جميع فصول : الفصل -الفصل 76

76 فصول

الفصل 71

لم يكن القرار صاخبًا أو متسرعًا، بل جاء بهدوءٍ تام، كفكرةٍ وجدت مكانها الصحيح في اللحظة المناسبة. جلس آدم خلف مكتبه، يمرر أصابعه على سطح الطاولة ببطء، وعيناه غارقتان في الفراغ؛ لم يكن يشغل باله أمر نادين فحسب، بل كان يلوم نفسه على احتمالية أن يكون قد أخطأ في قراءتها والوثوق بها طوال تلك السنوات. رفع هاتفه واتصل بمساعديه، وبنبرةٍ لم تخلُ من الصرامة قال: "ليث.. كريم.. أريدكما في مكتبي الآن". لم يكن بحاجة لشرح المزيد، فصوته كان كافيًا لبث شعورٍ بالجدية. بعد دقائق، دخل ليث أولاً وتبعه كريم، وتوقفا أمام المكتب يتبادلان نظراتٍ قلقة؛ فقد كان واضحًا أن استدعاء آدم لهما بهذه الطريقة يحمل خلفه أمرًا جللًا. سأل كريم بحذر: "خير؟ هل حدث شيء؟". لم يجب آدم مباشرة، بل أشار لهما بالجلوس، فخيم صمتٌ ثقيل من ذلك النوع الذي يسبق العواصف أو الأسئلة المصيرية. رفع آدم نظره إليهما وقال بوضوح: "أريد أن أسألكما شيئاً.. وأريد جواباً صريحاً دون مجاملة". تبادلا نظرة سريعة قبل أن يسأل أحدهما: "عن من؟". توقف آدم لثانية، ثم نطق بالاسم الذي غيّر ملامح وجهيهما: "نادين". ساد سكونٌ تام؛ لم يكن السؤال مفاجئاً تماماً،
last updateآخر تحديث : 2026-05-05
اقرأ المزيد

الفصل 72

لم تتغير تعابير وجهه، لكن نظراته أصبحت أكثر تركيزاً، فاقتربت منه خطوة إضافية وقالت بلطف:"مجرد عشاء بسيط، لن أتأخر."ساد صمت قصير، ثم قال آدم بصوت هادئ يحمل نبرة حانية:"أعتقد أنكِ تحتاجين فعلاً لترويح النفس.. لقد مررتِ بالكثير من الضغوط مؤخراً."لم تكن كلماته مجرد موافقة عادية، بل كانت اعترافاً دافئاً بالعبء الذي تحمله. نظرت إليه سلمى بامتنان، وكأنها لم تتوقع منه هذا التفهم الكبير."ربما أنت محق"، قالتها وهي تتنهد بخفة، ثم أكملت: "أحتاج فقط لأن أبتعد عن هذه الأجواء ولو لساعات قليلة."هز رأسه مؤيداً، لكنه قال بنبرة تحمل حرصاً لا يخلو من مودة:"استمتعي بوقتكِ، ولكن كوني يقظة.. لا أريد لشيء أن يفسد عليكِ هذه الليلة."ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، وقالت:"سأكون حذرة، لا تقلق."دنا منها خطوة، وانخفض صوته ليصبح أكثر قرباً:"أحياناً تكون الاستراحة القصيرة هي ما يمنحنا القوة للمواصلة، لكن تذكري أن القلق عليكِ لا يتوقف."نظرت في عينيه بثبات يملؤه الود:"أعلم ذلك.. أنا لا أحاول الهروب، أنا فقط أحتاج لاستعادة أنفاسي."ثم أضافت وهي تهم بالانصراف:"سيبقى هاتفي بجانبي، تواصل معي إن احتجت لأي شي
last updateآخر تحديث : 2026-05-05
اقرأ المزيد

الفصل 73

تجاوزت الساعة منتصف الليل، ومع كل دقيقة تمر، كان الصمت في أرجاء المنزل يزداد ثقلاً ووحشة.كان آدم جالساً في الصالون، لا يفارق الهاتف كفه، وعيناه مسمرتان على الشاشة المظلمة، وكأنه ينتظر منها معجزة أو خبراً يطمئن قلبه المضطرب. مرت الدقائق عليه كأنها سنوات، ثم تحولت إلى ساعة، فثانية، وهو لا يزال يغرق في هواجسه.رفع الهاتف مجدداً وحاول الاتصال للمرة العاشرة، لكن الرنين لم يكتمل. أعاد المحاولة، فجاءه الصوت الآلي البارد: "الهاتف مغلق". في تلك اللحظة، شعر آدم وكأن الأرض قد توقفت عن الدوران؛ فالأمر لم يكن منطقياً أبداً. لقد وعدته بأنها ستخرج لعشاء قصير مع حنان، وأكدت له أنها ستبقي هاتفها مفتوحاً.نهض من مكانه وبدأ يسير في الصالون بخطوات عشوائية متوترة، يحاول طرد الأفكار السوداء التي بدأت تنهش عقله. قال لنفسه: "ربما نفدت البطارية.. أو ربما غلبهما الحديث فتأخرت"، لكن ملامحه لم تكن مقتنعة بتلك المبررات الواهية.بدأت الصور المرعبة تتسلل إلى ذهنه؛ تخيّل سيارة مجهولة تعترض طريقها، أو يداً غادرة تسحبها بقوة، أو صرخة مخنوقة لا تجد من يسمعها. شدّ بقبضته على هاتفه وهو يهمس: "لا.. مستحيل". لكن السؤال ال
last updateآخر تحديث : 2026-05-06
اقرأ المزيد

