Share

الفصل السادس

last update publish date: 2026-03-23 00:31:41

ثمن الإخلاص

نظر فيليبون إلى كانديس بتقدير عميق، وكأنه يرى فيها الأمانة التي افتقدها في أقرب المقربين إليه. سحب دفتر شيكاته الخاص، ووقع بخط يده الرصين على مبلغ لم تكن كانديس تحلم به حتى في خيالها الجامح.

فيليبون وهو يمد الشيك نحوها بوقار): "هذه ليست مجرد مكافأة يا كانديس، بل هي عربون تقدير لإخلاصكِ وذكائكِ. لقد وفرتِ على الشركة خسائر كانت ستستمر لسنوات بسبب تلاعب روبلت. خذيها.. أنتِ وعائلتكِ تستحقون حياة تليق بجهدكِ."

كان المحامي راشفورد يراقب تسليم الشيك بصمت، وعيناه لا تفارق الأرقام المكتوبة عليه، مدركاً أن كانديس لم تعد مجرد موظفة حسابات بسيطة، بل أصبحت "صاحبة حظوة" عند الرجل الكبير.

كانديس بذهول ممزوج بالامتنان: "سيد فيليبون.. هذا كثير جداً، أنا فقط قمت بواجبي تجاه العمل الذي اؤتمنتُ عليه."

فيليبون بابتسامة دافئة: "الواجب في زماننا هذا أصبح عملة نادرة، وما فعلتِهِ يستحق أكثر من ذلك. اذهبي الآن إلى عائلتكِ، واجعلي هذا المساء احتفالاً ببداية عصر جديد لكِ."

خرجت كانديس من المكتب والشيك بين يديها، تشعر أن الأرض لم تعد تسعها من الفرحة. كانت تفكر في وجه أمها برناديت وشقيقتيها كريستين وكريستينا عندما تخبرهن أن أيام العوز قد ولت إلى غير رجعة.

كانت كانديس تسير في الممر الطويل المؤدي إلى البوابة الخارجية، والشيك الثمين مخبأ في حقيبتها كأنه كنز وطني، وعيناها تلمعان بدموع فرح مكبوتة. وفي تلك اللحظة، انفتح الباب الزجاجي الكبير ليدخل مارك بهيبته المعتادة كأنه إمبراطور شاب.

كان شعره الأشقر يلمع تحت أضواء الردهة، وعيناه الزرقاوان، الصافيتان كبحرٍ عميق، تحملان نظرة ثاقبة تجمع بين الحزم واللطف. عندما وقعت عيناه على كانديس، تبدلت تلك النظرة الجادة إلى لمعة إعجاب واضحة.

توقف مارك عندما رأى كانديس. لاحظ فوراً تلك المسحة من الفخر والاضطراب الجميل على وجهها. لم يمر بجانبها مرور الكرام، بل وقف أمامها تماماً، لتقف هي الأخرى وكأن القدر قد وضع حاجزاً من نور بينهما.

مارك بابتسامة ساحرة تخترق القلوب): "آنسة كانديس! تبدو ملامحكِ وكأنكِ خرجتِ منتصرة من معركة كبرى. هل أستطيع أن أبارك لكِ على شيء ما؟"

كانديس وهي تحاول استجماع ثباتها): "سيد مارك.. نعم، لقد كان يوماً طويلاً وحافلاً بالحقائق. السيد فيليبون كان كريماً جداً معي بعد أن كشفتُ له بعض الثغرات المالية."

اقترب مارك خطوة واحدة، وخفض صوته قليلاً بنبرة دافئة: "لقد سمعتُ ما حدث في الداخل.. خبر كشفكِ لـ روبلت انتشر في أروقة الإدارة كالبرق. لم تكتشفي مختلساً فحسب يا كانديس، بل أثبتِّ أنكِ الجوهرة التي كان يفتقدها هذا المكان. أنا فخور جداً بأنني كنت أول من لاحظ نبوغكِ."

