Masukلم يكن صوت ارتطام مسدس قاسم البديل بتراب الباحة الخلفية خلف أسوار السرايا الكبيرة سوى مسمارٍ جديد غُرس بـ غدر في جسد الاستقرار الهش لـ نجع الراوي. غاصت عجلات السيارة المدرعة للجنرال "صبري الشناوي" في عتمة الليل، مبتلعةً بين طيات المقاعد الجلدية جسد "نورهان" الشاحب والمخدر، لـ تترك وراءها ريحاً باردة عاصفة صبغت بساتين الليمون المهجورة بـ وحشة تنذر بـ انفجار وشيك لا يرحم.
في الأعلى، داخل الغرفة الجوانية الفاخرة، كانت خيوط الليل تتحرك بـ بطء شديد أضفى على الأركان سكوناً مخملياً دافئاً. المباخر النحاسية العتيقة ما زالت تنفث سحب البخور الجاوي والمسك، لتختلط برائحة التبغ الصعيدي الثقيل وعطر "السلطان" الطاغي الذي ملأ الأركان أماناً وتملكاً. ليلى كانت ترقد فوق صدر "قاسم الراوي" العريض، يدها الصغيرة تداعب الضمادات البيضاء الملفوفة حول جراحه بـ رقة وعاطفة جارفة، وشعرها الأسود ينحل كشلال غسق متمرج فوق كتفيه العضلية.
تأوه قاسم بـ رفق، وبحركة طاغية ومجنونة، لف ذراعه القوية حول خصرها لـ يجذبها لـ حضنه بـ عنف تملك تغلغل في عروقه. واقترب بوجهه الحاد كالسيف حتى لفحت أنفاسه الحارة الحارقة وجنتيها الشاحبتين، وضيق عينيه الصقرية بـ غيرة شرسة وآمرة:
ـ "عقلِك وين ع يسرح يا سلطانة قلبي واصل؟" خرج صوته رخيماً، عميقاً، يرتعش بـ نبرة هزت كيانها. "الدار صفي لينا، وأمي نبيلة نامت في جناحها بـ أمان، بس غيرة السلطان الليلة ع تقلي إن عيونك الواسعة دي لازم تفضل تبص في عيوني أنا وبس.. إنتي مِلكي بعهد الدم والعشق، وماريدش خيال غريب يمر في فكرِك واصل!"
ابتسمت ليلى بـ رقة وعناد يعشقه فيها، وطبعت قبلة خاطفة دافئة فوق موضع قلبه النابض كـ طبول الحرب على صدره، وقالت بـ نبرة تفيض بالرومانسية الشرسة:
ـ "فكري مابيروحش لـ غريب يا قاسم واصل.. أنا فكري وعمري وروحي كلهم مسجونين جوة حصن ضلوعك. أنا بس قلبي ع ينبض بـ خوف مريب، كأن الجبل وراء السور ع ينفث نار وخديعة جديدة إحنا ما خابرينهاش.. التار مابيموتش بـ السهولة دي في الصعيد يا سلطاني."
تصلبت ملامح قاسم الحادة، واشتعلت النار في عينيه الصقريتين بـ تحدٍ وجبروت صعيدي لا يلين؛ انحنى وطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة امتزج فيها طعم العشق بـ جنون الغيرة الشرسة، غمرها بـ أحضانه الضخمة كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليخفيها عن عيون الدنيا بأسرها، وهمس بـ فحيح حاسم قطع أنفاسها:
ـ "لو انشقت الأرض وعادت أفاعي الشناوية والمنظمة بـ جيوش كبرى، فـ أنا ع أفرمهم الكل بيدي تحت رجليكي يا ليلى! مفيش قوة فوق الأرض ع تقدر تنتزع وردتي من عريني واصل طالما فيا عِرق عينبض بـ الحياه!"
وفي ذات الثواني الدقيقة من الليل الموحش، حيث كان العاشقان يغرقان في انتصارهما الرومانسي الطاغٍ، انفتحت أبواب الجحيم في الساحة الخارجية بـ شكل صاعق زلزل أركان السرايا الحجرية!
