جميع فصول : الفصل -الفصل 30

115 فصول

الفصل الرابع عشر: الأخدود الأول1

 إليانورالمحطة عبارة عن بطن صاخب، وحش من زجاج وفولاذ يهضم حيوات بأكملها. الأرضية الرخامية الباردة تلمع تحت أضواء الفلورسنت المريضة، تعكس وجوهًا لا ترى بعضها البعض. الإعلانات الأنفية ترتطم بالقبو، مخلّدة سيمفونية خانقة، طنينًا ثابتًا يثقب صدغيي. كل ضحكة طفل، كل همس عاشق، كل نقرة حذاء على البلاط هي طعنة سكين في يقظتي الهشة. أنا لست هنا. جسدي يمشي، لكن روحي ما زالت عالقة هناك، في زاوية غرفتي، تحدق في الحائط.أندمج في الحشد، حقيبتي المتواضعة ملتصقة بي كجلد ثانٍ، تحوي بقايا سبعة عشر عامًا. بقايا طفولة ضائعة. بقايا أحلام ماتت قبل أن تولد. بقايا فتاة كانت تؤمن يومًا بأن الغد سيكون أفضل. كم كنت ساذجة. الحقيبة ثقيلة بحياة كاملة، لكنها خفيفة كريشة أمام ما أحمل في أحشائي. أمام ذلك السر الذي ينبض بصمت، الذي يعرف ولا يتكلم. أنا شبح بين الأحياء، ظل يتحرك عكس تيار العناق و"إلى اللقاء" التي تبدو كاذبة في أذنيّ. كل خطوة هي خيانة، كل نَفَس هو سرقة، كل نظرة إلى الخلف هي جريمة.نظري المحموم لا يغادر شباك التذاكر. فكرة واحدة. أمر واحد فقط. الأبعد. ليس إلى أقرب مدينة. ل
last updateآخر تحديث : 2026-04-11
اقرأ المزيد

الفصل الرابع عشر: الأخدود الأول2

 أنهار على المقعد، جبهتي ضد الزجاج البارد. حرارته شبه المتجمدة هي مخدّر مرحب به على بشرتي المحترقة بالحمى. الحمى التي لا تفارقني منذ أسابيع. حمى الخوف. حمى الحمل. حمى الليل. لا فرق. الزجاج يلمس جبهتي كيد أم لم تكن موجودة أبدًا. كحضن أب لم يمدّ ذراعيه قط. أشعر بالقطار يهتز تحتي. يئنّ. يستعد. مثلي. يئنّ لأنه سيحمل أثقالًا لا يريدها. مثلي.صفارة حادة تمزق الهواء. أعرف أنها قادمة. كنت أنتظرها. لكنها مع ذلك تفاجئني. تمزق صمت الانتظار. تمزق الوهم بأنني قد أتراجع. جسدي يتصلب، بشكل غريزي. كامرأة تسمع قنبلة. وثبة أخيرة من الخوف. ماذا لو ندمت؟ ماذا لو قفزت من القطار في المحطة التالية؟ ماذا لو عدت أدراجي وقلت إنها كانت مجرد نزوة مراهقة؟ لكنني أعرف أنني لن أفعل. لأن العودة مستحيلة. لأن البيت لم يعد بيتًا. لأن السرير الذي كنت أنام فيه أصبح سرير شخص آخر الآن. ربما أختي الصغرى. ربما ستأخذه. ستمسح ذكراي. ستمحو أثر جسدي من المرتبة. سأصبح مجرد صورة في ألبوم قديم ينظرون إليه مرة كل عيد ويقولون "هل تذكرون إليانور؟" ثم يعودون إلى طعامهم.ثم، مع صرير معدني، الآلة الضخمة تتحرك.
last updateآخر تحديث : 2026-04-11
اقرأ المزيد

