ANMELDENصوت قاسم الذي شق سكون الليل لم يكن مجرد نداء، بل كان زئير جريح نفض الغبار عن صخور الجبل الشرقي. وقف "سلطان الجبل" على حافة المرتفع الصخري كأنه مارد خرج من جوف الأرض؛ ثيابه ممزقة، وجهه ملطخ برماد الحريق ودماء جرح غائر في جبهته، لكن عينيه كانتا تشعان بنور مرعب.. نور التملك الأعمى الذي أقسم ألا يترك "وردته" تذبل في يد الغدارين.
تجمد عثمان أبو المجد في مكانه، وتحولت ضحكته الهستيرية إلى تكشيرة غيظ شوّهت ملامحه العجوز. لم ينزل السلاح الموجه نحو رأس ليلى، بل تراجع خطوة إلى الوراء، ساحباً إياها من ذراعها بقسوة جعلتها تصرخ ألما، ليحتمي بجسدها كدرع بشري أمام طلقات قاسم.
ـ "نورت يا سلطان النجع!" هتف عثمان بصوت أجش يحمل نبرة التحدي والموت. "كنت فاكر إنك عتموت وسط حريق السرايا مع أبوك منصور، بس الظاهر إن عمرك طويل.. بس خابرة يا ولد الراوي؟ الخطوة اللي عتخطيها لـ قدام، تمنها هيكون طلقة في راس البديلة دي! دم بنت أخويا عيسيل على الصخر اهنه لو ما نزلتش سلاحك واصل!"
نظرت ليلى نحو قاسم بعينين ملأتهما الدموع والرجاء، صرخت بأعلى صوتها وهي تحاول الإفلات من قبضة عمها الحاقد:
ـ "ماتسمعش كلامه يا قاسم!! عثمان هو اللي دور الحرب دي كلها! هو اللي باعنا وباع أختي فرحة عشان تجارة السلاح! اضرب يا قاسم وماتهتمش بيا، الموت اهنه أهون عليا من إني أعيش وسط غدرهم!"
ـ "اخرسي يا بت!" زعق عثمان وهو يضربها بظهر مسدسه على كتفها بقوة جعلتها تجثو على ركبتيها وهي تتأوه.
عند تلك اللحظة، اشتعل البركان في صدر قاسم. رؤية ليلى تُهان وتُضرب أمامه فجرت في جوفه كل جبال الكبرياء الصعيدي. لم ينزل سلاحه، بل خطا خطوة جريئة نحو حافة المخر الصخري، وبصدر عارٍ تقريباً بعد تمزق جلبابه، قال بصوت رعدي زلزل كيان عثمان:
ـ "ليلى بقت 'حرم الهواري والراوي' يا عثمان.. بقت مرتي بعهد الدم، واللي عيمس طرف شالها عيكون بيمضي على شهادة وفاته بيده! النجع ده والبلد دي كلها عتكون قبرك الليلة لو ما سبتهاش واصل!"
وفجأة، ومن خلف الصخور العالية، دوى صوت ضحكة هستيرية أخرى عرفتها ليلى جيداً.. صوت جعل قاسم يلتفت بحذر. خرج "أدهم الهواري" ومعه خمسة من رجاله المسلحين، يحيطون بقاسم من الخلف. كان أدهم يرتدي لثاماً أسود يغطي نصف وجهه، لكن عينيه كانتا تقطران غلاً وشعوراً بانتصار زائف.
ـ "وقع السلطان في الفخ يا عثمان!" صرخ أدهم وهو يوجه بندقيته الآلية نحو ظهر قاسم. "السرايا تحت عتقيد نار، ومنصور الراوي بيلفظ أنفاسه الأخيرة بين الرماد، والدور دلوقت على كبير عيلة الراوي.. ارمي السلاح يا قاسم! الجبل مابقاش ملكك الليلة، والوردة والبديلة والبلد كلها عتتحرق بكرة في زفة حقنا!"
