ログインغصَّ "الديوان الكبير" بسرايا آل الراوي بكبار النجع وعمد العائلات الصعيدية الأصيلة، الذين تقاطروا على السرايا بوجوهٍ واجمة وعيونٍ يملؤها الترقب والقلق بعد أن جرى خبر عودة فوزية ومطالبتها بـ "حقوقها القديمة" مجرى النار في الهشيم. كان الهواء داخل القاعة الفسيحة ثقيلاً، مشحوناً برائحة التبغ الصعيدي العتيق الممتزج بعبير بخور الجاوي الذي يتصاعد من المباخر النحاسية، ملقياً بظلاله ووشوشاته على الجدران الصخرية السميكة التي شهدت أحكام الدم والتار عبر العقود. جلس الشيوخ والحكماء على مقاعدهم الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، والهمسات بداخلهم لا تنقطع عن تلك "العاصفة الجديدة" التي دبت في العرين بعد ساعاتٍ قليلة من تطهيره من دنس المحامي وجابر.
في صدر القاعة، وقف قاسم الراوي كعادته كـ الطود الراسخ، قامته الطاغية تفرض مهابةً سلطانية تسري في نفوس الحاضرين دون حاجةٍ للحركة. كان يرتدي جلبابه الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الفضة تنسدل على كتفيه العريضين، بينما كانت عيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث الذي ناله من البُعد الآخر، والذي كان يمنحه قدرةً على قراءة ذبذبات المكر والخيانة في الهواء. وخلفه بـ خطوتين، كان سليم يقف يده على مقبض سلاحه الآلي، وعيناه تراقبان بـ تركيز عسكري محنك كل حركة وسكنة في الديوان. وفي مواجهتهم، كانت تجلس فوزية على مقعدٍ مخملي، بـ كامل أناقتها المدنية التي جلبتها من "مصر" (القاهرة). ثوبها الداكن وشالها الحريري الفاخر كانا يشكلان تبايناً حاداً مع خشونة الديوان الصخري، لكن جمالها الصعيدي الحاد الموروث من آل الراوي كان يمنحها جسارةً واضحة. وبحركةٍ بطيئة مدروسة تحمل دلالاً وبهرجةً تعودت عليها في صالونات البندر، فتحت حقيبتها الجلدية الصغيرة الفاخرة، واستخرجت منها "ورقةً" صفراء عتيقة متهالكة الأطراف، تفوح منها رائحة الورق القديم المختوم بـ الشمع الأحمر الملكي، وألقتها فوق الطاولة المركزية المصنوعة من خشب الزان الأسود بدويّ تناهت إليه أسماع الحاضرين بـ وجل. تنحنحت فوزية، ورفعت رأسها بـ كبرياء، وتحدثت بنبرةٍ تداخلت فيها نعومة عيش المدائن بـ صلابة العرق الصعيدي الدفين، وقالت وهي تصوب نظراتها الماكرة نحو قاسم: ـ "الورق أهو يا ولد عمي.. وأهو قصاد كبار النجع وحكمائه لجل ما يعرف الكل إن فوزية ما جاية تتبلى على حد واصل. الورقة دي صك شرعي قديم انكتب بـ أمر من جدي منصور الراوي قبل ما يغادر أبويا النجع مهاجر لـ مصر. الصك بـ يقول إن لأبويا ولـ ذريته من بعده النصف الشرعي في ملكية السرايا دي، وفي أراضي المحاجر والطين بـ نجع الراوي بـ أكمله. جيت اليوم لـ أجل ما أسترد حق غاب عني