LOGINشعرت دارين بالفعل بملامح زين المتجهمة والمنزعجة، لكنه هو من تسلل إلى هنا بقدميه ولم تجبره هي على الدخول، فمن يلوم سوى نفسه؟
ولأنها تدرك أن زين لا يرغب في جلب المشاكل، اقترحت دارين: «ما رأيك أن تختبئ؟» وما إن تلفظت دارين بهذه الكلمات حتى كادت ملامح زين تنفجر من الذهول والغضب: «تريدين مني أن أختبئ خلف هذا؟» ما الذي يحسب نفسه عليه الآن، عاشقاً متخفياً في الخفاء؟ ثم إنه لم يتبادل مع دارين سوى جملتين خاطفتين، فلماذا يتوجب عليه الاختباء أساساً؟ قالت دارين بنبرة هادئة: «إذاً يمكنك الخروج بكل ثقة وبشكل علني، فأنا لن أخسر شيئاً على أي حال، وربما بفضل فضيحة حضورك أتمكن من إلغاء هذا الزواج بالكامل.» «دارين، مع من تتحدثين بالداخل؟» جاء صوت من الخارج مع مؤشرات متزايدة لدفع الباب. ورغم أن زين كان ممتعضاً للغاية، إلا أنه اختبأ في النهاية خلف تلك الستارة القريبة. توجهت دارين نحو الباب وفتحته، لكنها لم تكن تنوي إفساح المجال للدخول. كانت القادمة هي صديقتها المقربة منذ سنوات سارة، والتي أصبحت في الوقت نفسه عشيقة فارس الحالية. كانت سارة تتمتع بجمال رقيق يثير الشفقة والتعاطف بسهولة. وكانت عيناها محمرتين في تلك اللحظة، وتتعمد ارتداء قميص خفيف ذي حمالات رفيعة، يكشف بوضوح عن الآثار التي تركها فارس على جسدها. «دارين، تبدين في غاية الروعة اليوم.» قالتها سارة وهي تتأمل فستان الزفاف على دارين بنظرات ملؤها الحسد. رمقتها دارين بنظرة تهكمية وقالت: «ماذا تريدين؟» «دارين، أنتِ تعلمين ظروف عائلتي الفقيرة، أمي تخلت عني منذ صغري، وأبي رجل مقامر، وليس لدي في هذا العالم سوى فارس.. أترجاكِ ألا تتزوجي من فارس، أعيديه إليّ أرجوكِ، فأنا أحبه بحق.» تطلعت إليها دارين ببرود وقالت: «هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها عشيقة وقحة إلى هذا الحد.» «دارين، لقد نشأتِ وفي يدكِ كل شيء، ولا يمكنكِ استيعاب مشاعري طبعاً.. لماذا تصرين على ضغطي وحرماني من فارس؟» وفجأة، جثت سارة على ركبتيها أمام دارين بصوت مرتفع. «أترجاكِ، أنا أترجاكِ بحق...» وظلت سارة تطأطئ رأسها وتتوسل لـ دارين. وفي اللحظة التالية، امتدت يد لترفع سارة عن الأرض. «سارة، ما الذي تفعلينه!» نطق بها فارس وهو يتأمل حالة سارة بقلب يعتصره الألم. ثم التفت نحو دارين وصرح بغضب: «دارين، المسألة بيني وبينكِ، لماذا تقحمين سارة في الأمر؟ صحتها معتلة وأنتِ تضغطين عليها بهذه القسوة، بل وتجبرينها على الجثو لكِ! كيف تكونين امرأة بهذه الشراسة والغل؟» كال فارس الشتائم لـ دارين دون أن يتقصى الحقيقة. ردت دارين بثبات: «افهم جيداً يا فارس، سارة هي من أتت إليّ بنفسها، وهي من جثت على ركبتيها بملء إرادتها، وأنا لم أنطق طوال ذلك سوى بجملة واحدة!» وعندما رأت سارة الموقف، تمسكت بذراع فارس بسرعة وقالت: «فارس، لا تلم دارين، أنا المخطئة لأنني أحبك أكثر من اللازم، ولم أستطع تحمُّل رؤيتك تتزوج امرأة أخرى أمام عينَي.» اشمأزت دارين تماماً من هذا التمثيل والمكر. وقبل أن تتمكن من إغلاق الباب، سمعت فارس يقول بحدّة: «دارين، حتى لو تزوجتُكِ، فلن أحبكِ أبداً، ومن المستحيل أن ألمس امرأة بشعة مثلكِ، أزيحي هذه الفكرة من رأسكِ تماماً!» فبملامح دارين الحالية، سيتملك السأم والتقزز أي شخص يراها أثناء تناول الطعام! كادت دارين تضحك من مهزلة الموقف وقالت: «بصراحة، تناغمكما ممتاز وكان يجدر بكما العمل في مسرحية هزلية معاً! لكن أرجوكما افهما جيداً، من يمنعكما من الارتباط هي عائلة آل ناصر، وليست أنا.» «شيء يدعو للإشمئزاز!» ألقَت دارين بهاتين الكلمتين ثم أغلقت باب غرفة التبديل في وجهيهما مباشرة. وبعد ذلك، خرج زين من مخبئه خلف الستارة. وقد استمع إلى كل كلمة دارت بين الثلاثة بالكامل. لم تتبدَّ على دارين أي علامات تأثر، بل قالت له بكل هدوء: «أرأيت؟ مع ابن أخيك هذا، لو عاشرت مئة رجل الآن، فلن أشعر بذرّة ذنب واحدة.» زين: «...»"أنتما حقاً تمتلكان ذوقاً رفيعاً، فهذا المطعم جيد بالفعل، والزبائن كثر، وانظروا كيف أنه ممتلئ بالكامل الآن." كان طارق يحاول تلطيف الجو.فتحدث زين من الخلف قائلاً: "أن تأتي إلى مكان كهذا وأنت تعلم أنه مزدحم، فهذا يسمى عمى و عدم امتلاك حكمة سليمة."طارق: "..."لدى الجميع مقاعد جلسوا عليها هه، والآن الشخص الذي بلا مقعد وأعمى البصر هو أنت، فكيف تسب نفسك بنفسك هكذا.أبدى طارق استياءه من أن زميلاً غبياً كهذا يستحيل جره أو مساعدته، فهو يحاول مساعدة زين، بينما لا ينفك زين عن تخريب الأمور وهدمها باستمرار هنا."إن كنت لا تحسن الكلام فلا تتحدث، فـ دارين تمتلك بكل تأكيد ذوقاً رفيعاً للغاية، أليس كذلك؟" جلس طارق مباشرة وبكل بساطة مقابل دارين.كانت هذه الطاولة مخصصة لأربعة أشخاص، وكانا دارين وكريم يجلسان في الأصل متقابلين، والآن بعد أن جلس طارق مباشرة بجانب كريم، فهذا يعني أن زين، إن أراد الجلوس، فلن يكون أمامه سوى الجلوس بجانب دارين.على أى حال، فإن وجه طارق متسامحاً ولا يبالي بكل ذلك: "يا دارين، كنت في الأصل أريد دعوة زين لتناول العشاء، ولكني انشغلت ونسيت حجز مقعد، فما الذي تتجاذبان الحديث عنه هن
وبعد ذلك، سأل مازن قائلاً: "أتقصدين كريم؟" فأجابت نريهان: "يبدو أن هذا هو اسمه، إنه شقيق الصديقة المقربة لرئيسة عملنا." "حسناً، هل يمكنك إخباري إلى أي مطعم توجها؟" سأل مازن مرة أخرى. وبما أن نريهان كانت تعلم أن مازن ليس شخصاً سيئاً، فقد أخبرت مازن باسم المطعم الذي يتناولان فيه العشاء مساء اليوم. "شكراً لكِ." أغلق مازن الهاتف. وكان هو وزين يتواجدان