INICIAR SESIÓNأمارا كروس
"ما بكِ؟ لماذا تجمدتِ هكذا؟"
خرجت شهقة ساخرة من شفتي أسلا، وما إن وقعت عيناها على البطاقة حتى ضيقت عينيها باهتمام.
"ما هذه؟ بطاقة أخرى؟" مدّت يدها لتخطفها، لكنني سحبتُ يدي بسرعة البرق، مما جعلها ترفع حاجبيها بدهشة.
"أعطيني البطاقة وإلا فلن أسامحكِ!"
ابتسمتْ وهي تحاول انتزاعها، بينما ركزتُ كل قوتي على إبعادها، ألوّح بذراعي كطفلة تحمي كنزاً صغيراً.
"حسناً، لا تريدين إعطاءها لي؟ تعلمين أنني أعرف نقطة ضعفكِ، أماروش!"
حاولتُ التملص منها، لكنها طوقتني بذراعيها قبل أن أفلت.
"أنا لا أملك نقطة ضعف..."
لم أكمل جملتي حتى بدأت أناملها تهاجم معدتي بحركات سريعة وخبيرة. انفجرتُ ضاحكة، أطوي جسدي محاولةً النجاة من دغدغتها القاتلة.
"أسلا... توقفي... لا أستطيع..."
ضحكتْ بقوة حتى خطفت البطاقة من يدي وقفزت مبتعدة كمن فاز بالحرب. راقبتُ وجهها؛ ملامح الانتصار تلاشت فجأة ليحل محلها ذهولٌ مطبق.
"السيد دوريان؟ لماذا يدعوكِ شخص قابلتِه مرتين فقط إلى حفلة؟"
سكتتْ، تفرك ذقنها بتفكير عميق، فتمتمتُ بصدق: "لا أعلم حقاً..."
"بشرتكِ الحليبية؟ وعنيدة أيضاً؟ هذا مريب... مريب جداً." قالتها بنبرة لعوبة، فنهضتُ وسحبتُ البطاقة من بين أصابعها بغيظٍ طفيف، ثم أعدتها للصندوق وأغلقته بإحكام.
"هل أنتِ متأكدة أنكِ لا تُخفين عني شيئاً؟" ربعت أسلا ذراعيها وانحنت نحوي بشك، فتنحنحتُ أحاول ثبات صوتي: "أسلا، السيد دوريان هو عميد الجامعة... علمتُ بذلك البارحة فقط."
اتسعت ابتسامتها وقفزت فوق الطاولة تضع ساقاً فوق الأخرى بجرأة عارضات الأزياء: "حسنًا... تلتقين بعميد جامعتكِ، ويقوم بإيصالكِ بنفسه، ثم تكتشفين أن هاتفكِ الضائع بحوزته! هذه صدف جميلة... وجميلة جداً."
"إنها مجرد صدف، لا أكثر يا أسلا." حاولتُ البرود، لكنها حرّكت يديها في الهواء كمن يروي مشهداً من فيلم.
"كأنها دراما كورية رومانسية!"
فجأة تذكرتُ الراميون، فركضتُ للمطبخ وأطفأت الموقد قبل أن يحترق، لتلحق بي أسلا بسؤالها العفوي.
"ألن تجهّزي نفسكِ؟"
أسندتُ ظهري إلى الرخامة الباردة، أُرجع شعري للخلف بحيرة: "لا أعلم... لم أحضر حفلة من قبل."
نظرت إليّ بعزمٍ مباغت:
"ستذهبين طبعاً، وأنا من سيتكفل بتجهيزكِ!"
دفتني بخفة نحو غرفتها، كانت متحمسة بشكلٍ مرعب. "خذي حماماً سريعاً، سآتي بعدما أنهي الراميون الخاص بي."
استحممتُ بسرعة، وحين خرجتُ وجدتها تنتظرني فوق السرير. أجلستني أمام المرآة، وأحضرت الصندوق برقة، ثم فتحت درج أدوات التجميل.
"ماذا ستفعلين يا أسلا؟"
"سأجعل منكِ أجمل فتاة في تلك الحفلة! استعدي لتصبحي شخصاً آخر... عارضة أزياء! هذه خبرتي في المكياج والتألق."