سنين، ولـ أجل ما آخد نصيبي من ورث الأجداد." تعالت همسات الوجل والترقب وسط كبار العائلات، وتبادل العمد نظرات الحيرة أمام الصك الذي يحمل ختماً حقيقياً لعائلة الراوي. خطى قاسم خطوةً واسعة نحو الطاولة، ولم ينظر إلى الورقة بل صوب عينيه الذهبيتين المرعبتين في عيني فوزية مباشرة، وجاء صوته عميقاً جهورياً، هز أرجاء الديوان وجعل جمر الموقد يتطاير، وقال بـ شجاعة وحجة صعيدية قوية لا تقبل المراجعة: ـ "نورتِ دارك يا فوزية، بس السرايا دي ليها قانون واحد يعرفه الصغير قبل الكبير في الجبل؛ ملك آل الراوي م ع يتقسمش بـ المتر ولا بـ الفدان واصل! أبوكي غادر الدار وهو شايل في قلبه عتب، وإحنا صونا الأرض وعمدناها بـ دمانا وتارنا بغيابكم لما كانت الكلاب والمنظمة الدولية بـ تنهش في ضهرنا. الصك اللي بـ تتكلمي عنه ده سقط بـ شرع الصعيد وبـ قانون الأرض يوم ما أبوكي رضي بـ دهب البندر وساب العرين مستباح لـ الأعداء. السرايا دي ملك للي حماها بـ عصبة وبـ روحه، مش للي جاي بـ ورق قديم من غياهب مصر لـ أجل ما يلم المال!" لم تتراجع فوزية أمام جبروت قاسم، بل ابتسمت ابتسامة باردة مليئة بـ المكر والذكاء العاطفي الخبيث، ونظرت إلى كبار العائلات المحيطين بها لـ تعزف على أوتار مشاعرهم العائلية، وقالت بـ نبرة تفيض بـ الشجن والوداد المصطنع: ـ "لاه يا قاسم بيه.. أنا ما جاية لـ أجل مال ولا طمع في كنوز الجبل واصل! أنا جيت لـ أجل ما "ألم شمل العيلة" اللي اتبعثرت في البلاد البعيدة، وجيت لـ دار أبوي وجدي لجل ما أعيش وسط أهلي وناسي بـ شرفي وأصلي. فوزية ابنة دمك وعرقك يا ولد عمي، وأنا أولى بـ حضن الدار من اللي دخلوا علينا بـ الغدر.. السرايا طول عمرها مصونة بـ ناسها وولاد عمومتها، بس فيه ناس (غريبة) دخلت الدار وبقت بـ تتحكم في الزمام بـ سحر وبـ كلام ملوش أصل، والناس الغريبة دي هي اللي ع تكون سبب في تفكيك العيلة وضياع عهد الراوي لـ صالح غاياتهم واصل!" وقعت كلمات فوزية على الديوان كـ نذر فتنة جديدة، وبدأ بعض الكبار يومئون برؤوسهم تأثراً بـ حديثها عن صلة الرحم و"الغريب" الذي يهدد الدار، ملمحةً بـ خبث مبطن إلى ليلى وقدراتها الجديدة التي أثارت ريبتهم. وفي ذروة تلك اللحظة الحرجة التي خطفت الأنفاس، انشق الصمت فجأة عن صوت صرير الباب الخشبي الضخم لـ الديوان. ولجت "ليلى" إلى القاعة بـ اندفاعةٍ ملكية مفاجئة وهيبةٍ تزلزل الصوان، عباءتها السوداء الملوكية الموشاة بـ الذهب تخفق وراءها كـ راية حرب، وجسدها الممشوق كـ النخلة يفيض بـ جسارة السلطانة التي استمدت قوتها من حكمة الحاجة نبيلة ومن نار وادي المرايا. تقدمت ليلى بـ خطواتٍ ثابتة تنهب الأرض نهباً حتى وقفت في مواجهة فوزية مباشرة، ونظرت إليها بـ عيونٍ واسعة