Masuk
بعد أن تناولا تلك الوجبة، لم يعد والدي إلى ذلك المطعم مرة أخرى.وهكذا انقطعت أخباري عن هيثم من جديد.لكنه لم يستسلم، وظل يتردد على القصر الذي كنت أقيم فيه استعدادًا للولادة.وكان لقاؤنا التالي بعد عام كامل.كنت قد أنجبت طفلي بالفعل، وكنت أجلس مع ميساء بجوار النافذة في مقهى عند زاوية أحد الشوارع.وفي اللحظة التي لمحني فيها هيثم من الشارع عبر النافذة، أشرقت عيناه بالفرح، فاندفع إلى داخل المقهى دون تفكير."ثريا!"نظرت إليه مباشرة، وتلاشت الابتسامة عن وجهي."سيد هيثم، لم نلتقِ منذ فترة طويلة."كان برودي وجفائي كدلو من الماء البارد الذي انسكب ليخمد معظم فرحته وأمله.بينما نظرت إليه ميساء الجالسة بجانبي بحذر.قال هيثم بصوت أجش بعد أن ألقى نظرة على بطني المسطح، وسألني بإلحاح يكاد يكون توسلًا: "هل يمكننا التحدث على انفراد؟ لخمس دقائق فقط."ترددت قليلًا، ثم أومأت برأسي إلى ميساء.وبعد أن نهضت ميساء وجلست على طاولة قريبة، تحدث هيثم مجددًا بصعوبة:"أنتِ... تبدين بخير، مبارك لكِ على المولود.""شكرًا لك، ماذا تريد يا سيد هيثم؟""لقد... لقد اشتريت منزلنا من جديد، وأعدت تهيئته كما تحبين، بل إنني جهزت
انشغلت بإتمام مراسم الزفاف، ولم ألحظ إطلاقًا ما جرى في ذلك الركن من القاعة، فقد كان كل تركيزي منصبًا على استقبال الضيوف الصاخبين والتعامل مع تفاصيل المراسم المختلفة.وقبل انتهاء المراسم، بدأت أشعر بالإرهاق والألم في خصري وظهري.ولحسن الحظ، ظل أيهم يدعمني طوال الوقت بكل لطف ونبل، ويرافقني للتعامل مع الضيوف وكل ما يستجد من أمور.وبعد انتهاء المراسم، خلع أيهم حذائي ذا الكعب العالي، وبدأ يدلك قدميّ برفق.نظرت إلى ذلك الرجل اللطيف الذي لم أقابله سوى مرات قليلة، ولم أشعر إلا بالامتنان والذنب: "شكرًا لك، سأفي بوعدي بعد أن أضع طفلي، وأوضح الأمر لوالدينا كما اتفقنا، وننهي هذا الزواج."توقف أيهم فجأة، وبعد بضع ثوانٍ، رفع رأسه وابتسم لي ابتسامة جذابة:"لا داعي للاستعجال، لقد كنت أنا من عرضت على والديكِ مساعدتكِ، لذلك يمكنكِ التمهل في التفكير."نظرت إليه بحيرة، فقد كان هو كذلك أحد ورثة العائلة المالكة في مملكة العزب.ماذا يقصد؟ألم يتزوجني بناءً على رغبة شيوخ عائلتي صدقي ونايف حتى لا يحمل طفلي وصمة ابن غير شرعي منذ ولادته؟"ثريا، أعلم أنكِ ترين هذا الزواج كمجرد تحالف بين عائلتين، وزواج بعقد."لاحظ
أيهم صدقي؟وقف هيثم وكأنه مسمّر في الأرض.كانت الدماء تغلي في عروقه.وأخذ جسده يرتجف، وبدأت رؤيته تتشوش."ماذا؟"نظر إليه الموظف الذي أوقفه قبل قليل بدهشة: "هذا هو العريس الحقيقي! كنت أعلم ذلك، فمن قد يتأخر هكذا في القدوم إلى حفل زفافه؟""أيها الأمن! أسرعوا! تسلل شخص ينتحل صفة العريس إلى الحفل!"وقف الموظف أمام هيثم وهو يستدعي رجال الأمن عبر جهاز الاتصال في حالة من الارتباك.لكن هيثم لم يعر صرخاته أي اهتمام.كان يحدق بي، وبذراعي المتشبثة بذراع أيهم.لا!مستحيل!"ثريا!"دفع الموظف بعنف، واندفع نحوي غير آبهٍ بأي شيء.لكن سرعان ما اعترض طريقه شخص أسرع منه.كانت ميساء، وقد علا الغضب وجهها."ابتعد!"زمجر هيثم في وجهها محاولًا تجاوزها للوصول إليّ، لكنها تقدمت خطوة ودفعته بقوة."ماذا تظن نفسك فاعلًا؟ ألا تخجل؟ هذه مملكة العزب، أرض عائلة نايف، وليست مجموعة شركات صدقي! لن أسمح لك أبدًا بإفساد زفاف ثريا!"لكن هيثم ضحك وكأنه سمع نكتة سخيفة: "ثريا زوجتي! نحن مرتبطان منذ ثماني سنوات! فكيف يتزوجها ذلك الشخص الذي ظهر فجأة من العدم؟ ثريا! أنا هنا!"ثم صاح بأعلى صوته، محاولًا لفت انتباهي من بعيد:"اشرح
