Share

خلخال المدائن

last update publish date: 2026-06-13 06:03:06

تبدّلت ألوانُ المغارب فوق نجع الراوي، لتترك السماءَ مشحونةً بـ ضبابٍ رماديٍّ ثقيل امتزج بـ أنوار الفجر الجديدة، كأنَّ الأيامَ ترفضُ أن تمنحَ السرايا الكبيرة هدنةً حقيقيةً بعد ليلة الحساب الطاحنة. لم تكن أنفاسُ أهل النجع قد استقرت بعدُ في صدورهم عقبَ سقوط المحامي وجابر وتطهير العرين، حتى انشق سكونُ الباحة الخارجية عن جلبةٍ غيرِ معهودة. صريرُ البوابة الحديدية الضخمة لـ سرايا آل الراوي، تلك البوابة التي نُقشت عليها صراعاتُ العقود وخُتمت بـ دماء المخلصين، انفتح بـ قوةٍ ووقارٍ مفاجئ، محدثاً دويّاً صدى في أرجاء الجدران الصخرية السميكة.

من قلب الظلال، ولجت سيارةٌ سوداء فارهة لم يألفها طينُ النجع الوعر، لتتوقف في وسط الساحة الرحبة. انفتح الباب بـ بطء، لـ تخطو إلى الأرض قدمٌ تزن خطواتُها هيبةً وتمدناً مختلفاً تماماً عن خشونة الجبل. كانت "فوزية".. ابنةُ عم قاسم التي غادرت الديار منذ سنين طويلة مع أبوها مهاجرةً صوب "مصر" (القاهرة)، حيث ذابت في كنف الحياة العصرية وانقطعت أخبارها خلف جدران البندر الصاخبة.

دخلت فوزية بـ كامل قامتها الممشوقة، كأنها طيفٌ من زمنٍ آخر؛ جمالُها الصعيدي الأصيل بـ ملامحه الحادة المنحوتة من كبرياء آل الراوي كان لا يزال نابضاً في عينيها الواسعتين اللامعتين، لكنه غُلف هذه المرة بـ شياكةِ المدينة وسحرها الأخّاذ. كانت ترتدي ثوباً مخملياً داكناً يلتف حول جسدها بـ مهارة، وتضع على كتفيها شالاً من الحرير الفاخر، بينما خصلاتُ شعرها المصففة بـ عنايةٍ تداعبُ وجهها مع ريح الصباح الباردة. مظهرُها المتمدن وخطواتُها الواثقة فوق بلاط السرايا العتيق أحدثا حالةً فوريةً من الهرج والمرج وسط الخفراء وحريم النجع اللواتي تجمهرن خلف المشربيات الخشبية، يتساءلن بـ همساتٍ متلاحقة ممزوجة بـ الوجل والفضول الشديد.

في صدر الديوان، كان "قاسم الراوي" واقفاً كـ عادته كـ الطود الراسخ، جلبابه الصعيدي الأسود يفيض بـ هيبة السلطان، وعيناه الصقريتان تحملان بقايا الضوء الذهبي الخافت الذي انطبع فيهما بعد معركة الجبل وبوابة الأبعاد. ما إن وقعت عيناه على فوزية، حتى تجمد في مكانه بـ ذهولٍ صاعق خطف أنفاسه لـ ثوانٍ. تراجعت ملامحه الصارمة لـ تحل محلها ذكرياتُ الطفولة المنسية، ورأى في وجهها ملامح عمه الراحل وأياماً ظن أنَّ الزمان قد طواها بـ كفنه الأسود.