وجدت ليلى نفسها في وسط كماشة من الموت؛ عمها يمسكها من الأمام، وأدهم ورجاله يطوقون قاسم من الخلف. شعرت بأن النهاية قد اقتربت، وأن دماء عائلتها وعائلة الراوي ستسيل الليلة على هذا الصخر لتنهي كل شيء. لكن قاسم لم يرمش له جفن. نظر إلى ليلى نظرة طويلة، نظرة لم تكن فيها قسوة الصخر التي عرفتها، بل كان فيها وعيد.. وعشق مستعد لافتراس الموت نفسه لأجلها.
ـ "أنا قولت لكم.. الجبل مابينحنيش!" همس قاسم بنبرة هادئة مرعبة.
وبحركة سريعة كالبرق، لم تتوقعها أذن أو عين، ألقى قاسم بجسده إلى الأرض محتمياً بصخرة عريضة، وفي نفس الثواني، انطلقت رصاصات بنادق حراسه المقربين "رجال الجبل الشرقي" الذين كانوا يختبئون في شقوق الصخور العالية بناءً على خطته البديلة!
انفجر الجبل بصوت ضرب نار كثيف وغاشم. تساقط رجال أدهم واحداً تلو الآخر كأوراق الشجر الجافة وسط الظلام. صرخت ليلى ووضعت يديها فوق رأسها وهي تزحف نحو إحدى المغارات الصغيرة لتتحامى من الرصاص المتطاير في كل اتجاه.
استغل عثمان أبو المجد الفوضى، وحاول سحب صمام الأمان للقنبلة اليدوية التي كانت في يده ليلقيها نحو قاسم ويقضي على الجميع. لكن قاسم كان أسرع من خطف البصر؛ اندفع من خلف الصخرة كالفهد الكاسر، وألقى بجسده الضخم فوق عثمان، ليتلاحم الاثنان في معركة جسدية طاحنة فوق حافة المرتفع.
ـ "يا خاين!! يا منبع العفونة في الصعيد!" زعق قاسم وهو يمسك بمعصم عثمان ويوجه يده التي تحمل القنبلة نحو السماء.
ـ "عأموت وآخذك معايا يا قاسم! دار الراوي عتنتهي الليلة!" صرخ عثمان وهو يقاوم بجنون مستميت.
دار صراع مرير بين شيخ الكبرياء العجوز وسلطان الشباب الكاسر. ليلى كانت تراقب المشهد بقلب يرتجف رعباً على قاسم. وفجأة، انطلقت رصاصة طائشة من سلاح أدهم الهواري الجريح، لتستقر في كتف عثمان أبو المجد. أطلق عثمان صرخة ألم دوت في الأفق، وأفلتت القنبلة من يده.. لتسقط في الهاوية العميقة للجبل، وتنفجر بعد ثوانٍ محدودة في الأسفل، مصدرة دويّاً هائلاً واهتزازاً عنيفاً جعل الصخور تتساقط.
فقد عثمان توازنه بسبب جرحه واهتزاز الأرض، وتراجع نحو حافة المنحدر السحيق. مد قاسم يده بسرعة البرق ليمسك بيده وينقذه رغم كل شيء، لكن عثمان نظر إليه بنظرة حقد أخيرة، وبصق على الأرض قائلاً:
ـ "ماريدش عطف من ولد الراوي واصل.. التار مابيموتش!"
وأفلت يده بنفسه، ليهوى في أعماق الجبل الشرقي، مسدلاً الستار على حياته المليئة بالدم والمؤامرات.
هدأ ضرب النار فجأة بعد فرار أدهم الهواري جريحاً في عتمة الليل، وتناثر جثث رجاله فوق الصخور. ساد صمت رهيب، لم يقطعه سوى أنفاس قاسم المتلاحقة وهو يقف على حافة المنحدر، ينظر إلى الأسفل بجسد ينزف وعينين أرهقهما الوجع والغدر.
التفت ببطء نحو المغارة الصغيرة التي كانت تختبئ فيها ليلى. رآها تقف هناك، يرتجف جسدها بالكامل، وثوبها الأسود ممزق من الأطراف، وشالها ملقى على الأرض. تقدم نحوها بخطوات ثقيلة، وفي كل خطوة كان يخلع جزءاً من قناع القسوة الصخرية ليظهر "بركان العشق" الذي كان يخبئه طوال السنين.
