Share

الخونة في الداخل

last update Tanggal publikasi: 2026-06-08 06:00:04

لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.

نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.

ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟ عاوزيني أكون ملك على كون مافيهوش ريحة نجع الراوي؟! الصولجان ده في نظري ميسواش حفنة تراب من أرض سقاها عرق أجدادي بـ عرقهم وشقاهم!"

برقت عينا قاسم بشررٍ غاضب، وارتفعت يده في الهواء، ليس ليقبض على الصولجان، بل ليحطمه. بقبضةٍ فولاذية، وعزيمةٍ لا تقبل الجدل، سحق قاسم الصولجان بيده، متجاهلاً النيران التي اندلعت من أطرافه، ومتجاهلاً الصدمة التي اعترت وجوه الحكماء. تحطم الصولجان إلى آلاف الشظايا المتوهجة، التي تطايرت في أرجاء القاعة وكأنها نجومٌ متساقطة.

في تلك اللحظة، حدث ما لم يتوقعه أحد؛ اهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً، وتصدعت جدران القاعة الصوانية لتسقط أجزاء منها، وكأن الجبل نفسه قد ثار مع ثورةِ قاسم. الحكماء الذين كانوا واقفين بوقارٍ ملكيٍّ، تراجعت خطواتهم إلى الخلف، لكن نظراتهم لم تكن تحمل غضباً، بل كانت تحمل إعجاباً لم يسبق له مثيل. توقف الزلزال فجأة، وعاد الهدوء ليخيم على المكان، بينما كان الغبار يتصاعد حول قاسم الذي وقف وسط الحطام، ثابتاً كأنما لم يتحرك قيد أنملة.

تقدم الحكيمُ الأكبر، الذي كان يرتدي رداءً مرصعاً بضوء الفجر، ونظر إلى الشظايا المحطمة، ثم نظر إلى عيني قاسم التي تفيضُ بـ شموخِ رجلٍ صعيديٍّ لا يقبل أن يُقاد، ثم قال بصوتٍ يملؤه التقدير والإكبار:

ـ "يا ولد الراوي، لقد ظننا أن السلطةَ هي التي تصنع الرجال، لكننا اليوم رأينا رجلاً يصنع السلطة بـ رفضه لها. لم يحطم هذا الفتى صولجاناً، بل حطم قيداً كان يكبل إرادة الراوي منذ مئات السنين. السلطانُ الحقيقيُّ ليس مَن يملكُ الزمانَ والمكان، بل هو مَن يملكُ نفسه حين تزلُّ الأقدام، وحين تفتنهُ مغرياتُ السيادة. لقد اخترتَ الصعبَ، اخترتَ المواجهةَ بـ عهدِ قلبكِ لا بـ سحرِ الكائنات. اسمعوها يا حكماء العهد.. السلطانُ لا يُقاد، السلطانُ يقودُ بـ روحه، بـ عدله، وبـ رفضه لكل ما هو زائف."

ساد صمتٌ مهيبٌ آخر، لكن هذه المرة كان صمتَ الاحترام. انحنى الحكماء جميعاً أمام قاسم، انحناءةَ إجلالٍ لمن أثبت أن جوهر "الراوي" لم يمت، بل تجدد في رجلٍ رفض أن يكون دميةً في يدِ القدر. قال الحكيمُ وهو يشيرُ إلى طريقٍ بدأ يتشكلُ بوضوحٍ في نهاية القاعة، طريقٍ يفوحُ بـ رائحةِ النجعِ والحياة: "اذهب يا قاسم.. اذهب لـ وردتك، اذهب لـ عرينك. لقد كسرتَ الاختبار، وأثبتَّ أنك أهلٌ لـ لقبِ السلطان. الطريقُ الذي رسمتَه بـ قبضتكِ الآن، هو الطريقُ الذي سيقودك لـ الحقيقة، ولـ عودتك لـ ليلى، لا كـ مخلصٍ من بعدٍ آخر، بل كـ رجلٍ عاد ليحمي عهده."