في نفس مكتب العمل، وكل ما دار في المحادثة استمعه زين بوضوح تام. "سيد زين، الآنسة دارين..." "ما علاقتي بما تفعله؟" بدت ملامح وجه زين طبيعية تماماً، سوى أنها كانت باردة لدرجة مرعبة. لاحظ مازن اختلاف تصرفات زين في اليومين الأخيرين، لكنه عجز عن تحديد السبب بدقة، وبحسب ملاحظاته وتخميناته، فالارجح تماماً أنه تشاجر مع الآنسة دارين. لقد حضر لتقديم تقرير العمل، وبعد انتهائه، تذكر أن هناك بعض الأمور العالقة والختامية المتعلقة بالآنسة دارين والتي تتطلب التواصل معها. لذا طلب منه زين الاتصال بها مباشرة وهو في حضرته، وكانت النتيجة أن دارين لم ترد على الاتصال. يضاف إلى ذلك رد فعل زين قبل قليل، وهو ما يكفي تماماً لتفسير المشكلة. "ألا تزال منشغلا
رغم حدوث أمور كثيرة، إلا أن دارين استمرت تفعل ما اعتادت فعله، سوى أنها أصبحت تعمل بجهد أكبر بكثير من ذي قبل. ولكن ما لم تكن دارين تتوقعه، هو أنه في ظهر اليوم التالي، جاء كريم إلى استوديو العمل الخاص بها بشكل مفاجئ. «كريم؟» هتفت دارين بدهشة، وجعلت نريهان تُعد الشاي بينما اصطحبت هي كريم إلى غرفة الاجتماعات. «لا أعلم ما هو سبب زيارتك لي وما إذا كان لديك أمر مهم؟» سألت دارين، فهي وكريم لا يعتبران صديقين مقربين، وإن لم يكن هناك سبب، فلن يبحث أحد عن الآخر غالباً. وبما أن شخصاً بهذه الوسامة قد حضر إلى الشركة، بدأ الجميع يتحدثون فيما بينهم سرّاً وهمسات، متغزلين بأن رئيسة عملهم محظوظة للغاية لتتعرف على هذا العدد الكبير من الشباب الوسيمين. «الأمر وما فيه، أن شركة عمر بحاجة مؤخراً إلى دفعة من العطور، ولذلك وددت التعاون معكِ، فإن كنتِ موافقة، فيمكننا مناقشة التفاصيل بشكل أعمق.» أومأت دارين برأسها قائلة: «بالتأكيد لا مانع لدي، ما هي متطلباتك، وما هي الكمية المطلوبة، يمكنك طرح كل ذلك.» رسمت زوايتا فم كريم ابتسامة: «ممم، الوقت يقترب من نهاية الدوام، فما رأيك أن نتناول طعام الغداء معاً مساءً،
"لا، أنا هنا أرافق أمي لإجراء الفحص الطبي، وأنتِ؟ لماذا أنتِ في المشفى؟ ألا تحسين بالراحة؟ ألم تكوني ترتدين ملابس خفيفة أكثر من اللازم؟" كان كريم يتحدث بنبرة مليئة بالاهتمام والقلق. هزت دارين رأسها قائلة: "لا، لقد أتيت لأشاهد الإثارة والفضول." "الإثارة؟" بدا كريم مدهوشاً ومتسائلاً عما حدث، لكنها بدت كمن لا يود أن تسترسل في الحديث أو تكشف شيئاً. "يا دارين، هل ننضم لتناول طعام الغداء معاً لاحقاً؟" اقترح كريم، مستغلاً الفرصة. تذكرت دارين أن مي ستلحق بها لاحقاً، فبادرت قائلة: "يجب عليّ العودة إلى الشركة، لذا لن أستطيع تلبية الدعوة هذه المرة، فلتعتنِ بوالدتك جيداً وترافقها." فقال كريم: "لا بأس، طالما أنه مجرد فحص طبي روتيني، فلنتناول الغداء معاً.. أتعرفين؟ إن كنت ترين أن اصطحاب أمي قد يسبب لك إحراجاً أو شعوراً بعدم الارتياح، فسأقوم أولاً بإيصالها إلى المنزل، ومن ثم يمكننا.. فلنقل.. إضافة مي، ونلتقي جميعاً لتناول طعام الغداء، ما رأيك؟" كان كريم يدرك تماماً أنه في حال انفرد طرازهما بتناول الطعام وحديهما، فلن توافق دارين أبداً، ولذلك حرص عمداً على إقحام مي في الموضوع لتهوين الأمر
