Partager

هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ
هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ
Auteur: بصيص النور

الفصل 1

Auteur: بصيص النور
كانت عيناها محمرّتين من البكاء الشديد، وقد نحلت قمر كثيرًا. عندما رأته يفتح عينيه، سالت دموعها مرة أخرى. ثم خلعت تعويذة السلام من عنقها، ووضعتها بحركة متيبسة حول عنق ياسر.

"هذه أعطتني إياها جدتي. منذ صغري وأنا أرتديها ولم أُصب بأي أذى." كان صوتها آنذاك أجشًّا وحازمًا: "الآن أعطيك إياها. ياسر، ارتدها جيدًا، ومن اليوم فصاعدًا لا تسمح لنفسك أن تصاب مرة أخرى."

كان يكره هذه الخطيبة منذ زمن، وكان من المفترض أن يخلعها فورًا ويرميها في وجهها، لكنه في ذلك اليوم، ولسبب غير مفهوم، لم يفعل. فقط ابتسم ابتسامة باردة وقال: "هكذا متسلطة؟ ألا يمكنني خلعها طوال حياتي؟"

سكتت طويلًا، ثم قالت بهدوء: "عندما أتوقف عن حبك، يمكنك خلعها. لأنني في ذلك اليوم، سآتي بنفسي لاستعادتها."

لا يدري لماذا، عندما تذكر هذه الكلمات الآن، شعر بعاطفة غامضة تتدفق في صدره، لكنه سرعان ما كبتها. استند إلى الأريكة بلامبالاة وابتسم بسخرية: "تريدين استعادتها؟ لماذا؟"

"لا لشيء." كان صوت قمر هادئًا جدًا: "فقط لم أعد أريد أن تكون معك."

عاد ذلك الشعور بالضيق غير المنضبط يتسلل إليه. نظر ياسر إلى الوجه المألوف أمامه.

منذ الصغر، كان هذا الوجه دائمًا يحمل تعبير الفتاة الرقيقة المثالية، دائمًا متحفظًا، دائمًا متحكمًا في نفسه، ودائمًا يجعله يشعر بالملل.

تذكر كيف كانت تتبعه طوال هذه السنوات، وكيف كانت تتدخل في كل شيء، فشعر فجأة أنه فهم شيئًا ما.

"آه..."مدّ صوته بسخرية، وانحنى طرف فمه بتعبير مستهزئ، وعيناه مليئتان بالاستخفاف: "أنت رأيت أنك بعد كل هذه السنوات لم تنجحي في جعلي أحبك، فشعرت أن التمسك بي لم يعد يجدي، فبدأت تلعبين لعبة الانسحاب لإثارة اهتمام الطرف الآخر؟"

لم ترد قمر.

اعتقد ياسر أنه أصاب الهدف. نهض ونظر إليها من الأعلى: "حسنًا. تريدين لعبة الانسحاب؟ تريدين التعويذة؟ كلي طبق المانجو هذا، وسأعطيكِ إياها."

ما إن انتهى من كلامه حتى ساد الغرفة صمت مذهول، وحبس الجميع أنفاسهم.

أول من تكلم كانت سحابة، التي سحبت كمّ ياسر بلطف وقالت بصوت منخفض: "ياسر...ألا تعتقد أن هذا الطلب مبالغ فيه؟ الآنسة قمر...لديها حساسية من المانجو."

لم ينظر إليها ياسر، بل ظل يحدق في قمر مباشرة: " إذا شعرت أنه مبالغ فيه، فلا تأكله. أنا لم أجبرها."

بمجرد انتهاء كلامه، جلست قمر أمام الطاولة المنخفضة.

أخذت قطعة مانجو، وضعتها في فمها، ومضغتها وابتلعتها.

مع اللقمة الأولى، بدأت شفتاها تحمرّان.

مع الثانية، ظهر طفح جلدي دقيق على وجنتيها.

مع الثالثة، أصبح تنفّسها متسارعًا، وظهرت بقع حمراء كبيرة على عنقها.

ساد الصمت في الغرفة.

حدّق ياسر فيها، يرى بشرتها البيضاء تتحول إلى الأحمر بسرعة، وتنفسها يثقل تدريجيًا، لكنها لم تتوقف. قطعة…قطعتان…ثلاث قطع…

حتى انتهى الطبق تمامًا، رفعت رأسها.

