مشاركة

الفصل السابع

last update تاريخ النشر: 2026-03-23 12:51:56

شهادة الحق

بينما كانت كانديس غارقة في أفكارها عن لقاء مارك، دخل السيد جاك بخطواته الهادئة ووجهه الذي تركت عليه السنون علامات الوقار. وقف أمام مكتبها، ولم تكن ملامحه تحمل الجدية المعتادة، بل كانت تفيض بابتسامة فخر أبوي.

السيد جاك بصوت يملؤه الامتنان لقد رفعتي راسي عاليا بالأمس  أمام السيد فيليبون والمحامي راشفورد.

أمانتكِ وذكاؤكِ لم ينقذا الشركة من مختلس كـ 'روبلت' فحسب، بل أعادا الهيبة لقسم الحسابات الذي أتشرف برئاسته."

وقفت كانديس احتراماً له، وقالت بتواضع: "سيد جاك، أنت من علمتني أن الرقم لا يكذب أبداً، وأنا فقط طبقت ما تعلمته منك ومن والدي."

السيد جاك مكملاً بتأثر): والدكِ 'رينيه' كان سيفتخر بكِ جداً لو رآكِ اليوم وأنتِ تضعين النقاط على الحروف.

اعلمي أن طريق الأمانة صعب، لكن ثمرته باقية.. والمكافأة التي نلتِها هي مجرد بداية لما ينتظركِ من نجاح."

ثم اقترب قليلاً وهس بنبرة نصيحة: "لكن كوني حذرة.. فكشف رؤوس كبيرة مثل روبلت يجعل الأعين تلتفت إليكِ، وليس كل الأعين تحمل ود السيد فيليبون أو إعجاب السيد مارك."

بينما كانت كانديس تلملم أغراضها والابتسامة لا تفارق محياها وهي تفكر في لقاء مارك وكلام السيد جاك، رنّ هاتفها بشكل متواصل وحاد، وكأن الرنات تحمل أنفاساً مضطربة.

نظرت إلى الشاشة، فإذا هو اسم شقيقتها الصغرى كريستينا انقبض قلبها فجأة، فكريستينا لا تتصل في هذا الوقت إلا لأمر جلل.

كانديس بلهفة وقلق): أهلاً كريستينا.. ما الأمر؟ لماذا تتصلين الآن؟"

جاءها صوت كريستينا مخنوقاً بالدموع، ترافقه أصوات نحيب خافتة في الخلفية: "كانديس.. أرجوكِ عودي فوراً! أمي.. أمي برناديت سقطت فجأة، وجهها شاحب جداً ولا تستطيع الكلام.. نحن خائفات جداً ولا نعرف ماذا نفعل!"

تجمدت الدماء في عروق كانديس، وسقطت الأوراق من يدها على المكتب. تلاشت صورة مارك وصورة الشيك، ولم يبقَ أمام عينيها إلا وجه أمها الصبورة التي تحملت مرارة الفقر لسنوات.

كانديس (بصوت يرتجف وهي تسرع نحو الباب): "كريستينا! اسمعيني جيداً.. لا تتركيها وحدها، حاولي تدفئتها.. أنا قادمة الآن، سأكون عندكم خلال دقائق. تمسكي بالقوة يا أختي، أنا قادمة!"

خرجت كانديس تركض في ممرات الشركة، لم تعد ترى أحداً، كانت دموعها قد بدأت تشق طريقها على وجنتيها. في تلك اللحظة، شعرت أن كل أموال العالم لا تساوي لحظة ألم تعيشها والدتها.

عادت كانديس لتقرع باب مكتب فيليبون مرة أخرى، لكنها لم تكن تلك الفتاة الواثقة التي خرجت بالامس. بل كانت أنفاسها متهدجة، وعيناها اللتان كانت تلمعان بالذكاء، تغرورقان الآن بدموع القلق والخوف.

كان فيليبون جالساً في تلك اللحظة مع المحامي راشفورد يراجعان بعض الأوراق، وعندما رأى حالتها، وقف فزعاً من خلف مكتبه.

فيليبون بنبرة قلقة): "كانديس! ما بكِ ؟ ماذا حدث؟ لقد خرجتِ منذ دقائق وأنتِ في قمة نجاحكِ!"

كانديس بصوت متقطع يغلبه البكاء): "سيد فيليبون.. أعتذر بشدة عن الإزعاج، لكنني تلقيت اتصالاً من شقيقتي.. أمي برناديت سقطت مريضة فجأة وحالتها خطيرة. أنا.. أنا أحتاج لإجازة فورية، يجب أن أكون بجانبها الآن!"

