Masukاستفاقت قمر مع أولى خيوط الصباح... لكنها لم تكن قد نامت حقًا. كلما أغمضت عينيها... عاد إليها ذلك الدلو. وشعرت بالماء يطبق على أنفاسها من جديد. جلست على حافة السرير. وضعت يدها على جبينها. وأغمضت عينيها لثوانٍ طويلة، قبل أن تنهض متثاقلة وتتجه إلى الحمام. وقفت أمام المرآة. رفعت كم قميصها ببطء. كانت آثار القيود ما تزال تحيط بمعصميها. زرقاء... وحمراء... كأن الحبال لم تغادرهما بعد. تنهدت بصمت. ثم فتحت علبة المكياج. بدأت تغطي الندبة التي اعتادت إخفاءها منذ سنوات. بعدها أخفت الإرهاق الواضح تحت عينيها. لم تكن تفعل ذلك لتبدو جميلة. بل حتى لا يسألها أحد. انتهت. ارتدت ملابس العمل المعتادة. ثم التقطت بطاقة الموظف الموضوعة فوق الطاولة. ظلت تنظر إليها لثوانٍ. تنهدت. لقد تغيبت عن العمل عدة أيام... دون أن تبلغ أحدًا. لم تكن تعلم كيف ستبرر غيابها. ولا كيف سيكون رد فعل مديرها. أعادت البطاقة إلى حقبتها ثم حملت حقيبتها. وخرجت من الغرفة. غادرت القصر بهدوء... واستقلت سيارتها. وبعد دقائق... كانت تقود في طريقها إلى الشركة. --- توقفت أمام مبنى شركة ناجي. حدقت فيه قليلًا.
ظل سؤال العمة معلقًا في الهواء. "...من فعل هذا بك؟" ساد صمت ثقيل. لم ترفع قمر رأسها. كانت تنظر إلى آثار القيود على معصمها، وكأنها تراها للمرة الأولى. قطع زوج ريم الصمت، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه. "يا إلهي..." "هل... اختُطفتِ فعلًا؟" لم تجبه. بقيت ساكنة. وعيناها معلقتان بالأرض. قالت العمة هذه المرة بنبرة أكثر هدوءًا: "قمر..." "انظري إليّ." رفعت قمر رأسها ببطء. كانت عيناها متعبتين، يحيط بهما إرهاق لم تستطع إخفاءه. قالت العمة برفق: "أخبرينا." "ماذا حدث؟" مرّت ثوانٍ طويلة. قبل أن تخرج الكلمات من بين شفتي قمر بصعوبة. "...لقد اختُطفت." ساد الصمت. أما ريم، فأطلقت ضحكة ساخرة وهي تهز رأسها. "حقًا؟" "اختُطفتِ؟" ثم قالت باستهزاء: "وأعادوكِ سالمة؟" نظرت إلى الجالسين حولها. وأضافت بسخرية واضحة: "يبدو أن القصص أصبحت أكثر إقناعًا هذه المرة." ثم التفتت نحو آسر. لكنها توقفت. كان صامتًا. لم ينطق بحرف. كانت عيناه ما تزالان معلقتين على معصم قمر. آثار القيود... لم تكن مجرد احمرار عابر. كانت غائرة بوضوح. آثار حبال شُدت بقوة..
ما إن أُغلق الباب خلفه... حتى بقيت قمر تحدق فيه بصمت. كانت الغرفة ساكنة... إلا من صوت أنفاسها المتعبة. أغمضت عينيها ببطء. ثم همست بصوت خافت، بالكاد سمعته هي نفسها: "حاول... أن ينقذني." ساد الصمت من جديد. وانزلقت دمعة واحدة على خدها. لم تكن تبكي لأن آسر وبّخها... ولا لأن كلماته آلمتها. بل لأن فكرة واحدة لم تفارقها منذ عودتها. حين أخبرها أنه أرسل رجالًا للبحث عنها... شعرت، ولو للحظة قصيرة... أن أحدًا لم يتركها تواجه الموت وحدها. ورغم أنها كانت تعلم... أنه يكرهها. وأنه لم يفعل ذلك من أجلها. إلا أن تلك الفكرة الصغيرة... أعادت إلى قلبها المنهك شعورًا كانت تظنه قد مات. أن هناك... من بحث عنها. ثم أغلقت عينيها. واستسلمت للنوم، بعدما أنهكها الجسد... والروح. ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ فتحت قمر عينيها ببطء. تسللت أشعة الشمس من بين الستائر، معلنة أن النهار أوشك على الانتهاء. بقيت تحدق في السقف لثوانٍ. كان جسدها كله يؤلمها. ذراعاها... كتفاها... ورأسها الذي ما زال ينبض بألم خافت كلما حاولت النهوض. استندت إلى حافة السرير، ثم وقفت ببطء. ك
