Share

يوم الحساب

last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-12 06:15:41

تزاحمت خيوطُ الضوء الضحى فوق البوابة الحديدية الضخمة لسرايا آل الراوي، شمسٌ دافئة كشفت للمرة الأولى منذ شهور عن وجه النجع الحقيقي، غاسلةً عن جدرانه الطينية العتيقة غبارَ الخوف والمؤامرات التي حيكت في عتمة الليل. تجمهر آلاف البشر من أهل النجع، شيباً وشباناً، نساءً وأطفالاً، ملأوا الساحة الرحبة المقابلة للديوان الكبير، وتدافعوا كأمواج بحرٍ هادر بعد أن سرى في الأرجاء خبر عودة "السلطان" وانفراط عقد الخونة الذين نهشوا في عظام الدار بغيابه. كانت الجلاليب الصعيدية البيضاء والرمادية تملأ الأفق، والوجوه المحفورة بعزة الأرض والشرف تفيض بدموع الفرح والانتصار والتار المسترد.

في شرفة السرايا الكبيرة المطلة على الساحة، وقف قاسم الراوي كأنه طودٌ شامخ لا تطاله ريح. كان يرتدي رداءه الصعيدي الأسود المقصب بالفضة، يبسط هيبته الملوكية على الألوف المحتشدة دون جهد، وعيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، نبض طاقة العهد التي أثبتت للجميع أن السلطان الحقيقي لا تفتنه عوالم الأوهام ولا صولجانات الزمان. وبجانبه، تلاقت ذراعه الفولاذية القوية بخصر ليلى، "وردة النجع وسلطانة قلبه"، التي وقفت بعباءتها السوداء الملوكية الموشاة بالذهب، قوامها الممشوق كالنخلة يعكس ثباتاً وجسارةً ولدت من رحم النار ووادي المرايا. كانت ليلى تنظر إلى قاسم بعينين تفيضان بـ الحب والرومانسية الناضجة؛ حبٌّ لم يعد مجرد مشاعر غضة، بل صار عقيدة بقاء، حلفاً مقدساً عُمّد بالدم والتحدي. كان يشعر بنبض قلبها المتسارع يضرب في صدره، ويمسد على كفها الصغيرة الممسكة بنصل خنجر الأجداد بـ حنانٍ طاغٍ يذوب في هيبته العسكرية.

عند فتح البوابة السفلى للسرايا، انشقت الحشود لتفسح طريقاً ضيقاً مرّ منه سليم في مقدمة قوة من رجال النجع الأشداء المخلصين. كان سليم يسير بخطى عسكرية صارمة، واضعاً يده على سلاحه، وخلفه كان يجر "الخونة" في مشهدٍ تاريخي يطوي صفحة الخزي. كان المحامي الخائن يترنح، جلبابه البندري ممزق، ووجهه الشاحب كرماد الموقد منكسر نحو الأرض، لا يقوى على رفع عينيه في عيون الرجال الذين خان ملحهم. وبجانبه كان جابر، مغلول اليدين بحبال الليف الخشن، يرتعد صغاراً وذلاً، بعد أن كشفت أوراقه المزورة ومؤامرته مع فوزية وجوليا والمنظمة الدولية التي سعت لمحو هوية الصعيد بالكامل وتحويل النجع لـ ممر مشبوه لتجارة الآثار والسلاح.

ما إن ظهر الخونة ذليلين أمام الجموع، حتى انفجرت الساحة بـ زئيرٍ بشري اهتزت له رواسي الجبل الشرقي. تعالت الهتافات الجسورة التي تفيض بالعزة والولاء، وهتف الرجال بملء أفواههم:

ـ "عاش السلطان! عاش قاسم الراوي حامي العرين! منصور يا ولد المنصور! نجع الراوي رجع لـ أسياده والأرض صبحت مصانة اليوم بـ حكمك!"