نظرَت دارين نحو والدة فارس وفارس هناك، وقالت: "ألسْتما ترغبان في معرفة من هو الفاعل؟ إن كنتم مستعدين للتعاون معي، فيمكنني أن أعلِّمكم كيف تقبضون على الفاعل." نظرت والدة فارس وفارس إليها نظرة سريعة، فقالت والدة فارس بغضب: "إياكِ أن تمارسي أي حيل خبيثة، فأنا أرى أنكِ أنتِ الفاعلة!" ومع ذلك، قال فارس: "حسناً." نظرت والدة فارس إلى فارس بدهشة واستنكار: "أي حسناً هذه؟ أرى أنها هي الفاعلة، وتعمدت إثارة الفوضى والبلبلة هنا." لم يلتفت فارس إلى والدته، بل قال لـ دارين: "أنا مستعد للتعاون معك، طالما أنكِ ستجدين الفاعل وتكشفين عنه." هذا الأمر لم تقم به دارين، وهي بالتأكيد لن تقبل بتحمل وزر جريمة لم ترتكبها، ولهذا كان لابد من جعل سارة تعترف بنفسها بأنها هي من قامت بذلك. ولم يدم الأمر طويلاً، حتى أُحضرَت سارة إلى المشفى بواسطة رجال عائلة ناصر. وحين رؤيته لـ سارة، امتلاءت نظرات فارس مجدداً بحقد كاره وغضب عارم، وكأنه أراد الانقضاض عليها لتمزيقها إرباً. "أنتِ! لابد أنكِ أنتِ من فعلها!" فارس يبدو الآن ككلب مسعور، يعض كل من يقع أمامه. أما سارة فما زالت تبدو بتلك الهيئة المثيرة للشفقة
ما إن انتهت دارين من حديثها، حتى أصبح وجه ناصر أكثر عبوساً وسوءاً، ثم وجه نظرة حادة نحو والدة فارس. ألم تكن والدة فارس تبالغ في الصراخ برفع صوتها، ألم يكن صوتها عالياً بما يكفي؟ "أليس هذا من فعلِك، فقولي إذن من غيركِ يكون الفاعل؟" عادت والدة فارس لتكرار اتهامها. قالت دارين ببرود: "إن كنت لا أزال أتساءل عمن فعلها، فجدر بكِ أن تسألي ابنكِ عن الشخص الذي أساء إليه، ليعرف الجميع سبباً يجعله يستحق هذا القدر من الكراهية والحقد." "بخلافكِ أنتِ، من غيركِ يكنُّ الحقد لابني!" أصرت والدة فارس بعناد تام على اتهام دارين، ولم تكن تملك سوى الشتائم والألفاظ النابية، فلم تجد سبيلاً سوى التوجه بغضب نحو ناصر قائلة: "يا ناصر، أنت تُشاهد هكذا مكتوف الأيدي وتشهد هذه المرأة تدوس على رأس ابننا وتذله؟" "يجب عليك مساءلة فارس عما إذا كان قد أثار غضب شخص ما في الخارج وتجاوز حدوده، ليأتي أحدهم للانتقام منه، فأقولها مجدداً، هذا الأمر لا علاقة لي به بتاتاً!" نظرة ناصر المظلمة كانت تنضح بالبرودة والرعب: "يا دارين، إن كنت حقاً تعترفين بأنك فعلتِها، فقولي الصدق، وإلا فسأحرص على أن لا تطأ قدمكِ عتبة عائلة ناصر مرة