دوت صرخات رعب صاخبة من البوابة الخلفية للمطبخ، متبوعة بـ صوت فرملة عنيفة لـ سيارات شرطة ثقيلة ومدرعات تابعة لـ مصلحة الأمن العام وقوة تنفيذ الأحكام بـ قاهرة المعز، اقتحمت الباحة بـ قوة غاشمة حطمت الأسوار المهدومة جزئياً! انقطعت الأنوار فجأة عن السرايا، وتحطم زجاج النوافذ الخارجية لـ يسقط كالمطر الفضي، وتعالت صيحات الحراس الثقات في الباحة بـ ذعر وجنون:
ـ "يا هوارة!! السلاح!! الحكومة طوقت الدار بـ قوافل مدرعة واصل!!"
انتفض قاسم كالملسوع وسط الظلام، وتغيرت ملامحه الدافئة في ثانية واحدة ليحل محلها قناع من الصخر الصلد وعيون تقطر بـ رغبة عارمة في الفتك والتدمير لحماية حصنه. سحب سلاحه الآلي الثقيل البديل من حزامه، وعمّره بـ صوت حديدي مرعب زلزل كيان الغرفة، ونظر إلى ليلى بـ حسم وتملك أعمى:
ـ "اقفلي الباب الحديدي من جوة يا ليلى ومتتحركيش واصل!! فيه كلاب ع تنبح بره السرايا، وأنا ع أطلع أقطع رقابهم بيدي الليلة!"
ـ "قاسم!! لاء!! خذني معاك ماريدش أسيبك واصل!" صرخت ليلى برعب وعشق وهي تتشبث بـ جلبابه الممزق.
دفعها برفق خلف العمود الخشبي الضخم، وخرج كالإعصار الغاضب الموتور من الغرفة الجوانية ونزل الدرج الرخامي العريض بـ خطوات رعدية ثقيلة، وخلفه انطلق العشرات من رجاله وحراسه الثقات المسلحين.
في الباحة الخارجية للسرايا الكبيرة، كان المشهد يحبس الأنفاس ويوقف الدماء في العروق. أكثر من خمس سيارات مدرعة تابعة للشرطة والنيابة العامة كانت تقف في منتصف الساحة، ومحاطة بـ مئات الجنود المدججين بـ الأسلحة والأوامر الرسمية. وفي مقدمتهم، كان يقف لواء شرطة صارم الملامح يحمل في يده "أمر قبض قضائي عسكري مختوم بـ أعلى أختام الدولة بـ مصر".
حراس قاسم الثقات كانوا قد شرعوا أسلحتهم بـ جنون وصاحوا بـ زئير زلزل المكان:
ـ "ماريدش حد يخطو خطوة واصل!! دي سرايا سلطان الجبل، واللي ع يقرب ع يموت بدمه!!"
خرج قاسم الراوي إلى الدرج الرئيسي للسرايا. كان منظر ضخامته وجبروته وب صدره العاري المملوء بالضمادات والجروح كافياً لإرعاب الجنود. نظر إلى لواء الشرطة بـ عيون صقرية تشتعل بـ غضب صاعق كاد يفجر صخور الجبل بـ أسرها.
ـ "إيه المهزلة اللي ع تحصل في نجع الراوي على نص الليل دي واصل؟! جايين داري بـ المدرعات والقوافل العسكرية يا حكومة؟!" هتف قاسم بـ صوت جهوري عميق تردد صداه في حضن الجبل الشرقي بالخارج.
تقدم لواء الشرطة بـ خطى حازمة، وقال بـ نبرة قاطعة لا تعرف التراجع:
ـ "قاسم بيه الراوي.. معانا 'أمر ضبط وإحضار عاجل وصادر من النيابة الكلية بالقاهرة' بـ تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد لـ رجل الأعمال 'رفعت السيوفي الباشا' داخل قصره بـ جاردن سيتي بـ مصر، وتهمة قيادة تشكيل عصابي مسلح واقتحام منشآت سكنية بـ العاصمة وقهر حراسها! سلاحك ينزل على الأرض للحال، وإلا القوة العسكرية المكلفة ع تضرب النار لـ إبادة النجع كله بـ أمر القانون بكرة الصبح!"