وفي الجانب الآخر، من خلف المشربيات الخشبية العتيقة والأسطح، انطلقت زغاريد النساء المتلاحقة الحادة لـ تشق عنان السماء، تلتها هتافات نسوة النجع لـ ليلى اللواتي رأين فيها الحصن الذي لم ينحنِ بغياب سيده:

ـ "عاشت السلطانة! عاشت ليلى وردة الصعيد اللي صانت العرض وما همها الموت واصل! الشوك حما الدار بـ حسك يا بت الأصول!"

التفت قاسم نحو ليلى وسط هذا المحفل الطاغي، ورفع يدها المشبكة بأصابعه إلى الأعلى أمام الألوف، لـ تشتعل الساحة بالتهليل والتصفيق، وتطايرت الأعيرة النارية في الهواء احتفالاً بـ زفة الحق. انحنى قاسم نحو أذن ليلى، واستنشق عطرها الغجري المخلوط بغبار التحدي وشذا الوفاء، وهمس بصوته الجهوري العميق الذي يحمل بحة العشق والصلابة الصعيدية:

ـ "سمعتي يا ليلى؟ سمعت الناس كيف بـ تنادي بـ اسمك؟ النجع كله بـ ينحني لـ شموخك اليوم. قلت لكِ ع أرجع، والوعد بالدم وبـ الوفاء. إنتي مكنتيش وردة لـ الزينة يا سلطانة قلبي، إنتي كنتي الشوك اللي قطع حبال مكرهم، وبـ عهدك وقوتك صبحت أنا السلطان اللي بـ يملك الدنيـا دي كلها بين يديكِ. الدار دارك، والنجع ناسك، وقاسم ع يشيلك تاج فوق راسه لـ حد قيام الساعة."

ابتسمت ليلى، ونظرت في عينيه اللتين تلمعان بالضي الخافت، وشعرت بحرارة كفه تبث الدفء في عروقها، وقالت بصوتها العميق الجهوري المليء باليقين والرومانسية:

ـ "قاسم.. النجع رجع لـ أهله لأنك إنت روحه. أنا مكنتش ع أعمل حاجة من غير نبضك اللي كان بـ يوجهني وأنا في عز العتمة وسط مرايا الخوف. بكرة الصعيد كله ع يعرف إن آل الراوي ميركعوش لـ غريب، وإن الهوية والأرض دول شرفنا اللي ع نموت دونه. الخونة أهو بـ يدوقوا الذل، والعرين صِبح مقفول في وش شياطين المنظمة ولـ وحيدهم."

عند أسفل الشرفة، كان سليم قد أشرف على تسليم المحامي وجابر لـ لجان العدالة العرفية ورجال القانون المخلصين من أبناء المديرية الذين حضروا لـ تنفيذ صكوك الإعدام القانونية والشرعية التي كشفها الصندوق الأسود من تحت تمثال الأجداد. التفت سليم نحو الشرفة، وضرب بكفه على صدره بـ ولاءٍ عسكري وأخوي خالص، ونادى بأعلى صوته:

ـ "يا سلطان! الكلاب بـ يسلموا رقابهم لـ المشنقة، وكل اسم نطق بيه المحامي الخائن من كبار البندر ع يتحاسب اليوم بـ شرع الجبل والقانون. السرايا اتطهرت، ورجالة المنظمة اللي عند سفح الجبل ع يهربوا كـ الفئران بعد ما شافوا هيبتك وعودة الأسياد!"

لوّح قاسم بيده لـ سليم ولـ جموع أهل النجع، وساد الصمت الخانق فوراً احتراماً لـ كلمته التي أصبحت صولجاناً حقيقياً يُطاع بـ المحبة والعدل. نظر إلى الحشود وقال بنبرة حاسمة تزلزل الصوان:

ـ "يا أهل النجع.. يا ناس الشرف والأصول. الخونة مكانهم السجن والذل، والأرض دي مش ع تتباع لـ الغريب واصل طول ما فينا عين بـ تطرف ودم بـ يغلي. اليوم عاد الحق لـ نصابه، والسرايا مفتوحة لـ كل غلبان وكل صاحب حق. عهد الراوي انكتب بـ الدم، والشوك ع يقطع يد كل مين يفكر يقرب من حريمنا ولا أرضنا بعد اليوم. افرحوا يا أحرار، النجع رجع لـ أسياده!"