نظرتُ لانعكاسي بتوتر بينما كانت تبتسم ابتسامة عريضة: "يا إلهي أسلا... أنتِ تُخيفينني."
"هذه التسريحة ستُظهر عنقكِ، وستجعل ملامحكِ تبدو أرقى، لا تتحركي."
انتقلتْ لمساحيق التجميل، كانت تنتقي الألوان بدقة، ترسم الغموض حول عينيّ بظلالٍ ناعمة. ثم، بابتسامة نصر، فتحت أحمر شفاه بلون النبيذ القاتم.
"هذا اللون... مثير وجذاب." همستُ وأنا أرى ملامحي تتبدل.
نهضتُ بقلبٍ يخفق بعنف، اقتربتُ من السرير ورفعتُ الفستان الحريري... سقط شيءٌ خفيف من بين الطيات. انحنيتُ لألتقطه؛ كان قناعاً أسود بدانتيل رقيق وريشة سوداء متمردة.
"الرجل يفكر في أدق التفاصيل يا فتاة، حتى القناع لم ينسه!" ضحكت أسلا بلؤم.
ارتديتُ الفستان، كان ينسدل على جسدي، يتعانق مع خصري ويكشف عن كتفيّ بأناقة تامة. ساعدتني أسلا في إغلاق السحاب، ثم تراجعت للخلف فاغرة فاها.
"أوه لا... أموررر، إن لم تُحضري عشيقاً من تلك الحفلة الليلة، فأنا أتنازل عن اسمي!"
"هل تعتقدين أنه يليق بي؟ لا أبدو مضحكة؟"
سألتُ بخجل وأنا أقبض على أطراف الفستان.
أمسكت كتفيّ ونظرت في عينيّ بجدية: "أنتِ لا تبدين جميلة فقط... بل أنتِ أجمل من الخيال.."
طبطبت على كتفي، ثم أخرجت الحذاء النبيذي ذا الكعب العالي واللامع: "اهدئي يا فتاة، إنها حفلة... مجرد حفلة."
ساعدتني في ارتدائه، وحين حاولتُ المشي، تعثرتُ وتعلقتُ بذراعها: "يا إلهي أسلا، كيف سأمشى بهذا الشيء؟!"
ضحكتْ وبدأت تشرح لي أساسيات المشي ... حتى أتقنتها قليلاً. وفجأة، دوّى جرس الباب. ارتفع نبضي، توجهتُ معها للباب بخطوات حذرة. فتحتُه لأجد ذات السائق بجموده المعتاد: "تبدين جميلة آنستي، مسرور بقبولكِ العرض."
وضعت أسلا يدها على خصرها بجرأة: "آممم، لا سلام ولا كلام؟ ألا تُلقي التحية أولاً يا سيد؟"
رمقتها بنظرة راجية للصمت، بينما انحنى الرجل بأدب ومدّ يده: "تفضّلي."
همست أسلا في أذني: "لا تنسي رفع الفستان إذا أردتِ صعود الدرج."
"لقد وصلنا، آنسة أمارا."
اتسعت عيناي، وشعرتُ بجفاف في حلقي؛ فالمشهد أمامنا لم يكن حقيقياً. يخت ضخم، شاهق الارتفاع، يلمع تحت مئات الأضواء الذهبية التي تعانق سطحه.
ارتديتُ القناع ببطء، بينما داعبت الريشة السوداء المتمردة جبيني. صعدت السلالم المزينة ببتلات الورد الأبيض وكريستالٍ .
"أهذا حفل أم حلم؟"
التفتُّ أبحث عن مرافقي، لكنه اختفى فجأة وسط الزحام، تاركاً إياي وحيدة أمام هذا البذخ.
تنفستُ بعمق. بدأتُ أخطو بحذر، أراقب الأقنعة المحيطة بي، وأشعر بضآلة حجمي وسط هذا العالم. كل شيء بدا ضخماً... أكبر من جرأتي التي بدأت تتآكل.
قررتُ البحث عن نادل لأسأله عن مكان السيد دوريان، وتوجهتُ صوب إحدى الزوايا، لكن قبل أن أبلغ خطوتي الثالثة... ارتطم كتفي بجسدٍ صلب.
اهتز كأس النبيذ في يد الرجل الضخم، لينسكب السائل الأرجواني بغزارة فوق سترته وسرواله. شهقتُ بذعر، ووضعت يدي على فمي، بينما تفقدتُ فستاني النبيذي الذي نجا بأعجوبة.