كانت عيناها منتفختين لدرجة تكاد لا تُفتحان، وشفتاها متورمتين إلى لون أرجواني. قالت بصوت متقطع كأنها تستجمع آخر قوتها: "لقد…انتهيت. هل يمكن…أن تعطيني إياها الآن؟"

اشتعل الغضب في صدر ياسر أكثر. ركل الطاولة المنخفضة أمامه بعنف، ودوّى صوت تحطم الزجاج.

"خذيها!" خلع التعويذة من عنقه ورماها عليها: "اخرجي!"

ثم أمسك بيد سحابة وخرج دون أن يلتفت.

تبعه الآخرون واحدًا تلو الآخر.

وعندما كان على وشك الخروج، سمع صوتًا مكتومًا خلفه.

التفتت سحابة وقالت بقلق: "ياسر! الآنسة قمر…سقطت! حالتها سيئة جدًا، هل هي على وشك الموت؟ هل يجب أن نأخذها إلى المستشفى؟"

توقف ياسر للحظة، ونظر خلفه تلقائيًا، فرأى قمر متكورّة على الأرض، جسدها يرتجف، والطفح يغطي وجهها، وتنفسها ثقيل كالمثقل.

تشنّج قلبه وكاد يتقدم، لكن سحابة تعثرت فجأة وسقطت في حضنه.

أمسكها فورًا، متجهمًا: "كيف تعثرت فجأة؟ هل يؤلمكِ؟"

استندت سحابة على صدره بضعف: "أنا بخير…أستطيع التحمل. اذهب وانظر إلى الآنسة قمر، حالتها تبدو سيئة جدًا..."

نظر ياسر إلى قمر على الأرض بنظرة باردة، وشعر بضيق غامض في صدره، ثم قال ببرود: "لا داعي للاهتمام بها. هي من أرادت الأكل، وإن ماتت فذلك بسببها، وعلى الأقل لن يزعجني أحد بعد الآن. سأصطحبك إلى المستشفى لفحص قدمك."

ثم حمل سحابة بين ذراعيه وغادر بخطوات واسعة.

عاد الصمت إلى الغرفة من جديد.

استلقت قمر على الأرض، وبأقصى ما تبقى لها من قوة أخرجت هاتفها من جيبها واتصلت برقم الإسعاف.

"أنا…في نادي ميلي في جنوب المدينة…الطابق الثالث…غرفة 308…" كان صوتها متقطعًا، بالكاد يُسمع: "حساسية…أحتاج سيارة إسعاف..."

أغلقت الهاتف، وأسندت وجهها إلى الأرض الباردة، تشعر بوعيها يتلاشى تدريجيًا.

"لا تقلق، ياسر…" همست، وصوتها خافت كريشة: "سأتوقف قريبًا…عن إزعاجك."

أنت لا تعلم بعد.

لقد اكتشفت…أنني لست ابنة عائلة الوهيبي الحقيقية.

الابنة الحقيقية…ستعود قريبًا.

أما أنا…فسأغادر قريبًا.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 19

    تجمدت قمر، والدموع معلّقة على رموشها، ترتجف، لم تسقط.ترك ياسر كتفيها، وتراجع خطوة إلى الوراء، ثم أخرج من جيبه ذلك الخاتم — الخاتم اليشبي، أخضر شفّاف، عليه عدة خدوش خفيفة، من تلك التي سبّبها عندما كان يرميه."هذا أعيده إليك." مدّ يده، راحة يده مفتوحة، والخاتم يرقد في وسطها، "الأشياء التي لا تريدينها، لا أريدها أنا أيضًا. لكن إذا كنتِ لا تريدين الشخص الذي أنا عليه..."نظر إليها بنظرة حاسمة، كأنه اتخذ قرارًا بالغ الأهمية."فلا معنى لحياتي بعد الآن."انقبضت حدقتا قمر بشدة، وشحب وجهها فجأة: "ماذا تعني؟"لم يجب ياسر، بل استدار ومشى بخطى واسعة. طرقت أحذيته على أرضية الممر الإسمنتية، "دق دق دق"، كل خطوة كأنها تدق على قلبها.وقفت قمر عند الباب، تنظر إلى ظهره وهو يختفي في نهاية الممر، وشعرت فجأة بإحساس سيئ يجتاحها، كأن شيئًا ما انقطع، وتر مشدود منذ زمن طويل قد انكسر أخيرًا.اندفعت تطارده.في الأسفل، كانت سيارة ياسر ما زالت متوقفة، محركها يدوّي، والعادم يصدر صوتًا متقطعًا، ومصابيحها مضاءة، تضيء الطريق أمامها بضوء أبيض حاد.جلس في المقعد الأمامي، نافذة السيارة مفتوحة إلى النصف. عندما رآها تخرج را