الفصل الخامس عشر: الجهة الأخرى من العالم1

 إليانورالقطار يبتلع الكيلومترات بانتظام ميكانيكي، منوم. إيقاع العجلات على القضبان أصبح جزءًا من نبضات قلبي. كليك كلاك، كليك كلاك. كل دورة تعني أنني أبعد. أبعد عن البيت. أبعد عن الألم. أبعد عن الفتاة التي كنتها. النهار يشرق ببطء، يلوّن المشهد بالرمادي والوردي الباهت. كأن السماء نفسها تتردد في إظهار وجهها لي. ربما تخجل مني. أو ربما تتعاطف معي. لا أعرف. لم أعد أعرف كيف أقرأ علامات العالم. كنت أعتقد أنني أفهم كل شيء، لكنني لم أفهم شيئًا. كنت أعتقد أن الألم له حدود، لكنه لا حدود له.لم أنم. ليس لأنني لا أريد ذلك. جسدي منهك، عيناي تثقلان، ظهري يؤلمني من الجلوس الطويل في هذا المقعد الصلب. لكن كلما أغمضت جفنيّ، رأيتهم. رأيت وجه أمي وهو يبتعد. رأيت يد أبي وهي تغلق الباب. رأيت ليورا تضحك. رأيت رافاييل... لا. لا أريد أن أراه. أفتح عينيّ بعنف. أفضّل الأرق على كوابيسه. كل ليف من كياني مشدود، في حالة تأهب، وكأن بقائي على قيد الحياة يعتمد على هذا اليقظة المطلقة. ربما هذا صحيح. ربما لو استرخيت للحظة، لو تركت نفسي أنام، لو تنفست بعمق، لانهار كل شيء. لكسرتني الحقيقة. ولن
last updateآخر تحديث : 2026-04-12
اقرأ المزيد

الفصل الخامس عشر: الجهة الأخرى من العالم2

 المشهد تغير. فجأة، دون سابق إنذار. الحقول الخضراء اختفت. الأفق انفتح. كأن الستار رفع عن مسرحية جديدة. ألسنة من أرض صخرية، قاسية، سوداء. وبحر رمادي-أخضر، هائج، غاضب. أمواج تتكسر على جروف مظلمة. أسمعها حتى من داخل القطار. زئيرها يصلني عبر الزجاج. ترش الهواء بالزبد. ترش السماء بالملح. السماء شاسعة، تعج بغيوم ثقيلة تندفع بسرعة قصوى. كأنها تهرب من شيء. مثلي. الريح لا بد أنها أبدية هناك. ريح لا تتوقف. لا تهدأ. لا ترحم. الريح التي تكنس كل شيء. الذكريات. الروائح. الندم. ربما تكنس حتى العار. أتمنى ذلك. أتمنى أن تأخذ ريح بينزانس كل ما يؤلمني وتلقيه في البحر.إنه جمال يقطع الأنفاس. ليس جمال البطاقات البريدية. ليس جمالًا لطيفًا ودافئًا. إنه جمال بري، غير مضياف، لا يقدّم تنازلات. جمال لا يحبك. لا يحتاجك. لا يهتم بك. جمال يقول: "أنا هنا. تحمّلني أو ارحل." وهذا بالضبط ما نحتاجه. أنا والطفل. نحن لا نحتاج إلى حب. لقد تعلمنا أن نعيش بدونه. نحن بحاجة إلى مكان قاسٍ بما يكفي ليجعلنا أقوياء. مكان لا يتوقع منا شيئًا. مكان لا يحكم علينا. مكان يكون فيه البقاء هو النصر الوحيد.الق
last updateآخر تحديث : 2026-04-12
اقرأ المزيد

الفصل السادس عشر: الرياح والعار

 إليانورللحرية طعم الملح والحجر الرطب. طعمها يُلْسَعُ اللسان كالجروح القديمة التي لا تندمل. وهي ثقيلة أيضًا، بثقل لم أتوقعه، ثقل يكدّس على كتفيّ جبالاً صامتة: ثقل الوحدة المطلقة. لم يعد "بان أو شوكولا" سوى ذكرى بعيدة، بقعة دهن على الورقة التي ما زلت أحتفظ بها مطوية في قاع جيبي، كأثر لتلك الطيبة العابرة التي أتت من حيث لا أنتظر، ثم انطفأت كما ينطفئ ثقب ضوء في ليل كثيف.اليوم يتمدد كالحشيش المسموم، طويلاً، مرهقًا، ينهش ما تبقى من قواي. أمشي بلا هدف، خطواتي لا يوجهها سوى ضرورة وحشية: ضرورة العثور على مأوى. بيوت "بينزانس" الملونة من بعيد، تبدو من قريب كوجوه شاحبة مرهقة، تكشف عن شقوقها العميقة، عن دهاناتها المتقشرة بفعل رياح البحر المالحة، عن صرير نوافذها التي لم تفتح منذ زمن. أبحث عن وجه مرحّب، امرأة عجوز طيبة، نُزُل متواضع لا يسأل كثيرًا، أو أي علامة، أي ومضة تدل على غرفة للإيجار. لكن كل شيء يبدو مغلقًا، أو غير مبالٍ، أو باهظ الثمن بطريقة قاسية.نقودي، التي أعيد حسابها ذهنيًا بلا توقف، كلما ازداد القلق ازداد عدّها، هي الآن مجرد مهزلة. لا تكفي لليلة وا
last updateآخر تحديث : 2026-04-13
اقرأ المزيد