نظر راشفورد إليها ببرود، وكاد أن يتحدث عن "ارتباطات العمل"، لكن إشارة حازمة من يد فيليبون أسكتته تماماً. اقترب فيليبون من كانديس، ووضع يده على كتفها بوقار.

فيليبون: "لا تقولي إجازة يا كانديس، بل اذهبي فوراً. العائلة هي الثروة الحقيقية التي لا تعوضها أرقام. اذهبي، ولا تشغلي بالك بالعمل حتى تطمئني على والدتكِ."

ثم التفت إلى سكرتيره الخاص وقال بصوت جهوري: "أمر حالاً بتجهيز إحدى سيارات الشركة لنقل الآنسة كانديس، واتصل بطبيبي الخاص ليتوجه إلى منزلها فوراً!"

                                      *******

خرجت كانديس من مكتب فيليبون وهي تشعر بثقل الجبال على كتفيها، كانت تسابق الزمن بداخلها للوصول إلى أمها. وعند اقترابها من المخرج، ظهر مارك وكأنه كان ينتظر خروجها ليطمئن عليها مرة أخرى.

رأى مارك دموعها المنهمرة، فشحب وجهه الأشقر واقترب منها بلهفة، وعيناه الزرقاوان تعكسان قلقاً صادقاً: "كانديس! ما الذي حدث؟ لماذا كل هذه الدموع؟"

كانديس وهي تحاول مسح دموعها بكبريائها المعتاد

أمي متعبة جداً يا سيد مارك.. لقد منحني السيد فيليبون إجازة للذهاب إليها."

لم يتردد مارك للحظة، وأخرج مفاتيح سيارته وهو يقول بحزم مشوب باللطف: "لن تذهبي وحدكِ في هذه الحالة. سيارتي بالخارج، سأقوم بإيصالكِ فوراً ولن يستغرق الأمر دقائق. أرجوكِ، لا وقت للانتظار."

توقفت كانديس، ونظرت إليه نظرة ممتنة ولكنها ثابتة. رغم انكسارها، كانت ترفض أن تخلط بين "عطف المدير" وبين "خصوصية عائلتها".

كانديس بصوت يرتجف ولكن بكرامة): "أشكرك جداً يا سيد مارك.. عطفك هذا لن أنساه أبداً. لكنني أرجوك، اتركني أذهب وحدي. سيارة الشركة تنتظرني بالخارج، ولا أريد أن أثقل عليك أو أتسبب في أي حرج للعمل. شكراً لنبلك، لكنني سأتدبر أمري."

وقف مارك مكانه، مبهوراً بهذا الرفض الذي يحمل وراءه كبرياءً لا يكسره الوجع. راقبها وهي تبتعد مسرعة نحو سيارة الشركة، وبقي صدى كلماتها يتردد في أذنيه.

مارك هامساً لنفسه وهو يراقب رحيلها): "يا لها من فتاة مذهلة.. حتى وهي في قمة ضعفها، ترفض أن تفقد استقلاليتها. كل يوم تثبتين لي يا كانديس أنكِ لستِ كبقية النساء."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثاني عشر

    عباءة الكتمانبعد أن جف مداد الصكوك، جرد فيليبون نظراته من كل هوادة، ووضع كفه على الملف الموصد كأنه يغلق باباً من أبواب القدر:راشفورد.. أريد لهذا الملف أن يُقبر في قرار خزائن , لا يُسمح لمخلوقٍ كائناً من كان أن يسترق السمع لخبر هذه الوصية، ولا حتى كانديس ذاتها.ثم اكمل :أريد لقوتها أن تنبثق من وجدانها، لا من يقينها بأنني أعدُّ كفن الغياب.أومأ راشفورد برأسه إجلالاً لعظم الأمانة:أدرك مرادك تماماً فالسرية في مذهبي هي جوهر الوجود، وفي نازلةٍ كهذه، هي مفرق الطريق بين الحياة والردى. ثم رشف سيكارته وقال:سأجعل من هذه الأوراق عدماً حتى يحين الميقات الذي حددته بنودك السرية فمكتبنا لا يخون الأمانات، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بذروة سنام مستقبل السيدة كانديس؟ ثم ان فيليبون اقترب من راشفورد وهمس قائلا:راشفورد.. يا رفيقَ الدرب، أنصت إليّ جيداً؛ بعد أن يواريني الثرى ويحينَ الوقتُ أريدك أن تذهبَ إلى كانديس مباشرةً، وتطلعها على فحوى الوصيةِ وعلى كل تلك التفاصيلِ الدقيقةِ التي اتفقنا عليها سراً حاول يا صديقي، بكل ما تملك من حكمةٍ ونفوذ، أن تمدَّ لها يدَ العونِ في أي وقتٍ وبأي ظرفٍ كان؛ فهي الأمان