تعالت الهتافات مجدداً بـ شدة، واختلطت أصوات الطبول بـ زغاريد النصر وعياط الفرح. جذب قاسم ليلى نحو صدره العريض بعمق، لتغيب الفواصل بينهما وسط باحة السرايا المشمسة، معلنين للعالم كله أن ملحمة التحدي قد انتهت بـ نصرٍ مؤزر، وأن عشق السلطان والوردة قد تحول إلى حصنٍ أزلي يحمي هوية الصعيد وكرامته من كل غدرٍ ومؤامرة، ليبقى نجع الراوي حراً، شامخاً..

امتزجت ألوانُ الغروب فوق نجع الراوي لترسم لوحةً سرمدية من تبرٍ ونحاس مسبوك، حيث تهادت الشمسُ الكسولة خلف قمم الجبل الشرقي، تاركةً وراءها شفقاً قرمزياً دافئاً يغسل جدران السرايا العتيقة بظلالٍ من السكينة التي طال انتظارها. كانت النسام الباردة القادمة من صوب النيل تداعب سعف النخيل الشاهق، وتحمل معها رائحة الطين المبلل، ونبت الحلفاء، وعبق القهوة المرة التي تفوح من بيوت النجع الحرة. لم يعد الصمتُ في الديار يحمل فحيح المؤامرات أو نذر الشؤم؛ بل كان صمتاً مطمئناً، صمتَ الأرض التي استردت أسيادها وتطهرت من دنس الغدر وخيانة الداخل.

في الشرفة الكبيرة للسرايا، الشرفة ذات المشربيات الخشبية المنقوشة ببراعة والتي شهدت ملاحم الصبر والانتظار، وقفت ليلى ملاصقةً لجسد زوجها "قاسم الراوي". كان قاسم يقف كطودٍ راسخ، قامته الطاغية تلقي بظلال الهيبة والوقار على الباحة السفلية، يرتدي جلبابه الصعيدي الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الذهب تنعكس عليها أشعة الشمس الآفلة. عيناه الصقريتان الحادتان كانتا تلمعان بذاك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث من البُعد الآخر، لكنه لم يعد ضياء حربٍ أو وعيد؛ بل كان ضيـاء حنانٍ عميق ويقينٍ لم تزعزعه أهوال ملوك الزمان والمكان.

طوق قاسم خصر ليلى النحيل بذراعه الفولاذية القوية، ساحباً إياها إلى صدره العريض ليلتصق جسدها به حتى ذابت الفواصل بينهما تحت وهج الغروب. كانت ليلى، "سلطانة قلبه ووردة العرين"، تبدو بجمالٍ ملوكي أخاذ بعباءتها السوداء الموشاة بالقصب، وجسدها الممشوق يستند بأمانٍ مطلق على ذاك الحصن الذي رفض أن يتبدل بملك الكون. شعرت بحرارة كفه الدافئة تسري في ضلوعها، فرفعت عينيها الواسعتين اللتين تخبئان بصيرتها التخاطرية الجديدة، ونظرت في ملامحه الحادة التي نحتتها تضاريس الشرف، وشبكت أصابعها النحيلة بأصابعه الخشنة بـ عشقٍ ناضج عُمّد بالنار ووادي المرايا، عشقٍ تحول من مجرد حبٍ غض إلى عقيدة بقاء أزلية.