الفصل السابع عشر: البقايا والرفض

 إليانورأسبوع!الكلمة تدوي في رأسي كصاعق، فارغة وثقيلة كحصاة ألقيت في بئر بلا قاع. أسبوع منذ أن سرقت مني الزقاق مستقبلي، منذ أن أخذوا مني كل شيء، حتى ظلي. أسبوع من التيه، شبحًا بين أحياء بينزانس، أتنفس ولا أعيش، أمشي ولا أصل. لقد أظهرت الحرية وجهها الحقيقي الآن، بعد أن سقطت كل الأقنعة: إنه وجه أجوف، عيناه غائرتان، خداه ذابلان، وفمه مفتوح على جوع لا يشبع. إنه وجه مغطى بالكدمات، كدمات لا تراها العيون لأنها تحت الجلد، في الروح.خطواتي ترسم دوائر أضيق فأضيق في المدينة، كطائر مصاب يدور قبل أن يسقط. لقد أصبحت ظلًا يتسلل، لا صوت له، لا وزن له، ظلًا يخاف من الضوء أكثر مما يخاف من الظلمة. أتجنب الأنظار كأنها سياط، أهرب من السلطة ومن الشفقة في نفس الدفعة، لأن الشفقة عندي الآن أقسى من العقاب. العار هو من يقودني، هو من يوجه خطواتي. لم أعد أملك خريطة، ولا هدفًا، ولا أملًا. أملك فقط هذا الجسد الذي يثقل عليّ، وهذا الرحم الصغير الذي أحميه كما تحمي الحيوانات جراحها.أبحث عن مأوى. لا عن بيت، بل عن مجرد زاوية صغيرة، أي ركن تحميني فيه جدران من الريح ومن العيون. ر
last updateآخر تحديث : 2026-04-13
اقرأ المزيد

الفصل الثامن عشر: الصدمة

 إليانوربرد الغرانيت صار جلدي الثاني في النهاية. ليس بردًا عاديًا، بل برد ينخر العظم كالنمل الأبيض، برد يزحف تحت الجلد كأفاعٍ صغيرة، يبحث عن آخر بقعة دافئة في جسدي ليطفئها. لم أعد سوى جزء من هذا الجدار الناز بالرطوبة والنسيان، هذا الحجر البارد الذي يبدو أنه يمتص آخر ما تبقى من دفء حياتي، كإسفنجة عملاقة تتغذى على موتي البطيء. في داخلي، لم تعد دموع. لقد تبخرت من شدة الحرقة، تاركة مكانها فراغًا أبيض كبيرًا، صمت كاتدرائية بعد انهيار السقف النهائي، صمت الرماد بعد الحريق. لقد أخذوا كل شيء. كل شيء تمامًا. حتى التذكرة الصغيرة، ذلك المستطيل المهلهل من الورق الذي كان دليلي الملموس الوحيد على أن لي مستقبلًا، واتجاهاً، ومكانًا آخر ممكنًا في هذا العالم. أخذوا الخريطة، فلم يبق سوى الصحراء. لم يبق سوى نفسي الأجش المذعور، وهذا الوجود بداخلي، هذا الثقل الصغير الكبير للمستقبل الذي لا يزال يرسو بي في هذا العالم العدائي. طفلي. طفلنا. لا اسم له بعد، لكنه أثقل من كل الأسماء. سببي الوحيد، الأخير، لمقاومة نداء العدم، لئلا أنزلق تمامًا في الهاوية التي تفتح فمها تحتي كل ليلة.لا ب
last updateآخر تحديث : 2026-04-13
اقرأ المزيد