وعلى بعد خطوات، خلف أستار الشرفة الداخلية الكبيرة، كانت "ليلى" تراقب المشهد بـ عيونٍ متسعة كـ عيون الغزال المذعور. لم تكن ليلى في تلك اللحظة بحاجة لـ بصيرتها التخاطرية الجديدة لـ تقرأ الأجواء؛ فـ بـ مجرد أن رأت نظرة الذهول في عيني زوجها قاسم، وبـ مجرد أن لمحت دلال فوزية المتغلف بـ شياكة البندر، شعرت بـ "نغزة غيرة" حارقة، نغزة عنيفة لم تفهم سببها في البداية، لكنها جرت في عروقها كـ السم الدافئ. انقبض قلبُها بـ لوعة، وشدت بـ قبضتها النحيلة على ثوبها الأسود المطرز بـ خيوط القصب، وهي ترى طيفاً من ماضي قاسم يقتحم عرينها المصان في عز لحظة انتصارها. الغيرة الصعيدية الطاغية بدأت تغلي في صدرها كـ المرجل، نارٌ تحرق السكينة التي ظنت أنها ملكتها بـ كسر مرآة الخوف.

تقدمت فوزية بـ خطواتٍ رنانة نحو قاسم، ونظراتها تجول في السرايا بـ دهاءٍ ومكرٍ خفي، كأنها لا ترى في الدار مجرد دارِ عائلة، بل أرضَ معركةٍ قديمة جاءت لـ تسترد فيها حظها. وقفت أمامه، وتحدثت بـ نبرةٍ تداخلت فيها لهجةُ المدينة المنعمة بـ بقايا حوف الصعيد الأصيل، وقالت بـ صوتٍ ناعم يحمل رنيناً غامراً:

ـ "كيفك يا ولد عمي؟ كيفك يا قاسم بيه؟ مرت سنين طويلة وأنا بـ البندر، بس ريحة طين النجع مكنتش ع تفارق نفوخي واصل. جيت وجبت معايا حنين واصل لـ السرايا الكبيرة.. ولـ صاحب السرايا."

استجمع قاسم ثباته وجبروته الصعيدي، رغم أنَّ علامات التوجس بدأت ترتسم بين حاجبيه الحادين. خطى خطوة نحوها، وجاء صوته عميقاً جهورياً يحمل بحة الوعيد والوقار:

ـ "نورتِ دارك يا فوزية.. نورتِ نجع الراوي بعد العمر ده كله. أبوكي غادر الدار وهو شايل في قلبه عتب، وإحنا صونا الملك بغيابكم. بس النجع اهنه ملوش أمان في الأيام دي، والهرج والمرج ع يملا المكان. قوليلي يا ابنة عمي.. إيه اللي جابك من مصر في وقت زي ده؟ وإيه اللي بـ تدوري عليه في عرين آل الراوي بعد كل السنين دي؟"

في تلك الأثناء، خرجت ليلى من وراء الأستار بـ وقار ملوكي، وعباءتها السوداء تخفق وراءها كـ راية حرب. تقدمت نحو خط المواجهة بـ ملامح صلدة كـ الصوان لا تشي بـ النار التي تحرق أحشاءها من الغيرة، ووقفت بـ جانب قاسم، وشبكت أصابعها النحيلة بـ أصابعه الفولاذية الدافئة بـ حركةٍ علنية أمام فوزية وأمام كل حكماء النجع الذين وقفوا يراقبون من بعيد.

نظرت ليلى إلى فوزية بـ نظرة حادة كـ نصل الخنجر المسترد، وتحدثت بـ صوتها العميق الجهوري الذي يفيض بـ تحدي وكبرياء السلطانة، قائلة بـ لهجة صعيدية تقطر صلابة وعناداً:

ـ "يا مرحب بـ ابنة العم اللي افتكرت نجعها بعد ما شبعت من هوا البندر. السرايا ليها أصحاب بـ يحموها يا فوزية، وقاسم ملوش ضهر غير شوك وردته اللي بـ يحرق كل مين يفكر يقرب من ملكه. النجع كله بـ يسأل دلوك بـ لسان واحد: فوزية جاية ليه بعد العمر ده كله؟ السرايا مفيهاش مجالس لـ الهزار، وكل شبر اهنه معمد بـ الدم والتار."

