/ الرومانسية / وردة في عرين السلطان / "ممراتُ العتمة.. وصيحةُ الثعلب"

공유

"ممراتُ العتمة.. وصيحةُ الثعلب"

last update 게시일: 2026-05-21 07:27:06

انهارت ليلى على ركبتيها فوق السجادة العتيقة، ودفنت وجهها بين كفيها وهي تنتحب بقهر كسر صمت الليل. قاسم وقف مكانه كالمصعوق، يراقب انهيارها. لأول مرة، يرى "البديلة" بهذا الضعف، ولأول مرة يشعر بأن القسوة التي تسلح بها طوال اليوم بدأت تتفتت أمام صدق دموعها.

انحنى ببطء، وأمسك بكتفيها ليرفعها عن الأرض برفق غريب لم تعهده فيه من قبل. أجلسها على طرف الفراش، وبقي واقفاً أمامها، وعيناه تراقبان رجفتها. همس بصوت رخيم يحمل نبرة وعيد تزلزل الكيان:

ـ "الحق مش عيموت الليلة يا بنت أبو المجد.. إذا كان أبوي فاكر إنه بيمشي السلطان على عماه، وإذا كان أدهم الهواري فاكر إنه هرب بفعلته، فالجبل الليلة عيتقلب فوق رؤوس الكل. الحرب اللي عاوزينها تولع، أنا عأطفيها بدم الغدارين!"

وفجأة، وقبل أن تستوعب ليلى كلماته، سمعا صوت جلبة عنيفة في الأسفل. أصوات الحرس كانت تتعالى، وصوت الحاجة نبيلة (والدة قاسم) كان يصرخ بنبرة هستيرية تملؤها الصدمة والخوف الشديد.

التفت قاسم كالملسوع نحو الباب، وخرج بسرعة الصقر إلى الشرفة الداخلية المطلة على البهو الكبير للسرايا، واندفعت ليلى وراءه وهي تلم شالها الأسود حول جسدها المرتجف.

من أعلى الشرفة، كان المشهد في الأسفل مرعباً. البهو الكبير امتلأ برجال النجع المسلحين، وفي منتصفهم كان يقف الحاج "منصور الراوي" بجسده الضخم العجوز، وعمامته مائلة، والشرر يتطاير من عينيه الجاحظتين. كان يمسك في يده سلاحاً آلياً، وخلفه يقف اثنان من الحراس المقربين إليه، يحملون صناديق خشبية ثقيلة يفوح منها ريح البنزين والبارود!

ـ "يا منصور!! عتعمل إيه في دار ولدك يا حاج؟!" صرخت الحاجة نبيلة وهي تركض نحوه وتتشبث بجلبابه بوجل.

دفعها منصور بقسوة رمتها أرضاً، ورفع رأسه نحو الأعلى، ليلتقي نظره بنظر ابنه "قاسم". ضحك الشيخ العجوز ضحكة غليظة هزت جدران السرايا، وقال بصوت أجش ملأ المكان:

ـ "ولدك مابقاش ولدي يا نبيلة! ولدك دخل البديلة داره ونبش القبور اللي دفنتها بيدي! قاسم فاكر نفسه سلطان الجبل، ونسي مين اللي عمل الجبل ومين اللي حط التاج فوق راسه!"

زعق قاسم من أعلى الدرج، وصوته طلع زئير جريح كاد يمزق الجدران:

ـ "يا حاج منصور!! لسه ليك عين تقف في داري وتتكلم؟! الجثة اللي في المدافن الشرقية عتقول إنك خاين! خنت ولدك وخنت اسم الراوي عشان تجارة السلاح وعشان تولع التار بيننا وبين أبو المجد! فرحة فين يا أبا؟! انطق فرحة فين؟!"

التفت منصور نحو براميل البنزين المخزنة ورا البيت والتي بدأ رجاله بصبها بدم بارد، وأخرج من جيبه "ولاعة" ذهبية، أشعل نارها الصغيرة وبص لولده بنظرة تملك رهيبة وقاتلة:

ـ "الدار دي مش عتكون لحد غيري يا قاسم.. والصلح اللي تم بالبديلة دي مكنش عيعجبني واصل! الحرب دي لازم تكمل عشان أرض أبو المجد كلها تبقى مِلكنا! أدهم الهواري مستني بره مع رجالته، وفرحة ماتت بيدي الليلة عشان الفتنة تقيد وماتنطفيش واصل! قدامك دقيقة واحدة يا سلطان.. اخرج بالبديلة وسلمها لـ أدهم يقتلها، وإلا النار عتاكل السرايا بلي فيها، وعأحرق قلبي وقلبك الليلة!"