تصلبت ملامح قاسم الحادة، وتحولت نظراته في ثانية واحدة لـ غيرة تملك شرسة وآمرة تغلغلت في كيانه؛ فـ هو علم بـ لمح البصر أن مقتل الباشا تم تدويره بـ القانون بـ واسطة "الجنرال صبري الشناوي" لـ كسر ظهره وتجريده من رجاله. رفع قاسم سلاحه الآلي ويوجهه مباشرة نحو صدر اللواء، وزأر بـ صوت شق عنان السماء:
ـ "أنا مابهابش البنادق ولا الحكومة واصل يا لواء!! رفعت السيوفي كان شيطان دبح أهلنا ودس السّم لـ مرتي وسلطانتي في داري، وقانون الجبل ع يقلي إن دمه حلال! أنا مش عأسلم نفسي وع عرشي مانيش نازل، وال نجع مش ع ينحني لـ أمر قضائي طالما فيا عِرق عينبض الليلة!!"
صرخ رجال قاسم وعمروا أسلحتهم بـ جنون، وتأهب مئات الجنود لإطلاق النار بـ أوامر الإبادة، وكادت الباحة أن تتحول في ثوانٍ معدودة لـ مجزرة دموية طاحنة تنهي تاريخ عائلة الراوي بـ أكمله!
وفي ذات الثواني الحرجة المشحونة بالبارود، اندفعت ليلى من أعلى الدرج الرخامي بـ خطى ثابتة ومهيبة كـ ملكة توجتها النيران بـ ثوبها الأبيض المطرز وجبروتها الذي زلزل ثقة الحاضرين. وقفت مباشرة بجانب قاسم، ووضعت يدها الصغيرة فوق يده القابضة على السلاح لتخفضه بـ رفق حاسم أذهل اللواء والجنود.
التفت قاسم إليها بـ ذهول وجنون تملك عيونه:
ـ "دخلتِ ليه يا ليلى؟! ارجعي جوة واصل!!"
لكن ليلى نظرت في عيني لواء الشرطة بـ كبرياء صعيدي لا يلين، وقالت بـ صوت قوي جهوري ملأ الباحة:
ـ "قاسم الراوي دافع عن عرض عيلتي وحرية شقيقاتي ضد شياطين المنظمة الدولية يا لواء واصل! لو قاسم بيه ع يتساق لـ مصر بـ أمر القانون، فـ أنا ليلى عثمان أبو المجد، حرم السلطان وصاحبة أطيان النجع بالحق والشرع، عأسافر معاه للحال وعأقف معاه قدام قضاة مصر بحالها! السلاح مش ع يضرب نار اهنه، وقاسم مش عيهرب واصل، وإحنا ورا الحق لـ حد الموت!"
نظر لواء الشرطة بـ احترام لـ جبروت البديلة التي حمت النجع من الإبادة بـ كلماتها، وقال:
ـ "الست ليلى.. الأمر صادر لـ قاسم بيه بـ نفسه بـ تهمة الجنايات الكبرى، وإحنا مش ع نمنعكِ من السفر وراه لـ تقديم التنازلات والأدلة بـ حرية كاملة.. اتفضل معانا يا قاسم بيه بـ دون سلاح ومن غير رجال واصل!"
التفت قاسم نحو ليلى، وكانت عيناه الصقريتان تشتعلان بـ بركان من العاطفة الجارفة والتملك الجنوني الشرس الذي تخطى كل حدود الكبرياء؛ قبض على كتفيها بـ أحضانه الضخمة وضّمها بـ قوة هائلة أمام الجنود والحراس، وطبع قبلة حارة طويلة على شفتيها ثبتت عهد تملكه لها، وهمس بـ فحيح حاسم زلزل كيانها:
ـ "إنتي سلطانة عمري كله يا ليلى واصل.. أنا عأسلم نفسي للحكومة عشان أحمي النجع ورجالي من الإبادة، بس عهد العشق اللي بيننا ع يفضل قايد وع يخليني أكسر قضبان السجون وأعود لـ عرينك بـ القوة! خدي بالك من أمي نبيلة ومن السرايا في غيابي!"