التمعت عينا فوزية بـ نظرة مكرٍ خبيثة، وتأملت يد ليلى المشبكة بـ يد قاسم بـ شماتةٍ خفية، وأدركت أنَّ السرايا تخبئ حرباً من نوعٍ آخر؛ حرباً لا تُدار بـ السلاح، بل بـ كيد النساء والمؤامرات والدسائس التي حيكت في غرف البندر المظلمة. كانت الأجواء مشحونة بـ الترقب الخانق، والكل في النجع يترقب خروج الحقيقة، مؤمنين بأنَّ خلف هذا الجمال المتمدن عاصفة جديدة تهدد عهد العرين وسلطان الراوي..

غادرت ليلى قاعة الديوان الكبير بخطواتٍ وئيدة شامخة، لم تكن خطوات امرأةٍ مكسورةٍ أو منسحبةٍ من ميدان المعركة، بل كانت خطوات قائدٍ يلملم أوراقه ويعيد ترتيب صفوفه بعد أن باغتته النيران من جهةٍ لم يحسب لها حساباً. كانت رنات خلخال فوزية وشياكة ثوبها البندري، والكلمات المسمومة التي ألقتها في وجه قاسم عن "حقوقٍ قديمة" وعقودٍ صاغها أبوها في غياهب القاهرة قبل رحيله، لا تزال تتردد في أرجاء السرايا كـ فحيح الأفاعي. تجمهر الحراس والخفراء في الباحة الخارجية، والهمسات تنخر في عظام الدار: "ابنة العم عادت تطالب بالورث، والعرين عاد يغلي من جديد".

ولجت ليلى غرفتها الواسعة، وأغلقت الباب الخشبي الثقيل، لتجد نفسها في مواجهة عتمة الروح وظلال الغيرة الطاغية التي بدأت تأكل أحشاءها. لم تكن غيرتها غيرة امرأةٍ عادية تخاف على رجلها من غريمة، بل كانت غيرة سلطانية صعيدية ترى في اقتحام فوزية لعرينها تهديداً للعهد الذي عُمد بالدم، وللحصن الذي حطمته لأجله مرايا الوهم في وادي المرايا. كانت أنفاسها تتلاحق في صدرها الممشوق كأمواج بحرٍ هائج، ويدها النحيلة لا تزال ترتجف وهي تلمس نصل الخنجر الصعيدي المستقر في حزامها، بينما كان عقلها التخاطري يغلي بطاقةٍ ذهبية باهثة تعكس اضطراب روحها.

لم تمضِ دقائق قليلة من الصمت الخانق، حتى تحرك مقبض الباب ببطء، ودخلت "الحاجة نبيلة".. مخزن أسرار آل الراوي وبوصلة الحكمة في الدار. كانت نبيلة تسير بوقارها المعهود، عباءتها السوداء الفضفاضة تجر خلفها هيبة السنين، وفي عينيها الغائرتين كان يربض بريقٌ يعرف خبايا النفوس وقرأ الخوف والغيرة في قلب ليلى قبل أن تنطق بكلمة. تقدمت العجوز نحو الفراش الوثير، وجلست في هدوء وهي تتكئ على عصاها الأبنوسية، ونظرت إلى ليلى بنظرةٍ جمعت بين حنان الأم وجبروت الجدة الصعيدية التي عاصرت الحروب والمؤامرات.