تحرك قاسم كصاعقة رعدية، سحب ليلى من يدها بقوة هائلة وادخلها خلف العمود الضخم للشرفة، وحط السلاح في خصره وبص في عينيها بنظرة تملك رهيبة وجنونية، وقال بصوت زلزل كيانها:

ـ "اجري يا ليلى!! خدي السرداب الجواني اللي تحت الأوضة واجري للجبل الشرقي وماتبصيش وراكي واصل!! أنا عأنهي المهزلة دي بيدي الليلة، واللي عيمس طرف شالك عيكون بيمضي على شهادة وفاته بيده!"

وفي تلك اللحظة بالذات، دوت صرخة أدهم الهواري الكثيفة من خارج أسوار السرايا مع بدء ضرب نار غاشم، لتشتعل الملحمة وتصل إلى ذروتها القاتلة!

صوت الرصاص الذي انطلق في الخارج لم يكن مجرد طلقات تحذيرية، بل كان سيلاً من الموت حصد سكون الليل في ثوانٍ معدودة. انقطعت الكهرباء فجأة عن السرايا إثر إصابة المحول الرئيسي، لتغرق القلعة الحصينة في ظلام دامس، لم يقطعه سوى وميض النيران المشتعلة من فوهات البنادق الآلية، والضوء البرتقالي الراقص لولاعة الحاج منصور في الأسفل.

ـ "قاسم!! مش عأسيبك واصل!!" صرخت ليلى بنبرة امتزج فيها الرعب على حياته بالذهول مما يحدث.

لكن قبضة قاسم كانت أسرع وأقوى؛ دفعها بـ رفق حاسم نحو باب خشبي صغير مخفي وراء ستارة قطيفة ثقيلة في نهاية الرواق. فتح الباب ليظهر هبوط لدرج حجري ضيق يمتد إلى أسفل الأرض.. إنه سرداب السرايا القديم الذي يمتد حتى بطن الجبل الشرقي.

نظر قاسم في عينيها للمرة الأخيرة وسط العتمة، وكان وميض النار بالأسفل ينعكس في عينيه الصقريتين، لتبدوا كجمرتين من الغضب والتملك. أمسك بوجهها بين كفيه الضخمين، وضغط برفق قائلاً بصوت هز أوصالها:

ـ "اسمعي الحديت يا ليلى! الجبل ده داري، وأنا خابر كيف عأحميه. لو فضلتي اهنه، أبوي عيحرقك عشان يشعل الفتنة، وأدهم بره عيموت عشان ياخدك. غلاوتك وعنادك دخلوا قلبي يا بنت أبو المجد، وماريدش دمك يسيح قدام عيني. اجري ومتخافيش واصل.. رجالتي الثقات عيكونوا مستنيينك عند فتحة المغارة بره. اطلعي!!"

وقبل أن تنطق بكلمة، دفعها داخل السرداب وأغلق الباب الحديدي الثقيل من خلفها، لتسمع صوت المزلاج وهو يُغلق بقوة. وجدت ليلى نفسها في عتمة مطلقة، برودة الجدران الحجرية المتعرجة أنبأتها أنها أصبحت في باطن الأرض. تحسست الجدار بيدين ترتعدان، وبدأت تهبط الدرج بسرعة، وثوبها الأسود الفضفاض يجر خلفها ككفن يتحرك وسط القبور.

في الأعلى، التفت قاسم بكامل جسده، ونزع الأمان عن سلاحه الآلي. تقدم نحو سور الشرفة، وبصوت يشبه الرعد، صرخ برجاله الذين كانوا يتراجعون رعباً من جنون الحاج منصور:

ـ "يا هوارة!! يا رجال الراوي!! اللي عيقف مع منصور الخاين، ملوش عيش وسط عيلتنا واصل! السلاح يا رجال!! الغدر جه من تحت الأرض، والنهاردة عتنظف السرايا من العفونة اللي عشت فيها سنين!"

