LOGINحلّ مساء اليوم التالي بهدوئه المعتاد.لكن المنزل لم يكن هادئًا.كانت والدة جاك تتنقل بين الغرف للمرة الأخيرة، تتأكد من الهدية، ومن باقة الزهور، ومن أن كل شيء في مكانه.أما جاك…فكان قد انتهى من ارتداء بدلته السوداء قبل الجميع.وقف قرب باب المنزل، يعدل أزرار سترته وينظر إلى ساعته للمرة الثالثة خلال أقل من خمس دقائق.رفعت والدته رأسها نحوه.ثم ابتسمت.“لو نظرت إلى ساعتك مرة أخرى…”“فستتوقف عن العمل من الخوف.”لم يرفع عينيه.“تبقى عشرون دقيقة.”ضحكت.“وأمامنا نصف ساعة للوصول.”“إذن لسنا متأخرين.”أجاب بهدوء:“أفضل أن نصل قبل الجميع.”هزت رأسها مبتسمة.“أعرف.”ثم نظرت نحو الدرج.“لكن دعها تأخذ وقتها.”لم يعلق.رفع عينيه تلقائيًا نحو الأعلى.وفي اللحظة نفسها…ظهرت لونا.كانت تنزل الدرج ببطء، تمسك طرف الفستان العاجي برفق حتى لا يلامس الدرج.انسدل شعرها على كتفيها، بينما اكتفت بزينة خفيفة أبرزت ملامحها الطبيعية أكثر.رفع جاك رأسه.وتوقف.لم تكن نظرة عابرة.بل بقي يتابعها وهي تنزل درجة…ثم أخرى…ثم ثالثة.عيناه انتقلتا بهدوء من الفستان…إلى شعرها…ثم إلى وجهها.حتى ابتسامتها الصغيرة عندما وقع
في مساء اليوم التالي…عاد جاك إلى المنزل بعد انتهاء اجتماعاته الأخيرة.ما إن دخل حتى خلع سترته ووضع مفاتيحه فوق الطاولة، قبل أن يتجه نحو غرفة الجلوس.لكن والدته كانت بانتظاره.وما إن رأته حتى أغلقت المجلة التي كانت تقرؤها وقالت بابتسامة واسعة:“جئت في الوقت المناسب.”نظر إليها باستغراب.“لأي شيء؟”“سنخرج.”تنهد بخفة.“إلى أين؟”وقبل أن تجيب…سمعا خطوات لونا وهي تنزل الدرج.ابتسمت لهما.“مساء الخير.”بادلتها والدة جاك الابتسامة، ثم قالت بحماس:“أحضري حقيبتك.”رمشت لونا.“لماذا؟”“سنشتري فستان عيد ميلاد الجدة.”ابتسمت لونا بخجل.“لكن لدي أكثر من فستان مناسب.”هزت والدة جاك رأسها.“أعرف.”“لكن هذه ليست مناسبة عادية.”ثم أمسكت بيدها برفق.“ستكمل عامها الثمانين.”“وستكونين زوجة حفيدها الأكبر أمام العائلة كلها.”ابتسمت بحنان.“أريدك أن تكوني مميزة.”احمر وجه لونا قليلًا.أما جاك…فاكتفى بالقول وهو يخلع ساعة يده:“أي فستان مناسب يكفي.”استدارت والدته نحوه مباشرة.“حقًا؟”“نعم.”ابتسمت ابتسامة صغيرة.“إذن لن تتدخل.”رفع حاجبه.“ولماذا سأتدخل؟”ضحكت وهي تتجه نحو الباب.“هذا ما سنعرفه بعد قليل.
