LOGINمرّت الساعات، وبدأ النادي يفرغ من رواده.
كانت ليان قد شربت أكثر مما ينبغي، لكنها بقيت واعية لما تقوله وتختاره. وحين اقترح الرجل أن يغادرا المكان، نظرت إليه طويلًا قبل أن تجيب. «إلى أين؟» «إلى مكان أكثر هدوءًا. إذا كنتِ تريدين ذلك.» لم يقترب منها، ولم يحاول اتخاذ القرار نيابة عنها. للمرة الأولى تلك الليلة، لم تشعر ليان بأنها مطالبة بإثبات شيء. وافقت، بعد أن شربت الماء وجلست حتى استعادت اتزانها بما يكفي لاتخاذ قرارها بوضوح. غادرا معًا. وفي الخارج، كان هواء إيفورا البارد يلامس وجهيهما، فيما بدت شوارع المدينة مختلفة عن تلك التي عرفتها ليان طوال حياتها. لم تسأله عن اسمه مرة أخرى. ولم يخبرها به. كانت هناك أسئلة كثيرة، لكن كليهما اختار ألّا يطرحها. أما ما حدث بعد ذلك، فبقي بينهما، ليلة من انجذاب متبادل وقرار اتخذاه بإرادتهما، بعيدًا عن الأسماء التي ورثاها، والكراهية التي لم يعرف أحدهما أن الآخر يحملها. لم تكن ليان تعرف أنها ستندم على أشياء كثيرة في حياتها. لكنها لم تتوقع أن يكون أحدها رجلًا لم تعرف حتى اسمه. الساعة السابعة وثماني دقائق صباحًا. استيقظت ليان على ضوء الشمس المتسلل من بين الستائر. كان رأسها ثقيلًا، وذاكرتها تعيد إليها أحداث الليلة الماضية على هيئة صور متقطعة. أغمضت عينيها للحظات، ثم التفتت نحو الجانب الآخر من السرير. كان الرجل نائمًا. الشعر الأسود نفسه، والملامح الحادة نفسها، والهدوء الذي أثار أعصابها في الليلة الماضية. حدّقت فيه، ثم سحبت الغطاء إلى كتفيها. يا إلهي. ماذا فعلت؟ جلست ببطء، محاولة ترتيب أفكارها. تذكرت النادي، الحديث السخيف، ضحكتها، والطريقة التي نظرت بها إليه حين قررت المغادرة معه. لم تكن تعرف عنه شيئًا. لا اسمه، ولا عمله، ولا حتى إن كان من إيفورا أم مجرد عابر سبيل. وكان ذلك، بطريقة ما، أكثر ما أخافها. مدّت يدها نحو فستانها الملقى قرب المقعد، ثم التقطت هاتفها من الطاولة. كانت هناك رسائل لم تفتحها ومكالمات فائتة، لكن اسم جدتها ظهر في ذاكرتها قبل أي شيء آخر، فعاد الحزن يضغط على صدرها. لم تكن الليلة الماضية قد محَت شيئًا. لقد أجّلت الألم فحسب. بدأت ترتدي ملابسها بهدوء، عازمة على المغادرة قبل أن يستيقظ الرجل. لم تكن تريد تفسيرًا، ولا وداعًا، ولا وعدًا بلقاء آخر. وقبل أن تصل إلى الباب، سمعت صوته خلفها. «هل ستغادرين دون أن تقولي شيئًا؟» توقفت. كان قد استيقظ، وجلس مستندًا إلى الوسائد، ينظر إليها بعينين يقظتين تمامًا. استدارت نحوه. «وماذا تريدني أن أقول؟» «لا أعرف. أنتِ من قررتِ المغادرة بصمت.» رفعت ذقنها. «أعتقد أن هذا أفضل لنا نحن الاثنين.» لم يجادلها. اكتفى بالنظر إليها، ثم قال: «كما تشائين.» كرهت هدوءه مرة أخرى. فتحت الباب، لكنها توقفت حين سمعت صوت هاتفه يرن فوق الطاولة. ظهر اسم المتصل على الشاشة، ثم انبعث صوت الرجل من الطرف الآخر، واضحًا بما يكفي ليصل إليها قبل أن تغلق الباب. «صباح الخير، سيد الراوي. السيارة تنتظرك، والاجتماع مع مجلس العائلة في التاسعة.» تجمّدت يد ليان على المقبض. الراوي. لا. ترددت الكلمات في الغرفة، بينما بقيت ليان واقفة أمام الباب، عاجزة عن الحركة. الراوي؟ شعرت كأن أحدهم سحب الهواء من رئتيها. التفتت ببطء نحو الرجل الذي قضت معه الليلة الماضية. كان جالسًا على طرف السرير، يجيب عن المكالمة بصوت هادئ، غير مدرك أن كلمة واحدة كانت كافية لتحويل صباحها إلى كارثة. «أجّل الاجتماع نصف ساعة. سأكون هناك.» أنهى المكالمة ووضع هاتفه جانبًا. وحين رفع عينيه، وجدها ما تزال واقفة في مكانها. «هل نسيتِ شيئًا؟» لم تجبه. كانت تتأمل وجهه، وكأنها تراه للمرة الأولى. العينان الداكنتان، الملامح الحادة، تلك الثقة المستفزة التي لم تفارقه حتى وهو نصف نائم. كيف لم تتعرف إليه؟ ربما لأنها لم ترَ له سوى صور قليلة في الصحف، وربما لأنها لم تتوقع أن تلتقي وريث عائلة الراوي في نادٍ ليلي، ثم تستيقظ في سريره. «ما اسمك الكامل؟» عقد حاجبيه قليلًا. «لماذا؟» «أجبني.» استند إلى ظهر السرير، وحدّق فيها لحظة قبل أن يقول: «آدم الراوي.» أغمضت عينيها. يا إلهي. من بين ملايين الرجال، كان عليها أن تختار هذا الرجل تحديدًا! «هل هناك مشكلة؟» سأل ببرود. فتحت عينيها وحدّقت فيه. «لا. إطلاقًا.» كانت نبرتها ساخرة بما يكفي ليلاحظ ذلك. نهض آدم والتقط قميصه الأسود. «إذن لماذا تنظرين إليّ وكأنني ارتكبت جريمة؟» أرادت أن تضحك. جريمة؟ لم تكن تعرف ما إذا كان أحد أفراد عائلته قد ارتكب جريمة فعلًا، لكنها أمضت حياتها تسمع تحذيرات جدتها من ذلك الاسم. ابتعدي عن آل الراوي يا ليان. بعض الأبواب لا ينبغي فتحها مهما بدا ما خلفها جميلًا. كم مرة سمعت تلك العبارة؟ وكم مرة سألت جدتها عن السبب، فلم تحصل سوى على الصمت؟ والآن، لم تفتح بابًا فحسب. لقد أمضت ليلة كاملة خلفه. «انسَ ما حدث البارحة.» قالتها وهي تشد حقيبتها إلى صدرها. نظر إليها آدم، ثم ارتدى ساعته. «لم أكن أنوي الحديث عنه.» استفزتها إجابته أكثر مما ينبغي. «جيد.» «ممتاز.» تبادلا نظرة أخيرة، قبل أن تستدير وتغادر دون كلمة أخرى. ولم يحاول إيقافها.الفصل 43 كان الفجر قد بدأ يتسلل عبر نوافذ المستشفى حين فتح آدم عينيه. لم يكن قد نام فعلًا. كان جالسًا بجوار سرير ليان، ممسكًا بيدها منذ ساعات. تحركت أصابعها بين أصابعه. رفع رأسه فورًا. — ليان؟ فتحت عينيها ببطء، وتأملت وجهه المتعب. — ما زلت هنا؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. — يبدو أنكِ توقعتِ أن أهرب. حاولت الابتسام، لكنها تأوهت عندما تحركت. اعتدل آدم فورًا. — لا تتحركي. — آدم، أنا بخير… نظر إليها نظرة صارمة. — أنتِ في العناية المركزة، يا ليان. لا تختبري صبري. همست: — حتى هنا تريد إصدار الأوامر؟ اقترب منها، وأبعد خصلة شعر عن جبينها. — خصوصًا هنا. ثم انخفض صوته. — لقد أخفتِني. تأملت عينيه. لم تعتد سماع مثل هذه الكلمات منه. — أنا آسفة… تغيرت ملامحه. — لا تعتذري عن شيء لم يكن ذنبكِ. انحنى وقبل جبينها برفق. — المهم أنكِ عدتِ إليّ. بعد يومين، تحسنت حالة ليان بما يكفي لنقلها إلى غرفة خاصة. أصر آدم على أن تكون الغرفة هادئة وبعيدة عن الصحافة، وأن تُنظم الزيارات وفق رغبتها وتعليمات الأطباء. كانت روز تزورها صباحًا، بينما تأتي سيلين كل مساء محملة بالزهور والحكايات
