Share

الفصل 183

Author: جوجو الجميلة ليست شريرة
أسندت ظهرها إلى الكرسي بوهنٍ شديد، وأغمضت عينيها لتنسرب الدموع رغمًا عنها من بين أجفانها المطبقة.

شعرت وكأن صقيعًا قارسًا قد اجتاح روحها في عز الصيف، ليخلف وراءه كآبةً موحشة.

أدركت أخيرًا أن الحب لم يكن سوى جزءٍ يسير مما وهبها إياه سهيل؛ فقد منحها ثروةً تؤمن مستقبلها وتضمن لها حياةً خالية من الهموم، فضلًا عن تلك التضحيات العظيمة التي تكبدها في الخفاء ولم تبصرها عيناها يومًا.

أخرج المحامي مظروفًا مغلقًا من حقيبته، وقال: "آنسة رهف، هذه رسالةٌ أودعها السيد سهيل لديّ قبل شهرين، وأوصاني بتسليمها لكِ
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 316

    شربت رهف كوبًا من الحليب، وعادت إلى غرفتها لتغلق الباب خلفها.ساد سكونٌ مطبق، ولم يكسر عتمة الغرفة سوى ضوءٍ قاتمٍ برتقالي خافت وضبابيّ بالكاد يبرز معالم المكان.شعرت رهف وكأن ثقلًا هائلًا جثم على ساقيها، بل وبدا الهواء من حولها كثيفًا وخانقًا؛ فمجرد سحبه إلى رئتيها بات يشكل ضغطًا يكاد يزهق روحها.أسرعت بالاندساس تحت الأغطية، وتكورت في فراشها، لكن جسدها راح يرتعد بشدةٍ عجزت عن كبحها.اجتاحت عقلها أفكارٌ سوداوية من كل شكلٍ ونوع، فكان هذا العذاب حصادًا لمرضها اللعين الذي يفتك بروحها.لم ترغب في الاستسلام لهذه الحالة، لكن السيطرة على عقلها باتت من سابع المستحيلات، فخُيل إليها فجأة أن الجميع يأنف منها وينبذها، وأنها مجرد عبءٍ ثقيل على هذا العالم، وأن الاستمرار في العيش بات عذابًا شاقًا...لم تستطع كبح جماح اكتئابها ولا صدّ سيل الأفكار السلبية، كما عجزت عن السيطرة على الرعشة التي هزّت جسدها.لم تجد سبيلًا سوى المكابرة والمقاومة الصامتة؛ تتساقط دموعها بلا انقطاع، وترتعد أطرافها بوهن، بينما يعتصرها ضيق التنفس واضطراب النبض. وببطءٍ شديد، تلاشت في غياهب النوم وسط هذا العذاب المبرح.وفي صبيحة الي

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 315

    غرقت رهف في صمتٍ مطبق.بدت كلماته وكأنها صفعةٌ موجهةٌ لها، فطوال السنوات الماضية، لم تتحلَّ يومًا بصلابته وحزمه؛ وكلما اعترضت طريقها عقبةٌ أو واجهت ضغطًا، كان الخوف يمزقها ويدفعها للتفكير في الانسحاب.تقدمت رهف نحوه وجثت على ركبتيها، أمسكت بكفه الكبير والدافئ، ثم أسدلت أهدابها لتهمس بصوتٍ خفيض: "هل ستقوم بطردي يومًا ما يا سهيل؟"صوّب سهيل نظراته السابرة والسحيقة نحوها، وأحكم قبضته على أصابعها الباردة كالثلج، وقال بصوتٍ مبحوح ورخيم: "إن شئتِ البقاء فابقي يا رهف، وإن أردتِ الرحيل فارحلي. أنا لن أجبركِ على شيء."ودون سابق إنذار، اغرورقت عينا رهف بالدموع.لم ترغب في البكاء، لكن جسدها تمرّد على عقلها، واكتسحتها موجات الاكتئاب كعبءٍ ثقيل أحاط بها من كل جانب.كلمات سهيل تعني صراحةً أنه يسمح لها بالبقاء.لكنه لم يعد يكنّ لها ذلك الحب العارم كما في الماضي.ومن يلومه؟ لا يوجد إنسانٌ في هذا الوجود قادرٌ على تحمل طعنات الخذلان المستمرة ويظل صامدًا يمنح الحب بلا توقف. لا بد أن الإرهاق قد نال منه تمامًا.وقد نال منها أيضًا، وأُرهقت روحها.أمالت رهف رأسها لتسنده على فخذه، وأراحت وجنتها فوق باطن كفه ا