سلم قاسم سلاحه لـ حراسه الثقات، وتقدم بـ خطى رعدية ثقيلة نحو مدرعة الشرطة بـ كبرياء مارد لم ينحنِ بـ رغم الأصفاد الحديدية التي طوقت معاصمه، وتحركت القوافل العسكرية بـ سرعة الصقر لـ تسوق السلطان نحو سجون القاهرة وسط نحيب وبكاء رجال النجع لـ أول مرة في التاريخ.
وفي غمرة الفوضى والذعر الشديد الذي لف السرايا الكبيرة بعد اعتقال قاسم، ركضت "فرحة" من الجناح السفلي وهي تصرخ بـ هستيريا ورعب جمد الدماء في عروق ليلى والحراس الكاشفين:
ـ "يا ليلى!!! يا حراس الراوي الحقوا واصل!!! نورهان مش جوة غرفتها!! نورهان انخطفت ولقيت السلاح الآلي البديل بتاع السلطان مرمي في تراب الباحة الخلفية وراء سور المطبخ وبساتين الليمون!!"
اتسعت عينا ليلى بـ ذهول مطلق وصدمة صاعقة زلزلت كيان روحها؛ سقطت على ركبتيها فوق الرخام وهي تعتصر شال قاسم بـ لوعة وعشق وقهر جرف جوفها بالكامل.. نورهان انخطفت؟! وقاسم اتساق لـ سجون القاهرة بـ الأصفاد الحديدية؟! والعرين أصبح بـ دون مارد يحميه وسط ذئاب الشناوية!
تحركت بـ سرعة وعزيمة نمرة كاسرة؛ نهضت واقفة بكامل طولها، وسحبت سلاح قاسم من يد الحارس الثقة، ولفّت العباءة الكشميرية حول ثوبها الأبيض الملطخ بالدماء، وعيناها تشتعلان بـ بريق أحمر تقطر بـ رغبة عارمة في القتل والتدمير، وزعقت بـ صوت جهوري ملأ أركان السرايا وتردد صداه في شقوق الجبل بالخارج:
ـ "يا رجال الراوي!! السلاح!! السلطان اتساق بالحديد للحكومة، وأختي نورهان انخطفت بـ يد كلاب الشناوية!! من ليلتكم دي، ليلى ع تقود ميتين مقاتل بـ نفس عهد السلطان وسلاحه! الجبل مابينحنيش واصل، والنهار ده أنا عأحرق الجبل الغربي بلي فيه بيدي عشان أسترد أختي وعأطحن الجنرال صبري صخرة صخرة لحد ما سلطان عمري يعود لـ عرينه بـ عهد العشق والحق المكتوب بالجمر!!"
ضرب مئات المقاتلين صدورهم بـ ذهول واحترام مطلق لـ جبروت السلطانة التي تسلمت العرش بـ لمح البصر، وصاحوا بـ زئير زلزل الصعيد بحاله وعمروا البنادق والرشاشات الثقيلة، مستعدين لـ هجوم كاسر يقلب موازين التار والدم.
وفي ذات الثواني الأخيرة والمحبوسة للأنفاس داخل "المعقل العسكري السري" للجبل الغربي الملعون، كان الغرفة الحجرية الضخمة غارقة في عتمة دامسة ووحشة تقبض الصدور. وتحت ضوء مشاعل زيتية راقصة تعكس ظلالاً مخيفة، كانت **"نورهان عثمان أبو المجد"** قد بدأت تفيق من غيبوبة المادة المخدرة بـ صعوبة ثقيلة وشحوب فتّاك يكسو وجهها الفاخر.
فتحت عينيها الواسعتين اللتين تشبهان عيني ليلى بـ شكل أسطوري مروع، ووجدت نفسها مكبلة بـ سلاسل حديدية غليظة ممتدة من الجدار الصخري لـ تقيد معاصمها النحيلة، وفستانها المخملي الأسود ممزقاً عند الأكتاف إثر غبار الخطف بـ دم بارد.