مرّ يومان منذ الاجتماع الثاني مع شركة ماكس.ورغم أن الشراكة بدأت رسميًا، فإن العمل ازداد أكثر مما توقع الجميع.كانت المراسلات بين الشركتين لا تتوقف، والتعديلات على العقود تُرسل تباعًا، بينما طلب ماكس عقد اجتماعٍ جديد بعد أيام لمناقشة المرحلة التالية من المشروع.ولهذا…عاد كل شيء في الشركة إلى طبيعته.على الأقل ظاهريًا.كان جاك كما اعتاد الجميع أن يروه.هادئًا.حازمًا.ورسميًا إلى أبعد الحدود.وكأن ما حدث في السيارة، وحديث والدته، وحتى مشهد المطبخ في تلك الليلة… لم يحدث أصلًا.وفي المقابل…كانت لونا تتعامل معه بالطريقة نفسها.في العمل…كان كل منهما يعرف حدوده جيدًا.⸻“لونا.”رفعت رأسها عن شاشة الحاسوب.كان جاك يقف عند باب مكتبها.“تعالي.”حملت دفترها اللوحي، ودخلت مكتبه.جلست أمامه.قالت مباشرة:“هل وصل رد شركة ماكس؟”أومأ.“وصل.”فتح الملف أمامه.“الاجتماع القادم بعد ثلاثة أيام.”“يريدون مراجعة البنود التنفيذية.”أخذت قلمها.“سأراجع جميع الملاحظات قبل الموعد.”نظر إليها للحظة.“ولا أريد أي ثغرة.”ابتسمت ابتسامة صغيرة.“لن تجد.”أغلق الملف.“جيد.”وفي تلك اللحظة…رن هاتفه.نظر إلى الش
حلّ الليل على المنزل أخيرًا.ساد الهدوء بعد يومٍ طويل، وكأن الجدران نفسها تنفست بعدما انتهى ذلك “الاستجواب” الذي قادته والدة جاك بكل مرح.أما جاك…فلم يظهر مجددًا.أغلق على نفسه باب مكتبه منذ صعد، ولم ينزل حتى موعد العشاء.ولم ينطق إلا بكلماتٍ معدودة.ولونا…لم تستطع منع نفسها من التفكير به كلما تذكرت نظراته.لم تكن غاضبة.ولا قاسية.بل…غريبة.وكأنها كانت تقول لها في كل مرة:“حقًا… أخبرتِها؟”⸻انتهى العشاء بهدوء.كانت والدة جاك تتحدث عن أمورٍ عادية، بينما جاك يجيب باقتضاب، ولونا تكتفي بالاستماع.لكن كلما التقت عيناها بعينيه…وجدته يرمقها بالنظرة نفسها.فتشيح بنظرها فورًا.وفي كل مرة…كانت والدته تبتسم في سرها، وكأنها ترى ما لا يراه الاثنان.⸻بعد منتصف الليل بقليل…نزلت لونا إلى المطبخ تبحث عن كوب ماء.كان المنزل غارقًا في السكون.فتحت الثلاجة، وأخرجت الزجاجة، وما إن أغلقتها…حتى سمعت خطواتٍ خلفها.التفتت.كان جاك.توقفت للحظة.أما هو…فاكتفى بنظرة قصيرة، ثم تجاوزها متجهًا إلى آلة القهوة.بدأ يحضر فنجانه بصمت.لم يتبادلا كلمة.حتى قطعت هي الصمت.“لم تنم بعد؟”أجاب وهو يضع الكوب أسفل
ما إن أُغلق باب المنزل خلفهما، حتى رفعت والدة جاك رأسها عن الكتاب الذي كانت تقرؤه.ابتسمت لهما كعادتها، بابتسامة دافئة تتسع عيناها معها قليلًا وكأنها تستعد لمزحة.لكن ما إن وقع بصرها على جاك، حتى اختفت ابتسامتها قليلًا، ومالت شفتيها في تعبير فضولي خفيف.خلع سترته، ووضع مفاتيحه فوق الطاولة، ثم قال بهدوء:“سأكون في المكتب.”واستدار متجهًا نحو الدرج.تابعته والدته بعينيها حتى اختفى.ثم التفتت ببطء إلى لونا.رفعت حاجبًا، وقالت بابتسامة صغيرة تحمل لمعة مشاكسة:“ما الذي حدث لابني؟”ابتسمت لونا بحيرة.“هل بدا منزعجًا إلى هذه الدرجة؟”ضحكت الأم ضحكة خفيفة، واهتزت كتفاها قليلًا.“لونا…”أشارت بإبهامها نحو الأعلى.“هذا جاك.”“أنا أعرف من طريقة مشيه إن كان غاضبًا.”لم تستطع لونا إلا أن تضحك.جلست بجوارها.“في الحقيقة… أنا أيضًا لم أفهم.”مالت الأم نحوها بحماس، وعيناها تلمعان وكأنها تستعد لسماع قصة ممتعة.“إذن احكي.”ترددت لونا لحظة.ثم قالت:“بعد انتهاء الاجتماع…”“دعاني السيد ماكس إلى فنجان قهوة.”ابتسمت الأم ابتسامة صغيرة، وارتفع طرف فمها وكأنها تتوقع ما سيأتي.“ثم؟”“وقبل أن أرد…”“جاء جاك وق
