Se connecterبدت في عيني أحلام وملامحها مسحة من الهدوء الواثق الذي لا يخلو من اللامبالاة، ثم وجهت إليهما تحذيرًا بدا في ظاهره لطيفًا، لكنه حمل حزمًا لا يقبل النقاش: "لكل منا ابن يسبب له المتاعب، لذا فليهتم كل امرئ بشؤون بيته، ولا يتدخل في شؤون الآخرين... أشكركما، يا عمتيه العزيزتين، على هذا القلق المفرط، نيابة عن ابني وزوجته."وبعد أن أسقطت هذه الكلمات القاطعة، استدارت لتمضي مبتعدة ممسكةً بيد رهف.بينما غامت وجوه العمتين كأنهما ابتلعتا غيمة من الدخان الأسود؛ اكتستا بظلال من القهر المكتوم، وجزتا على أسنانهما حتى كادتا تحطمانها، في حين أخذ صدراهما يعلوان ويهبطان من فرط الغيظ. حدقتا في ظهر رهف وأحلام وهما تبتعدان، لكن كلام أحلام ألجم لسانيهما تمامًا، ولم تفلحا في النطق بحرف واحد للرد.وبعد أن اصطحبتها أحلام وسارت بها قليلًا، لم تتمالك رهف نفسها، فانفلتت منها ضحكة خفيفة عذبة.التفتت أحلام لتنظر إليها، ثم أفلتت يدها وعقدت حاجبيها بمسحة من قلة الحيلة، وقالت: "تتعرضين لكل هذه الإهانات والظلم... ورغم ذلك تضحكين؟""شكرًا لك." أشرقت ابتسامة رهف بسعادة بالغة، بينما سرت في قلبها حلاوة دافئة لا تُوصف."لا حاجة
بعد تناول طعام الغداء، انسحب الجد إلى غرفته لأخذ قيلولة صغيرة.أما كبار العائلة، فاجتمعوا يتبادلون الأحاديث ويتجاذبون أطراف الكلام في أجواء تفيض بالمرح والألفة.وانصرف جيل الشباب كل إلى شأنه؛ فمنهم من خلد للراحة، ومنهم من انغمس في ألعاب الفيديو، وآخرون تحلقوا لارتشاف الشاي أو تبادل أطراف الحديث أو لعب الشطرنج. وفي كل الأحوال، كان لزامًا عليهم جميعًا المبيت في قصر العائلة طوال عطلة نهاية الأسبوع.أجل الجميع أعمالهم والتزاماتهم الشخصية غير الضرورية، وكرسوا وقتهم لمرافقة الجد، والقيام بما عليهم من واجب البر به.وبطبيعة الحال، لم يكن هذا البر خاليًا من الدوافع؛ فقد كان للقبو الضخم، الذي يغص بتحف الجد ومقتنياته الأثرية، دور لا يُنكر في ذلك.فمجموعته الخاصة تضم تحفًا أثرية لا تُقدر بثمن، ونفائس نادرة يعجز المال عن شرائها، ويكفي أن يُستخرج منها تحفة واحدة، ليتجاوز ثمنها عشرات الملايين.حتى العمّتان اللتان تزوجتا وانتقلتا للعيش خارج القصر، حرصتا على التواجد وإبداء البر، طمعًا في الظفر بنصيب من هذه الثروة الطائلة مستقبلًا.ومع حلول المساء، غمرت خيوط الشفق الذهبية باحة القصر العريق، لتصبغ الأشجا
لقد وصلت به الهشاشة حدًا جعله عاجزًا عن الصمود أمام أبسط الاختبارات، فمجرد بضع كلمات عابرة كانت كفيلة بأن تعزف على أوتار شكوكه المشدودة، لتثير في قلبه زوبعة من القلق."أدرك تمام الإدراك أنك لن تصدق حرفًا مما سأقوله الآن يا سهيل، لكنني سأقوله رغم ذلك." أطرقت رهف رأسها، ومسحت دموعها العالقة في زوايا عينيها برفق، ثم تابعت: "لم أبقَ إلى جوارك بدافع الشعور بالذنب أو الشفقة. صحيح أن مريم لم تعتذر لي إلا اليوم، لكنني أدركت منذ زمن طويل أن ساقيك سليمتان، وأنك لم تفكر يومًا في إنهاء حياتك."لاذ سهيل بالصمت، ورمقها بنظرات سحيقة العمق."أتتذكر حين سألتك ذات مرة إن كنت قد تناولت الكحول مع المضادات الحيوية؟ لقد نفيت ذلك حينها، وحينها أيقنت أن مريم كانت تختلق الأكاذيب.""رغبتي في البقاء معك لا تنبع من الشفقة، ولا من الشعور بالذنب، ولا حتى من الإحساس بالمسؤولية. لم يسكن قلبي رجل سواك طوال حياتي، فمنذ كنت في الثامنة عشرة وحتى بلغت التاسعة والعشرين، مر أحد عشر عامًا، ولم يتزحزح حبي لك قيد أنملة، ولم ينقص منه مقدار ذرة، ولن يتغير ما بقي لي من العمر."احمرت عينا سهيل قليلًا، وافتر ثغره عن ابتسامة رقيقة ب