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 314

    منذ أن توارى سهيل خلف باب غرفة الضيوف، تحولت أفكار رهف إلى فوضى عارمة، وراحت تتخبط في بحرٍ من الهواجس والخيالات المظلمة.بعد أن انتهت من استحمامها، جلست أمام النافذة، شخصت ببصرها نحو ضوء القمر الساطع في الخارج، وأصاخت السمع لصرصرة حشرات الصيف، بينما خيم على قلبها حزنٌ مبهم وانقباضٌ لا مبرر له.لطالما تربص بها وحش الاكتئاب لينقض على استقرارها النفسي ويمزق جسدها بين الحين والآخر. واليوم، كان حضور كبار عائلة الصالح كفيلًا بأن يسحقها بضغطٍ خانق ويسلبها أنفاسها، ليعمق من جراح مرضها ويزيد من حدة نوباتها.استمرت مشاعرها في الاضطراب وأبت الاستقرار، لتتوالى عليها الهموم والمشاكل كحلقات سلسلةٍ لا تنتهي.وأمام عجزها عن تحمل هذا الحصار النفسي الخانق، التقطت رهف هاتفها في محاولةٍ لتشتيت انتباهها.فاتصلت بصديقتها غيداء.بصفتها صديقتها الأقرب، رأت أنه من الواجب عليها أن تكشف لها ما يخفيه جواد.أجابت غيداء على الهاتف، وجاء صوتها خافتًا أقرب للهمس."أثمة أمرٌ عاجل يا رهف؟"من نبرة صوتها، خمنت رهف أنها انتهت من تنويم طفلها للتو، ولا بد أنها تجلس بجواره الآن لحراسة نومه.خفضت رهف صوتها هي الأخرى، وسألتها

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 313

    تأرجحت رهف بين الثقة والشك في صراعٍ داخلي يمزقها، ولم يذق قلبها طعم السكينة ولو للحظةٍ واحدة.داخل غرفة الضيوف، غاص المكان في ضوءٍ ساطع، وتزين بديكوراتٍ كلاسيكية تنضح بعبق الماضي، كما صُفت التحف الفنية والأواني الخزفية بانتظامٍ وأناقة.راح عبق البخور الفاخر يرقص في الأجواء، وتتداخل معه رائحة الشاي الأصيل.كان كبار العائلة الأربعة يرتشفون الشاي بتمهل، وما إن رأوا سهيل يدخل وحيدًا، حتى بادر عمه الأكبر بالسؤال: "أين رهف؟"أدار سهيل عجلات كرسيه، وتقدم ليتوقف أمامهم مباشرةً."إن كان لديكم ما تقولونه يا عمي، فلتوجهوا حديثكم لي أنا."تنحنح عماد ليرطب حلقه، ووضع فنجان الشاي جانبًا، ثم قال بنبرةٍ مثقلة بالنصح الأبوي: "لم تعد صغيرًا في السن يا عزيزي، وقد حان الوقت لتفكر بجدية في مسألة زواجك."ابتسم سهيل بهدوء، وتلفظ بكلماتٍ لاذعة مغلفةٍ بغلافٍ من التهذيب الظاهري: "وهل تزوج ابنك البكر يا عمي؟ هل تزوج ابناك بالتبني؟ وماذا عن شقيقي الأكبر، أتزوج هو الآخر؟ أنا أصغر ذكور العائلة سنًا، فكيف تتخطونهم جميعًا لتصبوا ضغوط الزواج فوق رأسي أنا؟"اكفهر وجه عماد فورًا، وعُقد لسانه فلم يجد ردًا.تدارك فهد الصا