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 18

    أغلق ياسر الخط، وكان وجهه قاتمًا ومتوترًا، أصابعه تضغط على الهاتف حتى كاد ينكسر بين يديه.اتصل بمحاميه، بصوت بارد وقاسٍ: "أريد مقاضاة سحابة. الإيذاء العمدي، والتشهير، وتلفيق التهم، كل الجرائم معاً.""هل الدليل كافٍ؟""كافٍ." كان صوت ياسر يخرج من بين أسنانه، "وإن لم يكن، سأختلق الأدلة."بعدما انتهى من أمر سحابة، عاد مرة أخرى إلى باب الفندق.كان الظلام قد حلّ، وأضيئت أعمدة الإنارة، يلقي ضوءًا برتقاليًا باهتًا على الدرج، وعلى جسده، يمدّ ظلًا طويلاً خلفه.طرق باب الغرفة 301."ماذا جئتَ مرة أخرى؟" جاء صوت قمر من الداخل، متعبًا، كأنها استيقظت للتو."أنا جائع." قال ياسر بصوت أجشّ، "ألم تكوني تحبين دائمًا أن تطبخي لي؟ اطبخي لي مرة أخرى، أرجوك."ساد الصمت داخل الغرفة طويلاً، حتى ظنّ أنها لن ترد."لن أطبخ لك مرة أخرى." جاء صوتها خفيفًا، كأنه يأتي من مكان بعيد، "ارحل."استند ياسر إلى الباب، واضعًا جبهته على الخشب البارد، وصوته أجشّ كأنه مرّ على الصنفرة: "لن أرحل. إذا لم تخرجي، سأظل أنتظر هنا."لم ترد قمر.وبالفعل، بقي ياسر واقفًا أمام الباب ينتظر.ساعة.ساعتان.ثلاث ساعات.صعدت صاحبة الفندق عدة م

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 17

    جلس ياسر أمام باب الفندق طوال فترة ما بعد الظهر، ولم يغادر.جلس على الدرج، خلع سترته الرسمية ووضعها على ركبتيه، وشمّر كمّي قميصه إلى المرفقين. تركت لدغات البعوض عدة انتفاخات على ذراعيه، لكنه لم يخدشها حتى مرة واحدة.اتصل بسفيان، بصوت أجشّ: "ساعدني في البحث عن كل شيء يخص سحابة.""البحث عن ماذا؟""عن كل ما فعلته خلال هذه السنوات. خاصة كل ما يتعلق بقمر."صمت سفيان لحظة، وسُمع صوت طرق لوحة المفاتيح من الجهة الأخرى: "أخيرًا فهمتَ؟""لا تثرثر، ابدأ بالبحث فورًا."بعد ساعة، أرسل له سفيان ملفًا يحتوي على أكثر من عشر صفحات مليئة بالتفاصيل، مرفقة بلقطات شاشة وتسجيلات صوتية وسجلات تحويلات مالية.فتح ياسر الملف، وكلما قرأ ازداد وجهه قتامة.ما فعلته سحابة خلال هذه السنوات كان أبعد بكثير من الخطف وتلفيق التهم.استأجرت أشخاصًا للتلاعب بسيارة قمر، فقطعت أنبوب زيت الفرامل بشق صغير. وعندما كانت قمر تقود السيارة في طريق العودة إلى المنزل، كاد الفرامل يفشل بها وتسقط من فوق الطريق العلوي.أدى ذلك إلى دخول قمر المستشفى لمدة أسبوع، مع كسر في ضلعين وأربع غرز في رأسها.ظنّ ياسر أنها حادث عادي، فلم يزرها حتى.ا

