LOGINبقية الطريق مرّت بهدوء لم يعجب جاك. كانت لونا بين ذراعيه، لكنها لم تعد تعترض، ولم تطلب منه أن ينزلها، ولم تحاول الجدال، ولم ترمِ عليه أي تعليق ساخر كما تفعل عادة. اكتفت بالنظر إلى الطريق أمامها، شاردة، بعيدة، وكأن جزءًا من عقلها كان في مكان آخر تمامًا.أما جاك… فكلما طال هذا الصمت ازداد انزعاجه، لأنه لم يكن يعرف كيف يتعامل مع هذه النسخة منها. لونا الغاضبة سهلة، ولونا المستفزة أسهل، أما لونا الصامتة… فكانت شيئًا آخر.وصلوا أخيرًا إلى المطعم الجبلي الكبير، وكان المكان يعج بالموظفين العائدين من الفعاليات، بأصوات مرتفعة وضحكات، ورائحة الطعام بدأت تملأ القاعة بأكملها. دخل جاك أولًا، واتجه مباشرة نحو طاولة هادئة قرب النوافذ الكبيرة المطلة على الجبال، ثم أنزل لونا بحذر على أحد المقاعد، وقبل أن تتحرك أو تقول شيئًا سحب الكرسي المجاور لها وجلس بشكل تلقائي تمامًا، وكأنه المكان الطبيعي الوحيد المتاح.رفعت لونا نظرها إليه للحظة، ثم عادت تنظر إلى النافذة دون تعليق ودون اعتراض، وهذا أيضًا لم يعجبه.وصل آدم بعد دقائق قليلة، وكان يحمل عدة زجاجات ماء في يده، وما إن رآها حتى اتجه نحو الطاولة مباشرة. جلس
ما إن وافقت لونا أخيرًا على التحرك حتى بدأوا بالسير باتجاه المبنى الرئيسي للمنتجع. كانت المسافة في الظروف العادية قصيرة، لا تتجاوز عشر دقائق تقريبًا، لكن مع قدم لونا المصابة بدت أطول بكثير.سارت ببطء، أبطأ مما اعتادت، وأبطأ مما كانت تحتمل. أما جاك فبقي إلى جانبها، ذراعه حول ذراعها، يسند جزءًا كبيرًا من وزنها دون أن يترك لها فرصة للاعتراض.في البداية حاولت أن تعتمد على نفسها أكثر، أن تسحب ذراعها قليلًا، أن تثبت أنها تستطيع المشي وحدها، لكن الألم كان أسرع من كبريائها، وبعد عدة خطوات فقط اضطرت للاستسلام.شعرت بثقل جسدها ينتقل جزئيًا إليه، وشعرت به يعدّل خطواته تلقائيًا ليتماشى مع سرعتها، دون تعليق أو تذمر، وكأن الأمر طبيعي، وهذا أزعجها لسبب لم تفهمه.كانت فيكتوريا تسير إلى جوارهما، بينما بقي آدم وماكس خلفهم بعدة خطوات. فجأة قال ماكس: “أنتِ تبطئين الفريق.”التفتت لونا نحوه فورًا وقالت بحدة: “اصمت.”ابتسم وقال: “أصبحتِ ترددين هذه الكلمة كثيرًا.”ردت ببرود: “لأنك تتحدث كثيرًا.”ضحك آدم، بينما رفع ماكس يده فوق قلبه وكأنه تلقى طعنة شخصية. أما جاك فاكتفى بزفرة قصيرة، لكنه لاحظ شيئًا؛ لاحظ أن ل
ساد صمت قصير بعد كلمات ماكس الأخيرة. لم يكن صمتًا غامضًا أو ثقيلًا، بل ذلك النوع الذي يسبق عودة الجميع إلى ما يفترض أنهم جاؤوا من أجله أصلًا: المهمة.عادت لونا إلى الشاشة أمامها، وسحبت نفسًا طويلًا قبل أن تعيد قراءة المسار الأخير. كان عليها اختيار الطريق الأقل مخاطرة والأعلى نقاطًا. خطأ واحد فقط، وكان عليهم إعادة جزء كامل من التحدي.انحنت فيكتوريا فوق الطاولة وأشارت إلى أحد المسارات معلنة: “هذا الطريق أقصر.”