تأملت ليلى النجع الممتد أمامها، حيث كانت الجلاليب البيضاء تتحرك في الدروب بسلام، والأطفال يركضون في الباحات، وصوت الطبول البعيدة يمتزج بزغاريد عفوية تحكي قصة الأمان المسترد بعد سقوط المحامي وجابر وتطهير الدار من رجال المنظمة الدولية. التفتت بوجهها نحو قاسم، وجاء صوتها عميقاً جهورياً يحمل بحّة الصعيد وعمق الوداد، وقالت بنبرة تفيض بالرومانسية الناضجة:

ـ "بص للنجع يا سلطان قلبي.. بص كيف الدار صبحت مأمنة وناسها بـ يتنفسوا الحرية بـ عودتك. جبال الصوان صبحت بـ تضحك لـ المغارب، والكلاب اللي رادوا يمحوا هويتنا ويبيعوا طيننا للغريب، صبحت جثثهم وأوراقهم المزورة تحت تراب العدالة. أنا مش ع أصدق إني واقفه في حضنك دلوك، وإني بـ أشوف الضي اللي في عيونك بـ ينور طريقي لـ وحيدي.. عهدنا كان بالدم والمواجهة، والنهاردة عهدنا صِبح هو التاج اللي بـ نحكم بيه أرضنا بـ المحبة."

انحنى قاسم نحوها، ودفن وجهه في خصلات شعرها الأسود الغجري التي تطايرت مع ريح المغربية، واستنشق شذى عطرها الذي امتزج برائحة الوفاء والشرف، ثم مرر إبهامه الخشن على وجنتها الشاحبة ليمسح مسحةً من حمرة الخجل التي زادتها حُسناً. تحدث بصوته الجهوري العميق الذي يحمل لوعة العشق وصلابة الجبل، قائلاً بلهجة صعيدية تقطر وداً وعناداً:

ـ "وعزة جلال الله وعقد الأجداد، ما كان للكون قيمة عندي وأنا ورا البوابة من غير النظرة دي في عيونك يا ليلى. الحكماء هناك عرضوا عليا صولجان الزمان والمكان، رادوا يخلوني إله في عالم وهمي وأسيبك لـ وحدك بـ تتباكي في السرايا وتواجهي مكر الخونة. بس أنا حطمت صنمهم وسحقت الصولجان بـ يدي دي، لجل ما أرجع لـ وردتي اللي شوكها حماني وأنا في عز الغربة. القوة اللي في عيني وفي عصبي دي، اتخلقت عشان تكون درع لـ شموخك. النجع رجع لـ أصحابه لأن السلطانة رفضت تنكسر، وإحنا اليوم بـ نكتب أول سطر في زمن الأمان اللي مش ع ينتهي واصل واصل."

ابتسمت ليلى، ووضعت رأسها على صدره العريض، تسمع دقات قلبه القوية المتزنة التي تحاكي نبضات قلبها، وكأنهما روحٌ واحدة انقسمت في جسدين. الرومانسية بينهما كانت تملأ فضاء الشرفة، رومانسية عنيفة في كبريائها، دافئة في احتوائها، تجعل من كل شبر في السرايا معقلاً للحصانة والوفاء.

في الباحة السفلية للسرايا، عند عتبة الديوان الكبير حيث تتوزع المقاعد الخشبية العتيقة، كان "سليم" يقف مستنداً بجسده على جدار الصوان، ماداً إحدى قدميه بـ أريحية، وسلاحه الآلي معلقٌ بـ إهمال محبب على كتفه بعد أن انتهت مهمته العسكرية في تطهير النجع وملاحقة فلول المنظمة مع رجال المديرية. كان سليم، القائد العسكري الصارم الذي غسلت وجهه معارك الجبل وتار شقيقه خالد المسترد، ينظر إلى الأعلى نحو الشرفة.

ارتسمت على وجهه الحاد، للمرة الأولى منذ سنين طويلة، ابتسامة عريضة صافية، ابتسامة نبعت من أعماق قلبه وهو يرى العائلة قد اجتمعت مجدداً تحت سقف واحد، وأن أخاه الكبير وسلطانه قد عاد لـ يملأ الدار بـ هيبته، وأن ليلى صانت العهد وأصبحت درع العرين الحقيقي. لم يعد هناك مكان للوجل أو الشك؛ فالمؤامرة الكبرى التي قادتها جوليا والسيوفي لمحو هوية الصعيد قد دُفنت في حفرة واحدة للأبد، والخونة يلقون جزاءهم وراء القضبان بـ حكم القانون وشرع الحجر.