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الحادي عشر

    ميثاق القصر وبداية العاصفةعادت العائلة إلى القصر بروحٍ جديدة؛ لم تعد كانديس تلك المرأة التي تواري انكسارها بل أصبحت محاطةً بزوجٍ يحميها بنفوذه، وأختٍ تحرسها بسلطان القانون. وفي طريق العودة، كسر صمتَ السيارة صوتُ كريستينا الحازم:فيليبون.. بصفتي ضابطة مسؤولة الآن هل توصلتم خلال الثمانية عشر شهراً الماضية إلى خيطٍ يفسر كيف استحال الإرث رماداً؟ هل كان قدراً، أم يداً خفية كانت تحمل الكبريت؟أطبق الصمت على كانديس، وبرقت في مخيلتها صورة مارك المحطم.أجاب فيليبون بهدوءٍ رزين وهو يربت على يد زوجته: سؤالٌ في محله يا سيادة الضابطة فالتقارير الرسمية زعمت أنه 'تماسٌ كهربائي'، لكن عيوني في السوق تقول إن أموالاً مريبة غادرت خزائن لـوسـيان غـريمـو قبل الحريق، وشهوداً ابتلعهم الغياب فجأة. كنتُ بانتظار شارتكِ لنحول هذه الشكوك إلى مقصلةٍ قانونية لا ترحم.اليوم الأول.. والقضية رقم 402:في مقر الشرطة، دخلت كريستينا بخطواتٍ يتردد صداها في الردهات. جلست خلف مكتبها، ووضعت شارتها اللامعة أمامها، وسحبت أول ملفٍ من الأرشيف السري ملف حريق مجموعة GSM — القضية 402. دخل رئيس القسم مثنياً على تفوقها، فأجابته

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل العاشر

    التحدي بزيّ المرأة الحديديةفي صالون القصر، وضعت كريستينا ملف تقديمها للأكاديمية أمام ذهول الجميع.لم تعد تلك الفتاة التي تكتفي بالظل، بل لمعت في عينيها شرارة التصميم:- لقد قررتُ الالتحاق بـ 'أكاديمية باريس لعلوم الشرطة والجريمة المنظمة' , لقد أبصرتُ كيف يحرق المجرمون ببدلاتهم الأنيقة حياة الناس ويهربون , لن أسمح لـ لـوسـيان غـريمـو وأمثاله بتكرار ما فعلوه بوالدتي.ابتسم فيليبون بتقدير: هذا أفضل قرار يا كريستينا , فنحن نبني إمبراطوريةً ماليّة، ونحتاج إلى درعٍ يفهم كيف يفكر الأعداء وستكونين عيننا التي لا تنام.وبعد أسبوع، وقفت كريستينا بزيها الرسمي الأول أمام بوابات المدرسة الوطنية العليا للشرطة ENSP كانت نظراتها حادة كالشفرة، تخفي خلفها عاصفة من الحقائق. في المحاضرات، كانت تدون ملاحظات دقيقة حول ثغرات الحرائق العمد، مما منحها لقب المرأة الحديدية. وفي غرفتها، كانت تفرش خرائط حادثة مارك، مطبقةً نظريات القانون على خيوط الجريمة الحقيقية. أما كانديس، فقد باشرت بنثرِ سحرها في أرجاء القصر المنيف، مُحدثةً فيه ثورةً من الجمالِ والتغيير؛ إذ لم تكتفِ بلمساتٍ عابرة، بل غمرت كل زاويةٍ بفيضٍ م