هزت لونا رأسها فورًا: “لكنه يفقدنا نقاط المراقبة.”أردفت فيكتوريا بعد لحظة قصيرة، بابتسامة خفيفة: “صحيح… إذن كنت أختبرك.”تمتمت لونا دون أن ترفع رأسها: “كاذبة.”كادت فيكتوريا تعترض، لكنها ضحكت رغمًا عنها.في الجهة الأخرى، كان ماكس ما يزال جالسًا فوق الحاجز الخشبي، يراقبهم جميعًا براحة مستفزة.أما جاك، فكان انزعاجه يزداد مع كل دقيقة يقضيها الرجل هنا. ليس لأنه يتحدث مع لونا، بل لأنه يعرف ماكس، ويعرف أن تأخير المهمة مقصود، وأن كل هذا العرض مقصود.تحدث أخيرًا ببرود: “لديك محطة.”رفع ماكس رأسه إليه: “أعرف.”أجاب جاك بنبرة هادئة لا تحتمل النقاش: “إذن اذهب.”ارتسمت على وجه ماكس ابتسامة ص
ما إن دوّت صافرة البداية حتى اندفعت الفرق عبر المسارات الجبلية، وكأنها تُقذف فجأة إلى سباق لا يحتمل التردد أو التباطؤ.اختلطت الأصوات في لحظة واحدة؛ أوامر تتعالى، ضحكات تتناثر، وخطوات متسارعة تضرب الأرض بإيقاع متوتر، حتى بدا كل شيء حيًا أكثر مما ينبغي، وكأن المكان نفسه يراقبهم.أما الفريق السابع…فلم يتردد طويلًا، بل تفرّق سريعًا، كلٌ يتجه نحو مهمته وكأنه يعرف طريقه مسبقًا.كانت محطة التحليل في نقطة مرتفعة تطل على جزء واسع من المنتجع، موقع يمنح رؤية شاملة وهدوءًا نسبيًا في آنٍ واحد.اختارتها لونا دون تردد، وكأن القرار كان جاهزًا في ذهنها منذ البداية.هنا… يمكنها أن تهرب قليلًا.أو على الأقل، هذا ما حاولت إقناع نفسها به.جلست أمام الشاشة، وعيناها تتحركان بين الخرائط والرموز والإحداثيات بانتباه دقيق، محاولة أن تغرق في التفاصيل.أشياء واضحة.منطقية.لا تخون.ولا تحمل ماضٍ.ومع ذلك، لم يكن ذهنها حاضرًا بالكامل؛ كانت الأفكار تتسلل وتتشظى قبل أن تكتمل، وكأن شيئًا ما يرفض أن يتركها تركز.صوت.نظرة.كلمة.الليلة الماضية لم تنتهِ بعد، بل بقيت عالقة في داخلها.“أعتقد أن الجهاز بدأ يندم لأنه وُض
وقف أعضاء الفريق السابع عند بداية المسار الجبلي، بينما سلّمهم المنظم حقيبة صغيرة وخريطة إلكترونية تحتوي على تفاصيل المهمة.قال الرجل بحماس وهو يشير إلى الشاشة:“ستواجهون أربع محطات مختلفة. محطة للتحليل والتخطيط، وأخرى للملاحظة، وثالثة للسرعة، وأخيرًا محطة للقوة والتحمل.”ثم ابتسم وأضاف بنبرة حاسمة:“ولا يمكن لشخص واحد إنهاء أكثر من محطة، لذا يجب أن يختار كل فرد مهمته بنفسه.”غادر المنظم بعد ذلك، تاركًا الأربعة وحدهم.ساد صمت قصير، لكنه بدا أطول مما ينبغي، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.كانت لونا أول من كسر هذا الجمود؛ أخذت الجهاز وبدأت تقرأ التعليمات بسرعة، تنتقل عيناها بين التفاصيل والأرقام، وعقلها يعمل فورًا كعادته. ومع ذلك، شعرت بوخزة خفيفة في صدرها، إحساس غامض بأن شيئًا ما ليس في مكانه.راقبها ماكس بصمت قبل أن يبتسم ابتسامة خفيفة.“واضح أن محطة التحليل حُسمت.”رفعت لونا رأسها وقالت:“أظن ذلك.”لكن في داخلها، كانت تتساءل: هل تختار المهمة فعلًا، أم تهرب من شيء آخر؟“في الواقع…” أضاف ماكس بنبرة مازحة، “إذا لم تأخذيها سأعتبر الأمر إهانة شخصية.”ضحكت بخفة، ضحكة صغيرة لم تتوقعها حتى من