حركت رأسها بـ ذعر ورعب لتلمح من بين أدخنة البخور النفاذ وجهاً حاداً كالشفرة وعيوناً سوداء تقطر بـ مكر مسموم وغِل شيطاني لا يرحم؛ إنه **"الجنرال.. صبري الشناوي"**! كان يرتدي سترته القتالية الواقية، ويمسك في يده نصل خنجره المسموم الطويل يقلبه بـ براعة مروعة أمام وجه نورهان بـ دم بارد وابتسامة خبيثة تكسو وجهه الماكر.
ـ "أهلاً بـ وريثة الملايين في عتمة الغرب واصل يا بنت عثمان" قال صبري بـ صوت أجش قاطع كالنصل، وهو يقترب منها ويقبض على فكها بـ يده القاسية بـ عنف اعتصر أنفاسها. "قاسم الراوي الكلب اتساق الليلة لـ سجون القاهرة بـ أصفاد الحديد وبلاغ القتل العمد اللي حبكته بيدي، وال نجع بره بقى بـ دون مارد وب بـ دون سلاح يحميه! والنهار ده إنتي الواجهة القانونية لـ كل حسابات وشركات المنظمة في مصر بـ الملايين وبـ أختام الدولة!"
سحب صبري من حزامه "وثيقة تنازل رسمية وبيضاء" ووضع القلم الحديدي بـ عنف بين أصابع نورهان المرتعشة، ورفع الخنجر المسموم عاليًا بـ يد وحشية ووجه النصل المصقول مباشرة نحو عنقها المكشوف بـ لمح البصر، وعروق وجهه برزت بـ جنون تملك وغدر أعاذ لغة الكلام، وزأر بـ صوت مرعب شق أركان الغرفة الحجرية:
ـ "امضي الليلة بدمك على التنازل عن كل الأملاك والحسابات الرسمية بـ مصر لـ عائلة الشناوية للحال واصل!! وإلا والـله الليلة ع تكون نهايتك وعأدبحك بـ الخنجر المسموم ده جوة بطن الجبل، وعأمحي اسم عيلة أبو المجد والراوي من فوق الأرض في ثانية واحدة !.."
عصفت رياح كانون الباردة بجدران سرايا آل الراوي، وتحول ليل الصعيد الشاتي إلى ملحمة من الزمهرير والظلمة التي لم تفلح مشاعل الساحة في تبديد حلكتها. كانت ليلة واعرة، تئن فيها الأبنية وتتوجع جذوع النخل العتيق تحت وطأة ضربات الصقيع الغادر الذي زحف من قمم الجبل الشرقي مخلفاً وراءه شعوراً خانقاً بالقبض والترقب. خفتت أصوات احتفالات النجع بولي العهد الجديد، وانزوى العباد خلف أبوابهم الموصدة، تاركين السرايا تغرق في صمت مريب لا يكسره سوى عويل الريح في الممرات والوجار الكامن في الأسفل يلفظ أنفاسه الأخيرة.في تلك الساعات الميتة من الليل، كان قاسم الراوي يضطجع في فراشه الوثير داخل الجناح العلوي، يلف ذراعه الفولاذية القوية حول خصر سلطانته ليلى، جاذباً إياها إلى صدره العريض ليحمي جسدها الشفاف من لفحات البرد التي تغلغلت عبر الشقوق الخشبية للنافذة الشاسعة. كانت ليلى تنام في حضنه الملاذ، تضع يدها الرقيقة فوق بطنها التي بدأت تحوي النبض المقدس لولي العهد المنتظر، مستسلمة لأنفاس قاسم الساخنة التي كانت تحرق وجهها برومانسية تملكية شرسة لم تنطفئ يوماً. لكن الطمأنينة التي سكنت روحيهما لشهور لم تكن لتدوم؛