نظرت كانديس في عينيه، ولأول مرة لم تشعر بـ "الرئيس التنفيذي للمجموعة المتحدة"، بل شعرت بـ مارك الإنسان؛ الرجل الذي يبحث عن الصدق في عالم مليء بالأقنعة.

مارك متابعاً: "بما أنكِ اليوم بطلة الشركة، هل تسمحين لي أن أقوم بإيصالكِ؟ أو ربما نحتفل بهذا النجاح بفنجان قهوة بعيداً عن ضجيج الأرقام ؟"

ترددت كانديس للحظة، وهي تفكر في عائلتها التي تنتظرها، لكن نبض قلبها كان يهمس لها بأن هذه اللحظة مع مارك هي بداية لقصة لن تمحوها الأيام.

توقفت كانديس، وشعرت بارتباك غريب أمام هذا الشاب الذي يمتلك كل شيء: الوسامة، السلطة، والنجاح في سن مبكرة.

كانديس بنبرة هادئة): "شكراً لك يا سيد مارك. ما قمتُ به هو واجبي، والنتائج هي التي تتحدث عن نفسها."

مارك (وهو يميل برأسه قليلاً، وعيناه الزرقاوان تلاحقان ملامحها): "في عالمنا هذا، الكثيرون يؤدون واجبهم، لكن القليلين يمتلكون شجاعتكِ. كانديس.. أنتِ لستِ مجرد موظفة بارعة، أنتِ ظاهرة استثنائية في هذه الشركة."

بعد مغادرة كانديس، ساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه مارك

وقف الشاب ذو الشعر الأشقر أمام مكتب فيليبون، وعيناه الزرقاوان تحملان تساؤلاً لم يعد قادراً على كتمانه.

مارك بنبرة هادئة ولكنها فضولية): "سيد فيليبون.. هذه الفتاة، كانديس، ليست مجرد موظفة حسابات عادية، أليس كذلك؟ هناك شيء في حضورها، وفي ذكائها الحاد، يوحي بأنها تنتمي لمكانٍ أرقى من مجرد مكاتب التدقيق."

تنهد فيليبون بعمق، ونظر إلى مارك نظرة الأب الذي يخشى على سره، ثم أجاب بصوتٍ رخيم: "أنت لماح يا مارك، وهذا ما يجعلك رئيساً تنفيذيًا ناجحاً في الخامسة والعشرين. كانديس هي موظفة قديرة في قسم الحسابات واني افكر ان اقوم بترقيتها الى مديرة تنفيذية في قسم الحسابات .

مارك :لكن يا سيد فيليبون، لماذا تضعها في مصنع الغزل؟ فتاة بمثل ذكائها وجمالها، ومثل هذا التشابه المرعب الذي ألاحظه في نظراتك لها.. ألا تستحق مكاناً في الإدارة العليا للمجموعة ؟"

هنا تدخل المحامي راشفورد: "سيد مارك، العاطفة في العمل قد تكون مفسدة. الآنسة كانديس تحتاج للتدرج، ووضعها في المصنع كان قراراً مدروساً لحمايتها.. ولحماية ملفاتنا أيضاً."

******

بعد أن غادر مكتب فيليبون، سار مارك في الممر المؤدي إلى سيارته الفاخرة، كانت خطواته سريعة كعادته، لكن عقله كان عالقاً هناك.. عند تلك النظرة الثاقبة والملامح التي تجمع بين القوة والبراءة.

توقف قليلاً أمام النافذة الكبيرة المطلة على ساحة الشركة، رأى طيف كانديس وهي تغادر البوابة البعيدة. لم يستطع منع ابتسامة خفيفة من الارتسام على وجهه، وهس بكلمات لم يسمعها أحد غير قلبه:

مارك (يهمس لنفسه بعينين يملؤهما الإعجاب): "اه كانديس.. انت رائعة! لم أرَ في حياتي اسماً يطابق صاحبه بهذا القدر من السحر. ذكاءٌ يربك العقول، وجمالٌ يبعثر الأوراق.. يبدو أن الأيام القادمة لن تكون مجرد صفقات وأرقام يا مارك."