شعر قاسم بـ طاقةٍ جديدةٍ تسري في جسده، طاقة ليست خارقةً ولا غامضة، بل هي طاقةُ الإيمانِ بالحق، الإيمانِ بالنجعِ، والحبِّ الكبيرِ لـ ليلى. التفت قاسم نحو الطريق، وكانت خطواته قويةً ومطمئنة، خطواتُ رجلٍ عائدٍ لبيتهِ ليواجه العالم بـ وجهه المكشوف، لا بـ قناعِ الخوارقِ ولا بـ سحرِ الحكماء. كان يعلمُ أنَّ المعركةَ في الخارجِ ستكونُ أصعب، لكنه كان يعلمُ أيضاً أنَّ من حطمَ صولجانَ الأوهامِ لا ترهبهُ مؤامراتُ البشر. التفت لـ الحكماء للمرةِ الأخيرة، وقال بنبرةٍ مليئةٍ بالثقة والامتنانِ الذي لا يفسدُ شموخه: "النجع مستنيني، والوردة بـ تنتظر سقيها بـ عرقِ المواجهة. شكراً على الاختبار، بس الراوي ما بيحتاجش صولجان عشان يفرض كلمته، الراوي كلمته هي صولجانه.. وأنا راجع لـ دنيتي، راجع لـ أهلي، وراجع لـ حقي."

وفي تلك اللحظة، تلاشى كل شيء؛ القاعة، الحكماء، الشظايا المتوهجة، ليجد قاسم نفسه يقفُ وسط رمال الجبل، الشمسُ توشكُ على الغروب، والطريقُ أمامَه مفتوحٌ لـ رحلةِ العودةِ الكبرى. لم يكن يحملُ في يدهِ شيئاً، لكنه كان يحملُ في قلبهِ "قوةً" تساوي كلّ كنوزِ الأرض، قوةَ رجلٍ قرر أن يكونَ هو، وبـ شروطهِ، سيداً لـ زمانهِ، وزوجاً لـ ليلى، وسلطاناً لـ نجعٍ لا يعرفُ غيرَ الحريةِ والعدل. كان الطريقُ طويلاً، لكنه كان يبتسمُ وهو ينظرُ لـ أفقِ النجعِ البعيد، مدركاً أنَّ كلَّ خطوةٍ سيخطوها ستكونُ خطوةَ انتصارٍ حقيقي، ليعودَ لـ أحضانِ وردتهِ، ويُثبتَ للعالمِ أنَّ الحبَّ هو العهدُ الذي لا يكسرهُ سحرٌ ولا يُغرقُه زمن.

كانت السرايا الكبيرة في نجع الراوي تغرق في صمتٍ مريب، إلا من أصواتِ طيورِ الليل التي تنعبُ فوق جدرانِها العتيقة. في زاويةٍ مقصيةٍ من ديوانِ السرايا، حيثُ تذوبُ خيوطُ الضوءِ في عتمةِ المكان، كان "المحامي" الجالسَ على مقعدهِ الخشبيّ المنحوتِ ببراعة، يفركُ أصابعهُ بتوترٍ واضح، وأمامهُ "جابر"، أحد رجالِ النجع الذين ظنوا يوماً أنَّ ولاءهم للراوي أبديّ. كانت الغرفةُ تفوحُ برائحةِ القهوةِ المرةِ والتبغ، لكنها كانت مشبعةً أيضاً بعبقِ الخيانةِ الذي يغلفُ كلَّ كلمةٍ ينطقونها.

كانت "الحاجة نبيلة" تقف خلف ستارٍ مخمليٍّ ثقيلٍ في الممرِّ المجاور، قلبها يخفقُ بخفقاتٍ متسارعة، لكن عينيها كانتا كصقرٍ يراقبُ فريسته. كانت تسمعُ كلَّ همسةٍ وكلَّ حركة. كان المحامي ينحني نحو جابر، صوته كفحيحِ أفعى يغزو هدوءَ الليل:

ـ "اسمع يا جابر، الفرصة دي مش ع تتكرر. ليلى مش موجودة، وقاسم مفقود، والسرايا بقت مفككة. لو عرفنا مكان الست ليلى، هنقدر نوصل لـ أوراقِ ملكية الأراضي اللي بتدور عليها "المنظمة". جابر، أنت ابن النجع، وعارف المداخل والمخارج أحسن من غيرك. قولي، ليلى مخبية الورق فين؟ ولا هي مخبية نفسها فين؟"