التفتت ليلى نحوها، وجاء صوتها عميقاً جهورياً يحمل بحّة الشجن والاضطراب، وقالت بلهجة تقطر لوعةً وعناداً:

ـ "شفتِ يا حاجة؟ شفتِ كيف ابنة العم جاية بـ شياكة البندر وعطور مصر لجل ما تقلب الدار علينا في عز نصرنا؟ جاية بـ تتكلم عن عقود وحقوق قديمة في السرايا والأرض، وكأن قاسم ملوش صاحبة تصون عرضه وتدافع عن عرينه! أنا مخرجتش من الديوان خوفاً منها ولا من ورقها، أنا خرجت لجل ما عقلي بـ يغلي، ولأني شفت في عيون قاسم نظرة ذهول خلت قلبي ينقض بـ نغزة سم ما دوقتهاش واصل من قبل سابق. قوليلي يا أمي.. فوزية دي جاية لـ أجل الطين والمال، ولا جاية تسرق مني روحي وسلطاني؟"

تنحنحت الحاجة نبيلة، وضربت بعصاها على الأرض الصخرية ضربةً خفيفة أحدثت دويّاً مكتوماً أعاد السكينة لأرجاء الغرفة، ثم نظرت إلى ليلى بـ دهاء وعمق، وقالت بصوتها الخشن الذي صقلته الأيام:

ـ "اقعدي يا ولد بطني.. اقعدي واسمعي زين من أمك نبيلة اللي خابرة الرمل وعارفة وين بـ تبيت الحيايا. فوزية مش جاية لـ أجل كام فدان ولا حتة أرض في المحاجر، فوزية وراها ما وراها. ابنة عم قاسم دي مرتبطة بـ عهد قديم قوي، عهد انكتب بـ الشمع الأحمر والدم بين أبوها وجد قاسم منصور الراوي لما كانت لسه عيلة صغيرة في اللفة. العهد ده كان بـ يقول إن السرايا دي متتفرعش، وإن ملك الراوي يفضل مجتمع بـ نسب واصل بين ولاد العم."

اتسعت عينا ليلى بذهول، وشعرت بـ برودة تسري في عروقها، فتابعت نبيلة بنبرة مليئة بالمؤامرة والحسم:

ـ "ظهور فوزية في السرايا بـ المظهر ده وبـ التوقيت ده مش صدفة واصل يا ليلى. المنظمة الدولية وجماعة جوليا والمحامي اللي حبسناهم، ليهم ذيول في البندر، وهما اللي حركوا فوزية وجروا رجلها بـ الورق القديم لجل ما يهدوا اللي بنيتيه بـ يدك. ده مش مجرد ورق مطالبة بـ ورث.. ده "اختبار الروح" ليكي إنتي بـ الذات من الأجداد والجبل. الجبل ع يختبرك عشان يثبت للكل إنك تستحقي تكوني سلطانة العرين بـ الفعل مش بـ الاسم لـ وحدك. السلطانة مش اللي بـ تقف في الفرح تتبااهى بـ جوزها، السلطانة هي اللي بـ تدوس على جمر غيرتها وتعرف كيف تقطع رقبة الحية بـ عقلها قبل سلاحها."

لامست كلمات نبيلة شغاف قلب ليلى كـ دواء دافئ يطرد السم من عروقها. شعرت بالطاقة الذهبية المستمدة من وادي المرايا تعود لتتدفق بانتظام وثبات في جسدها، وتلاشت نظرة الانكسار من عينيها الواسعتين ليحل محلها ذلك البريق الملكي الطاغي الذي يزلزل الصوان. تقدمت ليلى نحو نبيلة، وانحنت لتقبل يد الخروج والبركة، ثم وقفت بكامل قامتها الشاهقة كالنخلة، وعادت ذراعها الفولاذية المعنوية تشتد بقوة كبرياء الصعيد الحرة.

نظرت ليلى إلى نافذة غرفتها حيث كانت خيوط الضوء تكشف عن أفق النجع الشامخ، وتحدثت بصوتها العميق الجهوري الذي يفيض بالثقة والمؤامرة المضادة، قائلة بعناد لا يلين:

ـ "وعزة جلال الله وعقد الأجداد ونبض قاسم اللي بـ يسرى في دمي، ما ع هاب فوزية ولا المنظمة ولا أي شيطان وراها واصل يا حاجة! إذا كان أبوها كتب عهد قديم في الضلمة، فـ أنا وقاسم كتبنا عهدنا بـ الدم والنار في عز النهار وقصاد الجبل كله. أنا مش هسيب حقي، ولا هسيب شبر واحد من دار جوزي وسلطاني لـ واحدة جاية بـ قشور المدائن لجل ما تسرق شرفنا. الشوك اللي في يد الوردة صِبح صاحي واصل، واليوم ع تشوف فوزية كيف بـ تحكم السلطانة عرين آل الراوي بـ السيف وبـ الحق."