انفجر البركان في بهو السرايا. ألقى الحاج منصور بالولاعة المشتعلة نحو بقعة البنزين الكبيرة، لتندلع النيران في ثوانٍ، ملتهمة الستائر والمفروشات الفاخرة، وتحول البهو إلى جحيم مستعر. بدأت المعركة الطاحنة؛ رصاص قاسم ورجاله انهمر كالمطر من الأعلى نحو رجال منصور، بينما اقتحم "أدهم الهواري" البوابة الخارجية للسرايا مع عشرات المسلحين الملثمين، لتتحول السرايا إلى ساحة حرب حقيقية، وصوت صراخ الحاجة نبيلة يملأ المكان وهي ترى دارها تتهدم فوق رؤوس الجميع.

في هذه الأثناء، كانت ليلى تركض في السرداب المظلم، وأنفاسها المتلاحقة تصدح في الممر الضيق. كانت تسمع أصداء الانفجارات وضرب النار من فوقها كأنها زلازل تضرب الأرض. شعرت بالخوف ينهش قلبها، ليس خوفاً على نفسها، بل خوفاً على ذلك "السلطان" الذي تركته وراءها يواجه الموت بألواح صدره العارية.

"ليه يا قاسم؟ ليه عتحميني وإنت عتقول إني دية؟" همست ليلى لنفسها والدموع تحرق عينيها وسط الظلام. الآن فقط أدركت أن تحت تلك القسوة الصخرية، كان هناك قلب ينبض بعشق جارف، عشق ولد من رحم العناد والصمود الذي واجهته به.

بعد دقائق بدت كأيام، رأت ليلى خيطاً رفيعاً من ضوء القمر يتسلل من بعيد. زادت من سرعتها حتى خرجت من فتحة مغارة ضيقة، لتجد نفسها في حضن الجبل الشرقي. الهواء البارد لفح وجهها المبلل بالدموع، والنجوم كانت ساطعة فوق قمم الصخور الحادة. تلفتت حولها بذعر تبحث عن رجال قاسم الذين قال إنهم سيكونون في انتظارها، لكن المكان كان ساكناً سكون القبور.. لا أثر لحارس واحد!

ـ "يا ربي.. هما فين؟" همست برعب وهي تتراجع بظهرها نحو جدار الجبل.

وفجأة، سمعت صوت دقات حذاء بطيئة تقترب من خلف إحدى الصخور الكبيرة. تجمدت الدماء في عروقها وهي ترى ظلاً طويلاً يمتد تحت ضوء القمر. خرج الرجل من خلف الصخرة، ولم يكن واحداً من رجال قاسم.

كان رجلاً يرتدي جلباباً صعيدياً من الصوف الفاخر، ويضع فوق كتفيه شالاً كشميرياً أبيض. ملامحه كانت حادة، وعيناه غائرتين يملؤهما غل دفين، وفي يده.. كان يمسك قنبلة يدوية قديمة، وصوت ضحكته الخبيثة قطع صمت الجبل.

إنه "عثمان أبو المجد".. عمها!!

ـ "عمي عثمان?!" صرخت ليلى بذهول كاد يفقدها وعيها. "إنت.. إنت مامتّش في أول الحرب واصل؟ كيف كدة؟ وإيه اللي جابك اهنه وبيدك السلاح؟!"

تقدم عثمان نحوها بخطوات ثابثة، وعلامات الجبروت والشيطانية تكسو وجهه بالكامل، وقال بصوت رعدي أجش:

ـ "عثمان ماماتش يا غبية! عثمان هو اللي كان عيدير الحرب دي كلها من الجبل الشرقي! الحرب دي كانت تجارة سلاح يابنت أخويا، تجارة كسبت منها ملايين.. والحاج منصور ونبيلة كانوا رجليَّ جوة دار الراوي! الصلح اللي تم بيكي مكنش عيعجبني، وأنا اللي اتفقت مع منصور عشان يهرب فرحة مع أدهم ونولع النار من تاني!"

تراجعت ليلى برعب وهي تشعر بأن كل ما عاشته كان كذبة كبيرة:

ـ "يعني فرحة.. فرحة فين يا عمي؟! منصور قال إنه قتلها الليلة!"