تشتعل بـ نار الغيرة الصعيدية العنيفة الطاغية وبـ كبرياء لا يعرف الانكسار واصل. تحدثت بـ صوتها العميق الجهوري الذي يفيض بـ التحدي، وردت على فوزية بـ ردٍّ صاعق زلزل أركان الديوان، قائلة بـ لهجة صعيدية تقطر صلابة ووعيداً: ـ "مين دي اللي غريبة يا فوزية؟! مين دي اللي جاية بـ تفكك العيلة؟! وعزة جدي ومنصور الراوي ونبض قاسم اللي بـ يسرى في عروقي، الغريب هو اللي ساب داره وعرضه وناسه سنين طويلة لـ أجل ما يتربى في أحضان البندر وعطور مصر، وجاي اليوم بـ ورق مبلول يطالب بـ ورث في دار ما يعرفش طينها! أنا مش غريبة واصل.. أنا "السلطانة" اللي وقفت في وش المدفع لما كنتِ إنتي بـ تتمايلي بـ دلال المدائن، وأنا الوردة اللي شوكها حما قاسم وحما السرايا من دنس المحامي وجماعة جابر والمنظمة الدولية اللي رادت تمحو هوية الصعيد بـ الكامل! عهد آل الراوي ما بـ يحميهوش ورق قديم مكتوب في الضلمة، عهد الراوي بـ يحميه قلبي وعقلي اللي كسر مرايا الخوف، واليد اللي تمد يدها لـ داري لـ أجل الفتنة، ع أقطعها من لغاليغها قصاد الرجال واصل!" وقع الرد الصاعق من ليلى كـ الصدمة الكهربائية التي لجمت لسان فوزية، فـ شحب وجهها المتمدن وبلعت ريقها بـ ذل وصعوبة أمام كبار النجع الذين ضج الديوان بـ تأييدهم لـ ليلى وتبددت شكوكهم بـ فضل كلمات السلطانة القوية. انبعثت نظرة تحدٍّ نارية حارقة بين المرأتين؛ ليلى بـ شموخها وجسارتها وثقتها الدفينة كـ زوجة وسلطانة، وفوزية بـ مكرها ودلالها المتسلح بـ صكوك الماضي وعقوده. وفي المنتصف بينهما، وقف قاسم الراوي شامخاً، عيناه الذهبيتان تتنقلان بين زوجته ووردته التي يرى في عينيها وطنه الوحيد، وبين "بنت عمه" التي تحمل ماضياً يهدد استقرار حاضره ويفتح أبواباً لـ مؤامراتٍ جديدة دُبرت في غرف البندر المظلمة. كانت الأجواء مشحونة بـ مراجل الغيرة والخطط المضادة، معلنةً أن العرين قد دخل معركةً جديدة لا تُدار بـ الرصاص، بل بـ كيد الحريم وشرف العهد الصعيدي الأصيل الذي لا ينحني للأبد.. ظلّت نظراتُ التحدي النارية معلقةً في فضاء الديوان كـ شفرات السيوف المصلتة، ولم يكن الصمت الذي خيّم على كبار النجع صمتَ هدوء، بل كان جموداً يسبق انشطار الأرض. وقفت ليلى وثابتة القدمين، صدرها الممشوق يصعد وتهبط أنفاسه بـ كبرياءٍ صعيدي عاتٍ، ويدها مستقرة فوق مقبض الخنجر، بينما كانت فوزية تحاول لملة شتات كبريائها البندري الجريح بعد أن ألجمها رد السلطانة الصاعق أمام حكماء الدار وعمدها. في تلك اللحظة الطاحنة، تحرك قاسم خطوة واحدة لـ يكسر هذا الجمود بـ جبروته الطاغي. نظر إلى فوزية بـ عينين تشعان بـ الضوء الذهبي الخافت، الضياء الذي جردها من ألاعيب الدلال، وجاء صوته عميقاً جهورياً يحمل لغة الحسم والوعيد: ـ "سمعتِ يا ابنة عمي؟ سمعتِ قول السلطانة اللي صانت العرض بـ غيابي؟ الورقة اللي بـ تهزي بيها قصاد الرجال، بليها واشربي ميتها في بحر مصر واصل! السرايا دي ملوش صاحب غير ليلى، والعهد اللي بينا انكتب بـ الدم مش بـ حبر قديم. النجع اتطهر من دنس الخيانة، وإنتي لو جاية لـ أجل صلة رحم.. دارك ومطرحك فوق راسنا، أما لو جاية بـ نية الفتنة لـ حساب ناس بـ يتحكموا فيكي من البندر.. فـ وعزة جلال الله ع تخرجي من النجع بـ ذل ما شفتيه في عمرك كله!" تراجعت فوزية خطوة لـ الوراء، وانمحت مسحة الوداد المصطنع من وجهها تماماً، لـ يظهر بدلاً منها وجهٌ آخر؛ وجهٌ يقطر مكراً ودهاءً أسود يليق بـ دهاليز المنظمة الدولية. ضيقت عينيها الماكرتين، ونظرت إلى قاسم ثم إلى ليلى بـ شماتةٍ خفية جعلت نغزة الغيرة في قلب ليلى تتحول إلى رعبٍ تخاطري دافق، وقالت فوزية بـ صوتٍ حاد يحمل فحيح الحيايا: ـ "زين قوي يا ولد عمي.. وزين قوي يا ليلى يا سلطانة الوهم! إنتوا فاكرين إن فوزية جاية بـ طولها؟ فاكرين إن الورقة دي أقصى ما في جعبتي؟ لاه.. وعزة جدي منصور، فوزية مكنتش غير الإشارة.. مكنتش غير اليد اللي بـ تفتح البوابة الحديد الكبيرة لـ أصحاب الحق الحقيقيين بـ حكم القانون ونيابة البندر!" ما إن نطقَت فوزية بـ كلماتها، حتى انشق سكون السرايا الخارجي عن دويّ جلبةٍ عنيفة لم يسبق لها مثيل؛ أصوات فرملة سياراتٍ سوداء فارهة تندفع في الباحة، تلاها صراخ الخفراء وصيحات ذعر انطلقت من حريم السرايا خلف المشربيات الخشبية. تصلب جسد سليم، واندفع نحو النافذة الكبيرة لـ يرقب ما يحدث بـ عين الصقر، وتوسعت عيناه العسكريتان بـ ذهولٍ وصدمة شلت أطرافه لـ ثوانٍ. التفت سليم نحو قاسم وليلى، ووجهه الحاد قد تحول إلى لون الرماد، وقال بـ صوتٍ مخنوق يهتز بـ رعبٍ لم يعهده فيه أحد من قبل: ـ "يا سلطان.. يا ليلى! الحقونا.. المصيبة حلت بـ الدار! الساحة بره مقلوبة، وعربيات السلاح محاصرة السرايا بـ رجال نفوذ من وزارة الداخلية ومن البندر بـ نفسهم! وفيه حرمة واصلة دلوك بـ هيبة ملوكية.. الست "ميرال السيوفي"!" وقع الاسم على مسامع ليلى كـ الصاعقة المدمرة التي نسفت لحظة الانتصار. "ميرال السيوفي".. ابنة عم قاسم القديمة، وطليقته أو حبيبته المنسية التي هربت منذ سنين طويلة إلى مصر، والتي كانت ليلى تظن أن تاريخها قد دُفن مع جثث آل السيوفي في الجبل الشرقي! انفتحت أبواب الديوان الكبيرة بـ قوة وجبروت، ودخلت من بين الحراس امرأةٌ فارعة الطول، تفيض بـ سحرٍ أسود وشياكة عالمية تخطف الأنفاس، عيناها خضراوان كـ أفاعي العشب، وبـ يدها ملفٌ جلديّ ضخم محفور بـ أختام النيابة الملكية والمديرية الكبيرة في القاهرة. خطت ميرال السيوفي إلى وسط الديوان بـ ثقةٍ زلزلت الصوان، ونظرت إلى قاسم بـ نظرة عشقٍ قديم ممتزج بـ التملك، ثم وجهت نظراتها الباردة نحو ليلى، ورفعت أوراق الصك بـ كبرياء طاغٍ، وقالت بـ صوتٍ جهوري ناعم يحمل وعيد الموت: ـ "كيفك يا سلطان قلبي؟ مرت سنين، بس ميرال السيوفي رجعت لـ عرينها.. وجاية ومعايا "صك زواج رسمي قديم" وموثق بـ عقد النصف الشرعي من السرايا والأرض بـ الكامل! أنا مش جاية أطلب ورث يا ليلى.. أنا جاية بـ قوة القانون والغريب لجل ما آخد ملكي.. وآخد جوزي وحبيبي قاسم الراوي اللي اسمي منقوش بـ دمه من قبل ما تتولدي إنتي في الأرض دي واصل!" تجمدت الأنفاس في القاعة، واشتعلت نار الغيرة والنقمة في صدر ليلى بـ شكلٍ حارق ومخيف وهي ترى غريمتها الكبرى تقف في عقر دارها بـ ورقٍ يهدد حاضرها، بينما وقف قاسم مذهولاً من هذا الظهور المفاجئ الذي يعيد أشباح الماضي لـ يهدد استقرار العرين بـ فاجعةٍ ومؤامرة تخلط الأوراق بـ الدم من جديد، لـ ينتهي المشهد على نذر حربٍ نسائية وعسكرية طاحنة لن ترحم أحداً..غابتْ شمسُ العصرِ خلفَ سنامِ الجبلِ الشرقيِّ الوعرِ، تاركةً وراءَها شفقاً مدمىً بـ الحمرةِ النحاسيةِ الساخنةِ، صبغَ جدرانَ سرايا آل الراوي بـ ظلالٍ من الوجلِ والترقبِ الخانقِ. كان النجعُ يعيشُ في تلك الساعاتِ على صفيحٍ ساخنٍ؛ فالهمساتُ تنخرُ في بيوتِ الطينِ عن صكوكِ ميرال السيوفي ووعودها المسمومةِ التي شقتْ صفوفَ الكبارِ. هواءُ المساءِ القادمِ من صوبِ النيلِ كان يحملُ برودةً مريبةً، غسلتْ عتباتِ السرايا الحجرية العتيقةِ بـ رائحةِ الغبارِ الرطبِ ونبتِ الحلفاءِ، ممتزجةً بـ فحيحِ مؤامرةٍ قذرةٍ كانت تُطبخُ على نارٍ هادئةٍ في دهاليزِ النفوذِ وراءَ البحارِ وفي غرفِ البندرِ المظلمةِ.في "غرفةِ المراقبةِ والاتصالِ السريةِ" القابعةِ في أحشاءِ السرايا السفليةِ، حيثُ تلتقي جدرانُ الحجرِ الصوانيِّ الأسودِ بـ التكنولوجيا الحديثةِ، كان "سليم الراوي" يقف كـ نمرٍ محبوسٍ في عرينهِ. كان يرتدي جلبابه الداكنَ المنبثقَ من سوادِ الليلِ، وعباءتهُ الشتوية الثقيلة تنسدلُ فوق كتفيهِ العريضينِ، متأهباً بـ سلاحهِ الشخصيِّ المحشوِ بـ الذخيرةِ الحيةِ. كانت الأجهزةُ اللاسلكيةُ المشفرةُ تومضُ بـ أضواءٍ حم
تسللتْ ليلى من الممرات الخلفية للسرايا كأنها طيفٌ من أطياف الجبل، تفرّ من ضجيج الفتنة الذي ملأ الباحة الخارجية بعد أن عاثت فيه ميرال السيوفي بوعودها المسمومة وصكوكها القانونية. كانت جدران السرايا الحجرية السميكة تبدو في هذا المساء كأنها تئن تحت وطأة المؤامرات التي تحاك في الظلام، بينما انقبض صدر ليلى بنيران غيرةٍ صعيدية عاتية كادت تفتت ضلوعها، ممتزجةً بتوجسٍ عميق على عرينها وزوجها. تلمست نصل الخنجر الصعيدي المستقر في حزامها بحركةٍ آلية، ونهبت الأرض بخطواتٍ رشيقـة ملوكية، متجهةً نحو القبو السفلي حيث يقع "وجار الحاجة نبيلة".