ابتسمت الحاجة نبيلة برضا وفخر نابع من أعماقها، وأدركت أن العرين قد بات في يد أمينة، وأن ليلى قد ولدت من جديد كمقاتلة وسلطانة حقيقية لا تكسرها ألاعيب الغيرة ولا مؤامرات الداخل والخارج. شبكت ليلى يدها بقبضة خنجرها، وتحركت نحو الباب لتعود إلى ساحة الديوان بـ خطى ثابتة تنهب الأرض، معلنةً للكون كله أن زمن الأسرار قد ولى، وأن من يتحدى الوردة لن ينال سوى الشوك والدمار..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   نذر الزحف الغادر

    غابتْ شمسُ العصرِ خلفَ سنامِ الجبلِ الشرقيِّ الوعرِ، تاركةً وراءَها شفقاً مدمىً بـ الحمرةِ النحاسيةِ الساخنةِ، صبغَ جدرانَ سرايا آل الراوي بـ ظلالٍ من الوجلِ والترقبِ الخانقِ. كان النجعُ يعيشُ في تلك الساعاتِ على صفيحٍ ساخنٍ؛ فالهمساتُ تنخرُ في بيوتِ الطينِ عن صكوكِ ميرال السيوفي ووعودها المسمومةِ التي شقتْ صفوفَ الكبارِ. هواءُ المساءِ القادمِ من صوبِ النيلِ كان يحملُ برودةً مريبةً، غسلتْ عتباتِ السرايا الحجرية العتيقةِ بـ رائحةِ الغبارِ الرطبِ ونبتِ الحلفاءِ، ممتزجةً بـ فحيحِ مؤامرةٍ قذرةٍ كانت تُطبخُ على نارٍ هادئةٍ في دهاليزِ النفوذِ وراءَ البحارِ وفي غرفِ البندرِ المظلمةِ.في "غرفةِ المراقبةِ والاتصالِ السريةِ" القابعةِ في أحشاءِ السرايا السفليةِ، حيثُ تلتقي جدرانُ الحجرِ الصوانيِّ الأسودِ بـ التكنولوجيا الحديثةِ، كان "سليم الراوي" يقف كـ نمرٍ محبوسٍ في عرينهِ. كان يرتدي جلبابه الداكنَ المنبثقَ من سوادِ الليلِ، وعباءتهُ الشتوية الثقيلة تنسدلُ فوق كتفيهِ العريضينِ، متأهباً بـ سلاحهِ الشخصيِّ المحشوِ بـ الذخيرةِ الحيةِ. كانت الأجهزةُ اللاسلكيةُ المشفرةُ تومضُ بـ أضواءٍ حم