عدّل ياقة سترته، وشعر بنبضات قلبه تتسارع لأول مرة منذ سنوات. لقد أدرك في تلك اللحظة أن "المجموعة المتحدة" وكل شركاتها لم تعد تعنيه بقدر ما يعنيه اكتشاف سر تلك الفتاة التي هزت كيان إمبراطورية فيليبون في يوم واحد.

مشهد: طيف "الأشقر" في مكتب الحسابات

وفي صباح اليوم التالي عادت كانديس إلى مكتبها الصغير، لكن الجدران التي كانت تبدو لها ضيقة بالامس، بدأت الآن وكأنها تتسع لأحلام جديدة. جلست على كرسيها الخشبي، وضعت حقيبتها التي تحوي الشيك والمكافأة جانباً، لكن عقلها لم يكن يفكر في المال، بل كان يعيد عرض تلك اللحظة التي التقت فيها عيناها بعيني مارك الزرقاوين. هذا اللقاء الذي انساها حتى فرحتها بالمكافاة واخبار والدتها بذلك لقد نسيت حقا اخبار عائلتها بتلك المكافاة.

سندت رأسها على كفيها، وأخذت نفساً عميقاً وهي تسترجع ملامحه؛ شعره الأشقر الذي بدا كخيوط الشمس، وطريقته الواثقة في الحديث رغم أنه لا يكبرها إلا بسنوات قليلة.

كانديس تهمس لنفسها بذهول): "مارك.. الرئيس التنفيذي للمجموعة المتحدة بنفسه! لم أكن أتخيل أن صاحب هذا النفوذ يمتلك كل ذلك اللطف.. وتلك النظرة. كيف لرجل في الخامسة والعشرين أن يحمل كل هذه الهيبة والجمال في آن واحد؟"

نظرت إلى دفاتر الحسابات المفتوحة أمامها، فبدأت الأرقام تتراقص وتتشكل لتشبه ملامحه. أحست أن لقاءها به لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل هو منعطف سيغير مجرى حياتها تماماً كما فعل كشفها لـ روبلت.

كانديس متابعةً حديثها الداخلي: "هل حقاً كان يقصد ما قاله؟ هل يرى فيّ حقاً شيئاً مختلفاً، أم أنه مجرد بروتوكول الرؤساء؟ لكن عينيه.. عينيه لم تكن تكذبان."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل السادس والثلاثون والاخير

    عرس عصر الثروة في كبرى قاعات المدينة، حيث تحولت الأعمدة الرخامية إلى مرايا تعكس بريق الأمل، زُفت كانديس إلى مارك في ليلةٍ لم تشهد الذاكرة لها ضريباً.كانت كانديس ترفل في ثوبها الأبيض الناصع، كأن بياضه قد غسل أدران السنوات، ومحا كل سواد الفيديوهات المصطنعة التي حاولت يوماً تدنيس طهرها. أما مارك، فقد استردَّ هيبته المعهودة، بيد أن نظراته هذه المرة لم تكن تشي بسطوة الانتقام، بل كانت تلمع بدموع العرفان والوجد.وسط المحفل، وقف الضابط لوكاس والمحققة كريستينا كحارسين لهذا العقد المقدس، يتبادلان نظرات الظفر؛ فالثمرة التي غُرست بمرارة التحقيق والبحث عن الحقيقة، تُجنى اليوم في محراب الزواج.تقدم مارك، وأمسك يد كانديس أمام الحشود التي حبست أنفاسها، وهتف بصوتٍ رصين هزَّ جنبات القاعة:اليوم، وأمام ملكوت الله وشهادة الناس، أعلنُ أن ثروتي الحقيقية لا تحصيها المصارف، بل تكمن في هذه المرأة التي صمدت في وجه العواصف العاتية حتى آبت إلى دارها عزيزةً مكرمة , وداعاً للأحزان التي أكلت أعمارنا، وأهلاً بحياةٍ تبدأ بكِ.. وتنتهي إليكِ.الحدث المشوق: الرسالة الأخيرة:وف