جابر، الذي كان يرتعدُ خوفاً وطمعاً في آنٍ واحد، أجاب بصوتٍ خافتٍ ومضطرب:

ـ "يا سعادة المحامي، المكان اللي هي فيه مش سهل الوصول له. هي راحت لـ قلب الجبل الشرقي، ومحدش يعرف الطريق غير "زعيم الحراس". بس أنت وعدتني إنك هتشيل اسمي من ديون الأرض، وهتخليني أكون من أصحاب النفوذ لما الأمور تستقر."

ضحك المحامي ضحكةً باردةً جمدت الدم في عروق "الحاجة نبيلة" التي كانت تتابع المشهد بذهولٍ ومرارة. أجاب المحامي:

ـ "النفوذ ده بيدك أنت، مش بيدي أنا. لو جبت لي خريطة الطريق اللي هي مشيت فيه، هتاخد أكتر مما بتحلم. المنظمة مش بتنسى رجالها، وجوليا اللي في القاهرة مستنية الإشارة. اسمعني كويس، ليلى لو رجعت ومعاها "الخنجر" أو "العهد"، النجع ده كله هيضيع من إيدينا، وأنا مش هسمح لـ حتة عيلة زي دي تدمر شغلي اللي بنيته سنين."

خلف الستار، كانت نبيلة تشعر وكأن عالماً بأكمله ينهار فوق رأسها. تلك اليد التي أطعمتها وأحسنت إليها، وذلك المحامي الذي كانت تعده ابناً لها، هما الآن يبيعان عرض النجع بـ حفنةٍ من وعودٍ كاذبة. كانت قبضتها تشتد على طرفِ ثوبها، وعيناها تلمعان بغضبٍ لم يعرفه أحدٌ عنها من قبل. "يا خاين الأمانة، يا اللي أكلت ملحنا!" همست نبيلة لنفسها بصوتٍ يكاد لا يُسمع، لكنه كان مشبعاً بالوعيد.

تابع جابر في همسٍ مريب: "بكرة الصبح، "فوزية" هتدخل السرايا، هي اللي هتكون "الطُعم" اللي يخلي سليم ونبيلة مشغولين، وأنا هكون في الممر الخلفي، بس قولي يا سعادة المحامي، إيه اللي يضمن لي إن قاسم ما يرجعش؟ إحنا خايفين من ظله قبل ما نخاف من حضوره."

المحامي أخرج من جيبه ملفاً صغيراً وألقاه على الطاولة، وقال بنبرةٍ لا تعرف الرحمة:

ـ "قاسم؟ قاسم في مكان لا يرجع منه، والعهود اللي كان بيحميها بقت في ذمة النسيان. المهم دلوقتي ليلى.. ليلى هي اللي بتلعب بالخيوط. لازم نتخلص منها، لأنها هي اللي بتفهم في لغة "العهد". اسمع، أنت هتبلغ الرجال اللي مستنيين عند سفح الجبل، أول ما ليلى تبدأ في الرجوع، تكون "فوزية" قدامها، تعمل ضجة، والرجالة التانيين يهجموا ويخدوها لـ مكان "الجهة" ما تطلب. ليلى لازم تروح، والسر لازم يتدفن معاها."

كانت نبيلة تراقبُ كل تفصيل، تحفظُ كل وجه، وتعدُ العدة لـ رد الصاعِ صاعين. كانت تدركُ الآن أن المعركة لم تعد "خارجية" فقط، بل هي "حربُ بقاء" داخل السرايا. كانت تتخيلُ ليلى، ابنتها التي تحمي العهد، وهي في مواجهةِ هؤلاءِ الذئاب، فقررت أن تقطعَ رأسَ الأفعى قبل أن تبدأ العاصفة. تراجعت نبيلة بخطواتٍ صامتة، تاركةً الخونةَ في ظلامِ خيانتهم، وفي قلبها نارٌ تحرقُ كلَّ غدرٍ يحاولُ المساسَ بـ نجعِ الراوي. كانت تعلمُ أنَّ قاسم سيعود، وأن ليلى ستكونُ بانتظاره، وأنَّ "فوزية" التي سيتمُ إرسالها لـ عرقلةِ الأمورِ لن تجد أمامها امرأةً ضعيفة، بل ستجدُ "سلطانة" لا ترحمُ من يفكرُ في خيانةِ عرينِها.