"أوه... لا! أنا أعتذر حقاً، لم أقصد!"
لم أُكمل كلماتي، فقد رفع الرجل يده في الهواء بغضبٍ أعمى، وكأنه يهمّ بضربي. انكمشتُ على نفسي، ورفعتُ ذراعيّ أغطي وجهي بفزع، منتظرةً الضربة... لكنها لم تأتِ.
ثمة يدٌ قوية أطبقت على معصمه بصرامة جعلت عظام الرجل تطقطق. في تلك اللحظة، تجمدتُ في مكاني.
"جرّب فقط أن تلمس منها شعرة..."
قال الصوت ببرودٍ قطبي جعل القشعريرة تسري في المكان، ثم تابع:
"وستصير يدك هذه طعاماً للكلاب، بما فيهم أطرافك الأخرى."
ارتجف الرجل البدين وتراجع بخضوعٍ مهين: "سيد دوريان... أعتذر، لم أكن أعلم أنها..."
"ارحل." نطقها دوريان بصرامة هادئة هي أكثر رعباً من الصراخ.
أمسك بمعصمي. سرتُ معه أحاول مجاراة خطواته الواثقة، بينما كنتُ أرفع طرف فستاني كي لا أتعثر ببريقه. وقفنا أخيرًا أمام مائدة بيضاء، وهنا استطعتُ تأمله بالكامل.
"سيد دوريان... لم أقصد ما حدث، صدقني. أنا مجرد كارثة متحركة، ها أنا ذا سكبتُ الشراب على أحدهم حتى قبل أن أجد مكاني."
كان ينظر إليّ بثبات، عيناه خلف القناع تلاحقان ارتباكي دون أن يرمش، ثم نطق بصوتٍ عميق متباطئ: "أمارا... الفستان يلائم جسدكِ الضئيل وكأنه خُلق لأجلكِ فقط."
تجاهل حماقتي تماماً، وكأن اعتذاري لا قيمة له أمام حضور جمالي في نظره. أخفضتُ رأسي، وأمسكتُ قماش الفستان بين أصابعي المرتجفة بخجل.
"شكراً لك... وأنت تبدو وسيماً أيضاً."
نبستُ بصدق، وصوتي خافتٌ. اقترب مني فجأة، حتى لفحت حرارة أنفاسه شحمة أذني.
"لقد تخيّلتُ الفستان عليكِ سابقاً، لكنكِ فُقتِ كل توقعاتي بطريقة خيالية."
سرت قشعريرة لذيذة في ظهري، وأصابعي بدأت ترتجف من قربه المميت. تراجعتُ بهدوء حين لمحنا شخصاً قادماً: "مرحباً سيد دوريان! أنا مصدوم لحضورك الحفلة هذا العام، ظننتك ستتجاهلها كالعادة!"
كان الضيف ينظر إليّ بإعجابٍ سافر، ثم أطلق صفير إعجاب: "وأحضرتَ معكِ جميلة أيضاً! لقد أنرتِ الحفل بوجودكِ يا قمري، أنا مارتن."
مدّ يده نحوي بابتسامة عريضة، ففتحتُ فمي لأجيب: "مرحباً سيد مارتن، أدعى أما..."
لم أكمل، إذ أزاح دوريان يدي بخشونة غيورة، ومدّ خاصته ليصافحه بدلًا مني، وهو يهسهس من بين أسنانه:
"هل ألقيتَ التحية على الجميع؟"
أومأ مارتن بتراجعٍ مضحك وغادر بسرعة.
مرّ نادلٌ بجانبنا، فتناولتُ كوب عصير ليمون بارد لأبرد حرارة وجهي، بينما اكتفى هو بكأس نبيذ. وفجأة... تبدل، بدأ الحضور يتمايلون بانسجام في وسط القاعة. نظرتُ حولي بتوتر، أضم كفيّ أمامي كغريبة في بلاد العجائب.
"أمارا..."
جاء صوته من جانبي.
مدّ يده نحوي، وقناعه يخفي عينيه اللتين كنتُ أقرأ فيهما ما يريد.
اتسعت عيناي، ورمشتُ بذهول:
"أنا... لا أُجيد الرقص."