أُغلقت بوابة القصر خلفها ببطء. وقفت قمر لثوانٍ في مكانها. كانت قد وصلت... لكنها لم تشعر بالأمان. رفعت قدميها بصعوبة، واتجهت نحو المدخل. ما إن فتحت الباب حتى وقعت أعين الخدم عليها. ساد صمت ثقيل. اتسعت أعين بعضهم عندما رأوا شحوب وجهها، وملابسها المتسخة، وآثار الحبال التي ما زالت تلتف حول معصميها كندوب لم تجف بعد. تقدمت إحدى الخادمات بخطوة. "سيدتي..." لكن قمر لم تتوقف. واصلت السير. لم تكن تملك طاقة لتجيب أحدًا. ولم تكن ترغب في أن يسألها أحد. --- حين وصلت إلى المطبخ، أمسكت بطرف الطاولة حتى لا تسقط. كان حلقها يحترق من شدة العطش. تناولت كوبًا، وملأته بالماء. رفعت الكوب إلى شفتيها. لكن يدها كانت ترتجف. انسكب جزء من الماء على الأرض، بينما شربت الباقي على دفعات صغيرة، كأن جسدها نسي كيف يبتلع. بعدها فتحت الثلاجة. تناولت قطعة خبز وبعض الجبن. جلست على أقرب كرسي. حاولت أن تأكل. رفعت أول لقمة إلى فمها. مضغتها ببطء... لكنها لم تستطع ابتلاعها. أغلقت عينيها للحظة. ثم أعادت الطبق إلى مكانه. لم يعد الجوع يؤلمها... كان التعب أقوى. نهضت بصعوب
لم تتردد قمر. اندفعت إلى داخل السيارة، وأغلقت الباب بكل ما بقي لديها من قوة. في اللحظة نفسها... وصل أحد الخاطفين إلى مؤخرة السيارة. ضرب الزجاج بقبضته وهو يصرخ: "توقف!" لكن الرجل لم ينظر إليه. ضغط على دواسة الوقود. وانطلقت السيارة تاركة خلفها صرير الإطارات. توقف الخاطف في مكانه. ثم استدار نحو شريكه الذي وصل بعده بلحظات. "اللعنة!" ركضا معًا نحو سيارتهما. أدار السائق المحرك بعجلة، وانطلقت السيارة السوداء خلفهما. --- داخل السيارة... كانت قمر ملتصقة بالمقعد. تلهث بصعوبة. لم تلتفت خلفها. كانت تخشى أن ترى السيارة تقترب مرة أخرى. أما الرجل... فألقى نظرة سريعة إلى المرآة الداخلية. فرأى السيارة السوداء تخرج من محطة الوقود مسرعة. عقد حاجبيه. وضغط على دواسة الوقود أكثر. لم يكن يعرف من تكون الفتاة الجالسة بجانبه... لكنه أدرك أن من يلاحقها لن يتوقف بسهولة. ساد الصمت. لم يُسمع سوى صوت المحرك. ودقات قلب قمر التي كادت تخترق صدرها. بعد دقائق... ازدحم الطريق بالسيارات. بدأت المركبات تتباطأ. ثم ظهرت إشارة مرور أمامهم. توقفت عدة سيارات. نظر الرجل إلى المرآة مرة أخرى. فر
توقفت السيارة أمام إحدى محطات الوقود. لم ترفع قمر رأسها. بقيت ممددة في المقعد الخلفي، وعيناها مغمضتان، تحاول أن تجعل أنفاسها منتظمة. كانت تسمع كل شيء... صوت المحرك وهو ينطفئ. وصوت مضخة الوقود في الخارج. وأقدام المارة. لكنها لم تتحرك. حتى أصغر حركة قد تكشف أنها استعادت وعيها. انفتح باب السائق. سمعت خطواته تبتعد قليلًا. ثم أغلق الباب من جديد. لم تجرؤ على فتح عينيها. مرت ثوانٍ ثقيلة. ثم دوى رنين هاتف. سمعت الخاطف يجيب بصوت خافت. خرج من السيارة هو الاخر ولم يمض وقت طويل حتى بدأ يتحدث بنبرة جادة. كان يقف على بعد أمتار قليلة منها، موليًا السيارة ظهره، وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد. أما السائق فقد سار متجهًا إلى متجر المحطة. لم يبق أحد يراقبها. لكن قمر لم تتحرك. كانت تخشى أن يكون ما يحدث مجرد فخ. انتظرت... ثانية. ثم ثانية أخرى. فتحت عينيها ببطء. ومن خلال زجاج النافذة، رأت الخاطف ما يزال يتحدث في الهاتف، وقد أشعل سيجارة دون أن يلتفت نحو السيارة. أما شريكه... فاختفى داخل المتجر. ارتجفت يدها وهي تمتد نحو مقبض الباب. توقفت قبل أن تلمسه. كان قلبها يخفق بعنف. ماذا ل