  • وردة في عرين السلطان   أسرار الوجار

    تسللتْ ليلى من الممرات الخلفية للسرايا كأنها طيفٌ من أطياف الجبل، تفرّ من ضجيج الفتنة الذي ملأ الباحة الخارجية بعد أن عاثت فيه ميرال السيوفي بوعودها المسمومة وصكوكها القانونية. كانت جدران السرايا الحجرية السميكة تبدو في هذا المساء كأنها تئن تحت وطأة المؤامرات التي تحاك في الظلام، بينما انقبض صدر ليلى بنيران غيرةٍ صعيدية عاتية كادت تفتت ضلوعها، ممتزجةً بتوجسٍ عميق على عرينها وزوجها. تلمست نصل الخنجر الصعيدي المستقر في حزامها بحركةٍ آلية، ونهبت الأرض بخطواتٍ رشيقـة ملوكية، متجهةً نحو القبو السفلي حيث يقع "وجار الحاجة نبيلة".عند عتبة الوجار، تلاشت أصوات النجع ليحل محلها سكونٌ مهيب تفوح في أرجائه رائحة حطب الطلح المحترق، ورائحة البخور الجاوي العتيق، وعبق القهوة البكر التي تغلي على مهلٍ فوق رماد الموقد الطيني. كان المكان يغرق في ظلالٍ برتقالية دافئة تعكسها ألسنة اللهب المرتجفة، وفي وسط هذا الركن الذي يختزل تاريخ آل الراوي بأكمله، كانت "الحاجة نبيلة" تجلس بوقارها الملكي كأنها حارسة الزمان. عباءتها السوداء الفضفاضة تنسدل حول جسدها النحيل، ويداها المجعدتان اللتان عاصرتا عهود الدم والتا

  • وردة في عرين السلطان   فحيح المؤامرة في ليل العرين

    في الجانب الشرقي القاصي من سرايا آل الراوي، حيث تقف "المضيفة القديمة" شامخةً بجدرانها المبنية من الطوب اللبن العتيق والحجر الصواني الأسود، كانت العتمة قد ضربت سياجها المحكم فوق الأرجاء، ليحل محل صخب النهار سكون مريب يقطر بمؤامرات الليل وخيانة الداخل. كانت الأجواء داخل المضيفة الفسيحة مشحونة بضباب كثيف من تبغ السجائر البندرية الفاخرة، وممتزجة برائحة القهوة المرة المغلية على مهل فوق جمر الموقد النحاسي. أنوار المصابيح الزيتية المتدلية من السقف الخشبي كانت ترتجف مع كل هبة ريح باردة تتسلل عبر النوافذ المقوسة، ملقيةً بظلال مشوهة طويلة للأجساد الجالسة بالداخل، كأنها أشباح تحيك كفن النجع في الخفاء.في صدر القاعة المفرشة بالسجاد العجمي الداكن، كانت "ميرال السيوفي" تجلس كحية رقطاء تنفث سمها بدم بارد. كانت ترتدي ثوباً مخملياً أسود يبرز قوامها الممشوق الطاغي، وتضع فوق كتفيها فرواً ناعماً ينم عن ثراء البندر ونفوذه، بينما كانت عيناها الخضراوان تلمعان ببريق الجشع والتملّك الطاغي وهي تقلب بين أصابعها المطلية باللون القرمزي صكوك الملكية وأوراق النيابة الملكية. وبجانبها كانت تجلس "فوزية" واجمة، ع

  • وردة في عرين السلطان   صكوك الماضي الأسود تفترس حاضر السلطان

    تلبدتْ سماءُ نجع الراوي بسحبٍ خريفيةٍ داكنةٍ، حجبتْ خيوطَ الشمس الآفلة ولفتْ السرايا الكبيرة برداءٍ من الغموض والتوجس، كأنَّ جدران الصوان العتيقة كانت تشعر بالزلزال الذي يوشك أن يضرب أركانها. داخل "الديوان الكبير"، كان الصمت خبراً عاتياً يربض فوق صدور الحاضرين؛ كبار العائلات وعمد القرى جلسوا على مقاعدهم الخشبية المحفورة بختم الأجداد، والوجوه التي غسلها الفخر بنصر البارحة عادت لتتوشح بالوجوم والحيرة. اختلطت رائحة التبغ الصعيدي المعتق بزفرات الصدور القلقة، وبدا بخور الجاوي المتصاعد من المباخر النحاسية كأنه دخان معركة جديدة لا تُدار بالبنادق، بل بالعهود المسمومة وكيد المدائن.في وسط هذه الأجواء المشحونة، كانت "ميرال السيوفي" تقف في بقعة الضوء الضعيفة المنبعثة من الثريا الكريستالية العتيقة. دخلت السرايا كإعصارٍ مغلف بالحرير والعطور الباريسية؛ قامتها الممشوقة الطاغية وشياكتها العالمية أحدثتا هرجاً ومرجاً لم يشهده النجع من قبل، وعيناها الخضراوان اللامعتان كأفاعي العشب كانت تشعان بثقةٍ مطلقة، ثقةِ من يملك الأرض ومن عليها بقوة صاغتها عقول غامضة وراء البحار.أمامها، وقف قاسم الراوي ك