رفع حاجبه بخفة، وبنبرة لا تقبل النقاش:
"وأنا لا أقبل بالرفض."
أحاط كفه حول يدي برقة مدهشة، وقادني لوسط القاعة. كانت خطوتي الأولى مهتزة، لكنه جذبني إليه، استقرت يده على أسفل ظهري تسندني، والثانية تشبثت بكفي.
تلاشى العالم من حولي؛ الأضواء، الناس، وحتى القناع... لم يتبقَّ سوى رائحته وقربه.
"لقد قلتِ إنكِ لا تعرفين الرقص..."
همسها قرب وجنتي، فتمتمتُ وأنا أستنشق عبيره: "ما زلتُ لا أعرف."
"لكنكِ تتحركين وكأنكِ خُلقتِ لهذا."
ابتلعتُ ريقي، وشعرتُ بأنني سأذوب بين يديه. الأغنية مستمرة، والوقت توقف احتراماً لرقصتنا. وفجأة، حرر ذراعي من قبضته، ثم رفعهما لحيط بهما عنقه. شهقتُ بدهشة، بينما اقترب هو أكثر حتى تلاحم صدري بصدره الصلب.
"هذه الوضعية أفضل."
همس قرب أذني، أردتُ استعادة أنفاسي، لكن كفه الأخرى هبطت لتستقر على خصري، وشدني إليه بقوة تملك مذهلة.
"أمارا... خصركِ ضيق." قالها ببطء، كأنه يتحسس تفاصيلي لأول مرة.
ثم أكمل: "يحتاج إلى من يطوقه... ولن يكون هناك ما يناسبه سوى كفّاي."
شعرتُ بأنفاسي تتلاشى تماماً. لم يعد لي وجود سوى بين ذراعيه، محاصرة بصوته، وبسيطرته الساحرة. أغمضتُ عينيّ، وتركتُ جسدي ينقاد له، لا أعرف إن كنتُ أرقص... أم أتبخر في حضنه.
أمارا كروس"لماذا تلاحقني الكوارث حيثما ذهبت؟!"انطلقت مني هذه الكلمات مع قهقهة مريرة مغلفة بعدم التصديق، وغمغمت بسخط بينما أذرع الغرفة ذهاباً وإياباً. كانت أنفاسي متسارعة. أمسكت ليلى من ذراعيها بيأس، أهزها وكأنني أحاول انتزاع الحقيقة من جسدها، غير مصدقة لما يحدث. نبضات قلبي كانت تقرع في أذني كطبول الحرب.سألتها بذهول: "هل تمزحين؟ وما كانت إجابتها؟ ماذا أخبرتها؟ هل كانت ليلى معي؟ كيف؟ لكن لماذا؟"انطلقت أسئلتي كطلقات رصاص متتالية، ومع كل سؤال كنت أجذبها نحوي أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسها. عندها، ضيّقت ليلى جفنيها ورفعت حاجبيها، ثم وضعت سبابتها الباردة على جبيني تبعدني ببطء، قائلة بنبرة مستفزة:"اهدئي يا قردة... أخبرتها بالحقيقة. لم تكوني عندي، بالطبع."اتسعت عيناي بذهول، شعرت وكأن الأرض مادت بي. استسلمت لأمر الواقع ورميت جسدي على المقعد بانهيار، فانزلقت عليه لتنزلق معه تنورتي قليلاً ويرتفع قميصي كاشفاً عن بطني."أنا في عداد الموتى."تمتمتُ بأسى، وغطيت وجهي بكفاي اللتين ارتعشتا من فرط اليأس. خيّل لي أن سحابة سوداء تلبدت فوق رأسي وأمطرتني بمشاكل لا تنتهي.لم يمض وقت طويل حتى شعرت بقرصة