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 16

    حرّكت صاحبة الفندق شفتيها باستخفاف، ثم بصقت قشرة أخرى من بذور دوار الشمس: "هي لم تذكر أبداً أن لديها خطيباً. قالت إنها وحدها، وليس لديها أهل."انتفض قلبه ألماً، كأن سكيناً غير حادة شقت قلبه ببطء، ليس ألماً حاداً، بل ألماً كتيماً، باهتاً، ينغرس مرة بعد مرة.لم يقل شيئاً، صعد مباشرة إلى الطابق الثالث بخطى واسعة، يتخطى درجتين في كل خطوة.وقف أمام باب الغرفة 301، أخذ نفساً عميقاً، قبض أصابعه ثم بسطها، ثم طرق الباب.انفتح الباب.وقفت قمر في المدخل، ترتدي تيشيرتًا غسلته مرات كثيرة حتى بهت لونه، وصارت ياقته متراخية. شعرها مربوط بشكل عشوائي، وبضع خصلات متساقطة على جانب وجهها.كان وجهها شاحباً كالعادة، شفتاها متشققتان، والضماد على معصمها لم يُزل بعد، ملفوف عدة لفات، وقد اتسخ قليلاً، وبدأت حوافه تتهرأ.في اللحظة التي رأته فيها، لم يظهر على وجهها أي اضطراب.لا دهشة، لا غضب، لا حزن.فقط هدوء.كأنها تنظر إلى غريب."كيف جئتَ؟" سألته، بصوت خالٍ من العواطف، كأنها تسأل عن الطقس اليوم.نظر ياسر إلى هذه اللامبالاة، فشعر كأن شيئاً سدّ حلقه، آلاف الكلمات عالقة في صدره، ولم يستطع نطق حرف واحد."جئتُ لأبحث ع

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 15

    تجمد ياسر، والدموع معلقة على رموشه لم تسقط."فكّر جيداً." قال سفيان وهو ينظر إلى عينيه، ينطق كل كلمة ببطء وثقل، "تقول إنها مملة، لكن عندما كانت تمارس العزف على البيانو حتى أصبحت أطراف أصابعها مليئة بالكالو، ألم تكن تتسلل لتنظر إليها خفية؟ تقول إنها جامدة ومقيدة بالقواعد، لكن كل مرة كانت تتدخل في أمورك، ألم تكن في الحقيقة سعيدًا بذلك؟ تقول إنك تكرهها، لكنها تبعتك سبع سنوات كاملة، هل دفعتها بعيدًا عنها حقًا ولو مرة واحدة؟"فتح ياسر فمه، لكنه لم يستطع النطق. كأن شيئاً سدّ حلقه."كنت تأخذ سحابة و كنت تتعمد الظهور معها أمام قمر واستفزازها، وتقبّل سحابة أمام عينيها، ألا تشعر أنك كنتَ طفولياً جداً؟" لم يكن صوت سفيان عالياً، لكن كل كلمة كانت كالمطرقة تضرب على قلبه، "أنت لم تكن تحب سحابة. كنتَ تريد استفزاز قمر. أردتَ أن تراها تغار، أردتَ أن تراها تتبعك، أردتَ أن تجعل كل انتباهها موجهاً نحوك.""اخرس!" كان صوت ياسر أجشّ إلى حدّ لا يُطاق، كأنه يُسحب من أعماق حلقه."لقد وقعتَ في حبها منذ وقت طويل." لم يتوقف سفيان، والسيجارة بين أصابعه، والرماد يتساقط على الأرض، "أنت فقط اعتدت على وجودها، اعتدتَ على

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 14

    هزّ ياسر رأسه، وصوته أجشّ كأنه أُرهق بالدخان: "لا. لقد اختفت كأنها لم تكن موجودة."سكت سفيان قليلاً، ثم استند إلى باب السيارة بجانب ياسر، وقفا جنباً إلى جنب دون أن يتكلما. ولم يُسمع سوى صوت الماء وهو يجري، خرير هادئ لا يتوقف."ياسر، هناك أمر أريد أن أخبرك به." فتح سفيان فمه فجأة، بصوت هادئ لكنه يحمل جدّية لا تخطئها."ما هو؟""هل تتذكر ليلة موت فطيرة، عندما سقطت قمر من الطابق الثاني؟"عبس ياسر، والسيجارة بين أصابعه، وسقطت قطعة أخرى من الرماد: "لماذا تذكّر هذا الآن؟""حققت في الأمر لاحقاً." التفت سفيان نحوه، بنظرة جادة، وأضاء مصباح الشارع نصفه وأظلم النصف الآخر من وجهه، "قمر لم تسمّم فطيرة. كان الخادمة هي من فعلت ذلك. خافت أن تلومها على عدم مراقبة القطة، فاتهمت قمر زورًا بأنها تسببت في اختفائه. وهي أيضًا من وضعت سم الفئران في طعامها، لتلقي اللوم على قمر."انقبضت حدقتا ياسر فجأة، واسترخت أصابعه، فسقطت السيجارة على الأرض، تدحرجت مرتين وسقطت في شق الرصيف."ماذا تقول؟""التقطته الكاميرات." ناوله سفيان هاتفه، والشاشة مضاءة والفيديو جاهز، "شاهده بنفسك."في اللقطة، كانت الخادمة تتسلل بخفة، تأخذ

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status