الفصل 74

استيقظ المنزل في صباح اليوم التالي على هدوءٍ غريب، هدوء يشبه ذلك السكون الذي يلي العواصف الكبرى، حين يبدو كل شيء ساكناً في مكانه، لكن الهواء يظل ثقيلاً ومشبعاً بآثار ما حدث. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الواسعة، ترسم خطوطاً ذهبية فوق الأرضية، لكن هذا الدفء لم يكن كافياً لتبديد الارتباك الذي يسكن قلب سلمى منذ الليلة الماضية.كانت سلمى تشعر بحالة من التشتت الذهني؛ فداخلها صراع مرير بين رغبتها في تصديق أن ما حدث بالأمس كان حقيقة نابعة من القلب، وبين خوفها من أن يكون مجرد لحظة ضعف عابرة فرضتها الظروف. خرجت من غرفتها ومشت في الممر بخطوات حذرة وشبه صامتة، وكأنها تخشى أن يكسر صوت قدميها هذا الصمت الهش الذي يغلف المكان. وما إن وصلت إلى نهاية الممر حتى وجدته هناك، في قلب الصالة.كان آدم جالساً على الأريكة، يراجع بعض الملفات على حاسوبه، لكنه لم يكن "آدم" الذي تعرفه ببروده المعتاد. بدا وجهه شاحباً بعض الشيء، وعيناه تحملان أثراً لليلة طويلة من السهر والقلق. كان هناك شيء في نظراته قد انكسر؛ ذلك الحاجز الجليدي الذي كان يحيط به نفسه دائماً تلاشى، ليحل محله نوع من القرب الذي يثير الرهبة والسكينة
last updateآخر تحديث : 2026-05-07
اقرأ المزيد

الفصل 75

كان التوتر لا يزال عالقاً في الأجواء حتى بعد انتهاء المكالمة، كأن الكلمات القاسية التي قيلت تركت أثراً غير مرئي يملأ أركان الشقة. لم يعد ذلك الهدوء الصباحي الحميم موجوداً، بل حلّ محله شعور بالخطر الوشيك، كأن جدران المكان بدأت تضيق عليهما.وقف آدم قرب الطاولة للحظات، شارد الذهن، بينما كانت سلمى تراقبه بصمت وجسدها متصلب من شدة القلق. لم يكن بحاجة لأن يشرح مدى خطورة الموقف؛ فملامحه التي تحولت إلى قناع من الحجر، وعيناه اللتان أخذتا تلمعان ببرود حاد، كانت كافية لتعرف أن ما فُقد ليس مجرد ورقة، بل هو قلب الشركة النابض.رفع نظره إليها أخيرًا، واستعاد نبرته الآمرة التي لا تقبل الجدل، وقال بهدوء حاسم:• "جهّزي نفسكِ فوراً… سنذهب إلى الشركة."أومأت سلمى برأسها دون نقاش، واتجهت نحو الغرفة بخطوات سريعة عبر الممر. كانت تشعر بتغير جذري في موازين القوى؛ لم يعد آدم ذلك الرجل الذي يحاول إبعادها عن النيران حمايةً لها، بل أصبح يشركها في قلب العاصفة، وكأن وجودها بجانبه في هذه اللحظة صار ضرورة لا غنى عنها. كانت حالتها النفسية مزيجاً من الارتباك بسبب قربه المفاجئ الليلة الماضية، والرهبة من الكارثة التي تنتظ
last updateآخر تحديث : 2026-05-07
اقرأ المزيد

الفصل 76

وصل آدم إلى مقر الشركة بخطواتٍ رزينة وثابتة، إلا أن ذلك الهدوء الذي كسا ملامحه لم يكن سوى قناعٍ خادع؛ فقد كان يشبه البحر في سكونه الذي يسبق العاصفة، ساكناً في ظاهره بينما تغلي أعماقه بعنفٍ لا يرحم.سارت سلمى بجانبه عبر الممرات الطويلة، وشعرت بوضوح بكيفية تبدّل الأجواء فور دخولهما؛ تلاشت الأحاديث الجانبية فجأة، وانخفضت نبرات الأصوات، حتى الموظفون الذين كانوا يتحركون بعشوائية قبل دقائق، سرت في أوصالهم حالة من التوتر والترقب. كان الجميع يستشعر بحدسه أن كارثةً ما قد وقعت، لكن حجمها الحقيقي ظل لغزاً يثير الرعب في النفوس.دخل آدم قاعة الاجتماعات دون أن يلتفت لأحد، وجلست سلمى بجانبه في صمتٍ مطبق، موجهةً حواسها كلها لمراقبة الوجوه المحيطة بالطاولة المستطيلة: ليث، وكريم، ورؤساء الأقسام، ونادين التي كانت هناك أيضاً. رفعت نادين نظرها نحو آدم لثانيةٍ واحدة، لكنها سرعان ما أشاحت بعينيها بعيداً، وكأنها تخشى أن يقرأ في ملامحها سراً لا تريد كشفه.ساد صمتٌ خانق عندما وقف آدم أخيراً، ولم يكن بحاجة لرفع صوته؛ فحضور طاغٍ وحده كان كافياً لسلب الأكسجين من المكان. نطق بكلماتٍ وقعت كالصاعقة:• "قبل ساعات قلي
last updateآخر تحديث : 2026-05-08
اقرأ المزيد
السابق
1
...
345678
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status