ساد السكون والوقار أرجاء الدوار الخلفي للسرايا، حيث انزوت جلبة الاحتفالات الكبرى وبقي ليل نجع الراوي ينسج خيوطه الهادئة فوق قمم الجبل الشامخ. في زاوية معتمة من زوايا الردهة العتيقة، كان "الوجار" الصعيدي التقليدي يشتعل بجمر الحطب الساخن، يرسل وميضاً برتقالياً دافئاً يترنح على الجدران الحجرية السميكة، متداخلًا مع بخار شاي الزردة الثقيل ورائحة العود النقي الذي يعبق به المكان، ليصنع أجواءً مفعمة بالهيبة والوقار وذكريات الزمن الجميل.جلست الحاجة نبيلة، بركة الدار وكبير غوالي عائلة الراوي، متكئة على وسائدها المخملية العتيقة، تلتحف بشالها الصوفي الأسود المطرز بخيوط الوقار والزمن، بينما كانت يدها المرتعشة، التي نجت بفضل العناية الإلهية من غدر الحية ميرال، تمرر حبات سبحتها النورانية بانتظام في صمت يفيض بالحمد. وأمامها، على الجانب الآخر من الوجار، كان يجلس سليم، ذراع السلطان الأيمن، واضعاً يديه الخشنتين أمام وهج النار، وعيناه الذكيتان تحملان وعثاء السنين الطويلة وثقل المؤامرات التي تكسرت عند عتبة هذه السرايا.التقط سليم لقمة من الملقاط النحاسي ليحرك بها الجمر المشتعل، وخرج صوته خفيضاً
عجّت ساحات السرايا الشاسعة وجنبات نجع الراوي ببهجة عارمة دوت أصداؤها في كبد الليل، وانقشعت تلك الغُمّة الثقيلة التي جثمت على صدور العباد لشهور. انطلقت الزغاريد الصعيدية الحارة، المتلاحقة والقوية من حناجر النساء فوق الأسطح وفي الردهات، لتشق سكون الجبل العتيق كأناشيد النصر المؤزر. تزينت أسوار السرايا بالمشاعل المشتعلة وفوانيس الضياء التي بددت كل بقعة عتمة كانت تختبئ فيها مؤامرات الأفاعي، وتبدلت ملامح الوجوم التي ارتسمت على وجوه الخدم والحشم إلى ابتسامات رضا وارتياح بعد زوال خطر ميرال وخيانة فوزية التي طهرت الأرض من دنسهما.وفي ساحة الذبح الكبرى الملحقة بالدوار الخلفي، تراكض رجال النجع المخلصون مشمرين عن سواعدهم السمراء المفتولة تحت ضوء النيران المشتعلة في الأجران. كان قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وكبريائه الطاغي وسط الحشد، مرتجلاً بين رجاله بعباءته المقصبة بالذهب التي تفوح بعطر الهيبة والانتصار، والمسدس الثقيل يلمع بوقار في جعبته. أشار بيده القوية وعصاه الأبنوسية نحو الماشية والذبائح، وخرج صوته جهورياً، رخيماً يحمل كرم السلاطين وشهامة أهل الأرض:"اذبحوا يا رجال!.. أريحوهم واطع
اجتمع كبار وعواقل نجع الراوي في ليل صامت شديد البرودة، داخل المقعد الكبير الملحق بالسرايا، حيث كانت جدرانه الحجرية العتيقة تفوح برائحة الهيبة والتاريخ. تصاعدت أعمدة الدخان الكثيف من نراجيل الشيوخ والمجالس وعقدت الوجوه الصارمة الحواجب تحت عماماتها البيضاء، خيم وجوم ثقيل على الحضور، فلا أحد كان يفهم سر هذا الاستدعاء العاجل بعد منتصف الليل، سوى أن هناك أمراً جللاً يهدد كيان النجع.