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل التاسع

    جحيم ليلة العيد في سكونِ ليلةِ عيدِ الفصحِ المقدسة، تلك الليلة التي شهدت مراسمَ زفافِ كانديس وفيليبون الأسطورية وانطلاقهما نحو أفقِ شهرِ العسل، كانت باريس تتنفسُ ابتهاجاً؛ حيثُ قُرعت أجراسُ الكنائسِ في كلِّ حدبٍ وصوب، معلنةً قيامةَ الفرحِ وترانيمَ الخلاص.لكن، وفي غمرةِ هذا الصفاء، كان هناك "موتٌ" من نوعٍ آخر يُطبخُ في خفاءِ الطوابقِ السفلية تسلل فرانك كظلهِ الأسود، منساباً بين الممراتِ المظلمة نحو قبوِ الشركة؛ كان يتحركُ ببرودِ الأفاعي، يحملُ في جعبتهِ شرارةً ستغيرُ مجرى التاريخ.وبينما كانت أنغامُ الموسيقى في حفلِ الزفافِ تلامسُ عنانَ السماء، كانت ألسنةُ اللهبِ الأولى تتصاعدُ في القبوِ بصمتٍ مرعب، تلتهمُ الملفاتِ والذكرياتِ وأحلامَ مارك الكبيرة. وفي الوقتِ الذي كان فيه المهنئون يرفعون كؤوسهم نخبَ "السيدة الجديدة"، كانت أعمدةُ الدخانِ السوداء تشقُّ ليلَ باريس، لتعلنَ للعالمِ أنَّ قيامةَ فرحِ كانديس لم تكن إلا إشارةَ البدءِ لانهيارِ إمبراطوريةِ مارك، لتمتزجَ رائحةُ البخورِ في الكنائسِ برائحةِ الرمادِ المتطايرِ من ركامِ الشركةِ المحترقة.ببراعة المجرم المحترف، عبث فرانك بقلب ا

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل الثامن

    فجر جديدالمكان السري — اللمسات الأخيرة:وضع لـوسـيان غـريمـو يده على كتف فرانك، غارساً فيه نظرةً ثاقبة تجمع بين الخوف والولاء، وقال بصوتٍ يحمل وعيداً مكتوماً:أنصت جيداً.. ليلة عيد الفصح هي بوابتك الوحيدة للثراء, حين تفرغ النيران من التهام كل شيء، ويصبح 'التماس الكهربائي' هو الحقيقة الوحيدة، تأتيني في مكاني المعلوم لتسلمني تقريرك الأخير وتتسلم مكافأتك.أجاب فرانك بابتسامةٍ دنيئة: سيكون كل شيءٍ هباءً منثوراً قبل أن يقرع جرس الكنيسة الأول يا سيد لـوسـيان غـريمـو.ليلة الحريق:كان السكون يلف شوارع باريس، والضباب يزحف كالأفعى بين أرصفة المدينة في ليلة عيد الفصح , لم يكن مارك يعلم أن العدو لا يتربص به في المكاتب البعيدة، بل هو أقرب إليه من حبل الوريد.وقف لـوسـيان غـريمـو أمام بوابة الشركة، تلفت يمنةً ويسرة، ثم استل مفتاحاً كان قد نسخه سراً.دخل ببرود، والظلام يغلف ملامحه التي انسلخت من كل صلة قرابة وكان يحمل بيده اليمنى حقيبةً فارغة، سرق فيها كل ما غلا ثمنه وخفّ حمله من أوراق ملكية وذهبٍ مخبأ.. ثم وبكل دمٍ بارد، أشعل النيران في كومةٍ من الستائر المخملية، لتعلن بدء الجحيم.

  • وشم الفقر على الذهب    الفصل السابع

    الهروب إلى الغيبوبةانطلق مارك بسيارته والدموع تعمي بصيرته، وصرخات كانديس تتردد في مسمعه كالصواعق. ضغط على دواسة السرعة بجنون، وكأنه يحاول الفرار من ذاته ومن الحقيقة التي واجهته بها , وفي لحظة غيابٍ تام عن الواقع، لم ينتبه لتلك الشاحنة التي اعترضت طريقه.تحطمت السيارة كأنها رقيقة ورق، وتناثر الزجاج كشظايا الذكريات المحطمة.ساد صمتٌ رهيب، وكان مارك ملقىً فوق المقود، والدماء تغطي وجهه، غائباً عن الوعي تماماً. تجمهر الناس وعلت أصوات الإسعاف، ليُنقل مارك إلى المستشفى في حالةٍ حرجة، يتأرجح بين الحياة والموت.*****في المستشفى — الوجوه الحقيقية:خلف أبواب العناية المركزة، كانت والدة مارك تنهار متمسكةً بالزجاج، تصرخ باسمه بصوتٍ يقطع نياط القلب وبجانبها تقف سيلين، تذرف دموعاً غزيرة؛ ربما خوفاً على ورقتها الرابحة أو ذعراً من المصير الذي ساقه إليها غدرها.وسط هذا الانهيار، كان لـوسـيان غـريمـو يقف بعيداً، واضعاً يديه في جيوبه ببدلته الأنيقة التي لم تتجعد منها شعرة.لم ترتسم على وجهه ذرة حزن، بل كانت هناك ابتسامةٌ خفيفة باردة تلوح على شفتيه وعينان لا تعرفان الرحمة تراقبان جسد ابنه المحطم. همس

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status