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الخامس والثلاثون

    نداء الدم والوفاء اقتحمت كريستينا مكتب كانديس، بيد أنها لم تحمل هذه المرة ملفاتٍ أو أدلة، بل حملت صوتاً يتهدج بالرجاء.دنت من كانديس الجالسة خلف مكتبها بجمودٍ صخري، وقبضت على يدها بحنانٍ قائلة بنبرةٍ زلزلت أركان الردهة:يا حبيبتي كانديس.. أصغي إليّ جيداً وانبذي كبرياءكِ جانباً ولو لبرهة, مارك ليس في قصره الفخم، ولا خلف أرقام صفقاته.. إنه يحتضر روحياً في منزلٍ متواضع، ينهشه الندم والوحدة. ثم اخذت نفسا عميقا واكملت:اذكري قبل كل عتب، وقبل كل ضغينة، مواقف مارك النبيلة.. اذكري دماءه التي جرت في عروق والدتنا لتمنحها الحياة حين تبرع لها بكل حب. إنه بحاجة إليكِ أنتِ.. دونكِ العالم أجمع.تغرورقت عيناها بالدموع وأكملت: أرجوكِ.. هو الرجل الذي أحببتِ، وهو الذي ظُلِم كما ظُلِمتِ, اذهبي إليه وأعيديه للحياة.. فلا تقتليه بجفاكِ مرتين.تجمدت كانديس، وبدأت ملامحها الحديدية تتفكك أمام ذكرى تلك الدماء التي وهبها مارك لأمها، واستشعرت غصةً في حلقها مدركةً أن عصر الثروة هباءٌ منثور أمام فقدان روحٍ كانت هي كل عالمها.مشهد: اللقاء في المنزل المتواضع.. عودة الروح:بأثوابها البسيطةِ التي تحاكي أيامَ صباها ا

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الرابع والثلاثون

    الهروب الى الذاتالمشهد: عاصفةُ الحقيقة:في مكتبها الفاخر، كانت كانديس تحاولُ لملمةَ شتاتِ روحها المبعثرة، ترتشفُ قهوتها المرةَ وتراقبُ شاشاتِ البورصةِ التي بدأت تستقرُّ بعد وفاة سيلين. فجأةً، اخترقَ صوتُ السكرتيرةِ حاجزَ الصمتِ بنبرةٍ متهدجة:سيدتي كانديس.. السيدُ مارك بالباب، ويرجو مقابلتكِ لأمرٍ هام. تسمرت كانديس في مكانها، وسرت برودةٌ ثلجيةٌ في أطرافها وضعت الفنجانَ، لكنَّ اصطدامهُ بالخزفِ فضحَ ارتعاشَ يدها الموؤود. تساءلت في سرها بمرارة:أجاءَ لينتقم؟ أم ليشنَّ حرباً جديدةً على رمادِ الماضي؟.استعادت قناعَ السطوةِ الحديدي، وقالت برزانةٍ خادعة:ليدخل .دخل مارك بخطىً مثقلةٍ بالهمومِ والندم، وجلسَ حيالها وعيناهُ تنطقانِ باعتذارٍ عجزت الشفاهُ عن صياغته.لم يطل الانتظار، إذ هدرَ صوتهُ بمرارةِ الحقيقةِ الصادمة:جئتُ يا سيدة كانديس لأردَّ إليكِ حقكِ الذي سلب منك.. ثم اخذ نفسا عميقا وقال: - أنتِ بريئة. بريئةٌ من كلِّ زيفٍ نُسبَ إليكِ. لقد حاكَ المؤامرةَ 'فرانك' بتحريضٍ من والدك 'لـوسـيان غـريمـو'، وكلاهما الآن بين يديَّ ربهما. لقد كانت لعبةً قذرة، وكنتِ أنتِ الضحيةَ الوحيدة.ثم أفض