جلس قاسم الراوي في صدر المجلس كطود شامخ، ترتسم على ملامحه الأبنوسية القاسية علامات النصر والدهاء، بينما كان سليم يقف خلفه كظله الحارس، يده قريبة من مقبض سلاحه. وعلى الجانب الآخر من المجلس، كانت ميرال تجلس مدعومة ببعض الأوراق المزورة، تحاول جاهدة الحفاظ على قناع البرود والغَطرسة البندرية، رغم أن رجفة خفية في أطراف أصابعها كانت تفضح ذعرها المكتوم من نظرات قاسم التي لم تفارقها.في اللحظة التي استقر فيها الصمت، وقف قاسم بطوله الفارع، وبحركة مسرحية حاسمة ألقى بالملف الجلدي الأسود وسط الطاولة المستديرة التي يتجمع حولها كبار النجع. ارتطم الملف بالخشب ليحدث دوياً جفل له الحضور. التفت قاسم إلى شيوخ القبائل وعو
قال قاسم وعيناه تثبتان اللواء في مكانه:"عارفك زين يا رفعت بيه.. عارف إنك اللواء اللي قبضت ملايين من منظمة جوليا عشان تبيع ناسك وبلدك، وعارف إنك الغطاء الكبير اللي واقف ورا ميرال والكلاب الأغراب عشان تلووا دراع قاسم الراوي بـ قضية الحجر والجنون. الملف اللي قدامك ده هو 'الصندوق الأسود' بتاعك.. فيه كل حساباتك السرية في سويسرا، وتواريخ المقابلات اللي تمت بينك وبين جوليا في المراكب العايمة، وأوامر رفع الحراسة عن النجع عشان رجالة المنظمة يدخلوا يسرقوا الدهب."شحب وجه اللواء رفعت تماماً، وارتعشت يده التي تمسك السيجار وسقطت فوق المكتب. فتح الملف بسرعة بـأصابع ترتجف، وبدأ يقلب الأوراق التي تحتوي على صور مستندات رسمية وتحويلات بنكية لا تقبل الشك، وهي أدلة كافية لتعليقه على حبل المشنقة بتهمة الخيانة العظمى وتلقي الرشاوي. نظر إلى قاسم بذعر وهوان وقال:"أنت.. أنت جبت الحاجات دي منين؟ قاسم.. اسمعني، إحنا ممكن نتفاهم.. كل حاجة وليها حل."انحنى قاسم نحو وجهه بقسوة، وضغط بسبابه على الطاولة وقال بصوت كالسيف القاطع:"الحديث عاد مفيش فيه تفاهم يا رفعت! إحنا هنا بـ نؤمر وإنت بـ تنفذ
تلبدت أجواء بهو السرايا الرئيسي بغيمة كثيفة من التوتر والترقب، وتحولت الرخامات البيضاء التي شهدت قبل لحظات إنقاذ الحاجة نبيلة إلى ساحة معركة مفتوحة. لم يعد هناك مجال للمواربة أو الأقنعة؛ فقد هبطت ميرال درجات السلم بخطوات متسارعة، حانقة، يشتعل وجهها بحمرة الغيظ والغل بعدما رأت مخططها الدنيء يتهاوى ويتحطم كشظايا الكأس الملقاة على الأرض. كانت تتقدم وعيناها تقدحان ببرود وحشي انكسر أمام صمود سلطانة الجبل.وقفت ميرال في مواجهة ليلى وسط البهو، وكانت تتنفس بحدة، ترفع رأسها بكبرياء "البندر" الزائف وتنظر إلى ليلى بعيون مليئة بالاحتقار والوعيد، وصاحت بنبرة حادة هزت جدران السرايا:"أنتِ فاكرة نفسك إيه يا ليلى؟! حتة حرمة جاهلة جاية من ورا البهائم بـ تتحداني أنا؟ بـ تكسري الكأس في وشي وعاملة فيها الحارس الأمين؟! السرايا دي كلها بـ اللي فيها هتهد فوق روسكم، وقاسم بتاعك خلاص ورق جنونه ومحوه من الدنيا في يدي، مش هتلحقي تتباكي على موته وموت العجوزة دي!"لم تهتز ليلى أنملة واحدة أمام هذا السيل من السباب والتهديدات؛ بل كانت تقف كالطود الشامخ، عيناها تلتمعان بطاقة الجبل وعنفوان الصعيد، تفيضا