ضحك عثمان بهستيريا غلت معها دماء ليلى:

ـ "فرحة ما ماتتش.. فرحة لعبة في يدي أنا وأدهم! ودلوقت، الدور عليكي يا ليلى.. الدم مش عيبرد والفتنة مش عتنطفي غير لما أحرق 'الراوي' بلي فيه، وإنتي عتكوني القربان الأخير الليلة!"

رفع عثمان سلاحه نحو رأسها، وفي تلك اللحظة بالذات، دوت صيحة قوية هزت أركان الجبل من خلفهما:

ـ "يا عثمااااان!!"

التفتت ليلى بلهفة، لتجد قاسم الراوي يقف على حافة الصخرة المرتفعة، جلبابه ممزق، والدماء تسيل من جرح في جبهته، لكن سلاحه كان موجهاً مباشرة نحو قلب عمها، وعيونه تقطر برغبة عارمة في القتل تملكته بالكامل!

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • وردة في عرين السلطان   غسق النصر

    تلاقت فيالق العتمة الماورائية ببارود الرجال عند عتبات "سرايا آل الراوي" الشامخة، لتتحول الساحات الفسيحة والممرات الرخامية العتيقة في غضون ثوانٍ معدودات إلى مرجلٍ لاهثٍ يقذف بالحمم والدم المحرّم. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يغلي كالبحر الهائج، وتقاذفته لفحات الصقيع الشاتي القاسية التي زادت الأجواء برودةً لا ترحم، بينما كانت الجدران الحجرية العتيقة تنقبض وتنبض بنقوشها الفرعونية المشعة، كأنها حصنٌ يتمزق بين تاريخه الملعون وبين جبروت سلالة العرين التي رفضت الانحناء لغير خالقها.في قلب هذه الملحمة العاصفة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف ببنيته الفولاذية العريضة وطوله الفارع، كالصخرة العتية التي تتكسر عليها أمواج المنون. كان الصراع النفسي يطحن جوفه الصارم؛ فالأرض التي يطأها بجرأة وكبرياء رجل صعيدي ممتلئ بالشهامة تتهادم من تحته، والحيطان التي ورثها عن جده منصور بدأت تتنفس برائحة الملوك السبعة وأنفاس جيوشهم القادمة من أقصى الحدود المترامية للجبل الغربي. لكن جمر الغضب المكتوم في عينيه الذئبيتين الحادتين لم يكن وليد الخوف، بل كان وقوداً لشغف تملكي شرس لا يرحم؛ شغفٌ بحماية سلطانة كو

  • وردة في عرين السلطان   قيامة العرين وسعير الوجد

    زلزلت النبوءة الصاعقة أركان الوعي، فمادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية لـ "سرايا آل الراوي"، وتحوّل ذلك الحصن المنيع الممتد عبر العصور إلى فخّ ماورائيّ لاهث، يبتلع خلف أبوابه الموصدة كبرياء السنين ويقين الرجال. لم يكن الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف الذي يلف الممرات الرخامية مجرد طاقة عابرة، بل غدا كائناً حياً ينبض بأنفاس الملوك السبعة، يتغلغل في مسام الجدران الحجرية العتيقة ليعيد صياغة تاريخ النجع بمدادٍ من العتمة والدم المحرّم. تحجّر الحراس الأشداء في الساحات الفسيحة كأشجارٍ ميتة لوّثها الخوف، واستحالت زغاريد نسوة النجع التي ظلّت تتردد لساعات طوال إلى أصداء جنائزية مرعبة، تطحن القلوب وتعلن بطلان الأمان العائد.عند عتبة المندرة الكبرى، حيث كانت الشموع النحاسية الكبيرة ترتعش بلهيبٍ باهت تقاذفته عواصف الغيب، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وبنيته الفولاذية العريضة في مواجهة الكيان العملاق. كان الصراع النفسي يمزق جوفه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة جرت في عروقه كالحمم البركانية التي تهد الجبال؛ لأول مرة في تاريخه الحافل بالمعارك والكمائن الدولية على تخوم الجبل الشرقي، يشع