رفع سليم رأسه ونادى بصوت قوي عميق يحمل نبرة الأخوة والفخر والولاء الصعيدي الخالص:

ـ "يا سلطان! يا ليلى! الشاي الصعيدي بـ يغلي على الجمر تحت، وكبار العائلات ع يباركوا زفة الحق بكرة في وسط الديوان. الدار صبحت مصانة، والسباع رجعت لـ عرينها، وما عاد فيه كلب يجرؤ يمد صابعه لـ حد شبر من أرضنا. اتهنوا بـ مغربيتكم يا أسياد، الصعيد كله اليوم بـ يحرس ضهركم."

لوّح قاسم بيده لـ سليم بـ دهاء ومحبة أخوية، وشاركه سليم التحية بـ ضرب كفه على صدره، ثم التفت قاسم نحو ليلى مجدداً واعتصرها بين ذراعيه الفولاذيتين..

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • وردة في عرين السلطان   نذر الزحف الغادر

    غابتْ شمسُ العصرِ خلفَ سنامِ الجبلِ الشرقيِّ الوعرِ، تاركةً وراءَها شفقاً مدمىً بـ الحمرةِ النحاسيةِ الساخنةِ، صبغَ جدرانَ سرايا آل الراوي بـ ظلالٍ من الوجلِ والترقبِ الخانقِ. كان النجعُ يعيشُ في تلك الساعاتِ على صفيحٍ ساخنٍ؛ فالهمساتُ تنخرُ في بيوتِ الطينِ عن صكوكِ ميرال السيوفي ووعودها المسمومةِ التي شقتْ صفوفَ الكبارِ. هواءُ المساءِ القادمِ من صوبِ النيلِ كان يحملُ برودةً مريبةً، غسلتْ عتباتِ السرايا الحجرية العتيقةِ بـ رائحةِ الغبارِ الرطبِ ونبتِ الحلفاءِ، ممتزجةً بـ فحيحِ مؤامرةٍ قذرةٍ كانت تُطبخُ على نارٍ هادئةٍ في دهاليزِ النفوذِ وراءَ البحارِ وفي غرفِ البندرِ المظلمةِ.في "غرفةِ المراقبةِ والاتصالِ السريةِ" القابعةِ في أحشاءِ السرايا السفليةِ، حيثُ تلتقي جدرانُ الحجرِ الصوانيِّ الأسودِ بـ التكنولوجيا الحديثةِ، كان "سليم الراوي" يقف كـ نمرٍ محبوسٍ في عرينهِ. كان يرتدي جلبابه الداكنَ المنبثقَ من سوادِ الليلِ، وعباءتهُ الشتوية الثقيلة تنسدلُ فوق كتفيهِ العريضينِ، متأهباً بـ سلاحهِ الشخصيِّ المحشوِ بـ الذخيرةِ الحيةِ. كانت الأجهزةُ اللاسلكيةُ المشفرةُ تومضُ بـ أضواءٍ حم