الفصل 42 ظل آدم يحدق في الرجل الجالس أمامه. — الأبواب الثلاثة؟ ابتلع الخاطف ريقه. — هذا كل ما سمعته، أقسم لك. اقترب آدم منه، ووضع يديه على طرف الطاولة. — من الذي قال ذلك؟ — الرجل الذي كان يعطينا التعليمات. — اسمه؟ — لا أعرف. لمعت عينا آدم بغضب مكبوت. — هل تتوقع مني أن أصدق أنكم اختطفتم امرأة وعذبتموها دون أن تعرفوا من يدفع لكم؟ ارتجف الرجل. — كنا نتلقى المال والأوامر. لم نرَ وجهه. استقام آدم ببطء. — إذن ستساعدني في الوصول إليه. أشار إلى دانيال. — احتفظوا بالهواتف وكل ما يتعلق بالرسائل. أريد أن يعرف المحققون مصدرها. ثم التفت إلى الخاطف للمرة الأخيرة. — إذا حدث لها شيء، فلن أنسى وجه أي واحد منكم. غادر الغرفة دون انتظار إجابة. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما وصل آدم إلى المستشفى. لم يبدل قميصه الملطخ بالدماء. ولم يهتم بنظرات الموظفين الذين تعرفوا إليه. كان دانيال يسير خلفه عندما توقفت ممرضة أمامهما. — السيد الراوي؟ — كيف حالها؟ — لا تزال تحت المراقبة الدقيقة. الطبيب يريد التحدث إليك. دخل آدم إلى غرفة صغيرة حيث كان الطبيب ينتظره. — أجرينا الفحوصات، وت
الفصل 41 في الغرفة المعتمة، سمعت ليان صوت محرك سيارة يتوقف بالخارج. ثم أصوات رجال يتجادلون. — الراوي لم يرد على الرسالة! — سيجيب عندما يرى الصورة التالية. ارتجفت ليان. اقتربت من الباب قدر ما سمحت به قيودها. سمعت رجلًا يقول: — لدينا أوامر بنقلها قبل الفجر. تراجعت ببطء. نقلها؟ إلى أين؟ حاولت تحريك معصميها مجددًا، لكن الألم جعلها تتوقف. ثم سمعت صوتًا آخر، أكثر حدة: — انتظر. هناك سيارات تقترب من الطريق. ساد صمت مفاجئ. تبعته خطوات مسرعة. وانطفأ الضوء أسفل الباب. رفعت ليان رأسها. كان قلبها يخفق بعنف. لم تعرف إن كان القادمون رجال الشرطة… أم أن خاطفيها يستعدون لنقلها إلى مكان أسوأ. وفي الخارج، على الطريق المؤدي إلى المستودعات القديمة، توقفت سيارة سوداء تتبعها أربع سيارات أخرى. نزل منها آدم الراوي. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وملامحه جامدة بصورة مخيفة. اقترب رئيس حراسته. — سيدي، تأكدنا من وجود ثلاثة رجال في الداخل. وهناك سيارة جاهزة خلف المبنى. نظر آدم إلى المستودع. — والفتاة؟ — في إحدى الغرف الشرقية، وفق ما استطعنا تحديده. خلع آدم ساعته ووضعها في جيبه. — أريده
الفصل 40 كان صوت آدم منخفضًا، ثابتًا، لا يشبه صوت رجل فقد السيطرة. بل صوت رجل اتخذ قرارًا. — دانيال. — نعم، سيدي؟ — أخبر المفتش بكل شيء. وأريد كل تسجيل يمكن أن يحدد اتجاه خروجهم. ثم أضاف وهو يتجه نحو الباب: — لن أسمح لهم باستخدامها لإجباري على شيء. وسأعيدها إلى هنا. لم يكن يعلم أين أخذوها. ولا ماذا يريدون منه بعد. لكنه كان يعرف أمرًا واحدًا. أن الرجال الذين اختطفوا ليان مراد لم يدركوا بعد أي عاصفة أيقظوها. لم يسبق لدانيال أن رأى آدم الراوي بهذه الحالة. كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، يحدق في صورة ليان على هاتفه، بينما انعكست أضواء إيفورا على وجهه الجامد. لم ينطق بكلمة منذ مغادرته الشركة. لكن يده كانت تقبض على الهاتف بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. — سيدي، الشرطة وصلت إلى الفندق، قال دانيال بحذر. — ونورا؟ — بخير. أصيبت بخدوش بسيطة، وهي تدلي بإفادتها الآن. أغمض آدم عينيه لحظة. كان يتذكر آخر رسالة من ليان. «ولهذا أثق بكِ.» كتبها لها صباحًا. والآن كانت مقيدة في مكان مجهول. فتح عينيه. — أريد أن أعرف كيف خرجوا بها من الفندق رغم وجود الحراس
الفصل 39 مرّ يومان على الرسالة الأخيرة. يومان لم يحدث فيهما شيء غير مألوف. لم تصل صور مجهولة، ولم تظهر سيارات سوداء قرب الفندق، حتى إن رجال الحراسة أكدوا أن الطرق المحيطة بالقصر بدت هادئة. لكن آدم الراوي لم يكن رجلًا يطمئن إلى الهدوء بسهولة. كان يعرف أن بعض العواصف لا تعلن قدومها. في الثامنة صباحًا، دخلت ليان غرفة الطعام، فوجدت آدم جالسًا أمام حاسوبه، وإلى جانبه فنجان قهوة لم يمسّه. اقتربت منه. — صباح الخير. رفع عينيه. — صباح الخير. نظرت إلى الفنجان، ثم إلى وجهه. — هل نمت أصلًا؟ — قليلًا. جلست مقابله. — آدم، أنت لا تستطيع إدارة إمبراطورية كاملة والتحقيق في جريمة عمرها عشرون عامًا ومراقبة حياتي في الوقت نفسه. أغلق حاسوبه. — أستطيع إدارة أول أمرين بسهولة. رفعت حاجبها. — والثالث؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. — الثالث عنيد بصورة غير معقولة. ضحكت ليان. — مسكين أنت. مد يده نحو فنجانها، وأبعده قليلًا قبل أن تشرب. — تناولي إفطارك أولًا. نظرت إليه باستنكار. — أنت تستمتع بإزعاجي، أليس كذلك؟ — أكثر مما تتصورين. في فندق مونتيفيردي، بدأت أعمال الترميم تظهر نتائجها أخي
الفصل 38 ثلاث كلمات فقط: «مريم لم تمت» ظلت الكلمات الثلاث معلقة أمام عيني ليان، بينما استمر صوت آدم في الهاتف. — ليان! أجيبيني. ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوت مضطرب: — هناك سيارة سوداء أمام الفندق… والشخص الذي بداخلها يحمل صورة لي وأنا طفلة. ساد صمت قصير. — هل أنتِ وحدكِ؟ — نورا وهنري بالقرب مني، والحارس عند المدخل. — أعطي الهاتف للحارس. الآن. رفعت ليان عينيها نحو السيارة. كان زجاجها يرتفع ببطء. ثم تحركت مبتعدة عن الرصيف. — لقد غادروا. — لا تتحركي من مكانكِ. — آدم، أعتقد أنهم يحاولون إقناعي بأن أمي… توقفت. لم تستطع إكمال الجملة. جاء صوته أكثر هدوءًا: — ليان، اسمعيني جيدًا. نحن لا نعرف متى التُقطت تلك الصورة، ولا من كتب التاريخ خلفها. أغمضت عينيها. — أعرف. لكنها لم تكن تعرف كيف تمنع قلبها من التعلق باحتمال مستحيل. كانت في الرابعة عندما ماتت والدتها. لم تتذكر وجهها بوضوح، لكنها تذكرت رائحة عطرها، وصوتها وهي تغني لها قبل النوم. وتذكرت جدتها نادية، التي لم تكذب عليها يومًا بشأن موت مريم. كانت تقول لها دائمًا إن أمها رحلت في الحريق، وإن الحب الذي تركته خلفها لن يرحل.