  • وردة في عرين السلطان   الغريبة والعهد القديم

    غصَّ "الديوان الكبير" بسرايا آل الراوي بكبار النجع وعمد العائلات الصعيدية الأصيلة، الذين تقاطروا على السرايا بوجوهٍ واجمة وعيونٍ يملؤها الترقب والقلق بعد أن جرى خبر عودة فوزية ومطالبتها بـ "حقوقها القديمة" مجرى النار في الهشيم. كان الهواء داخل القاعة الفسيحة ثقيلاً، مشحوناً برائحة التبغ الصعيدي العتيق الممتزج بعبير بخور الجاوي الذي يتصاعد من المباخر النحاسية، ملقياً بظلاله ووشوشاته على الجدران الصخرية السميكة التي شهدت أحكام الدم والتار عبر العقود. جلس الشيوخ والحكماء على مقاعدهم الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، والهمسات بداخلهم لا تنقطع عن تلك "العاصفة الجديدة" التي دبت في العرين بعد ساعاتٍ قليلة من تطهيره من دنس المحامي وجابر.في صدر القاعة، وقف قاسم الراوي كعادته كـ الطود الراسخ، قامته الطاغية تفرض مهابةً سلطانية تسري في نفوس الحاضرين دون حاجةٍ للحركة. كان يرتدي جلبابه الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الفضة تنسدل على كتفيه العريضين، بينما كانت عيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث الذي ناله من البُعد الآخر، والذي كان يمنحه قدرةً على ق

  • وردة في عرين السلطان   خلخال المدائن

    تبدّلت ألوانُ المغارب فوق نجع الراوي، لتترك السماءَ مشحونةً بـ ضبابٍ رماديٍّ ثقيل امتزج بـ أنوار الفجر الجديدة، كأنَّ الأيامَ ترفضُ أن تمنحَ السرايا الكبيرة هدنةً حقيقيةً بعد ليلة الحساب الطاحنة. لم تكن أنفاسُ أهل النجع قد استقرت بعدُ في صدورهم عقبَ سقوط المحامي وجابر وتطهير العرين، حتى انشق سكونُ الباحة الخارجية عن جلبةٍ غيرِ معهودة. صريرُ البوابة الحديدية الضخمة لـ سرايا آل الراوي، تلك البوابة التي نُقشت عليها صراعاتُ العقود وخُتمت بـ دماء المخلصين، انفتح بـ قوةٍ ووقارٍ مفاجئ، محدثاً دويّاً صدى في أرجاء الجدران الصخرية السميكة.من قلب الظلال، ولجت سيارةٌ سوداء فارهة لم يألفها طينُ النجع الوعر، لتتوقف في وسط الساحة الرحبة. انفتح الباب بـ بطء، لـ تخطو إلى الأرض قدمٌ تزن خطواتُها هيبةً وتمدناً مختلفاً تماماً عن خشونة الجبل. كانت "فوزية".. ابنةُ عم قاسم التي غادرت الديار منذ سنين طويلة مع أبوها مهاجرةً صوب "مصر" (القاهرة)، حيث ذابت في كنف الحياة العصرية وانقطعت أخبارها خلف جدران البندر الصاخبة.دخلت فوزية بـ كامل قامتها الممشوقة، كأنها طيفٌ من زمنٍ آخر؛ جمالُها الصعيدي الأصيل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status