FAZER LOGIN"...هناك أمرٌ طلب مني السيد عاصم أن أقوله أولًا."
ساد الصمت... حتى إن صوت عقارب الساعة القديمة عاد يملأ أرجاء الصالة. ولم يجرؤ أحد... على مقاطعة المحامي. أغلق الرجل الملف الذي بين يديه بهدوء، ثم انحنى قليلًا وفتح حقيبته الجلدية. أخرج جهاز تسجيل صغيرًا، وضعه على الطاولة أمامه، ثم رفع بصره إلى الجالسين. قال بصوت هادئ: "قبل أسبوعين من وفاة السيد عاصم... استدعاني إلى مكتبه." تبادل الجميع النظرات. أما آسر... فبقي جالسًا كما هو. يداه متشابكتان أمامه. ملامحه جامدة. وكأن ما سيقال لا يعنيه. تابع المحامي: "طلب مني أن أسجل هذه الرسالة، وأوصاني أن تُشغَّل بحضوركم جميعًا قبل قراءة الوصية." ضغط زر التشغيل. وانطلق صوت خافت... ثم... صوت عاصم. --- "إذا كنتم تستمعون إلى هذه الرسالة..." ساد الصمت أكثر. "...فهذا يعني أنني رحلت." ارتجفت شفتا ريم. رفعت رأسها فجأة نحو جهاز التسجيل. كأنها تحاول أن ترى صاحب الصوت. أما قمر... فأغمضت عينيها للحظة. ذلك الصوت... ذلك الهدوء الذي اعتادت سماعه كل صباح. عاد إليها مرة أخرى. لكن هذه المرة... من جهاز تسجيل. واصل عاصم حديثه بصوته الهادئ الواثق: "لا أريد من أحد أن يبكي عليّ." "الموت حق..." "أما ما سيحدث بعده..." توقف قليلًا. "...فهو ما كنت أخشاه." ساد الصمت. رفعت العمة بصرها نحو آسر. بينما التفتت ريم إلى أخيها دون وعي. أما آسر... كان ينظر الى السفل بحزن تابع صوت عاصم: "أعرف أنكم ستختلفون." "وأعرف أن الشك سيدخل بينكم." "لكن..." "أتمنى ألا تجعلوا الكراهية تقودكم." لم تستطع ريم الاحتمال أكثر. انهمرت دموعها. ثم أطلقت شهقة مكتومة وهي تغطي فمها بكفها. اقترب فارس منها فورًا. جلس إلى جوارها. أمسك يدها بين يديه، وربت عليها برفق. ناولها كأس الماء دون أن يتحدث. تركها تبكي... واكتفى بأن يكون إلى جانبها. أما العمة... فاكتفت بإغماض عينيها للحظة. أخذت نفسًا عميقًا... ثم استعاد وجهها هدوءه المعتاد. انتهى التسجيل بجملة أخيرة. "وأريد منكم..." "أن تنفذوا وصيتي كاملة..." "مهما بدت لكم غريبة." انقطع الصوت. وعاد الصمت... أثقل من ذي قبل. مد المحامي يده. وأوقف جهاز التسجيل. ثم أعاده إلى حقيبته. فتح الملف البني من جديد. وأخذ نفسًا عميقًا. "والآن..." "وصية المرحوم السيد عاصم ناجي." انخفضت الأنظار إلى الأوراق بين يديه. بدأ يقرأ بصوت واضح. "أولًا... تنتقل نسبة أربعين بالمئة من أسهمي في شركة ناجي القابضة إلى ابني... السيد آسر ناجي." لم يتحرك آسر. "وتؤول إليه كذلك ملكية فندق الناجي الكبير." ساد الصمت. قلب المحامي الصفحة. "ثانيًا... تنتقل نسبة ثلاثين بالمئة من أسهمي في الشركة إلى زوجتي... السيدة قمر كامل." لم يتغير وجه قمر. لكنها شعرت بأن أنظار الجميع استقرت عليها. واصل المحامي: "كما تنتقل إليها جميع العقارات الموضحة في الملحق الأول." ثم أكمل مباشرة: "ثالثًا... تنتقل نسبة