الفصل التاسع عشر: الضفة الأخرى1

 مارثاالمقود بارد تحت أصابعي. بارد كالنعش، بارد كالقبور التي تفتح فمها في الليل. بارد جدًا بالنسبة لكورنوال، حتى في الخريف المتساقط الأوراق. أو ربما أنا من لم يعد لدي دفء لأعطيه. ربما أنا التي تحولت إلى جليد يمشي، إلى امرأة من زجاج، تنظر إلى العالم من خلف جدار من حزن لا يخترق. الطريق أمامي ليس سوى شريط رمادي ضبابي، لا يبدأ من مكان ولا ينتهي إلى مكان. أتبعه بدقة الموت الآلية، كمن يمشي في حلم ثقيل لا يستفيق منه. لقد دفنت للتو ابنتي. كلوي. كلوي التي كانت تبلغ من العمر تسعة عشر ربيعًا. تسعة عشر ربيعًا لم يكتمل أي منها. تسعة عشر خريفًا ذبلت قبل أوانها.كان التابوت صغيرًا جدًا. صغيرًا كجسدها الذي لم يكبر. صغيرًا كقلبها الذي توقف فجأة. عبث. ليس من المفترض أن تدفن طفلك. من المفترض أن ترحل أنت أولاً، أن تترك الدنيا قبل أن تتركك، أن تموت قبل أن تضطر إلى حمل نعش فلذة كبدك على كتفيك. كانت تلك هي القاعدة، أليس كذلك؟ من قال إن القاعدة انكسرت؟ من سمح للموت أن يدخل من الباب الخلفي ويأخذ الأصغر قبل الأكبر؟كنت غادرت بوسطن لأجدها. تركت كل شيء. تركت البيت، تركت الذكر
last updateآخر تحديث : 2026-04-14
اقرأ المزيد

الفصل التاسع عشر: الضفة الأخرى2

 العالم يتوقف. لا، ليس العالم. أنا من أتوقف. الكون يواصل دورانه، النجوم تواصل سقوطها، الريح تواصل عواءها. لكن مارثا توقفت. قلبي توقف. الساعة التي في صدري توقفت عن الدق.أبقى متجمدة، يداي مشدودتان على المقود كمن يتشبث بآخر قطعة خشب بعد غرق سفينة. أصابعي بيضاء من القبضة، عروق يدي تنتفخ كحبال مشنقة. لا أستطيع التحرك. لا أستطيع التنفس. الهواء نفسه رفض الدخول إلى رئتيّ. عيناي مفتوحتان على اتساعهما، لكنهما لا ترى شيئًا أمامهما. ترى فقط ظلًا سقط. ترى فقط ذلك الجسد الصغير الممدد على الأسفلت كدمية ألقاها طفل غاضب.ثم الغريزة. أو الرعب. أو شيء ما بينهما. تتحرك ذراعاي دون إذن مني. تفتح الباب. تخرج بي إلى الليل. ساقاي ترتجفان كأوراق شجر في عاصفة، بالكاد تحملانني. الريح المتجمدة تصفع وجهي كيد أب لا يرحم. تصفعني مرة، مرتين، ثلاثًا، تذكرني أنني لا أزال حية. تذكرني بالواقع. واقع أسوأ من أي كابوس عرفته. أسوأ من جنازة كلوي. أسوأ من لحظة إغلاق التابوت.إنها هناك. على الأسفلت. فتاة صغيرة. لا تكاد ترى. جسدها كجسد طائر سقط من عشه. ساكنة. ساكنة جدًا. بقعة مظلمة تتشكل تحت
last updateآخر تحديث : 2026-04-15
اقرأ المزيد

الفصل العشرون: الخلاص

مارثاكانت الثواني التي تلت الحادث مجرد ضباب كثيف من الأضواء الزرقاء الوامضة والأصوات المتشابكة المستعجلة. كان المسعفون يتحركون بكفاءة جافة، شبه فظة تقريبًا، كأنهم آلات لا تحس. رفعوها بحذر بالغ، وبطريقة مزّقت قلبي. جسدها كان صغيرًا جدًا، هشًا جدًا، محطمًا جدًا على تلك النقالة البيضاء التي بدت وكأنها تبتلعها. تتبعتهم بنظري، جالسة على ركبتيّ على الإسفلت البارد، عاجزة عن النهوض أو الحركة، ملتصقة بالأرض كما لو كنت مثقلة بذنب لا يُغتفر.— سيدتي؟ هل أنتِ السائقة؟كان شرطي يرتدي زياً أزرق داكنًا ينظر إليّ بعينين حذرتين، ومذكرته مفتوحة في يده. أومأت برأسي، صامتة تمامًا. الكلمات كانت عالقة في حلقي مثل عظم سمكة، مختلطة بالدموع المالحة وطعم الرماد البارد الذي ما زال عالقاً في فمي منذ مراسم الدفن.— أنا... لم أرها، تمكنت أخيرًا من النطق بصوت مكسور. كنتُ... مشتتة.مشتتة بوجه ابنتي الذي ابتلعته التراب قبل ثلاثة أيام. مشتتة بالصمت المخيف الذي سيملأ بيتي الفارغ الآن. مشتتة بالهوة السحيقة التي لا رجعة فيها والتي تركتها كلوي خلفها عندما رحلت إلى الأبد.عادت نظري رغماً عني إلى سيارة الإسعاف التي أغلقت ل
last updateآخر تحديث : 2026-04-16
اقرأ المزيد
السابق
123456
...
12
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status