وقف أمامها مباشرة. رفعت ليلى رأسها، وتلاقت أعينهما تحت ضوء القمر الذي بدأ ينجلي من وراء الغيوم. رأت الدماء تسيل على وجهه، ورأى هو الدموع العالقة في رموشها الطويلة كحبات اللؤلؤ. لم تنطق بكلمة، ولم ينطق هو أيضاً؛ ففي بعض الأحيان، يكون الصمت أبلغ من كل قصائد العتاب.
وبدون أي مقدمات، سحبها قاسم نحو صدره العريض بضمة قوية، ضمة مختلفة تماماً عن ضمة السرايا. كانت ضمة تملك حانية، ضمة غريق وجد شاطئ أمانه وسط أمواج من الخيانة. دفنت ليلى وجهها في صدره العاري، واستنشقت رائحة عطره الممزوجة بالبارود والدم، وأطلقت العنان لدموعها لتغسل كل الوجع والانكسار.
ـ "كفاية بكا يا وردتي.." همس قاسم في أذنها بصوت رخيم دافئ، يحمل هيبة السلطان وحنان الحبيب. "الجبل محتاج يرجع له نوره.. والسرايا اللي انحرقت، عأبنيها ليكي من جديد وتكوني إنتي سلطانتها الوحيدة بعهد الحق، مش بعهد الدية."
رفعت ليلى عينيها إليه، وبيد مرتعشة، مسحت الدماء عن جبهته الجريحة وقالت بنبرة عناد رقيقة تغلغل في جوفه:
ـ "وأنا مش عأسيب الجبل يتهد واصل يا قاسم.. التار والدم خلصوا الليلة، ومن هنا ورايح، مفيش بديلة.. فيه ليلى وبس."
ابتسم قاسم ابتسامة خفيفة تظهر لأول مرة على وجهه الحاد، وأمسك بيدها اليمنى، وطبع قبلة حارة طويلة فوق ذلك الوشم الصغير للوردة، معلناً للكون كله أن هذه الوردة لم تعد ملكاً للماضي، بل أصبحت مزروعة في أعماق عرين السلطان.
وفي الأسفل، كانت نيران السرايا تبدأ في الانطفاء، لتعلن نهاية عهد الخديعة وبداية ملحمة جديدة، خيوطها تُكتب بالعشق والأمل وسط رماد الغدر الصعيدي!
عصفت رياح كانون الباردة بجدران سرايا آل الراوي، وتحول ليل الصعيد الشاتي إلى ملحمة من الزمهرير والظلمة التي لم تفلح مشاعل الساحة في تبديد حلكتها. كانت ليلة واعرة، تئن فيها الأبنية وتتوجع جذوع النخل العتيق تحت وطأة ضربات الصقيع الغادر الذي زحف من قمم الجبل الشرقي مخلفاً وراءه شعوراً خانقاً بالقبض والترقب. خفتت أصوات احتفالات النجع بولي العهد الجديد، وانزوى العباد خلف أبوابهم الموصدة، تاركين السرايا تغرق في صمت مريب لا يكسره سوى عويل الريح في الممرات والوجار الكامن في الأسفل يلفظ أنفاسه الأخيرة.في تلك الساعات الميتة من الليل، كان قاسم الراوي يضطجع في فراشه الوثير داخل الجناح العلوي، يلف ذراعه الفولاذية القوية حول خصر سلطانته ليلى، جاذباً إياها إلى صدره العريض ليحمي جسدها الشفاف من لفحات البرد التي تغلغلت عبر الشقوق الخشبية للنافذة الشاسعة. كانت ليلى تنام في حضنه الملاذ، تضع يدها الرقيقة فوق بطنها التي بدأت تحوي النبض المقدس لولي العهد المنتظر، مستسلمة لأنفاس قاسم الساخنة التي كانت تحرق وجهها برومانسية تملكية شرسة لم تنطفئ يوماً. لكن الطمأنينة التي سكنت روحيهما لشهور لم تكن لتدوم؛