  • وردة في عرين السلطان   أسرار الوجار

    تسللتْ ليلى من الممرات الخلفية للسرايا كأنها طيفٌ من أطياف الجبل، تفرّ من ضجيج الفتنة الذي ملأ الباحة الخارجية بعد أن عاثت فيه ميرال السيوفي بوعودها المسمومة وصكوكها القانونية. كانت جدران السرايا الحجرية السميكة تبدو في هذا المساء كأنها تئن تحت وطأة المؤامرات التي تحاك في الظلام، بينما انقبض صدر ليلى بنيران غيرةٍ صعيدية عاتية كادت تفتت ضلوعها، ممتزجةً بتوجسٍ عميق على عرينها وزوجها. تلمست نصل الخنجر الصعيدي المستقر في حزامها بحركةٍ آلية، ونهبت الأرض بخطواتٍ رشيقـة ملوكية، متجهةً نحو القبو السفلي حيث يقع "وجار الحاجة نبيلة".عند عتبة الوجار، تلاشت أصوات النجع ليحل محلها سكونٌ مهيب تفوح في أرجائه رائحة حطب الطلح المحترق، ورائحة البخور الجاوي العتيق، وعبق القهوة البكر التي تغلي على مهلٍ فوق رماد الموقد الطيني. كان المكان يغرق في ظلالٍ برتقالية دافئة تعكسها ألسنة اللهب المرتجفة، وفي وسط هذا الركن الذي يختزل تاريخ آل الراوي بأكمله، كانت "الحاجة نبيلة" تجلس بوقارها الملكي كأنها حارسة الزمان. عباءتها السوداء الفضفاضة تنسدل حول جسدها النحيل، ويداها المجعدتان اللتان عاصرتا عهود الدم والتا

  • وردة في عرين السلطان   فحيح المؤامرة في ليل العرين

    في الجانب الشرقي القاصي من سرايا آل الراوي، حيث تقف "المضيفة القديمة" شامخةً بجدرانها المبنية من الطوب اللبن العتيق والحجر الصواني الأسود، كانت العتمة قد ضربت سياجها المحكم فوق الأرجاء، ليحل محل صخب النهار سكون مريب يقطر بمؤامرات الليل وخيانة الداخل. كانت الأجواء داخل المضيفة الفسيحة مشحونة بضباب كثيف من تبغ السجائر البندرية الفاخرة، وممتزجة برائحة القهوة المرة المغلية على مهل فوق جمر الموقد النحاسي. أنوار المصابيح الزيتية المتدلية من السقف الخشبي كانت ترتجف مع كل هبة ريح باردة تتسلل عبر النوافذ المقوسة، ملقيةً بظلال مشوهة طويلة للأجساد الجالسة بالداخل، كأنها أشباح تحيك كفن النجع في الخفاء.في صدر القاعة المفرشة بالسجاد العجمي الداكن، كانت "ميرال السيوفي" تجلس كحية رقطاء تنفث سمها بدم بارد. كانت ترتدي ثوباً مخملياً أسود يبرز قوامها الممشوق الطاغي، وتضع فوق كتفيها فرواً ناعماً ينم عن ثراء البندر ونفوذه، بينما كانت عيناها الخضراوان تلمعان ببريق الجشع والتملّك الطاغي وهي تقلب بين أصابعها المطلية باللون القرمزي صكوك الملكية وأوراق النيابة الملكية. وبجانبها كانت تجلس "فوزية" واجمة، ع

  • وردة في عرين السلطان   صكوك الماضي الأسود تفترس حاضر السلطان

    تلبدتْ سماءُ نجع الراوي بسحبٍ خريفيةٍ داكنةٍ، حجبتْ خيوطَ الشمس الآفلة ولفتْ السرايا الكبيرة برداءٍ من الغموض والتوجس، كأنَّ جدران الصوان العتيقة كانت تشعر بالزلزال الذي يوشك أن يضرب أركانها. داخل "الديوان الكبير"، كان الصمت خبراً عاتياً يربض فوق صدور الحاضرين؛ كبار العائلات وعمد القرى جلسوا على مقاعدهم الخشبية المحفورة بختم الأجداد، والوجوه التي غسلها الفخر بنصر البارحة عادت لتتوشح بالوجوم والحيرة. اختلطت رائحة التبغ الصعيدي المعتق بزفرات الصدور القلقة، وبدا بخور الجاوي المتصاعد من المباخر النحاسية كأنه دخان معركة جديدة لا تُدار بالبنادق، بل بالعهود المسمومة وكيد المدائن.في وسط هذه الأجواء المشحونة، كانت "ميرال السيوفي" تقف في بقعة الضوء الضعيفة المنبعثة من الثريا الكريستالية العتيقة. دخلت السرايا كإعصارٍ مغلف بالحرير والعطور الباريسية؛ قامتها الممشوقة الطاغية وشياكتها العالمية أحدثتا هرجاً ومرجاً لم يشهده النجع من قبل، وعيناها الخضراوان اللامعتان كأفاعي العشب كانت تشعان بثقةٍ مطلقة، ثقةِ من يملك الأرض ومن عليها بقوة صاغتها عقول غامضة وراء البحار.أمامها، وقف قاسم الراوي ك