خرجت لونا بصمتٍ خفيف، كنسمةٍ عابرة لا تُرى.كان جاك يسير إلى جوارها بخطواتٍ ثابتة، منتظمة كنبضٍ لا يختل، بينما تلاشى خلفهما صوت فيكتوريا وهي تنادي ماكس، يتراجع تدريجيًا حتى غاب.وقبل أن تُغلق أبواب الشركة خلفهم…وصل إلى مسامع لونا صوت ماكس، بنبرةٍ أعلى قليلًا، كأنه يقصد أن يتجاوز حدود السمع العادي:“سنؤجل القهوة إذًا.”لم تستدر.لكن ابتسامةً خجولة تسللت إلى شفتيها، ولوّحت بيدها إشارةً سريعة، كأنها تودّع فكرةً أكثر من شخص.أما جاك…فلم يلتفت أصلًا.⸻أُغلق باب السيارة بصوتٍ مكتوم.وساد الصمت.أدار جاك المحرك، فانطلقت السيارة بهدوءٍ حذر، تنساب خارج موقف الشركة كأنها تتجنب الاصطدام بشيءٍ غير مرئي.لم يكن الصمت بينهما جديدًا.لكن هذه المرة…كان مختلفًا.أثقل.أبطأ.حتى صوت المحرك بدا أعلى، أو ربما كان الصمت هو الذي ازداد عمقًا.وضعت لونا الملف على ساقيها.ثم نظرت إليه بطرف عينها، نظرةً سريعة مترددة.قبضته على المقود كانت مشدودة.ومفاصل أصابعه البيضاء بدت أوضح من أي وقتٍ مضى، كأنها تفصح عمّا يعجز عنه.أما نظراته…فلم تغادر الطريق.مرت دقيقة.ثم أخرى.وأخيرًا قالت بهدوءٍ يكاد يُسمع:“جاك.”
في صباح اليوم التاليلم تستطع لونا التوقف عن التفكير في حديث مارغريت ليلة أمس.كلما حاولت تجاهله، عادت كلماتها إلى ذهنها من جديد.“ما الضرر إن أصبح هذا الزواج حقيقيًا يومًا ما؟”وكأن السيدة زرعت سؤالًا وغادرت تاركة الجميع يتعامل مع نتائجه وحده.نزلت إلى الطابق السفلي متأخرة قليلًا.فوجدت مارغريت تق
في المساءكانت لونا جالسة على طرف السرير، والملف مفتوح أمامها، لكن الكلمات كانت تمر دون أن تُقرأ فعليًا.منذ الصباح، وكل ما في الشركة لم يخرج من رأسها.نظرات فيكتوريا.جملتها الهادئة.وطريقتها في التحدث وكأنها تعرف كل شيء دون أن ترفع صوتها.لكن الأسوأ لم يكن فيكتوريا نفسها…بل الطريقة التي يُقال به
في صباح اليوم التالياستيقظت لونا على صمت مختلف عن الأيام السابقة، صمت لم يعد يوحي بالراحة بقدر ما يوحي بأن هناك شيئًا لم يُحسم بعد.جلست على طرف السرير، تمرر يدها على جبينها قليلًا.منذ حديث جاك الأخير، وكل شيء صار يبدو وكأنه يتحرك تحت سطح هادئ ظاهريًا، لكن بتيار خفي لا يُرى.“لا تخرجي وحدك.”الجم
في صباح اليوم التاليلم يكن إعلان الزواج هو ما شغل لونا طوال الليل، بل الجملة التي قالها جاك قبل أن يغادر.“سأطلب تجهيز الإجراءات الخاصة بالإعلان.”ببساطة مزعجة.وكأن الأمر قرار إداري لا علاقة له بحياتها.وعلى عكس ما توقعت، لم تناقشه مجددًا.لأنها كانت تدرك جيدًا أنه عندما يقرر شيئًا كهذا، فإنه لا







