Startseite / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / رمادُ المغارةِ الملعونة

Teilen

رمادُ المغارةِ الملعونة

last update Veröffentlichungsdatum: 31.05.2026 04:38:14

انطبق الصمت الكاحل فوق بطن الجبل الغربي كأنه كفنٌ من الحجر الأسود، يبتلع خلفه صرخات الحرب الطاحنة وألسنة اللهب البرتقالية التي تفتتت معها صخور السقف العتيق. انهار الممر بأكمله، وتطايرت شظايا النيتروجليسرين السائلة لـ تحدث ارتداداً زلزالياً مرعباً جعل تلال الغرب تنضح بـ غبار رمادي كثيف خانق، حجب ضوء الشمس الضحية تماماً، وترك الساحة لـ وحشة مريبة جمدت الدماء في عروق الحراس الثقات بالخارج.

خارج المغارة المنهارة، سقط "رجال الراوي" على ركبهم من شدة الارتداد، وتراجعت الخيل وهي تطلق صهيل رعب مروع يمزق سكون البرية. أما نورهان وفرحة، فقد ركضتا نحو مدخل الكهف المسدود بـ الصخور الضخمة، ودموعهما تنهمر بـ هستيريا وقهر، وصراخهما شق عنان السماء:

ـ "ليلى!!! قااااسم!!! يا مري يا بوي.. أختي وأمي نبيلة والسلطان اندفنوا صاحيين جوة النار!! يا رجال الجبل بـ أظافركم ارفعوا الصخر واصل!! العرين اتهد فوق رؤوسنا النهار ده!!"

اندفع مئات المقاتلين من رجال الصعيد، يتقدمهم كبار الوجهاء بـ وجوه شاحبة كالموت رعباً على حياة "السلطان" وسلطانته؛ وبدؤوا في نبش الصخور الحجرية الساخنة بـ أيديهم العارية وفؤوسهم بـ هستيرية وجنون، والرماد الخانق يملأ صدورهم، والكل يظن بـ قهر أن نجع الراوي قد فقد مارد وجبروته الليلة، وأن العشق الأسطوري قد تحول لـ رماد تذرّه الرياح.

ولكن، تحت ركام السور الصخري العريض للبئر الجواني القديم، الذي صمد بـ معجزة إلهية أمام موجة الانفجار التدميرية، كان المشهد يحبس الأنفاس وتتوقف معه القلوب لوعة وعاطفة.

كان "قاسم الراوي" يرقد بـ جسده الضخم كاملاً فوق جسد والدته "الحاجة نبيلة" وسلطانة قلبه "ليلى". عباءته الكشميرية الثقيلة، التي لفّها حول جسديهما بـ كامل كيانه وضخامته، كانت مغطاة بـ شظايا الحجارة والتراب الساخن. ظهره العريض العاري كان ينزف بـ غزارة شديدة إثر سقوط صخرة حادة أصابته في مقتل، وجلبابه الأسود تمزق بالكامل لـ يتلون بـ دماء جراحه المفتوحة وسّم الخنجر الشناوي الذي كان ياكل في عروقه. بـ الرغم من هذا الألم الرهيب الذي يهد الحجر، إلا أن حصاره لهما لم يتزحزح إنشاً واحداً؛ كأنه أقسم أن الموت إن أراد ليلى وأمه، فعليه أن يمر عبر أشلاء روحه أولاً.

بدأت ليلى تستعيد أنفاسها المخنوقة ببطء تحت ثقل جسده الفاره. فتحت عينيها الواسعتين وسط الظلام الدامس المخيف الذي يلفهما تحت العباءة، وشعرت بـ حرارة أنفاسه الضعيفة والمتلاحقة تضرب وجهها الشاحب، وبـ دمه الحار ينسكب فوق ثوبها الأبيض الحريري.

ـ "قاسم..." همست بـ صوت واهن متحشرج تملؤه اللوعة، ويدها المرتعشة تحركت بـ صعوبة لـ تزيح طرف العباءة المغطى بالرماد عن وجهه الحاد. "قاسم.. رد عليا واصل! إنت سامعني يا روح السلطان؟! لاء.. ماريدش تموت وتسيبني في الجحيم ده لوحدي!!"