بمجرد دلوفها إلى الغرفة المريحة والمغمورة بالضوء، سارعت رهف بإغلاق الباب خلفها.وحين التفتت، وجدت سهيل قد استقر بالفعل على المقعد الفردي الوثير القابع في الزاوية، وقد ألقى عكازه جانبًا ومدّ ساقيه إلى الأمام، ثم اتكأ إلى الخلف في وضعية تفيض بالاسترخاء، وأراح مرفقيه على مسندي الكرسي، ورفع رأسه ليرسل نحو ملامحها الفاتنة نظرات سابرة يكتنفها الغموض.تقدمت رهف، ووقفت أمامه مباشرة.تلاقت عيناهما، وفي تلك اللحظة، بدا وكأن الهواء في الغرفة قد تجمد تمامًا.نضح مظهره بالنبل والوقار، بعيدًا عن أي غطرسة أو تباه، وتجلت في ملامحه رقة هادئة تخلو من أي عدائية، بيد أن نظراته كانت داكنة وعميقة لدرجة مرعبة."ما الخطب؟" سألته رهف بتوجس وقلق.جاءت نبرته ودودة، غير أن فيها شيئًا من التباعد: "لا شيء. اخرجي لتمضية الوقت مع مريم. أود أن أبقى وحدي لأرتاح قليلًا."تخبطت رهف في حيرتها؛ هل تتركه يختلي بنفسه كما طلب؟ لكن إن غادرت الغرفة وتركته هكذا، فإن القلق والضيق سيعتصران قلبها."هل يؤلمك جسدك في مكان ما؟"لاذ سهيل بالصمت، واكتفى باختراقها بعينيه الداكنتين."هل الألم في جسدك، أم في قلبك؟ صمتك هذا يقلقني.""في قلب
بقي باب الشرفة مفتوحًا بعد خروجهما. وبمجرد ابتعادهما، نهض زياد عن المجلس الأرضي، وحمل فنجان الشاي بتمهل ليتجه نحو إطار الشرفة. استند إليه باسترخاء، وتظاهر بالاستمتاع بالمناظر البعيدة، لكنه في الحقيقة كان يسترق السمع لحديثهما في الخارج.لم يغب هذا التصرف عن عيني سهيل، بل كان كالقذى في عينه، فراقبه لبرهة، وحين لم يعد يستطيع تمالك نفسه، بادره بصرامة: "هلا منحت الفتاتين قليلًا من الخصوصية يا ابن العم؟"كان كلامه واضحًا في مطالبته بالكف عن التنصت.تحولت أنظار الجميع نحو زياد بصدمة؛ فهذا السلوك يفتقر لأدنى درجات اللياقة والمروءة.إلا أن زياد لم يشعر بأي ذرة من الحرج، بل تقدم نحو سهيل بابتسامة ساخرة، وتوقف أمامه مباشرة، ثم انحنى قليلًا واقترب من أذنه ليهمس بصوت بالكاد يُسمع:"سهيل، عزيزي... أنت مثير للشفقة حقًا. أبلغ بك اليأس حدًا يجعلك تستعين بأكاذيب شقيقتك الصغرى لتستدرج حبيبتك وتخدعها بالعودة إليك؟"تغيرت ملامح سهيل في ثانية واحدة، واكتسى صوته بجفاء واضح: "ما الذي تعنيه؟""شقيقتك اعتذرت للتو لرهف في الشرفة، ويبدو أنها هي من خدعت رهف، وأوهمتها بأنك أُصبت بشلل في ساقيك، وأنك فقدت الرغبة في ا
كلمات سهيل الصادمة أصابت رهف بوخز حار في أنفها، وشعرت بحرارة في مآقيها، بينما أخذ قلبها يقرع في صدرها كطبول حرب لا تهدأ.اكفهرت وجوه كبار العائلة في لحظة واحدة.وفجأة، دوى تصفيق حار من الجد، وشق هتافه أرجاء الصمت: "أحسنت القول! ما أروع هذه الكلمات! لقد راقت لي كثيرًا، فرهف هي أول زوجة لأحد أحفادي تدخل عائلتنا، وحتى وإن لم توثقا الزواج رسميًا بعد، فهي أفضل بمئات المرات من أولئك الأحفاد والحفيدات الذين لم يكلف أحد منهم نفسه يومًا عناء إحضار شركاء حياتهم للتعرف علينا."أمام هذا الدعم المطلق والقوي من عميد العائلة، ابتلع البقية اعتراضاتهم ولم يجرؤوا على التذمر بكلمة.ومع ذلك، ظل الجو مشحونًا بتوتر هائل.تداركت أحلام الموقف بابتسامة هادئة وقالت: "سهيل، رهف... أنا أيضًا أؤيدكما من كل قلبي. وبما أن قدمك لا تزال مصابة يا سهيل، فاذهبا إلى أخيك الأكبر وامضيا بعض الوقت معه. أنتم الشباب، بينكم من الأحاديث والاهتمامات المشتركة ما يجعلكم أقدر على التفاهم.""حسنًا، سنذهب إليهم الآن." أجاب سهيل، وشد على يد رهف، ليقودها معه مستندًا إلى عكازه.لم تكن المسافة بين صالة الاستقبال وركن الاستراحة بعيدة، لذا
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م