في تلك الليلة، لم تنم نبيلة، بل قضتها في مراقبةِ المداخلِ والمخارج، وهي تجهزُ "الفخ" الأكبر. كانت تدركُ أنَّ ليلى ستحتاجُ إلى كلِّ عونٍ ممكن، وأنَّ الخيانةَ التي بدأت داخل الجدرانِ يجبُ أن تُغسلَ بـ دماءِ الحقِ لا بـ دماءِ الغدر. كانت نبيلة تتحدثُ مع روحِ زوجها "منصور" في سرها: "يا منصور، يا اللي ربيت العيال على العزة، شوف ولاد الحرام بيعملوا إيه في دارك! بس ورب البيت، ما هخلي فيهم واحد يتهنى بـ خيانته، ليلى وقاسم هيرجعوا ويحاسبوا كل مين فكر يبيع أصله بـ حفنةِ دولارات أو وعودٍ كاذبة."

كان وصف المشهد يملأ المكان توتراً، فـ حركة المحامي العصبية، ونظرات جابر المتوجسة، والستار الذي كان يرتجفُ مع كل نفسٍ من نبيلة، كل ذلك كان ينبئ بأن نجع الراوي يقفُ على حافةِ بركانٍ لا يُبقي ولا يذر. كانت الرومانسية في ذلك المشهد حاضرةً في "وفاء نبيلة" لـ ذكرى عائلة الراوي، وفي حبها الذي يتجاوزُ الدم، وفي إيمانها بأنَّ ليلى، ابنتها بالروح، هي الوحيدة القادرة على ردِ كيدِ هؤلاءِ المعتدين. وبينما كانت نبيلة تغادرُ الممر، توقفت عند بابِ غرفةِ ليلى، وقبلت أعتابها، ودعت: "يا رب، احميها من عيونِ الناس، واحميها من غدرِ الأقارب، وخلي قاسم يرجع ويشيل الحمل اللي بقى تقيل على قلبي." غادرت نبيلة، وبقيت السرايا في ظلامٍ يزدادُ كثافة، متهيئةً لـ ليلةٍ لن ينسى النجعُ تفاصيلها، وليلةٍ ستكونُ شاهداً على أنَّ الحقَّ، مهما طالَ زمنُ غيابه، لا بد وأن يظهرَ بـ قوةِ العهدِ، وبـ إيمانِ مَن لا يعرفونَ الخضوعَ لـ قوى الشرِّ التي تحاولُ محوَ هويةِ العرينِ من الخريطة. كانت نبيلة تسيرُ بخطواتٍ ثابتة، وبدأت في كتابةِ "رسالةٍ" تحذرُ فيها سليم من فوزية، وترسمُ خطةً لـ كشفِ جابر أمامَ رجالِ النجعِ، وكأنها كانت تديرُ معركةً خفيةً بـ براعةِ قائدٍ عسكريٍّ محنك، تُعدُّ العدةَ لـ ليلةِ الحسابِ التي ستجعلُ المحاميَ وشركاءه يندمونَ على اليومِ الذي فكروا فيه في المساسِ بـ حرمةِ السرايا. كانت نبيلة، بروحها الصعيدية الأصيلة، هي "العرين" الذي لم ينحنِ، وهي التي ستضمنُ لـ قاسم وليلى أن يرجعا لـ بيتهما بـ شموخ، وليس بـ انكسار. وفي غمرةِ كلِّ ذلك، كانت روحُ الراوي تحومُ حول السرايا، وكأنها تباركُ خطواتِ الأمِّ التي رفضت أن تتركَ بيتها ينهشُ فيه الخونةُ، تاركةً خلفها نذيراً لكلِّ مَن يظنُّ أنَّ الراوي ماتوا، فـ هم في الواقعِ كانوا يتهيأونَ لـ العودةِ بقوةٍ، ليعيدوا ترتيبَ أوراقِ الصعيدِ من جديد، وليؤكدوا أنَّ كلمةَ "العهد" لا يُفنى أثرها، وأنَّ الأحرارَ في هذا النجعِ لا يُباعون ولا يُشترون.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

  • وردة في عرين السلطان   سلطانة العرين الأصلية

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."