عشرة بالمئة من أسهمي إلى ابنتي... السيدة ريم ناجي." "وتؤول إليها ملكية منزل العائلة الكائن في حي الياسمين." أغلق الملف الصغير الملحق بالأملاك. ثم تابع: "أما بقية أسهم الشركة، فهي مملوكة للشركاء، ولا يشملها هذا الإرث." رفع رأسه قليلًا. ثم قرأ آخر البنود. "ويبقى السيد آسر ناجي رئيسًا لمجلس إدارة الشركة، بصفته صاحب أكبر حصة من أسهم المرحوم." ساد هدوء ثقيل. ظن الجميع أن الوصية انتهت. لكن المحامي قلب الصفحة الأخيرة. وقال: "وهناك بند أخير." ارتفعت الأنظار إليه. قرأ ببطء: "القصر الرئيسي لعائلة ناجي لا يُباع، ولا يُقسم، ولا تنتقل ملكيته المنفردة إلى أي وريث قبل مرور عام كامل على تاريخ وفاتي." صمت لثانية. ثم أكمل: "وخلال هذه المدة..." "يلتزم جميع الورثة بالإقامة داخل القصر." "وفي حال رفض أحدهم ذلك..." "أو نشأ خلاف يمنع تنفيذ هذا البند..." "تُجمّد إجراءات تقسيم ملكية القصر حتى تتم تسوية النزاع وفقًا للقانون." ساد الصمت. هذه المرة... حتى ريم نسيت دموعها. أما قمر... فاكتفت بالنظر إلى الأرض. بينما بقيت العمة ثابتة الملامح. وأما آسر... فلم يتحرك. ظل جالسًا في مكانه. هادئًا... إلى حدٍ أثار القلق. أغلق المحامي الملف. "انتهت الوصية." مرت ثوانٍ طويلة... دون أن ينطق أحد. ثم... نهض آسر. أخذ سترته من فوق المقعد. ارتداها بهدوء. واتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج... توقف. استدار ببطء. وثبتت عيناه على قمر. كانت نظرة طويلة... صامتة... لكنها حملت من الكراهية ما لم تستطع الكلمات قوله. لم تتراجع قمر. رفعت رأسها... ونظرت إليه بهدوء. استمرت تلك النظرة بينهما لثوانٍ. ثم استدار آسر. وغادر الصالة. دون أن ينطق بحرف واحد. ظل الجميع يتابع الباب حتى أُغلق خلفه. تنهد المحامي وهو يجمع أوراقه. أعاد الملف إلى الحقيبة. وأغلقها. ثم نهض استعدادًا للمغادرة. لكنه توقف فجأة. ضرب جبينه بخفة، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا. "لحظة..." التفت الجميع إليه. فتح حقيبته مرة أخرى. وأخرج ظرفًا أبيض سميكًا، مختومًا بالشمع الأحمر. نظر إلى قمر. وقال: "هذا الظرف..." "أوصى السيد عاصم أن يُسلَّم إلى السيدة قمر وحدها." مد يده إليها. تناولت الظرف بصمت. كان اسمها مكتوبًا على واجهته بخط عاصم نفسه. شعرت بأن أصابعها ارتجفت للحظة. لكنها لم تفتحه. اكتفت بالنظر إليه... بينما كانت كل العيون في الصالة تراقب ذلك الظرف. وكأن السر الحقيقي... لم يبدأ بعد.لا تعلم كم مر من الوقت. ثوانٍ... أم ساعات. كل ما شعرت به... ذلك الصداع الحاد الذي مزق رأسها. فتحت عينيها بصعوبة. كانت الرؤية ضبابية. أخذت ترفرف بجفنيها مرات عدة... حتى بدأت الأشياء تتضح أمامها. غرفة واسعة. جدران إسمنتية باهتة. نافذة صغيرة مرتفعة. ولا شيء فيها... إلا كرسيان. كانت هي تجلس على أحدهما. أما الآخر... فكان فارغًا. حاولت أن تتحرك. فشعرت بألم حاد في معصميها. أنزلت بصرها. كانت يداها مقيدتين خلف الكرسي بحبل سميك. وكذلك قدماها. تسارعت أنفاسها. بدأت تستعيد ما حدث. الشركة... الشارع... السيارة السوداء... ثم المنديل. أغمضت عينيها لثوانٍ. ولم يخطر ببالها سوى اسم واحد. آسر. هل بلغ به كرهه لها... أن يفعل هذا؟ حاولت طرد الفكرة. لكنها عادت إليها من جديد. شدت الحبل بكل قوتها. احتك بالحبال معصماها حتى احمرّ جلدهما. لكن دون جدوى. توقفت. وأخذت نفسًا عميقًا. أجبرت نفسها على الهدوء. لا... لن يفيدها الذعر. رفعت رأسها. وأخذت تتفحص المكان من جديد. لا باب آخر. ولا نافذة يمكن الوصول إليها. ولا أي شيء يمكن ا
غادرت قمر قاعة الاجتماع مع انتهاء آخر كلمة قالها رئيس المجلس. لم يستغرق الاجتماع وقتًا طويلًا. كانت أغلب القرارات قد أُعدت مسبقًا، واقتصر دور الحاضرين على مناقشتها والتصديق عليها. أما هي... فجلست طوال الاجتماع بصمت. لم يُطلب رأيها. ولم تحاول أن تتحدث. وكان ذلك ما تريده تمامًا. على امتداد الاجتماع، شعرت أكثر من مرة بنظرات آسر تستقر عليها. كانت نظرات حادة... باردة... وكأنها تذكرها في كل لحظة أنها غير مرغوب بوجودها. ومع ذلك... لم يوجه إليها كلمة واحدة. وحين انتهى الاجتماع... نهض الجميع يغادرون القاعة تباعًا. تنفست قمر بهدوء. ولأول مرة منذ دخولها الشركة... شعرت بشيء من الارتياح. يبدو... أن أحدًا لم يتعرف إليها. خرجت من القاعة. فوجدت العمة تنتظر بالقرب من الممر. اقتربت منها وقالت بهدوء: "سأغادر." نظرت إليها العمة باستغراب. "إلى أين؟" "إلى القصر." قالت العمة: "بعد قليل سيقام غداء لأعضاء مجلس الإدارة." "يجب أن تبقي." هزت قمر رأسها برفق. "لا أريد المشاركة." ظلت العمة تنظر إليها لثوانٍ. كانت تعلم أن إصرارها لن يغير شيئًا. فت
مرّت ثلاثة أيام... منذ أن انتقلت قمر إلى الغرفة الجديدة. ثلاثة أيام لم تغادر فيها غرفتها إلا للضرورة. وثلاثة أيام كان القصر خلالها أكثر برودة من أي وقت مضى. كانت تجلس قرب النافذة، حين دوّى طرقٌ خفيف على الباب. "ادخلي." انفتح الباب. ودخلت العمة بخطوات هادئة. توقفت أمامها وقالت: "استعدي." رفعت قمر رأسها. "إلى أين؟" أجابتها العمة دون مقدمات: "بعد ساعة... سيُعقد أول اجتماع لمجلس الإدارة بعد وفاة عاصم." ساد الصمت. ثم قالت قمر بهدوء: "لن أذهب." لم يتغير تعبير العمة. وقالت بنبرة ثابتة: "الأمر ليس خيارًا." أخفضت قمر بصرها. "لا أريد حضور أي اجتماع." اقتربت العمة منها خطوة. ثم قالت: "الوصية واضحة." "أنتِ عضو في مجلس الإدارة." "وحضورك إلزامي." لم تجد قمر ما تقوله. غادرت العمة الغرفة بهدوء، وأضافت قبل أن تغلق الباب: "السيارة ستغادر بعد ساعة." --- بقيت قمر جالسة مكانها. كانت تعلم أن رفضها لن يغيّر شيئًا. لكن السبب الحقيقي... لم يكن الاجتماع. ولا أعضاء مجلس الإدارة. بل الشركة نفسها. الشركة التي ما زالت تعمل فيها حتى اليوم.