  • وردة في عرين السلطان   جمر العناق ونذير الغسق

    تجمّدت الأنفاس في الصدور الواجفة كأنها شظايا من صقيع كانون، واستحالت الساحات الفسيحة لـ "سرايا آل الراوي"—التي طالما كانت رمزاً للعز الصعيدي والمنعة والسطوة—إلى مسرحٍ لاهث لملحمةٍ ماورائية حابسة للأنفاس أطاحت بكل الثوابت والتحصينات في كسر من الثانية. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يلتف حول الأعمدة الرخامية الشامخة والدروب الحجرية كأفعى لزجة انبعثت من جوف الجبل الغربي المنسي، لتبث سموم العتمة في عروق الحراس الأشداء؛ الذين وقفوا شاخصين كالتماثيل الحجرية المتحجرة، وعيونهم تقدح بذات البريق الشيطاني البارد الذي أعلن بطلان النصر المؤقت وسقوط الأمان العائد.عند عتبة السرداب السري المؤدي إلى الممرات العلوية الشاسعة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بجسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة كالجبل الأشم الذي تضربه العواصف فلا ينحني. كان الصراع النفسي يمزق أحشاءه برغبة تملكية شرسة ولوعة دفينة تكاد تصهر الحديد في صدره؛ لم يعد العدو أفاعي دولية أو مكائد من البندر يمكن تصفيتها بالبارود والدم، بل كان ينظر إلى تاريخ عائلته وعرينه وهو يُستباح في عقر داره. في يده اليسرى، كان يضم طفله وولي عهده "من

  • وردة في عرين السلطان   لظى العهد وسعير العناق

    مادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية، واستحالت القاعة الصخرية العتيقة لباطن الجبل الغربي إلى مرجلٍ يغلي ببارود الرجال وسحر العتمة الماورائي المحرم. كانت الصرخة التي انطلقت من جوف ليلى تمزق سكون الهاوية كشفرة نصلٍ حامٍ، صرخةٌ لم تكن وليدة الرعب البشري العابر، بل كانت زلزالاً هز أركان وجدانها وهي ترى زوجها وسلطان قلبها، قاسم الراوي، يغوص بجسده الفولاذي الطاغي في تلك الفجوة السحيقة التي انشقت بغتة، ممسكاً بمعصمه ذلك الكيان الصخري الأسود المقصب بالنقوش الفرعونية القديمة، والذي كان يجذبه نحو القاع المجهول بعنفوانٍ لا يرحم كبرياء الأسد الجريح.لم تكن خطوط البارود التي أطلقها سليم ورجال النجع الأشداء من مدافعهم الرشاشة قادرة على اختراق ذلك السور المغناطيسي الأزرق الفسفوري الذي عاد ليتشكل حول الفجوة؛ كانت الشظايا الحجرية تتطاير كالمطر الفضي، والدخان الأبيض الكثيف ينفث في الأجواء ليمتزج برائحة الكبريت العتيق وبخور العود الذي كان عالقاً بثياب ليلى الغجرية المنسدلة في كبرياء. كان الصراع النفسي في تلك الأجزاء من الثانية يطحن القلوب طحناً؛ فقاسم، وهو يتأرجح بين باطن الأرض وظاهرها، كان عقله الصار

  • وردة في عرين السلطان   الندوب الغالية

    ارتجت أركان الهاوية الصخرية تحت وطأة الطلقة الفضية الجريئة، وامتزج دوي البارود الصعيدي الحامي بصرخات مكتومة، متهدجة ومرعبة، انطلقت من جوف الظلال السبعة التي تراجعت خطوتين إلى الوراء كأفاعٍ مباغتة أصابها السّم في مقتل. تحول الوميض الأزرق الفسفوري الذي كان يملأ الفضاء بحبس الأنفاس إلى شظايا ضوئية متناثرة تعكس الرعب الماورائي البارد على الجدران الحجرية العتيقة لباطن الجبل الغربي. كان الموقف قد تخطى حدود العقل الإنساني ليدخل في كسر من الثانية إلى عالم الملاحم الأزلية؛ حيث لا بقاء إلا لمن امتلك عقيدة صلبة وعشقاً جارفاً يهد الجبال ويصهر الحديد.في تلك اللحظة القاتلة الممتلئة بالصدمة والذهول الصاعق، لم يكن قاسم الراوي ينظر إلى الظلال المتهاوية بفعل طلقة الغدر، بل كان يلتفت بكامل جسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة نحو مدخل السرداب المظلم. جحظت عيناه الذئبيتان الحادتان اللتان جابهتا الموت في كمائن الجبل الشرقي وتحدتا غدر الأفاعي الدولية، واحتَقن وجهه الأسمر الشامخ بمزيج معقد، عنيف وحارق من الشغف الجنوني والوجع النفسي الدفين. تيبست أصابعه فوق مقبض سلاحه الآلي وهو يرى سلطانة قلبه، وترياق