تأوه قاسم بـ ألم دفين خرج كـ زئير وحش يحتضر من أعماق صدره العريض. رفع جسده بـ بطء شديد أحدث صريراً في عظام كتفه المصاب، وانفتحت عيناه الصقريتان، اللتان أرهقهما الدخان والرماد، لـ تحدقا في وجه ليلى بـ نظرة تملك رهيبة وقاتلة؛ نظرة امتزج فيها جنون العشق بـ غيرة شرسة لا تموت حتى في أحضان الموت والدم. قبض على وجنتيها بـ كفيه الضخمين الملطخين بـ البارود، وهمس بـ صوته الرخيم العميق الذي اهتزت له جدران الأنقاض:

ـ "أنا حي طالما أنفاسك ع ترد في صدري يا ليلى واصل.. وامي نبيلة زينة؟! قولت لكِ الجبل مابينحنيش، وعشق السلطان مش ع يموت في مغارات الغرب! النار لمست طرف ثوبكِ؟! انطقي يا سلطانة قلبي قبل ما روحي تطلع!"

انهمرت الدموع الصافية بـ غزارة من عيني ليلى لـ تغسل الرماد عن وجنتيها، وارتمت بـ كامل جسدها فوق صدره العاري، تحضنه بـ لوعة وجنون وعاطفة طاغية هزت كيان المكان المهدوم. دفنت وجهها في عنقه، واختلطت دموعها الصافية بـ دماء جراحه الساخنة، وقالت بـ نبرة تفيض بـ الرومانسية الشرسة:

ـ "أنا وأمك زينات وما لمستناش النار واصل يا قاسم.. وإنت مغطينا بـ جسدك وقلبك! أنا ماليش عمر ولا جنة بره حدود ضلوعك، والنهار ده ثبت للكل إن الصعيد ومصر فدا نظرة واحدة من عيونك! أنا بحبك يا سلطان الجبل.. بحبك بـ جنون العشق اللي فيك!"

أغمض قاسم عينيه لـ ثانية واحدة، وشعر بأن جراحه وأوجاع السّم الشناوي قد اندملت بـ فضل كلماتها الأسطورية. سحبها لـ حضنه بـ عنف وضمة طاغية أذهبت روعها، وطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة غسل بها طعم البارود والموت، وعَمّدت عشقهما الأسطوري وسط حطام الجبل الغربي الملعون.

انزاحت الصخور فجأة من فوقهما بـ فضل سواعد حراس النجع الشجعان الذين صرخوا بـ هتافات الفرح والتهليل والزغاريد عندما وجدوا السلطان ووالدته وسلطانته أحياء بـ معجزة إلهية هزت أركان الصعيد. نهض قاسم واقفاً بـ كامل طوله الفارع وضخامته الطاغية بـ رغم تعثره ونزيفه، وحمل ليلى بـ يده اليمنى وحاصر أمه نبيلة بـ يده اليسرى بـ رفق حاسم كأنهما جواهر العرش، وخرج بـ هما وسط غبار الرماد ونور الضحى الجديد.

ركضت نورهان وفرحة نحوهما وهي تبكي بـ هستيريا، وارتمت فرحة تحت قدمي الحاجة نبيلة تطلب السماح بـ ندم غسل خطايا السنين. نظرت نبيلة إليها بـ حنان الأمومة الصعيدية الأصيلة، ورفعتها لـ أحضانها معلنةً الصلح النهائي ودفن التار القديم.

حمل قاسم ليلى وأركبها أمامه على ظهر جواده الأسود، ولف حول جسدها وشاحه الصوفي الثقيل ليحميها من ريح الغرب، وتحرك الموكب المهيب العاصف عائداً نحو السرايا الكبيرة بـ نصر أسطوري زلزل أركان النجوع بـ حالها. أُشعلت الأنوار في كل مكان، وخرجت نساء نجع الراوي بالآلاف يطلقن الزغاريد الصاخبة التي ملأت الأجواء بـ البهجة والأمل بعد سنين طويلة من الحزن والدم والدموع؛ فـ السرايا صمدت، والأم نبيلة عادت، والتوائم الثلاثة اتحدوا تحت راية السلطان.

ولكن، في ذات الساعات الدقيقة من المساء، حيث كان الاحتفال الطاغٍ يملأ باحة السرايا الكبيرة، كانت هناك "أفعى" جديدة، أشد مكراً وأعظم قوة من المنظمة والدولة بـ حالها، تبدل جلدها بـ دم بارد في خفاء النجع الجواني؛ مؤامرة ولدت من تحت عباءة "مجلس كبار قضاة الدم" في الصعيد، الذين رفضوا أن يستقر العرش لـ قاسم وليلى بعهد العشق.