  • وردة في عرين السلطان   الخونة في الداخل

    لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟

  • وردة في عرين السلطان   وادي الصمت

    بعد أن تجاوزا كهوف التاريخ، انفتح أمام ليلى وسليم ممرٌّ طبيعيٌ شاهقٌ يُعرف في أساطير الجبل بـ "وادي الصمت". لم يكن مجرد مكانٍ خالٍ من الضجيج، بل كان فراغاً مشحوناً بطاقةٍ غامضة، وكأن الهواء فيه كُثف ليصبح وسطاً ناقلاً للمشاعر لا للأصوات. بمجرد أن وطئت أقدامهما رماله الفضية، تلاشى هدير الرياح، وخمدت أنفاسهما القلقة، وكأن الوادي يمتص القدرة على النطق كما يمتص الغسقُ النورَ الأخير. كان الصمتُ هناك ثقيلاً، يضغط على طبلة الأذن ويثقل كاهل الروح، جاعلاً من أبسط حركةٍ تبدو وكأنها صرخةٌ مدوية.سار سليم في المقدمة، يده على خنجره، عيناه تجولان في الأفق بحذرٍ عسكريّ، بينما كانت ليلى تتبعه، تحاول بكل قوتها أن تضبط إيقاع أنفاسها. كان الصمت يضغط على أعصابهما لدرجة أن سليم أصبح يسمع دقات قلبه، وكان يشعر وكأن أفكارهما المتوترة تتصادم في الهواء كشراراتٍ مجهرية. لم يكن بوسعهما التحدث لكسر هذا الحصار الخانق، ففي "وادي الصمت"، يُقال إن أي كلمةٍ تنطقها قد تكون الأخيرة، لأنها تفتح ثغرةً في أمان المكان وتجذب الكيانات التي تعيش في طيات السكون.فجأة، وبدلاً من الحجارة الصماء، بدأت ليلى ترى شيئاً يلمع

  • وردة في عرين السلطان   محاكمة السلطان

    استفاق "قاسم الراوي" من غيبوبته الزمنية ليجد نفسه في فضاءٍ لا يحده بصر، فضاءٍ يمتزج فيه ضبابُ الأزل ببريقِ الحاضر. كان المكان عبارة عن قاعةٍ رحبةٍ جدرانها من صوانٍ أسود صُقلَ عبر دهورٍ من العزلة، وفي صدرِ القاعة، على مقاعدَ منحوتة من جذوع شجرِ جميزٍ عتيق، جلس سبعةُ رجالٍ يرتدون جلاليبَ صعيديةً من الكتان الخشن، مطرزة بخيوطٍ تبدو وكأنها ضوءُ النجوم، وجوههم محفورةٌ بتضاريس الجبل، ولحاهم البيضاء تنسدل كأنها شلالاتُ حكمةٍ لا تنضب. هؤلاء كانوا "حكماء العهد"، حراس أسرار الراوي الذين لا تدركهم العين البشرية إلا في لحظاتِ الحسم.وقف قاسم بوسط القاعة، جسده العاري إلا من آثارِ معارك الجبل، عضلاته المشدودة تنبض بقوةٍ لا تعرف الوهن. لم يكن خائفاً، بل كان واقِفاً وقفةَ الجبلِ الذي لا تهزه ريح. تقدم أكبر الحكماء سناً، وكان صوته أشبه بوقعِ الخطواتِ على أرضِ مغارةٍ سحيقة: "يا ولد الراوي.. يا مَن حملتَ العهدَ وكسرتَ القيد، لقد أتينا بك لتمتحن. النجعُ يا قاسم أمانة، والوردةُ اللي عشقتها هي قيدُك في دنيا البشر.. فإذا أردتَ النجاةَ والعودةَ للعرين، فعليك أن تختار. هل تضحي بالنجع، بدم أهلك، وبأرض أجد

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status