  • وردة في عرين السلطان   ترانيم الفداء والهاوية

    غاصت السرايا العتيقة لآل الراوي في لجة من جحيم صامت، جحيم لا تلتهم نيرانه الأجساد، بل تقتات على بقايا الروح واليقين. انقشع الأثر الماورائي للظلال السبعة، لكنه ترك خلفه عتمة داكنة ثقيلة، هبطت على أرجاء الجناح الملكي كوشاح من الرصاص. تلاشت أنوار الشموع الزرقاء لتترك الغرفة غارقة في رماد الرعب، ولم يعد يكسر جمود هذه العتمة الشاتية القاسية سوى صوت أنفاس ليلى المتحشرجة، المتقطعة كنزع أخير، بعد أن تحررت يد الغيب عن جسدها الرقيق وتركتها تسقط فوق الفراش الملكي الوثير كعصفور بلله المطر وعصف به الإعصار.تحرك قاسم الراوي داخل الجناح كالنمر الجريح الذي سُلبت منه أعز فرائسه. كان جسده الفولاذي وبنيته الطاغية يرتجفان ليس من الصقيع، بل من فوران الدم في عروقه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة تحولت بغتة إلى لوعة حارقة تفتت الصخر. الصراع النفسي الذي كان يمور في صدره بلغ ذروة لم يبلغها من قبل طوال تاريخه الحافل بالمعارك؛ هو سلطان الجبل، الرجل الذي لم تنحنِ قامته أمام كبار البندر ولم تهتز هيبته برصاص الكمائن الدولية، يقف الآن عاجزاً، ينظر إلى السرير الخشبي الفارغ الذي كان منذ قليل يضم ولي عهده ونسله ا

  • وردة في عرين السلطان   نَسجُ الأفاعي في الخفاء

    لم يكن الفجر الذي بزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً يحمل تباشير الطمأنينة لأهل نجع الراوي؛ بل كان فجراً رمادياً تشبعت سماؤه بخيوط داكنة من أثر حريق السرايا القديمة الذي ظل يتصاعد منه الدخان كأنه أنفاس وحش يحتضر في جوف الصخور. نسيم الصباح البارد كان يلفح الوجوه، ممزوجاً برائحة احتراق أخشاب الأبن

  • وردة في عرين السلطان   رمادُ الانفجارِ.. وولادةُ بركانِ الثأرِ الخفيّ

    الدويّ الذي زلزل أركان الجبل الشرقي لم يكن مجرد صوت عابر؛ بل كان زئيراً للأرض انشق من جوفها لهب أحمر لعق عنان السماء، ليتفتت بناء السرايا القديمة العتيق في ثوانٍ معدودة. انهار السقف الخرساني، وتطايرت الصخور الحجرية كقذائف مشتعلة في كل اتجاه، لتغرق الباحة بأكملها في غيمة كاحلة من الرماد الأسود وال

  • وردة في عرين السلطان   معموديةُ النار.. وعِناقُ الموتِ المستعر

    الدخان الأسود الكثيف لم يكن مجرد غاز يخنق الأنفاس، بل كان كائناً غاشماً تمدد في أركان المندرة القديمة، ليمتص ما تبقى من ضوء كشافات الحراس، ويترك المكان لوميض النيران البرتقالية التي اندلعت من جوف السرداب السفلي. تداخلت أصوات الانفجارات المتتالية مع زئير الرصاص الآلي، ليتحول البناء المهجور في ثوان

  • وردة في عرين السلطان   مواقدُ الأسرارِ.. والعهدُ المكتوبُ بنورِ الشمس

    توقفت حوافر الجواد الأسود بعنف عند بوابة السرايا الخارجية، ليثير الغبار حول الأقدام كأنه بقايا العاصفة التي لم تنتهِ بعد. قاسم كان ما يزال ممسكاً بخصر "ليلى" بيدٍ حديدية، جسده الضخم يحيط بها كدرع من صخر، وأنفاسه المتلاحقة الحارة تضرب عنقها، يفوح منه ريح البارود والتبغ والدم الحار النازف من جروحه.

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status