ساد السكون والوقار أرجاء الدوار الخلفي للسرايا، حيث انزوت جلبة الاحتفالات الكبرى وبقي ليل نجع الراوي ينسج خيوطه الهادئة فوق قمم الجبل الشامخ. في زاوية معتمة من زوايا الردهة العتيقة، كان "الوجار" الصعيدي التقليدي يشتعل بجمر الحطب الساخن، يرسل وميضاً برتقالياً دافئاً يترنح على الجدران الحجرية السميكة، متداخلًا مع بخار شاي الزردة الثقيل ورائحة العود النقي الذي يعبق به المكان، ليصنع أجواءً مفعمة بالهيبة والوقار وذكريات الزمن الجميل.جلست الحاجة نبيلة، بركة الدار وكبير غوالي عائلة الراوي، متكئة على وسائدها المخملية العتيقة، تلتحف بشالها الصوفي الأسود المطرز بخيوط الوقار والزمن، بينما كانت يدها المرتعشة، التي نجت بفضل العناية الإلهية من غدر الحية ميرال، تمرر حبات سبحتها النورانية بانتظام في صمت يفيض بالحمد. وأمامها، على الجانب الآخر من الوجار، كان يجلس سليم، ذراع السلطان الأيمن، واضعاً يديه الخشنتين أمام وهج النار، وعيناه الذكيتان تحملان وعثاء السنين الطويلة وثقل المؤامرات التي تكسرت عند عتبة هذه السرايا.التقط سليم لقمة من الملقاط النحاسي ليحرك بها الجمر المشتعل، وخرج صوته خفيضاً
عجّت ساحات السرايا الشاسعة وجنبات نجع الراوي ببهجة عارمة دوت أصداؤها في كبد الليل، وانقشعت تلك الغُمّة الثقيلة التي جثمت على صدور العباد لشهور. انطلقت الزغاريد الصعيدية الحارة، المتلاحقة والقوية من حناجر النساء فوق الأسطح وفي الردهات، لتشق سكون الجبل العتيق كأناشيد النصر المؤزر. تزينت أسوار السرايا بالمشاعل المشتعلة وفوانيس الضياء التي بددت كل بقعة عتمة كانت تختبئ فيها مؤامرات الأفاعي، وتبدلت ملامح الوجوم التي ارتسمت على وجوه الخدم والحشم إلى ابتسامات رضا وارتياح بعد زوال خطر ميرال وخيانة فوزية التي طهرت الأرض من دنسهما.وفي ساحة الذبح الكبرى الملحقة بالدوار الخلفي، تراكض رجال النجع المخلصون مشمرين عن سواعدهم السمراء المفتولة تحت ضوء النيران المشتعلة في الأجران. كان قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وكبريائه الطاغي وسط الحشد، مرتجلاً بين رجاله بعباءته المقصبة بالذهب التي تفوح بعطر الهيبة والانتصار، والمسدس الثقيل يلمع بوقار في جعبته. أشار بيده القوية وعصاه الأبنوسية نحو الماشية والذبائح، وخرج صوته جهورياً، رخيماً يحمل كرم السلاطين وشهامة أهل الأرض:"اذبحوا يا رجال!.. أريحوهم واطع
اجتمع كبار وعواقل نجع الراوي في ليل صامت شديد البرودة، داخل المقعد الكبير الملحق بالسرايا، حيث كانت جدرانه الحجرية العتيقة تفوح برائحة الهيبة والتاريخ. تصاعدت أعمدة الدخان الكثيف من نراجيل الشيوخ والمجالس وعقدت الوجوه الصارمة الحواجب تحت عماماتها البيضاء، خيم وجوم ثقيل على الحضور، فلا أحد كان يفهم سر هذا الاستدعاء العاجل بعد منتصف الليل، سوى أن هناك أمراً جللاً يهدد كيان النجع.