في القصر السري لـ عائلة الشناوية المهجور، داخل جناح معتم لا يدخله الضوء، كان يجلس راجل في أواخر الأربعينات من عمره، ذو بنيان فاره كالصخر، وملامح حادة كالشفرة، وعيون سوداء تقطر بـ لؤم وغدر وغِل لا يرحم. إنه "الجنرال.. صبري الشناوي".. الابن الأكبر لـ عبد الجبار الشناوي، والرجل الذي كان يقود "وحدة الألغام والجيوش الحديثة في الجبل الغربي"، وهو ضابط مطرود من الخدمة لـ خيانته، وتحول لـ أفعى تدير صفقات السلاح الدولية بـ خفاء تام!

كان صبري يمسك في يده خنجراً مسموماً طويلاً يقلبه بـ براعة، وأمامه يجلس ثلاثة من كبار وجهاء النجوع المجاورة الذين يكرهون صعود قاسم لـ عرش الجبل بـ رأي حرمة صعيدية.

ـ "قاسم الراوي واهم.. واهم واصل لو فاكر إن الجبل صفي ليه بـ دبح بوي وعمي وألاعيب المنظمة في القاهرة" قال صبري بصوت هادئ، ناعم كالحرير لكنه حاد وقاطع كالسيف وهو يرتشف من كأسه بـ برود مرعب. "قاسم ملتهي بـ رومانسيته وعشقه لـ البديلة ليلى وفرحان بـ رجوع أمه نبيلة لحضنه.. ما خابرش إن 'الرمز السري العسكري' اللي أرسله بوي قبل ما يموت، مأكنش لـ قنبلة السرايا وبس! الرمز ده كان إشارة لـ 'الجيش السري للشناوية' لـ بدء الخطة العظمى!"

تقدم أحد الوجهاء وسأل بـ خبث:

ـ "وعتعمل إيه يا جنرال؟ قاسم جبار والنهار ده معاه ميتين مقاتل والتوائم الثلاثة بقوا معاه يد واحدة.. لو شم خبر ع يحرقنا الكل في ليلتنا!"

ضحك صبري ضحكة خبيثة باردة، ووضع دفتراً صغيراً أسود يحمل شعار "الأفعى" على الطاولة بـ حسم:

ـ "اللعبة المرة دي مش عتكون اهنه في الباحة واصل.. اللعبة عتكون بـ 'خطف نورهان' بكرة في الليل! نورهان هي الواجهة القانونية لـ حسابات وشركات المنظمة في مصر بـ الملايين، وبلاغ النيابة القديم لسه شغال! إحنا ع نبعت لها خادمة من طرفنا توهمها بـ رسالة إن خطيبها القديم في القاهرة وصل للحدود وعينتظرها عشان ينقذها، ونورهان فتاة القصور ع تصدق الكدبة وع تخرج بـ يدها للمصيدة وراء السور الخلفي! وبمجرد ما نأخذ نورهان، ع نخل النيابة تقبض على قاسم بـ تهمة قتل الباشا رفعت في قاهـرته، وع نكسر ظهر العرين بـ القانون والتار مع بعض الليلة القادمة!"

ضرب الرجال كفوفهم بـ شماتة وطاعة، وبدأت الأفاعي تتهيأ لـ نقل الرسالة الملعونة لـ جناح نورهان بـ صمت مسموم.

وفي السرايا الكبيرة، غارقة في السكون والنور، كان قاسم قد دخل غرفته الجوانية الفاخرة بعد أن ضمدت ليلى جراحه بـ نفسها بـ لمسات حانية تفيض بـ العاطفة والرومانسية الحارقة. كانت الغرفة دافئة، تفوح منها رائحة البخور الجاوي والمسك النقي الممتزج بـ عطر السلطان النفاذ. ليلى كانت تجلس على حافة الفراش المخملي العريض، ترتدي ثوباً صعيدياً ناعماً من الحرير الأبيض المطرز، وشعرها الأسود ينسدل كشلال غسق فوق كتفيها ليبرز صفاء بشرتها وعناد عينيها الواسعتين اللتين غسلتهما دموع الانتصار.

تقدم قاسم نحوها بـ خطوات بطيئة ثقيلة، وعيناه الصقريتان تشتعلان بـ غيرة تملك شرسة وآمرة تغلغلت في أوصالها بـ مجرد أن رآها بـ هذا السكون والجاذبية الطاغية. حاصر جسدها الفارع بـ ضخامته، وأمسك بـ كفيها وضغط عليهما بـ رفق حاسم، ونظر في عينيها بـ نظرة تملك جنونية، وهمس بـ صوته الرخيم العميق الذي لفحت أنفاسه الحارة وجنتيها:

ـ "السرايا دي قفلنا أبوابها الحديدية الليلة يا ليلى واصل.. وأمي نبيلة نامت في جناحها بـ أمان، ورجالي ع يقفوا على الأسوار صخرة صخرة. غيرة السلطان الليلة ع تقلي إن الوردة دي مابقاش ينفع تفكر في أي غدر أو خطر بره حدود حضني.. إنتي مِلكي.. مِلكي بـ عهد الحق والعناد، وماريدش حد في الدنيا يشاركني فيكي، حتى لو كان خيالك بالمرآة واصل! مكانك اهنه تحت حراسة قلبي وسلاحي ليوم الدين!"