ذُهل هيثم.أين دعوته؟لا! إنه العريس، فلماذا سيحتاج إلى بطاقة دعوة أصلًا؟عقد هيثم حاجبيه بنفاد صبر:"أنا عريس هذا الزفاف!""العريس؟ هل يمكنني معرفة اسمك يا سيدي؟"أخرج الموظف قائمة الضيوف بارتباك ليتحقق منها، لكن هيثم وضع يده عليها ليمنعه."اسمي هيثم صدقي، الرئيس التنفيذي لمجموعة شركات صدقي! ومن غيري يحمل لقب صدقي ويستحق الزواج من ثريا ابنة عائلة نايف المالكة؟"كانت نبرته باردة وحاسمة.حتى إن الموظف ارتبك من ثقته، ونظر إليه بذعر:"هل أنت العريس، ابن عائلة صدقي؟ أعتذر، سآخذك إلى داخل القاعة حالًا."دخل هيثم قاعة الزفاف بوجه متجهم، وألقى نظرة على الحضور والديكور الأنيق، فامتلأ قلبه بالضيق والانزعاج.كان ينبغي أن يتولى هو تنظيم هذا الزفاف. بداية من طلب يد العروس، وفستان الزفاف، وقائمة الطعام، وقائمة الضيوف، وحتى تنسيق القاعة وتوزيع الزهور.كان يجب أن تكون كلها مفاجآت يقدمها لزوجته.أما الآن، أصبح كضيف وصل متأخرًا، فليس بيده سوى تقبل كل شيء.ولم يكن بين الحاضرين شخص واحد من أصدقائه أو أفراد عائلته.زم هيثم شفتيه بضيق، وأجبر نفسه على تجاهل ذلك الشعور الغريب بالإقصاء.لا بأس، لقد وصل بالفع
بعد أسبوع، أنهى هيثم أخيرًا انشغاله بأعماله، وفتح نافذة المحادثة بيني وبينه.كانت الشاشة لا تزال متوقفة عند آخر رسالة أرسلها إليّ: "لقد قلت إنني لن أتزوج على عجل، عليكِ أن تهدئي وتفكري جيدًا، وعندما تتوقفين عن الضغط عليّ، سأعود إلى المنزل."وحين اكتشف أنني لم أرد على رسالته، عبس بشدة.كان يعرفني جيدًا، فحتى بعد الشجارات أو فترات الحرب الباردة بيننا، كنت دائمًا أول من يبادر بالتواصل معه، وأسأله متى سيعود إلى المنزل.لكن هذه المرة، مضى أسبوع كامل على مغادرته، ولم أرسل له رسالة واحدة.فانتابه شعور بالقلق.في تلك اللحظة، رفع مساعده هاتفه فجأة، وصاح:"سيد هيثم، انظر! نشرت السيدة ميساء صورةً على الانستغرام! اليوم هو حفل زفاف الآنسة ثريا! كما أن عائلة نايف دعت عددًا كبيرًا من الضيوف!"انتزع هيثم الهاتف على الفور. في تلك الصورة، كنت أرتدي فستان الزفاف، وأحمل باقة الزهور، وأقف أمام نافذة تتطاير ستائرها، فأبدو في غاية الأناقة والجمال.ظل هيثم محدقًا في الصورة، لكن في اللحظة التالية اشتعل الغضب في داخله:"لم أتوقع أن ثريا ستتمادى لدرجة تمثيل هذه المسرحية من أجل الضغط علي!" ثم ضحك ساخرًا:"بل إنه
رتبت كل شيء بهدوء قبل رحيلي، وبعت منزلنا بسعر أقل من قيمته.وفي اليوم الذي سلمت فيه المفتاح إلى الوسيط العقاري، وجدت في غرفة المكتب ملفات أحد مشاريع شركة هيثم.ترددت للحظة، ثم قررت في النهاية أن أوصلها إليه.وما إن وصلت إلى باب مكتبه، حتى سمعت أصوات الضحك والحديث في الداخل، ولم تكن فيروز وهيثم بمفردهما، بل كان هناك أحد أصدقائه أيضًا.كنت على وشك طرق الباب حين سمعت صديقه يقول:"يا هيثم، جميع أصدقائنا الآخرين عرفوا أنك وثريا تشاجرتما في حفل الزفاف، وهم يسألونني سرًا عما إن كنتما قد انفصلتما."لمحتني فيروز عند الباب، فقالت بنبرة يملؤها تأنيب الضمير، بينما نظرت نحوي بتحدٍ:"يا سيد هيثم، هذا كله خطأي، كانت تلك أول مرة أحضر فيها حفل زفاف، ولم أكن أعرف ما ينبغي فعله، لذلك التقطت باقة الزهور، فتسببت في شجار بينك وبين الآنسة ثريا."ثم قال هيثم:"لا علاقة لكِ بالأمر، فثريا هي من تبالغ في الأمور."سأله صديقه مستقصيًا:"يا هيثم، هل أنت جاد هذه المرة؟ لقد انتقلت من المنزل بالفعل، فهل تنوي الانفصال عن ثريا والارتباط بفيروز؟"صمت هيثم لحظة، ثم بات صوته أكثر برودًا، وهو يقول:"ما هذا الهراء؟ أنا أحب ث