أمارا كروس "ولهذا السبب لم أخبرك…"تظاهرتُ بالعبوس، وضعتُ يدي على صدري، ومالت كتفاي للأمام قليلًا."هل هذا يعني أنك تعمّدت تجاهل سؤالي سابقًا كي تتفادى أسئلتي القادمة؟"أجاب ببساطة وهو يقطع قطعة صغيرة من طعامه."بل أختصر الطريق نحو السلام."ضحكتُ رغمًا عني، ولاحظتُ كيف أصبحت تعابيره أكثر مرونة، فيها لمحة ودّ خفيفة.شعرتُ أن الحواجز بيننا بدأت تنصهر… لا بسرعة، بل كذوبان الثلج فوق قطعة فلّين."أنا لا أطرح هذا الكم من الأسئلة، أليس كذلك؟"نظر إليّ باستنكار خافت، ثم مال برأسه وقال بنبرة خبثٍ هادئة: "الأرجح أنكِ ستسألين حتى في نومك."ضحكتُ، وأسندتُ خدي إلى راحة يدي وأنا أراقبه."لكنني لا أسأل عبثًا… ربما." انتهت الحفلة، وبدأ التعب يتسلل إلى أطرافي ببطء.كانت الأمسية مغمورة بموسيقى هادئة، والكل يرقص بأناقة وتفانٍ.أخبرني دوريان سابقًا أن هذه الحفلة تُقام كل عام لتوطيد العلاقات بين أصحاب الشركات الكبرى، حيث تُعقد الصفقات بعيدًا عن المكاتب الرسمية… وسط الرقص، والكؤوس، والمجاملات المصقولة.انتفض واقفًا بجانبي، ومدّ يده لي بخفة."هيا لنرحل، صغيرتي… أرى أنكِ متعبة."لم أجادل.أمسكتُ كفه بكفي ب
أمارا كروس "لقد بدوتِ... فاتنة." همسها دوريان قرب أذني، لتلتصق أنفاسه الحارة بجلدي، فشعرت بقشعريرة عنيفة تسري في كامل بدني كتيار كهربائي. يبدو أنه لاحظ ارتجافي، فضمّني إليه قليلاً، واستندتُ على صدره الصلب بهدوء، أحاول استعادة توازني المفقود فوق ذلك الكعب العالي.كان الخجل يصبغ وجنتيّ بحمرة قانية، وجميع العيون في القاعة لا تزال تخترقنا بفضولها. لكنني، رغم كل شيء، لم أستطع إنكار لذة هذا الشعور؛ قربه يمنحني أماناً لم أتخيل وجوده من قبل، وكأن حضنه هو الملاذ الوحيد وسط هذا الصخب."كل هذه النظرات... تربكني." همستُ بخفوت وأنا أرفع عيني نحوه، متشبثة بنظراته خلف القناع. عانق عينيّ بعينيه للحظة، ثم قبض على كفي برقة، وكأن يده خُلقت لتسكنها يدي."حسناً..." نطق بصوته الأجش الواثق. "تعالي، لنصعد إلى سطح اليخت... قد يساعدكِ الهواء هناك على التخلص من توتركِ."أومأتُ بالموافقة بصمت، وتركت كفّي في قبضته الدافئة. قادني بخطوات هادئة بين المدعوين الذين عادوا لثرثرتهم، وصعدنا الدرج الداخلي. بدأت الأصوات تتلاشى تدريجياً، والأنوار تصبح أكثر خفوتاً، حتى لفحت وجوهنا نسمات البحر العليلة على السطح العلوي.