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 312

    في اللحظة التي انفتح فيها الباب، بدا وكأن الهواء في غرفة المعيشة قد تجمد تمامًا.تقدمت أربعة أطياف لتتجاوز العتبة تباعًا.في طليعتهم والد سهيل، فهد الصالح، مرتديًا ثوبًا عربيًا تقليديًا أبيض ومفصلًا بعناية، تنضح كل طيةٍ فيها بهيبةٍ صارمة لا تقبل النقاش.استقرت عيناه الحادتان كعيني صقرٍ جارح على رهف.وخلفه مباشرةً خطت والدة سهيل، أحلام الحاتمي، متأنقةً بفستانٍ أبيض طويل، بينما عكس عقد اللؤلؤ حول عنقها بريقًا دافئًا ولكنه يضمر مسافةً وجفاء. حافظت شفتاها على انحناءةٍ محسوبة بدقة، لترسم ابتسامةً مهذبة وخالية من أي ثغرة.وتبعهما بنفس القدر من الهيبة والوقار:عم سهيل الأكبر، عماد الصالح.وزوجة عمه الأكبر، سلوى الراشد.شكل الأربعة جبهةً موحدة تبث هالةً من النفوذ الساحق، لتُطبق على رهف بضغطٍ خانق وثقيل، فانقبض قلبها بشدة، حتى أن التقاط أنفاسها بات يتطلب منها جهدًا مضاعفًا.لم تطل رهف في عبارات الترحيب، بل اكتفت بإيماءةٍ محترمة وهي تقول: "مرحبًا بكم."فردوا تحيتها بإيماءاتٍ صامتة.وما إن وقع بصر سهيل على الوافدين الأربعة، حتى اكتست ملامحه بالجدية في لحظتها، وانزلقت نظراته نحو رهف، وكأنه يراقب ر

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 311

    لاذت رهف بصمتٍ مطبق، وغرقت في حيرةٍ ممزقة؛ هل تخبر غيداء بما رأته اليوم في المستشفى أم لا؟عقد سهيل حاجبيه، وسألها بنبرةٍ تفيض بالاستعجال: "من هو ذاك الموظف الذي يخون زوجته في مقرّ عملي؟""هل تعرف امرأةً تُدعى رنا الكيلاني؟""أجل أعرفها؛ إنها حبيبة جواد السابقة."اتسعت عينا رهف بصدمة، واندلعت نيران الغضب المكتوم في صدرها، فسألته وهي تحاول كبح ثورتها: "وهل كنت تعلم أن جواد ما زال يتواصل معها؟""رأيتهما معًا مرةً واحدة أمام مقرّ العمل، وحينها قدمني جواد إليها. لقد تطلقت رنا، وجاءت تطلب مساعدة جواد لعلاج طفلتها المريضة. على الأرجح جاءت تستدين منه المال لدفع تكاليف المستشفى."شدت رهف قبضتيها ببطء، واكتسى صوتها ببرودةٍ وقسوةٍ بالغة: "وهل ترى أنه من الصواب أن يبذل جواد ماله وجهده من أجل حبيبته السابقة وطفلتها؟""كلا.""إذن لماذا لم—"قاطعها سهيل: "أنا أعجز حتى عن تدبر أمور علاقتي الخاصة، فلا طاقة لي للتدخل في علاقات الآخرين."وما إن نطق بهذه الكلمات، حتى انطفأ غضب رهف في ومضةٍ، وحل محله شعورٌ مبهم وعميق بالذنب، فأطرقت رأسها كطفلةٍ اقترفت ذنبًا تخشى عقابه، وراحت تلتقط حبات الأرز بملعقتها وتدس

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 6

    في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 5

    شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 2

    تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو

  • عند لقائه بها بعد خمس سنوات، يخرج السيد سهيل عن السيطرة مرة أخرى   الفصل 1

    كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status