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثالث والثلاثون

    الفصل الرابع والثلاثوننداء الضميردخل مارك مكتبَ المحققةِ كريستينا بسكونِ المقابر، والملفُّ "الصاعق" يرتجفُ بين يديه. وضعهُ فوقَ الطاولةِ المهيبةِ كأنهُ يضعُ عبءَ سنينَ من العذاب، وقال بنبرةٍ متهدجة:سيدة كريستينا.. آنَ لهذا الملفِّ أن يُطوى بالحق , أغلقي ملفَّ حرقِ شركتي، فالفاعلُ لم يكن سوى لـوسـيان غـريمـو؛ هو ذاتهُ من قتلَ 'فرانك' ليقبرَ السر، وهو من حاكَ خيوطَ تلك الفيديوهاتِ المزيفةِ لتمزيقِ الأرواح.ثم استطردَ وعيناهُ تفيضانِ بالندم:كانديس بريئةٌ يا كريستينا.. بريئةٌ من كلِّ تهمةٍ لطخت سمعتها، ومن كلِّ خيانةٍ توهمتها أنا في لحظةِ ضعفٍ وعمى بصيرة.بعد تدوينِ الاعترافِ الذي زلزلَ جدرانَ المكتب، استوقفتهُ كريستينا بحزمِ القاضي وحنوِّ الأخت، وقالت:مارك.. هذه الأوراقُ تمنحُ البراءةَ القانونيةَ فحسب، لكنها لا تداوي جراحَ القلوبِ الغائرة. اذهب إليها.. أخبرها بنفسكَ أنكَ أخطأتَ في حقِّ طهرها؛ فهذا هو السبيلُ الوحيدُ لكي تتحررَ من سجنِ ندمكَ الذي تضيقُ به جدرانُ صدرك.سادَ صمتٌ ثقيلٌ في أرجاء المكتب، كأنَّ الزمانَ قد توقفَ ليرقبَ هذه اللحظةَ التاريخية. نظر مارك إلى عيني كريستينا بنظر

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثاني والثلاون

    وداع الغفرانتبدلت ملامحُ وجهها، واستأذنت بكلماتٍ مقتضبةٍ قبل أن تنسحبَ مسرعةً من الغرفة، لف الأبواب الموصدة لغرفة التحقيق، وفي ممرٍ جانبيٍّ بارد، كانت كريستينا تضعُ الهاتفَ على أذنها، وصوتُ كانديس يأتيها عبر الأثير مثقلاً بالعتاب المر:- لماذا فعلتِ ذلك يا كريستينا؟ لماذا نكثتِ بالعهد؟ لقد أعطيتُ سيلين وعداً بأنني لن أكون السوط الذي يجلدها، وأنني سأترك حسابها لعدالة السماء.. كيف طاوعكِ قلبكِ على إبلاغ السلطات وقد تعهدتُ أنا بالصفح؟ابتلعت كريستينا ريقها بصعوبة، وقد تلعثمت الكلماتُ في جوفها؛ فبينما كانت تظن أنها تؤدي واجباً، كشفت كلماتُ كانديس عن هوةٍ سحيقةٍ بين "نبل الضحية" و"تسرع الصديقة". وقف الضابط لوكاس قريباً منها، يراقبُ تبدل ملامحها، مدركاً أنَّ الاتصال لم يكن مجرد خبر، بل كان إدانةً أخلاقيةً وضعت كريستينا في موقفٍ لا تُحسد عليه.. ****في تلك اللحظة التي تهاوت فيها الأنفاس، بدأت حالة سيلين تتردى، وكأنَّ جسدها لم يعد يحتمل ثقل الأسرار التي أخفتها لسنوات. سحبت نفساً مثقلاً بالوجع، وقالت بنبرةٍ تشبه حفيف الأشجار الذابلة:- مارك.. أصغِ إليّ بكلِّ كيانك، فما عادَ في العمرِ متسع