أمارا كروس "سيد دوريان؟ لماذا دعوتني إلى هذه الحفلة؟" همستُ بها وأنا ما أزال سجينة بين ذراعيه، رأسي يميل للخلف قليلاً محاولاً الهروب من جاذبيته الطاغية، لكن جسدي كان يخونني؛ إذ ارتمى بكل ثقله في حضنه، يتوق للالتصاق به أكثر.لم يُجبني مباشرة. ظلّ يحدق في ملامحي خلف القناع بنظرات سابرة، كأنه يقرأني. ثم قال بنبرته الرخيمة العميقة: "أنتِ كثيرة الأسئلة يا أمارا... وللأسف، لن تجدي لهذا السؤال جواباً الليلة."تابع الرقصة وكأن شيئاً لم يكن. كانت يداه تشدّني بخفة، وخطواته ثابتة كأن الموسيقى قد صِيغت خصيصاً لتناسب نبضه. وحين تلاقت أعيننا في لحظة سحرية، انحنى نحوي ببطء، يقترب من عنقي حتى شعرتُ بقلبي يقرع جدران صدري بعنفٍ كاد يمزقه.استنشق عبيري بعمق، كأنه يمتص روحي مع أنفاسه، ثم شعرتُ ببرودة شفتيه تلامس بشرتي الساخنة بخفة باغتت حواسي؛ كانت قبلة رقيقة كنسمة دافئة هبّت على جلدي العاري. ارتعشتُ بقوة، وتنفستُ هواءً محملاً برائحته التي أربكت منطقي، وشعرتُ بحرارة غريبة تتصاعد من أعماقي، تتدفق نحو الأسفل بجموح؛ أراهن أن أنوثتي قد استجابت لنداء قبلته ببللٍ فضح ارتباكي.رفعتُ نظري نحوه بدهشة، فوجدتُ
أمارا كروس "لقد وصلنا، آنسة أمارا."اتسعت عيناي، وشعرتُ بجفاف في حلقي؛ فالمشهد أمامنا لم يكن حقيقياً. يخت ضخم، شاهق الارتفاع، يلمع تحت مئات الأضواء الذهبية التي تعانق سطحه. ارتديتُ القناع ببطء، وشعرتُ بملمس الدانتيل البارد فوق بشرتي، بينما داعبت الريشة السوداء المتمردة جبيني. صعدت السلالم المزينة ببتلات الورد الأبيض وكريستالٍ ، يدي تستند برفق على ذراع السائق، ونبضات قلبي تقرع كطبلٍ صاخب في صدري."أهذا حفل أم حلم؟" همستُ لنفسي، وصوتي ضاع وسط جلبة الضحكات الراقية وحفيف الأثواب الحريرية. التفتُّ أبحث عن مرافقي، لكنه اختفى فجأة وسط الزحام، تاركاً إياي وحيدة أمام هذا البذخ.تنفستُ بعمق، ورائحة العطور الباهظة تملأ رئتيّ. بدأتُ أخطو بحذر، أراقب الأقنعة المحيطة بي، وأشعر بضآلة حجمي وسط هذا العالم. كل شيء بدا ضخماً... أكبر من جرأتي التي بدأت تتآكل. قررتُ البحث عن نادل لأسأله عن مكان السيد دوريان، وتوجهتُ صوب إحدى الزوايا، لكن قبل أن أبلغ خطوتي الثالثة... ارتطم كتفي بجسدٍ صلب.اهتز كأس النبيذ في يد الرجل الضخم، لينسكب السائل الأرجواني بغزارة فوق سترته وسرواله. شهقتُ بذعر، ووضعت يدي على فمي
أمارا كروس كنتُ مصدومة، فكي سقط دهشةً بينما غطته يدي في محاولة يائسة لإخفاء ذهولي العارم. شعرتُ بقلبي يقرع طبولاً غير منتظمة داخل صدري."ما بكِ؟ لماذا تجمدتِ هكذا؟" خرجت شهقة ساخرة من شفتي أسلا، وما إن وقعت عيناها على البطاقة حتى ضيقت عينيها باهتمام. "ما هذه؟ بطاقة أخرى؟" مدّت يدها لتخطفها، لكنني سحبتُ يدي بسرعة البرق، مما جعلها ترفع حاجبيها بدهشة. "أعطيني البطاقة وإلا فلن أسامحكِ!"ابتسمتْ وهي تحاول انتزاعها، بينما ركزتُ كل قوتي على إبعادها، ألوّح بذراعي كطفلة تحمي كنزاً صغيراً. "حسناً، لا تريدين إعطاءها لي؟ تعلمين أنني أعرف نقطة ضعفكِ، أماروش!"حاولتُ التملص منها، لكنها طوقتني بذراعيها قبل أن أفلت."أنا لا أملك نقطة ضعف..." لم أكمل جملتي حتى بدأت أناملها تهاجم معدتي بحركات سريعة وخبيرة. انفجرتُ ضاحكة، أطوي جسدي محاولةً النجاة من دغدغتها القاتلة. "أسلا... توقفي... لا أستطيع..."ضحكتْ بقوة حتى خطفت البطاقة من يدي وقفزت مبتعدة كمن فاز بالحرب. راقبتُ وجهها؛ ملامح الانتصار تلاشت فجأة ليحل محلها ذهولٌ مطبق. "السيد دوريان؟ لماذا يدعوكِ شخص قابلتِه مرتين فقط إلى حفلة؟" سكتتْ، تفرك ذ