عند عتبة الوجار، تلاشت أصوات النجع ليحل محلها سكونٌ مهيب تفوح في أرجائه رائحة حطب الطلح المحترق، ورائحة البخور الجاوي العتيق، وعبق القهوة البكر التي تغلي على مهلٍ فوق رماد الموقد الطيني. كان المكان يغرق في ظلالٍ برتقالية دافئة تعكسها ألسنة اللهب المرتجفة، وفي وسط هذا الركن الذي يختزل تاريخ آل الراوي بأكمله، كانت "الحاجة نبيلة" تجلس بوقارها الملكي كأنها حارسة الزمان. عباءتها السوداء الفضفاضة تنسدل حول جسدها النحيل، ويداها المجعدتان اللتان عاصرتا عهود الدم والتا
في الجانب الشرقي القاصي من سرايا آل الراوي، حيث تقف "المضيفة القديمة" شامخةً بجدرانها المبنية من الطوب اللبن العتيق والحجر الصواني الأسود، كانت العتمة قد ضربت سياجها المحكم فوق الأرجاء، ليحل محل صخب النهار سكون مريب يقطر بمؤامرات الليل وخيانة الداخل. كانت الأجواء داخل المضيفة الفسيحة مشحونة بضباب كثيف من تبغ السجائر البندرية الفاخرة، وممتزجة برائحة القهوة المرة المغلية على مهل فوق جمر الموقد النحاسي. أنوار المصابيح الزيتية المتدلية من السقف الخشبي كانت ترتجف مع كل هبة ريح باردة تتسلل عبر النوافذ المقوسة، ملقيةً بظلال مشوهة طويلة للأجساد الجالسة بالداخل، كأنها أشباح تحيك كفن النجع في الخفاء.في صدر القاعة المفرشة بالسجاد العجمي الداكن، كانت "ميرال السيوفي" تجلس كحية رقطاء تنفث سمها بدم بارد. كانت ترتدي ثوباً مخملياً أسود يبرز قوامها الممشوق الطاغي، وتضع فوق كتفيها فرواً ناعماً ينم عن ثراء البندر ونفوذه، بينما كانت عيناها الخضراوان تلمعان ببريق الجشع والتملّك الطاغي وهي تقلب بين أصابعها المطلية باللون القرمزي صكوك الملكية وأوراق النيابة الملكية. وبجانبها كانت تجلس "فوزية" واجمة، ع
تلبدتْ سماءُ نجع الراوي بسحبٍ خريفيةٍ داكنةٍ، حجبتْ خيوطَ الشمس الآفلة ولفتْ السرايا الكبيرة برداءٍ من الغموض والتوجس، كأنَّ جدران الصوان العتيقة كانت تشعر بالزلزال الذي يوشك أن يضرب أركانها. داخل "الديوان الكبير"، كان الصمت خبراً عاتياً يربض فوق صدور الحاضرين؛ كبار العائلات وعمد القرى جلسوا على مقاعدهم الخشبية المحفورة بختم الأجداد، والوجوه التي غسلها الفخر بنصر البارحة عادت لتتوشح بالوجوم والحيرة. اختلطت رائحة التبغ الصعيدي المعتق بزفرات الصدور القلقة، وبدا بخور الجاوي المتصاعد من المباخر النحاسية كأنه دخان معركة جديدة لا تُدار بالبنادق، بل بالعهود المسمومة وكيد المدائن.في وسط هذه الأجواء المشحونة، كانت "ميرال السيوفي" تقف في بقعة الضوء الضعيفة المنبعثة من الثريا الكريستالية العتيقة. دخلت السرايا كإعصارٍ مغلف بالحرير والعطور الباريسية؛ قامتها الممشوقة الطاغية وشياكتها العالمية أحدثتا هرجاً ومرجاً لم يشهده النجع من قبل، وعيناها الخضراوان اللامعتان كأفاعي العشب كانت تشعان بثقةٍ مطلقة، ثقةِ من يملك الأرض ومن عليها بقوة صاغتها عقول غامضة وراء البحار.أمامها، وقف قاسم الراوي ك