  • وشم الفقر على الذهب    الفص الواحد والثلاون

    السقوط الاخيربينما كانت كانديس تهمُّ بالانصراف بخطىً واثقة تداري خلفها كبرياءها المثخن، انفتح الرتاج بعنف لتطلَّ سيلين؛ شاحبةً كالموت، وقد انطفأ من عينيها بريق الظفر ليحل محله ذعرٌ مستعر.لم تلتفت لـ كانديس، بل كان بصرها شاخصاً نحو مارك، وهتفت بصوتٍ واهن يرتجف:ماذا تبغي هذه المرأة منك يا مارك؟ أما استكفت بما أذاقتنا من مرارة؟ ألم..لم يسعفها زفير رئةٍ أكلها الداء؛ فخانتها أنفاسها، وتلاشت قواها لتهوي مغشياً عليها فوق السجادة الفاخرة، أمام ذهول كانديس وصدمة مارك الذي انتفض كالمذعور.في تلك اللحظة، سقطت الأسهم وتهاوت الإمبراطوريات، ولم يبقَ إلا جسدٌ يصارع الفناء ورجلٌ يصرخ باسم زوجته يستجدي منها البقاء.****في مكتبها الفاخر داخل مقر المجموعة، لم يكن للكرسي المخملي الوثير أن يمنح سيلين الراحة التي تنشدها. كانت تجلسُ ببدنٍ مرتخٍ، وقد بدا عليها الشحوبُ جلياً بعد نوبةِ المرضِ العنيفة التي اجتاحت جسدها قبل ساعة، تاركةً إياها كغصنٍ جفّ ماؤه.وسط ذلك السكون، وفي عمق الوجع، استيقظ داخلها صوتٌ كتمته طويلاً.. صوت الضمير. نظرت إلى مارك القابع أمامها، وبدأت ملامحُ وجهها تتغير؛ لم يعد الخوف من ا

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثامن

    شجاعة كانديسوصلت سيارة الشركة الفاخرة إلى الحي المتواضع، فتوقفت أمام باب منزل كانديس الذي كان يضج بالقلق. ترجلت كانديس والدموع في عينيها، لتجد شقيقتيها كريستين وكريستينا في حالة ذعر عند المدخل.كانديس بصوت حازم رغم الألم): "لا وقت للبكاء الآن! كريستينا، ساعديني في حمل أمي.. السيارة بانتظارنا بالخا

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل السابع

    شهادة الحقبينما كانت كانديس غارقة في أفكارها عن لقاء مارك، دخل السيد جاك بخطواته الهادئة ووجهه الذي تركت عليه السنون علامات الوقار. وقف أمام مكتبها، ولم تكن ملامحه تحمل الجدية المعتادة، بل كانت تفيض بابتسامة فخر أبوي.السيد جاك بصوت يملؤه الامتنان لقد رفعتي راسي عاليا بالأمس أمام السيد فيليبون وا

  • وشم الفقر على الذهب    البارت الرابع

    هيبة السلطة وشرارة الإعجاب كان صباحاً باريسياً مشرقاً، وأصوات الماكينات في مصنع الغزل والنسيج تعزف لحنها اليومي المعتاد. دخلت كانديس إلى قسم الحسابات، وبدأت بترتيب دفاترها تحت نظرات السيد جاك الصارمة.وبينما كانت كانديس تراجع بعض الفواتير المعقدة مع السيد جاك، دخل رجل يحيط به هدوء الواثقين، ي

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الخامس

    فخ الأرقام كانت شمس باريس تتسلل عبر الستائر المخملية لترسم خطوطاً ذهبية على طاولة الاجتماعات. وقف المحامي راشفورد بجانب النافذة يراقب الأوراق ببرود، بينما جلس فيليبون خلف مكتبه، وعيناه الخضراوان يغلفهما غموض غريب. دخلت كانديس حاملةً دفاتر الحسابات الضخمة، كانت خطواتها ثاب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status