده بينما ذهبت هي لتعليق السترة . عادت ووقفت أمامه بابتسامة فاتنة: «هل أحضر لك أي شيء الآن؟». رد بنبرة متقطعة: «شكراً مادلين.. إذا احتجتُ شيئاً سأبلغكِ». تحركت
أمضت مادلين باقي الوردية بسلام؛ فبعد التاسعة مساءً أصبح المكان أهدأ مع انصراف طلاب الجامعة. عادت إلى شقتها الضيقة وفي جيبها راتبها اليومي وما حصلت عليه من إكراميات الزبائن. وفي لويزيانا، كلما حاول باهر لمس ليان في الفراش، ابتعدت عنه وتصنعت النوم ببرود. همس باهر في أذنها: «مادلين.. استيقظي، أعرف أنكِ لستِ نائمة!». استدارت له بضيق: «ماذا تريد الآن يا باهر؟». قال بحيرة: «أليس اليوم هو الموعد المحدد لنكون سوياً؟». اتسعت عينا ليان بذهول، وقالت في سرها باستهزاء: «هل لهذا جدول ومواعيد محددة أيضاً؟!». ثم انفجرت ضاحكة بتهكم! سألها باهر بغضب: «لماذا تضحكين؟!». . ردت بسخرية: «أبداً!.. عندما كنتُ متحمسة في السيارة رفضتني، والان ونحن في منتهى الرتابة والملل تطلبني؟!». قال باهر مدافعاً: «نفترض أن أحداً رآنا في السيارة!». ردت: «وما بها؟!». أوضح بحزم: «هل أعرضكِ لخطر أن يراكِ أحدهم مكشوفة في الشارع؟ هذا لا يصح!». قالت بقلة صبر واستسلام: «حسناً.. هيا لننتهي من هذا الآن! تفضل، أنا أمامك!». جامعها باهر بروتينية وثقل، تماماً كما كان يفعل مع مادلين القديمة، حتى انتهى ونام
في المقهى القريب من جامعة لندن، تمالكت مادلين نفسها بجهد جهيد؛ أحكمت قبضة يدها وضغطت على أصابعها حتى أبيضّت مفاصلها. ابتعدت عنه بآلية خطوة للوراء، وأمسكت بالقميص تحتمي به متصنعة الهدوء: «حسناً.. يبدو ملائما جداً!». ابتسم الرجل بسماجة ووقاحة بالغة: «رائع! ننتظركِ الليلة يا جميلة». خرجت مادلين من المقهى تستنشق الهواء النقي بلهفة ، ومسحت بظهر يدها دمعة حارقة فرّت من عينيها. هزت رأسها وقالت لنفسها بإصرار جريح: «لن يكون الأمر سهلاً أبداً.. ولكنكِ ستتحملين يا مادلين!». وفي لويزيانا، وبداخل مكتب «أمجد»، ساد الصمت لثوانٍ بعد خروج باهر، قبل أن يجلس أمجد متحدثاً مع ليان أريحية وتودد أكبر. تحدثت ليان بذكاء طافح بجراءة ناعمة وروح خفيفة تخلب ألباب الرجال سريعا ، فابتسم أمجد وسألها بريبة: «ألن يؤثر وجود زوجكِ معكِ في نفس الشركة على عملكِ؟». تحولت ملامح وجهها في لحظة إلى حزن درامي متقن، وطاطأت رأسها: «لا، لن يؤثر.. ولكن الكلام الذي سيخرج مني الآن سيبقى بيننا رجاءً يا أمجد بيه!». رد باهر بجدية واهتمام: «بالطبع، لا تقلقي مطلقاً!». همست بصوت مهدود: «أنا وباهر عل