ابتسمت ليلى بـ رقة وعناد يعشقه فيها، ووضعت يديها حول عنقه، وقربت وجهها من شفتيه الحادتين وهمست بـ عشق حارق وجارف:

ـ "وأنا ماليش مِلك ولا مخرج بره عرينك يا قاسم.. إنت حبيبي وسجاني، وعشقي ليك ع يفضل قايد ويحرق كل غدر وضلال في الصعيد بحاله طول ما فيا نَفَس عيتنفس في الدنيا."

انحنى قاسم وطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة ثبتت تملكه الشرس لها وغسلت أوجاع السنين والمغارة الملعونة، لـ يغرق العاشقان في لحظة من الرومانسية الطاغية والحرارة التي أنستهم جحيم المؤامرات بالخارج.

وفي ذات الثواني الدقيقة من الليل، حيث كان العاشقان ينعمان بـ أمانهما الدافئ، كانت "نورهان" تجلس في جناحها السفلي بـ صمت مرير، وعيناها الواسعتان تتابعان نافذة الغرفة بـ ترقب وقلق. وفجأة، انزلقت ورقة مطوية صغيرة من تحت عتبة الباب الخشبي بـ سرعة الأشباح بـ واسطة الخادمة الموالية لـ الجنرال صبري الشناوي!

فتحت نورهان الورقة بـ يدين ترتعدان، وقرأت الكلمات المكتوبة بـ مكر شيطاني: «إلى نورهان.. خطيبكِ القديم 'شريف البنهاوي' وصل لـ حدود نجع الراوي بـ سيارته للحال بـ رفقة قوة من شرطة قاهـرة لـ إنقاذكِ من وحش الجبل قاسم! اطلعي للحال من البوابة الحديدية الصغيرة للمطبخ السفلي وراء السور الخلفي بـ دون أن يشعر الحراس وإلا قاسم ع يقتله بدمه واصل الليلة!».

شحب وجه نورهان بالكامل، واشتعل الخوف والرعب في صدرها على حياة خطيبها القديم؛ وبـ دون أن تفكر بـ وعي الصعيد، وبـ عقل فتاة القصور المذعورة، سحبت شالها الأسود ودثرت جسدها، وفتحت الباب بـ خفاء كـ الأشباح، وتسللت عبر الممر السفلي بـ دون أن يشعر كبار الحراس الكاشفين الملتهيين بـ حراسة البوابات الرئيسية.

وصلت إلى البوابة الحديدية الصغيرة للمطبخ السفلي، وفتحتها بـ رفق أحدث صريراً خافتاً، وخرجت بـ خطوات مرتجفة نحو عتمة الظلام وراء السور الخلفي المطل على بساتين الليمون المهجورة.

وفجأة، وبدون أي مقدمات، انشقت الأرض من تحت أقدامها بـ وميض مريب! وبرز من بين ظلال أشجار الليمون أربعة من الملثمين الأشداء التابعين لـ عائلة الشناوية بـ ثيابهم القتالية السوداء! وقبل أن تنطق نورهان بـ صرخة واحدة أو تطلب النجدة، تقدم أحدهم وبـ حركة خاطفة وسريعة وضع كفه الضخم المندى بـ سائل "الكلوروفورم المخدر النفاذ" فوق فمها وأنفها بـ قوة هائلة شلت حركتها تماماً!

اتسعت عينا نورهان بـ رعب وذهول مطلق وهي تنظر نحو نافذة غرفة قاسم وليلى المضيئة في الأعلى بـ لوعة، وشعرت بـ أطرافها تتخدر بـ سرعة مروعة وثقل شديد يسري في عروقها، لـ يسقط سلاح قاسم البديل من يدها المرتعشة ويرتطم بـ تراب الباحة بـ صوت خافت، بينما حملها الملثمون بـ لمح البصر وسحبوها داخل سيارتهم المدرعة بـ صمت مرعب، لـ تنطلق السيارة بـ سرعة البرق نحو معقل الجنرال صبري الشناوي في عتمة الغرب، والعداد تنازلي لـ سقوط العرين والقبض القضائي على السلطان..

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

  • وردة في عرين السلطان   سلطانة العرين الأصلية

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."

  • وردة في عرين السلطان   الخونة في الداخل

    لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status