جلس قاسم الراوي في صدر المجلس كطود شامخ، ترتسم على ملامحه الأبنوسية القاسية علامات النصر والدهاء، بينما كان سليم يقف خلفه كظله الحارس، يده قريبة من مقبض سلاحه. وعلى الجانب الآخر من المجلس، كانت ميرال تجلس مدعومة ببعض الأوراق المزورة، تحاول جاهدة الحفاظ على قناع البرود والغَطرسة البندرية، رغم أن رجفة خفية في أطراف أصابعها كانت تفضح ذعرها المكتوم من نظرات قاسم التي لم تفارقها.في اللحظة التي استقر فيها الصمت، وقف قاسم بطوله الفارع، وبحركة مسرحية حاسمة ألقى بالملف الجلدي الأسود وسط الطاولة المستديرة التي يتجمع حولها كبار النجع. ارتطم الملف بالخشب ليحدث دوياً جفل له الحضور. التفت قاسم إلى شيوخ القبائل وعو
قال قاسم وعيناه تثبتان اللواء في مكانه:"عارفك زين يا رفعت بيه.. عارف إنك اللواء اللي قبضت ملايين من منظمة جوليا عشان تبيع ناسك وبلدك، وعارف إنك الغطاء الكبير اللي واقف ورا ميرال والكلاب الأغراب عشان تلووا دراع قاسم الراوي بـ قضية الحجر والجنون. الملف اللي قدامك ده هو 'الصندوق الأسود' بتاعك.. فيه كل حساباتك السرية في سويسرا، وتواريخ المقابلات اللي تمت بينك وبين جوليا في المراكب العايمة، وأوامر رفع الحراسة عن النجع عشان رجالة المنظمة يدخلوا يسرقوا الدهب."شحب وجه اللواء رفعت تماماً، وارتعشت يده التي تمسك السيجار وسقطت فوق المكتب. فتح الملف بسرعة بـأصابع ترتجف، وبدأ يقلب الأوراق التي تحتوي على صور مستندات رسمية وتحويلات بنكية لا تقبل الشك، وهي أدلة كافية لتعليقه على حبل المشنقة بتهمة الخيانة العظمى وتلقي الرشاوي. نظر إلى قاسم بذعر وهوان وقال:"أنت.. أنت جبت الحاجات دي منين؟ قاسم.. اسمعني، إحنا ممكن نتفاهم.. كل حاجة وليها حل."انحنى قاسم نحو وجهه بقسوة، وضغط بسبابه على الطاولة وقال بصوت كالسيف القاطع:"الحديث عاد مفيش فيه تفاهم يا رفعت! إحنا هنا بـ نؤمر وإنت بـ تنفذ
تلبدت أجواء بهو السرايا الرئيسي بغيمة كثيفة من التوتر والترقب، وتحولت الرخامات البيضاء التي شهدت قبل لحظات إنقاذ الحاجة نبيلة إلى ساحة معركة مفتوحة. لم يعد هناك مجال للمواربة أو الأقنعة؛ فقد هبطت ميرال درجات السلم بخطوات متسارعة، حانقة، يشتعل وجهها بحمرة الغيظ والغل بعدما رأت مخططها الدنيء يتهاوى ويتحطم كشظايا الكأس الملقاة على الأرض. كانت تتقدم وعيناها تقدحان ببرود وحشي انكسر أمام صمود سلطانة الجبل.وقفت ميرال في مواجهة ليلى وسط البهو، وكانت تتنفس بحدة، ترفع رأسها بكبرياء "البندر" الزائف وتنظر إلى ليلى بعيون مليئة بالاحتقار والوعيد، وصاحت بنبرة حادة هزت جدران السرايا:"أنتِ فاكرة نفسك إيه يا ليلى؟! حتة حرمة جاهلة جاية من ورا البهائم بـ تتحداني أنا؟ بـ تكسري الكأس في وشي وعاملة فيها الحارس الأمين؟! السرايا دي كلها بـ اللي فيها هتهد فوق روسكم، وقاسم بتاعك خلاص ورق جنونه ومحوه من الدنيا في يدي، مش هتلحقي تتباكي على موته وموت العجوزة دي!"لم تهتز ليلى أنملة واحدة أمام هذا السيل من السباب والتهديدات؛ بل كانت تقف كالطود الشامخ، عيناها تلتمعان بطاقة الجبل وعنفوان الصعيد، تفيضا