  • وردة في عرين السلطان   الغريبة والعهد القديم

    غصَّ "الديوان الكبير" بسرايا آل الراوي بكبار النجع وعمد العائلات الصعيدية الأصيلة، الذين تقاطروا على السرايا بوجوهٍ واجمة وعيونٍ يملؤها الترقب والقلق بعد أن جرى خبر عودة فوزية ومطالبتها بـ "حقوقها القديمة" مجرى النار في الهشيم. كان الهواء داخل القاعة الفسيحة ثقيلاً، مشحوناً برائحة التبغ الصعيدي العتيق الممتزج بعبير بخور الجاوي الذي يتصاعد من المباخر النحاسية، ملقياً بظلاله ووشوشاته على الجدران الصخرية السميكة التي شهدت أحكام الدم والتار عبر العقود. جلس الشيوخ والحكماء على مقاعدهم الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، والهمسات بداخلهم لا تنقطع عن تلك "العاصفة الجديدة" التي دبت في العرين بعد ساعاتٍ قليلة من تطهيره من دنس المحامي وجابر.في صدر القاعة، وقف قاسم الراوي كعادته كـ الطود الراسخ، قامته الطاغية تفرض مهابةً سلطانية تسري في نفوس الحاضرين دون حاجةٍ للحركة. كان يرتدي جلبابه الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الفضة تنسدل على كتفيه العريضين، بينما كانت عيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث الذي ناله من البُعد الآخر، والذي كان يمنحه قدرةً على ق

  • وردة في عرين السلطان   خلخال المدائن

    تبدّلت ألوانُ المغارب فوق نجع الراوي، لتترك السماءَ مشحونةً بـ ضبابٍ رماديٍّ ثقيل امتزج بـ أنوار الفجر الجديدة، كأنَّ الأيامَ ترفضُ أن تمنحَ السرايا الكبيرة هدنةً حقيقيةً بعد ليلة الحساب الطاحنة. لم تكن أنفاسُ أهل النجع قد استقرت بعدُ في صدورهم عقبَ سقوط المحامي وجابر وتطهير العرين، حتى انشق سكونُ الباحة الخارجية عن جلبةٍ غيرِ معهودة. صريرُ البوابة الحديدية الضخمة لـ سرايا آل الراوي، تلك البوابة التي نُقشت عليها صراعاتُ العقود وخُتمت بـ دماء المخلصين، انفتح بـ قوةٍ ووقارٍ مفاجئ، محدثاً دويّاً صدى في أرجاء الجدران الصخرية السميكة.من قلب الظلال، ولجت سيارةٌ سوداء فارهة لم يألفها طينُ النجع الوعر، لتتوقف في وسط الساحة الرحبة. انفتح الباب بـ بطء، لـ تخطو إلى الأرض قدمٌ تزن خطواتُها هيبةً وتمدناً مختلفاً تماماً عن خشونة الجبل. كانت "فوزية".. ابنةُ عم قاسم التي غادرت الديار منذ سنين طويلة مع أبوها مهاجرةً صوب "مصر" (القاهرة)، حيث ذابت في كنف الحياة العصرية وانقطعت أخبارها خلف جدران البندر الصاخبة.دخلت فوزية بـ كامل قامتها الممشوقة، كأنها طيفٌ من زمنٍ آخر؛ جمالُها الصعيدي الأصيل

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status