لتدخل قمر الى الغرفه الجديده أغلقت الباب خلفها. ثم جلست على حافة السرير. كانت الغرفة أصغر مما اعتادت عليه، وجدرانها باردة، وخالية من أي أثر للحياة. حدقت أمامها طويلًا. لم تبكِ. ولم تفكر. كانت الرسالة التي قرأتها قبل ساعات قد استنزفت كل ما بقي بداخلها. نزعت حذاءها دون وعي. ثم ارتمت فوق السرير. ولم تشعر بشيء بعدها. --- حين فتحت عينيها... كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الستائر. اعتدلت ببطء. ثم نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار. اتسعت عيناها قليلًا. لقد نامت يومًا كاملًا. واليوم... كان صباح اليوم التالي. جلست بصمت. تشعر بثقل غريب في جسدها. لم تكن ترغب في النهوض. ولا في الحديث. ولا حتى في فتح الستائر. كان ذلك الشعور مألوفًا... مألوفًا إلى حدٍ أخافها. لقد عاشت هذا الفراغ من قبل. بعد الحادث. وبعد أن فقدت عملها. وبعد أن تركها ريان. ولم تكن مستعدة لأن تعيشه مرة أخرى. أغمضت عينيها لثوانٍ. ثم أخذت نفسًا عميقًا. لا... لن تسمح لنفسها بالسقوط من جديد. لم يبقَ سوى عام. عام واحد فقط. وبعده... لن يبقى بينها وبين هذا القصر أي رابط. نهضت ببطء. غسلت وجهها. ثم خرجت م
اشتدت أصابع آسر حول عنقها. كانت أنفاس قمر تتقطع، بينما بقيت عيناها معلقتين بعينيه دون مقاومة. ولم يكن هو مستعدًا لسماع أي شيء. وفجأة... دوى صوت خطوات مسرعة في الممر. ثم اندفع باب الغرفة. دخلت إحدى الخادمات مذعورة، تتبعها عمة آسر. اتسعت عينا الخادمة وهي ترى ما يحدث. أما العمة... فلم يتغير وجهها. قالت بحزم: "آسر." لم يلتفت إليها. "اتركها." بقي مكانه. وكأن الكلمات لم تصله. فقالت مرة أخرى، بنبرة أشد: "قلت... اتركها." ساد الصمت لثوانٍ. ثم ارتخت أصابعه ببطء. ابتعد عنها خطوة. فسعلت قمر وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. ظل آسر ينظر إليها ببرود. ثم قال: "لن تنتهي هذه المسألة..." "...حتى تعترفي بجريمتك." استدار. وغادر الغرفة دون أن ينظر خلفه. --- ساد الصمت. اقتربت العمة من قمر. لم تسألها إن كانت بخير. ولم تربت على كتفها. اكتفت بالنظر إليها بصمت. ثم وقعت عيناها على الورقة الملقاة قرب السرير. انحنت لتلتقطها. لكن قمر كانت أسرع. مدت يدها بسرعة، وأخذت الرسالة قبل أن تصل إليها يد العمة. طوتها بعناية. وأخفتها داخل جيب سترتها. راقب
لم تنم قمر تلك الليلة. جلست على طرف سريرها، وعيناها معلقتان بالفراغ. كانت كلمات والدها تتردد في رأسها دون توقف. "الديون أصبحت أكبر منا..." "لم أعد أملك حلًا آخر..." "على الأقل... واحدٌ منا سيعيش حياةً كريمة." لم تغضب منه. ولم تستطع أن تلومه. كانت ترى التعب الذي أخفاه سنوات، وترى الخوف الذي حاول أن يخفيه عنها. للمرة الأولى... شعرت أن والدها لم يطلب منها شيئًا. بل اعتذر لها... بطريقته. --- بعد أيام... وافقت. لم يكن في موافقتها رضا... ولا اقتناع. بل استسلام هادئ لواقع لم تعد تملك القوة لمقاومته. تم عقد القران في حفل بسيط. اقتصر على أفراد العائلتين وعدد قليل من المقربين. كانت قمر ترتدي فستانًا أبيض، لكنها لم تشعر يومها بأنها عروس. كانت فقط... تمضي مع التيار. --- حين وصلت إلى قصر آل ناجي... شعرت أن المكان أكبر من أن تنتمي إليه. كانت الممرات الطويلة، والثريات المعلقة، والهدوء الذي يلف القصر... كلها تزيد شعورها بالغربة. قادتها إحدى الخادمات إلى الغرفة. ثم أغلقت الباب خلفها. بقيت قمر واقفة في منتصف الغرفة. يدها الباردة تقبض على أ