غصَّ "الديوان الكبير" بسرايا آل الراوي بكبار النجع وعمد العائلات الصعيدية الأصيلة، الذين تقاطروا على السرايا بوجوهٍ واجمة وعيونٍ يملؤها الترقب والقلق بعد أن جرى خبر عودة فوزية ومطالبتها بـ "حقوقها القديمة" مجرى النار في الهشيم. كان الهواء داخل القاعة الفسيحة ثقيلاً، مشحوناً برائحة التبغ الصعيدي العتيق الممتزج بعبير بخور الجاوي الذي يتصاعد من المباخر النحاسية، ملقياً بظلاله ووشوشاته على الجدران الصخرية السميكة التي شهدت أحكام الدم والتار عبر العقود. جلس الشيوخ والحكماء على مقاعدهم الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، والهمسات بداخلهم لا تنقطع عن تلك "العاصفة الجديدة" التي دبت في العرين بعد ساعاتٍ قليلة من تطهيره من دنس المحامي وجابر.في صدر القاعة، وقف قاسم الراوي كعادته كـ الطود الراسخ، قامته الطاغية تفرض مهابةً سلطانية تسري في نفوس الحاضرين دون حاجةٍ للحركة. كان يرتدي جلبابه الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الفضة تنسدل على كتفيه العريضين، بينما كانت عيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث الذي ناله من البُعد الآخر، والذي كان يمنحه قدرةً على ق
تبدّلت ألوانُ المغارب فوق نجع الراوي، لتترك السماءَ مشحونةً بـ ضبابٍ رماديٍّ ثقيل امتزج بـ أنوار الفجر الجديدة، كأنَّ الأيامَ ترفضُ أن تمنحَ السرايا الكبيرة هدنةً حقيقيةً بعد ليلة الحساب الطاحنة. لم تكن أنفاسُ أهل النجع قد استقرت بعدُ في صدورهم عقبَ سقوط المحامي وجابر وتطهير العرين، حتى انشق سكونُ الباحة الخارجية عن جلبةٍ غيرِ معهودة. صريرُ البوابة الحديدية الضخمة لـ سرايا آل الراوي، تلك البوابة التي نُقشت عليها صراعاتُ العقود وخُتمت بـ دماء المخلصين، انفتح بـ قوةٍ ووقارٍ مفاجئ، محدثاً دويّاً صدى في أرجاء الجدران الصخرية السميكة.من قلب الظلال، ولجت سيارةٌ سوداء فارهة لم يألفها طينُ النجع الوعر، لتتوقف في وسط الساحة الرحبة. انفتح الباب بـ بطء، لـ تخطو إلى الأرض قدمٌ تزن خطواتُها هيبةً وتمدناً مختلفاً تماماً عن خشونة الجبل. كانت "فوزية".. ابنةُ عم قاسم التي غادرت الديار منذ سنين طويلة مع أبوها مهاجرةً صوب "مصر" (القاهرة)، حيث ذابت في كنف الحياة العصرية وانقطعت أخبارها خلف جدران البندر الصاخبة.دخلت فوزية بـ كامل قامتها الممشوقة، كأنها طيفٌ من زمنٍ آخر؛ جمالُها الصعيدي الأصيل