بعد عودتهما من العيادة، بدا المنتجع أكثر ازدحامًا مما كان عليه في الصباح، إذ كانت الساحة الرئيسية تعج بالموظفين، تختلط فيها أصوات الضحك بالموسيقى الخافتة، بينما تتنقل مجموعات صغيرة بين الأنشطة المختلفة بحماس واضح يملأ المكان بالحيوية.أما لونا فجلست على مقعد خشبي قرب المنصة الرئيسية، وقد رفعت قدمها المصابة قليلًا فوق المقعد المقابل، في وضع لم تعتد عليه أبدًا، فهي لم تكن معتادة على الجلوس بينما يعمل الجميع، ولا على أن يفرض عليها أحد الراحة، لذلك بدا الضيق واضحًا على وجهها، بينما كانت في داخلها تشعر كأنها طائر حُبس فجأة في قفص ضيق، يرفرف بلا جدوى ويصطدم بأسلاكه.وقف جاك بالقرب منها يراجع برنامج اليوم الذي تسلمه من المنظمين، وقد عاد إلى هيئته المعتادة كرئيس تنفيذي هادئ وصارم يصعب قراءة أفكاره، لكن بينه وبين لونا ظل ذلك الشيء الغريب حاضرًا، ليس شجارًا ولا غضبًا، بل توتر صامت، كأن كليهما أصبح أكثر حذرًا من الآخر منذ الليلة الماضية، وهو ما شعرت به لونا بوضوح، وكأن كل كلمة قد تتحول إلى خطأ، وكل نظرة قد تُفهم بطريقة مختلفة.قالت لونا أخيرًا:“يمكنك التوقف عن الوقوف هنا.”رفع عينيه عن الأوراق
ساد الصمت لثوانٍ بعد جملة جاك الأخيرة.صمت قصير.لكنه كان كافيًا.كافيًا ليشعر الجميع أن شيئًا ما تغير في الجو.أما آدم فبقي ينظر إلى جاك للحظة.ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.تلك الابتسامة التي كان جاك يكرهها منذ أول يوم رآه فيه.ابتسامة تقول:فهمت أكثر مما يجب.“حسنًا.”قالها آدم أخيرًا.ورفع يديه مستسل
جاء صباح الرحلة أسرع مما كانت تتمنى لونا.منذ الإعلان عن الفعالية السنوية، والشركة كلها تتحدث عنها وكأنها عطلة منتظرة منذ أشهر.أربعة أيام في منتجع جبلي بعيد عن المدينة.أنشطة جماعية.منافسات بين الفرق.واختبارات تعاون لا تنتهي.أما لونا…فكانت ترى الأمر بطريقة مختلفة تمامًا.أربعة أيام كاملة محاصر
في صباح اليوم التالي…كان التوتر ما يزال موجودًا.لكنه لم يعد ظاهرًا بالكلمات.بل بالأشياء الصغيرة.جاك لم يبحث عنها كعادته خلال الاجتماعات.ولونا لم تنظر نحوه إلا عند الضرورة.وكلما التقت أعينهما…كان أحدهما يشيح بنظره أولًا.وكأن كليهما قرر التراجع خطوة.لكن دون أن ينجح فعلًا.⸻عند الظهيرة…وصل
منذ اللحظة التي وصلت فيها الصورة… لم يعد شيء طبيعيًا، على الأقل بالنسبة للونا.حاولت أن تنام مبكرًا، لكنها فشلت، وحاولت أن تقنع نفسها أن الأمر لا يستحق كل هذا التفكير، لكنها فشلت أيضًا.وفي كل مرة أغلقت عينيها… عادت الصورة: جاك، وفيكتوريا، والابتسامة التي لم تعتد رؤيتها منه.حتى عندما نامت أخيرًا…



![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)



